Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:26–35
22:26Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
ولَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ وجَزاءَ كُلٍّ وخَتَمَهُ بِذِكْرِ البَيْتِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِهِ وبِحَجِّهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالقِيامَةِ الحامِلَةِ عَلى التَّقْوى الَّتِي هي مَقْصِدُ السُّورَةِ، بِما فِيهِ مِنَ الوِفادَةِ عَلى اللَّهِ، مَعَ التَّجَرُّدِ مِنَ المُحِيطِ، والخُضُوعِ لِلرَّبِّ، والِاجْتِماعِ في المَشاعِرِ مَوْقِفًا في أثَرٍ مَوْقِفٍ، ولِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّسَنُّنِ بِأبِيهِمُ الأعْظَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ مُقَرِّعًا ومُوَبِّخًا لِمَن أشْرَكَ في نَفْعِهِ ”أُسِّسَتْ عَلى التَّوْحِيدِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اتَّقُوا﴾ [الحج: ١] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿بَوَّأْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَمّا لَمْ يَجْعَلْهُ سُبْحانَهُ سَكَنَهُ بِنَفْسِهِ، قَصَرَ الفِعْلَ عَنِ التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿لإبْراهِيمَ﴾ أيْ قَدَّرْنا لَهُ ﴿مَكانَ البَيْتِ﴾ أيِ الكَعْبَةَ وجَعَلْناهُ لَهُ مَباءَةً، أيْ مَنزِلًا يَبُوءُ إلَيْهِ أيْ يَرْجِعُ، لِأنَّهُ - لِما نُودِعُهُ فِيهِ مِنَ اللَّطائِفِ - أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مَن فارَقَهُ ويَحِنَّ إلَيْهِ، ويَشْتاقَ مَن باعَدَهُ ويَنْقَطِعَ إلَيْهِ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ، مِنَ (p-٣٦)المَباءَةِ بِمَعْنى المَنزِلِ، وبَوَّأهُ إيّاهُ وبَوَّأهُ لَهُ، أيْ أنْزَلَهُ، قالَ في تَرْتِيبِ المُحْكَمِ: وقِيلَ: هَيَّأْتُهُ ومَكَّنْتُ لَهُ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ بانٍ لِلْبَيْتِ ما في الصَّحِيحِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلُ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيًّا، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نُبُوَّتَهُ لَهُ لِأجْلِ العِبادَةِ، فَكانَ المَعْنى: قُلْنا لَهُ: أنْزِلْ أهْلَكَ هاهُنا وتَرَدَّدْ إلى هَذا المَكانِ لِلْعِبادَةِ، فَذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ فابْتَدَأ بِأُسِّ العِبادَةِ ورَأْسِها، وعَطَفَ عَلى النَّهْيِ قَوْلَهُ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِن قَذَرٍ حِسِّيٍّ ومَعْنَوِيٍّ مِن شَرْكٍ ووَثَنٍ وطَوافِ عُرْيانَ بِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ بِهِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ العُكُوفُ فاسْتَغْنى عَنْ إعادَتِهِ، قالَ: ﴿والقائِمِينَ﴾ أيْ حَوْلَهُ تَعْظِيمًا لِي كَما يُفْعَلُ حَوْلَ عَرْشِي، أوْ في الصَّلاةِ، ولِأنَّ العُكُوفَ بِالقِيامِ أقْرَبُ إلى مَقْصُودِ السُّورَةِ.
﴿والرُّكَّعِ﴾ ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الطَّوافِ والقِيامِ عِبادَةً بِرَأْسِهِ، ولَمْ يَكُنِ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ كَذَلِكَ، عَطَفَ ذاكَ، وأتْبَعَ هَذا لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاتِّصالِ، إذْ (p-٣٧)لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في الصَّلاةِ فَقالَ: ﴿السُّجُودِ﴾ أيِ المُصَلِّينَ صَلاةَ أهْلِ الإسْلامِ الأكْمَلِ.
22:27Page 335
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
﴿وأذِّنْ في النّاسِ﴾ أيْ أعْلِمْهم ونادِ فِيهِمْ ﴿بِالحَجِّ﴾ وهو قَصْدُ البَيْتِ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ لِعِبادَةِ المَخْصُوصَةِ بِالمَشاعِرِ المَنصُوصَةِ ﴿يَأْتُوكَ﴾ أيْ يَأْتُوا بَيْتَكَ الَّذِي بَنَيْتَهُ لِذَلِكَ، مُجِيبِينَ لِصَوْتِكَ بِإذْنِنا سامِعِينَ طائِعِينَ مُخْبَتِينَ خاشِعِينَ مِن أقْطارِ الأرْضِ كَما يُجِيبُونَ صَوْتَ الدّاعِي مِن قَبْلِنا إذا دَعاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ ﴿رِجالا﴾ أيْ مُشاةً عَلى أرْجُلِهِمْ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أيْ هَزِيلٍ مِن طُولِ السَّيْرِ مِنَ الإبِلِ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وعِظَمِ المَشَقَّةِ.
ولَمّا كانَ الضّامِرُ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الجِمالِ، وكانَتِ الأُنْثى أضْعَفَ النَّوْعَيْنِ، فَكانَ الحُكْمُ عَلَيْها بِالإتْيانِ المَذْكُورِ حُكْمًا عَلى الذَّكَرِ الَّذِي هو أشَدُّ بِطَرِيقِ الأوْلى، أسْنَدَ إلى ضَمِيرِها فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، واصِفًا الضَّوامِرَ الَّتِي أفْهَمَتْها ”كُلٌّ“ ﴿يَأْتِينَ﴾ أيِ الضَّوامِرُ ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ﴿عَمِيقٍ﴾ أيْ بَعِيدٍ مُنْخَفِضٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُوِّ جِبالِهِ. قالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ البُعْدُ سُفْلًا - انْتَهى. حُفاةً عُراةً، يَنْتَقِلُونَ مِن مَشْعَرٍ مِن مَشاعِرِ (p-٣٨)الحَجِّ إلى مَشْعَرٍ، ومِن مَشْهَدٍ إلى مَشْهَدٍ، مَجْمُوعِينَ بِالدَّعْوَةِ، خاشِعِينَ لِلْهَيْبَةِ، خائِفِينَ مِنَ السَّطْوَةِ، راجِينَ لِلْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ إلى مَواطِنِهِمْ، ويَتَوَجَّهُونَ إلى مَساكِنِهِمْ، كالسّائِرِينَ إلى مَواقِفِ الحَشْرِ، يَوْمَ البَعْثِ والنَّشْرِ، المُتَفَرِّقِينَ إلى دارَيِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ، فَيا أيُّها المُصَدِّقُونَ بِأنَّ خَلِيلَنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى بِالحَجِّ فَأجابَهُ بِقُدْرَتِنا كَرامَةً لَهُ مَن أرادَ اللَّهُ حَجَّهُ عَلى بُعْدِ أقْطارِهِمْ، وتَنائِي دِيارِهِمْ، مِمَّنْ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ومِمَّنْ كانَ في ظُهُورِ الآباءِ الأقْرَبِينَ أوِ الأبْعَدِينَ! صَدَّقُوا أنَّ الدّاعِيَ مِن قِبَلِنا بِالنَّفْخِ في الصُّوَرِ يُجِيبُهُ كُلُّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِها مِمَّنْ حَفِظْنا لَهُ جَسْدَهُ، أوْ سَلَّطْنا عَلَيْهِ الأرْضَ فَمَزَّقْناهُ حَتّى صارَ تُرابًا، وما بَيْنَ ذَلِكَ، لِأنَّ الكُلَّ عَلَيْنا يَسِيرٌ.
22:28Page 335
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَيّالًا إلى الفَوائِدِ، مُسْتَشْرِقًا إلى جَمِيلِ العَوائِدِ، عَلَّلَ الإتْيانَ بِما يُرَغِّبُهُ مُبِيحًا مِن فَضْلِهِ ما يَقْصِدُهُ مِن أمْرِ المَعاشِ فَقالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أيْ يَحْضُرُوا حُضُورًا تامًّا ﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ أيْ لا لِلْمَعْبُودِ، دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً، فَإنَّهُ كَما جَعَلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ المَواطِنَ ماحِيَةً لِلذُّنُوبِ، جالِبَةً لِلْقُلُوبِ، جَعَلَها جالِبَةً لِلْفَوائِدِ، جارِيَةً عَلى أحْسَنِ العَوائِدِ، سالِمَةً لِلْفَقْرِ جابِرَةً لِلْكَسْرِ، ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ لا تَطِيبُ وتُثْمِرُ إلّا بِالتَّقْوى كانَ الحامِلُ عَلى التَّقْوى لِذِكْرِ قالَ: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ بِالتَّكْبِيرِ وغَيْرِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ وغَيْرِهِ، إعْلامًا (p-٣٩)بِأنَّهُ المَقْصُودُ الَّذِي يَتْبَعُهُ جَمِيعُ المَقاصِدِ لِأنَّهُ ما جَمَعَهم عَلى ما فِيهِ مِن تِلْكَ الأرْضِ الغَرّاءِ والأماكِنِ الغَبْراءِ إلّا هو بِقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، وقُوَّتِهِ الشّامِلَةِ، لا اسْمَ شَيْءٍ مِنَ الأصْنامِ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ عِلْمٍ أنَّها أوَّلُ عَشَرٍ في ذِي الحِجَّةِ الَّذِي يُوافِقُ اسْمَهُ مُسَمّاهُ، لا ما سَمَّوْهُ بِهِ ومُسَمّاهُ غَيْرُهُ عَلى ما حَكَمَ بِهِ النَّسِيءُ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإكْثارُ إذْ مُطْلَقُ الذِّكْرِ مَندُوبٌ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وفي التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ اسْتِفْراغِ الجُهْدِ بَعْدَ القَطْعِ بِأنَّ الشَّهْرَ ذُو الحِجَّةِ اسْمًا ومُسَمًّى في تَحْرِيرِ أوَّلِهِ، وأمّا أيّامُ التَّشْرِيقِ فَإنَّها لَمّا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى العِلْمِ بِأمْرِ الشَّهْرِ الَّذِي أمَرَ بِهِ هُنا، فَأنْتَجَ العِلْمَ بِيَوْمِ العِيدِ، لَمْ يَحْتَجْ في أمْرِها إلى غَيْرِ العَدِّ فَلِذا عَبَّرَ عَنْها بِهِ دُونَ العِلْمِ.
ولَمّا كانَتِ النَّعَمُ أجَلَّ أمْوالِهِمْ، قالَ تَعالى مُرَغِّبًا لَهم ومُرَهِّبًا: ﴿عَلى﴾ أيْ مُبَرِّكِينَ بِذِكْرِهِ وحامِدِينَ عَلى ﴿ما رَزَقَهُمْ﴾ ولَوْ شاءَ مَحَقَهُ ﴿مِن بَهِيمَةِ﴾ ولَمّا كانَتِ البَهِيمَةُ مُبْهَمَةً في كُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿الأنْعامِ﴾ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَبْحِهِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى التَّقَرُّبِ بِالضَّحايا، والهَدايا، ولِذَلِكَ التَفَتَ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِيبُ ”لَهُمْ“ يَدُورُ عَلى الِاسْتِعْجامِ والخَفاءِ والِانْغِلاقِ وعَدَمِ التَّمْيِيزِ، وتَرْكِيبُ ”نَعَمْ“ عَلى الرَّفاهِيَةِ والخَفْضِ والدَّعَةِ.
(p-٤٠)ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العِبادَةَ فَخاطَبَ بِها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لِعِظَمِ المَعْبُودِ لا يَقُومُ بِها عَلى وجْهِها إلّا الخُلَّصُ، أقْبَلَ عَلى العابِدِينَ كُلِّهِمْ بِالإذْنِ في ما يَسُرُّهم مِن مِنحَةِ التَّمْتِيعِ، تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ، حَثًّا عَلى الشُّكْرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا عَمّا انْدَرَجَ في ذَلِكَ مِنَ الذَّبْحِ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ أيْ إنْ شِئْتُمْ إذا تَطَوَّعْتُمْ بِها ولا تَمْتَنِعُوا كَأهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فالأكْلُ مِنَ المُتَطَوِّعِ بِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبانًا في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِنَّةً عَلى أهْلِها، تَشْرِيفًا لِنَبِيِّها ﷺ، والأكْلُ مِنَ الواجِبِ لا يَجُوزُ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا أكَلَ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجًا لِما وجَبَ عَلَيْهِ بِكَمالِهِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ أيِ الَّذِي اشْتَدَّتْ حاجَتُهُ، مَن بَئِسَ كَسَمِعَ إذا ساءَتْ حالُهُ وافْتَقَرَ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِن ذَلِكَ، لا مِن بَؤُسَ - كَكَرُمَ الَّذِي مَعْناهُ: اشْتَدَّ في الحَرْبِ، بِقَوْلِهِ: ﴿الفَقِيرَ﴾
22:29Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
وأكَّدَ هَذا الحَثَّ ونَفى عَنْهُ الرَّيْبَ بِعَوْدِهِ إلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ أيْ يَقْطَعُوا ويُنْهُوا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُولِ الإحْرامِ ﴿تَفَثَهُمْ﴾ أيْ شَعَثَهم بِالغُسْلِ وقَصِّ الأظْفارِ والشّارِبِ وحَلْقِ العانَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أخْذًا مِنَ الفَراغِ مِنَ الأمْرِ والخُرُوجِ مَن كُلِّ واجِبٍ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ أعْمالِهِمْ، وحَثَّ (p-٤١)عَلى الإكْثارِ مِنهُ والِاجْتِهادِ فِيهِ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ، وعَلى الإخْلاصِ بِالإخْفاءِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ بِالإدْغامِ، واللّامُ إنْ كُسِرَتْ - كَما هي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ ووَرْشٍ عَنْ نافِعٍ وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ في ﴿لْيَقْضُوا﴾ وقِراءَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وحْدَهُ في ”لِيُوَفُّوا. . ولِيَطُوفُوا“ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ [الحج: ٢٨] ويَكُونُ عَطْفُها بِأداةِ التَّراخِي لِطُولِ المُدَّةِ عَلى ما هو مَفْهُومُها مَعَ الإشارَةِ إلى التَّعْظِيمِ في الرُّتْبَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْأمْرِ كَقِراءَةِ الباقِينَ بِالإسْكانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالبَيْتِ﴾ أيْ مِن ورائِهِ، لِعَلَمِ الحَجْرِ، ومَتى نَقَصَ عَنْ إكْمالِ الدَّوَرانِ حَوْلَهُ أدْنى جُزْءٍ لَمْ يَصِحَّ لِأنَّهُ لَمْ يُوقِعْ مُسَمّى الطَّوافِ، فَلا تَعَلُّقَ بِالباءِ في التَّبْعِيضِ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿العَتِيقِ﴾ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِ لِلتَّعْظِيمِ بِالقِدَمِ والعِتْقِ مِن كُلِّ سُوءٍ.
22:30Page 335
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
ثُمَّ أشارَ إلى تَعْظِيمِ الحَجِّ وأفْعالِهِ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الجَلِيلُ العَظِيمُ الكَبِيرُ المَنافِعِ دُنْيا وأُخْرى ذَلِكَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن فَعَلَهُ سَعِدَ، ومَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا مِنهُ شَقِيَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ كُلِّها مِن هَذا ومِن غَيْرِهِ، وهي الأُمُورُ الَّتِي جَعَلَها لَهُ فَحَثَّ عَلى فِعْلِها أوْ تَرْكِها ﴿فَهُوَ﴾ (p-٤٢)أيِ التَّعْظِيمُ الحامِلُ لَهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ فِيها عَلى وجْهِهِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ كالطَّوافِ عُرْيانًا والذَّبْحِ بِذِكْرِ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿خَيْرٌ﴾ كائِنٌ ﴿لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي أسْدى إلَيْهِ كُلَّ ما هو فِيهِ مِنَ النِّعَمِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ شُكْرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَقْوى قَلْبِهِ، لِأنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ، وتَعْظِيمُها لِجَلالِ اللَّهِ، وانْتِهاكُها شَرٌّ عَلَيْهِ عِنْدَ رَبِّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكم أشْياءُ أنْ تَفْعَلُوها، وأشْياءُ أنْ تَتْرُكُوها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا أنَّ الإحْرامَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيها كَما أثَّرَ في الصَّيْدِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقْرُ والغَنَمُ كُلُّها ﴿إلا ما يُتْلى﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مُسْتَمِرًّا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمُهُ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، خِلافًا لِلْكُفّارِ في افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ بِالتَّعَبُّدِ بِتَحْرِيمِ الوَصِيلَةِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والحامِي وإحْلالِ المَيْتَةِ والدَّمِ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ حِلَّ السَّوائِبِ وما مَعَها وتَحْرِيمَ المَذْبُوحِ لِلْأنْصابِ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ كُلِّهِ الأوْثانَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاجْتَنِبُوا﴾ أيْ بِغايَةِ الجُهْدِ اقْتِداءً بِالأبِ الأعْظَمِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ الإيصاءُ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ جَعْلِ البَيْتِ لَهُ مَباءَةً ﴿الرِّجْسَ﴾ أيِ القَذَرَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أنْ يُجْتَنَبَ مِن غَيْرِ أمْرٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ ومَيَّزَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ أيِ القَذَرَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أنْ يُحْتَنَبَ مِن غَيْرِ أمْرٍ، فَإنَّهُ إذا اجْتُنِبَ السَّبَبُ اجْتُنِبَ المُسَبَّبُ.
(p-٤٣)ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الزُّورِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ الزُّورِ، وزادَ في تَبْشِيعِهِ وتَغْلِيظِهِ إذْ عَدَلَهُ - كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ بِالشِّرْكِ فَقالَ: ﴿واجْتَنِبُوا﴾ أيْ بِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ أيْ جَمِيعَهُ، وهو الِانْحِرافُ عَنِ الدَّلِيلِ كالشِّرْكِ المُؤَدِّي إلى لُزُومِ عَجْزِ الإلَهِ وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطانًا مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ ونَحْوِها مِمّا قامَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلى تَحْرِيمِهِ كَما أنَّ الحَنَفَ المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ.
22:31Page 336
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَلا مَيْلَ في شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ، وإنَّما كانا كَذَلِكَ مَعَ اجْتِماعِهِما في مُطْلَقِ المَيْلِ، لِأنَّ الزُّورَ تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى القُوَّةِ والوُعُورَةِ، والحَنَفُ - كَما مَضى في البَقَرَةِ - عَلى الرِّقَّةِ والسُّهُولَةِ، فَكانَ ذُو الزُّورِ مُعْرِضًا عَنِ الدَّلِيلِ بِما فِيهِ مِنَ الكَثافَةِ والحَنِيفِ مُقْبِلًا عَلى الدَّلِيلِ بِما لَهُ مِنَ الإطافَةِ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ التَّوْحِيدَ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِن إشْراكٍ، بَلْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ التَّوْحِيدِ وعُلُوِّهِ، وفَظاعَةِ الشِّرْكِ وسُفُولِهِ، بِقَوْلِهِ زاجِرًا عَنْهُ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَنِ امْتَثَلَ ذَلِكَ أعْلاهُ اعْتِدالُهُ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾ أيْ يُوقِعْ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها، لِشَيْءٍ (p-٤٤)مِنَ الأشْياءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ لِعُلُوِّ ما كانَ فِيهِ مِن أوْجِ التَّوْحِيدِ وسُفُولِ ما انْحَطَّ إلَيْهِ مِن حَضِيضِ الإشْراكِ.
ولَمّا كانَ السّاقِطُ مِن هَذا العُلُوِّ مُتَقَطِّعًا لا مَحالَةَ إمّا بِسِباعِ الطَّيْرِ أوْ بِالوُقُوعِ عَلى جِلْدٍ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أيْ قِطَعًا بَيْنَها، وهو نازِلٌ في الهَواءِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأرْضِ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ في الهَواءِ ما يُهْلِكُهُ ﴿فِي مَكانٍ﴾ مِنَ الأرْضِ ﴿سَحِيقٍ﴾ أيْ بَعِيدٍ في السُّفُولِ، فَيَتَقَطَّعُ حالُ وُصُولِهِ إلى الأرْضِ بِقُوَّةِ السَّقْطَةِ وشِدَّةِ الضَّغْطَةِ لِبُعْدِ المَحَلِّ الَّذِي خَرَّ مِنهُ وزَلَّ عَنْهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: خَطْفُ الطَّيْرِ المَلْزُومُ لِلتَّقَطُّعِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ التَّقَطُّعِ ثانِيًا، والمَكانُ السَّحِيقُ المَلْزُومُ لِبُلُوغِ الأرْضِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ ثُمَّ عَظَّمَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْحِيدِ وما هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ.
22:32Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الكَبِيرُ ذَلِكَ، فَمَن راعاهُ فازَ، ومَن حادَّ عَنْهُ خابَ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِن هَذا المُقَدَّرِ فَقالَ: ﴿ومَن﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أُشِيرَ إلى الأمْرِ العَظِيمِ والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ مَعالِمَ دِينِ المَلِكِ (p-٤٥)الأعْظَمِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها وأمَرَ بِالقِيامِ بِها في الحَجِّ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي المَنسِكُ والعَلامَةُ في الحَجِّ، والشَّعِيرَةُ أيْضًا: البَدَنَةُ المُهْداةُ إلى البَيْتِ الحَرامِ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُها مِنَ الإشْعارِ وهو إعْلامُها لِيُعْرَفَ أنَّها هَدْيٌ - انْتَهى. ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّعَرِ لِأنَّها إذا جُرِحَتْ قُطِعَ شَيْءٌ مِن شِعْرِها أوْ أُزِيلَ عَنْ مَحَلِّ الجُرْحِ، فَيَكُونُ مِنَ الإزالَةِ، وتَعْظِيمُها اسْتِحْسانُها، فَتَعْظِيمُها خَيْرٌ لَهُ لِدَلالَتِهِ عَلى تَقْوى قَلْبِهِ ﴿فَإنَّها﴾ أيْ تَعْظِيمُها ﴿مِن﴾ أيْ مُبْتَدِئٌ مِن ﴿تَقْوى القُلُوبِ﴾ الَّتِي مِن شَأْنِها الشُّعُورُ بِما هو أهْلٌ لِأنْ يُعَظَّمَ، فَمُعْظَمُها مُتَّقٍ، وقَدْ عُلِمَ بِما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ حُذِفَ مِن هَذِهِ جُمْلَةُ الخَيْرِ ومِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] سَبَبُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهُ، وهو التَّقْوى، ودَلَّ عَلى إرادَتِهِ هُناكَ بِذِكْرِهِ هُنا، وحُذِفَ هُنا كَوْنُ التَّعْظِيمِ خَيْرًا، ودَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ هُناكَ، فَقَدْ ذَكَرَ في كُلِّ جُمْلَةِ ما دَلَّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الأُخْرى كَما تَقَدَّمَ في ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] في آلِ عِمْرانَ، وأنَّهُ يُسَمّى الِاحْتِباكَ، وتَفْسِيرِي لِلشَّعائِرِ بِما ذَكَرْتُهُ مِنَ الأمْرِ العامِّ جائِزُ الإرادَةِ، ويَكُونُ إعادَةُ الضَّمِيرِ عَلى نَوْعٍ مِنهُ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِخْدامِ.
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
فَقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها﴾ مَعْناهُ: البُدْنُ أوِ النَّعَمُ المُهْداةُ أوْ مُطْلَقًا ﴿مَنافِعُ﴾ بِالدَّرِّ والنَّسْلِ والظَّهْرِ ونَحْوِهِ (p-٤٦)فَكُلَّما كانَتْ سَمِينَةً حَسَنَةً كانَتْ مَنافِعُها أكْثَرَ دِينًا ودُنْيا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ الَّذِي قَدَّرْناهُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، أوِ النَّحْرُ إنْ كانَتْ مُهْداةً، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإنَّ المَنافِعَ حامِلَةٌ لِذَوِي البَصائِرِ عَلى التَّفَكُّرِ فِيها لا سِيَّما مَعَ تَفاوُتِها، والتَّفَكُّرُ فِيها مُوصِلٌ إلى التَّقْوى بِمَعْرِفَةِ أنَّها مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ. وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنافِعُ دُنْيَوِيَّةً، وكانَتْ مَنفَعَةُ نَحْرِها إذا أُهْدِيَتْ دِينِيَّةً، أشارَ إلى تَعْظِيمِ الثّانِي بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ وقْتُ حُلُولِ نَحْرِها بِانْتِهائِكم بِها ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ إلى فَنائِهِ وهو الحَرَمُ كَما قالَ تَعالى ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]
22:34Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلَ لَكم سُبْحانَهُ هَذِهِ الأشْياءَ مَناسِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وغَيْرِها ﴿جَعَلْنا﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا يَصِحُّ أنْ تُخالَفَ ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ عِبادَةً أوْ مَوْضِعَ عِبادَةٍ أوْ قُرْبانًا، فَإنَّهُ يَكُونُ مَصْدَرَ نَسَكَ - كَنَصَرَ وكَرُمَ - نُسُكًا ومَنسِكًا، ويَكُونُ بِمَعْنى المَوْضِعِ الَّذِي يُعْبَدُ فِيهِ، والَّذِي يُذْبَحُ فِيهِ النُّسُكُ وهو الهَدْيُ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمْ يَزَلْ ذَبْحُ المَناسِكِ وإراقَةُ الدِّماءِ (p-٤٧)عَلى اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعًا في جَمِيعِ المِلَلِ.
ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الجَعْلَ عِلَّتَهُ بَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ ولَمّا كانَ الدِّينُ سَهْلًا سَمْحًا ذا يُسْرٍ، رَضِيَ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِالظّاهِرِ فَقالَ: ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى وحْدَهُ، عَلى ذَبائِحِهِمْ وقَرابِينِهِمْ وعِبادَتِهِمْ كُلِّها، لِأنَّهُ الرَّزّاقُ لَهم وحْدَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الذِّكْرَ بِالنِّعْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى التَّفَكُّرِ فِيها فَقالَ: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ فَوَجَبَ شُكْرُهُ بِهِ عَلَيْهِمْ ﴿مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾
ولَمّا عُلِمَ أنَّ الشّارِعَ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ الحَقَّةِ واحِدٌ، وأنَّ عِلَّةَ نَصْبِهِ لَها ذِكْرُهُ وحْدَهُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإلَهُكُمْ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَ هَذِهِ المَناسِكَ كُلَّها. ولَمّا كانَ الإلَهُ ما يَحِقُّ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِما تَقَرَّرَ مِن أوْصافِهِ، لا ما سُمِّيَ إلَهًا، قالَ: ﴿إلَهٌ﴾ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدٌ﴾ أيْ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرائِعِهِ ونَسَخَ بَعْضُها بَعْضًا، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى ”واحِدٍ“ لَرُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: إنَّ المُرادَ اقْتِصارُنا عَلى واحِدٍ مِمّا نَعْبُدُهُ. والتَفَتَ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأجْدَرُ بِالقَبُولِ.
ولَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ واحِدًا، وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِالعِبادَةِ، فَلِذا قالَ: ﴿فَلَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أسْلِمُوا﴾ أيِ انْقادُوا بِجَمِيعِ ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم (p-٤٨)فِي كُلِّ ما أمَرَ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ ناسِخًا كانَ أوْ لا وإنْ لَمْ تَفْهَمُوا مَعْناهُ كَغالِبِ مَناسِكِ الحَجِّ.
ولَمّا أمَرَ بِالإسْلامِ مَن يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إيجادًا أوْ تَكْمِيلًا أوْ إدامَةً، وكانَ الإسْلامُ هو سُهُولَةُ الِانْقِيادِ مِن غَيْرِ كِبْرٍ ولا شَماخَةٍ، وكانَ مَنشَأُ الطُّمَأْنِينَةِ والتَّواضُعِ اللَّذَيْنِ هُما أنْسُبُ شَيْءٍ لِحالِ الحُجّاجِ المُتَجَرِّدِ مِنَ المَخِيطِ المَكْشُوفِ الرَّأْسِ الطّالِبِ لِوَضْعِ أوْزارِهِ، وتَخْفِيفِ آصارِهِ لِسِتْرِ عَوارِهِ أقْبَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الرَّأْسِ مِنَ المَأْمُورِينَ، الحائِزِ لِما يُمْكِنُ المَخْلُوقِينَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ مَن رُتَبِ الكَمالِ، وخِلالِ الجَمالِ والجَلالِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ أحَدٌ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ أيِ المُتَواضِعِينَ، المُنْكَسِرِينَ، مِنَ الخَبْتِ - لِلْأرْضِ المُنْخَفِضَةِ الصّالِحَةِ لِلِاسْتِطْراقِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ.
22:35Page 336
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
ثُمَّ بَيَّنَ عَلاماتِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿وجِلَتْ﴾ أيْ خافَتْ خَوْفًا مُزْعِجًا ﴿قُلُوبُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ في ذِكْرِ الحَجِّ، وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِكَثْرَةِ الخُلْطَةِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الأنْكادِ ولا سِيَّما وقَدْ كانَ أكْثَرُ المُخالِطِينَ مُشْرِكِينَ، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالَ عاطِفًا غَيْرَ مُتْبِعٍ، إيذانًا بِالرُّسُوخِ في الأوْصافِ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ الَّذِينَ صارَ الصَّبْرُ عادَتَهم ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ (p-٤٩)كائِنًا ما كانَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ شاغِلًا عَنِ الصَّلاةِ، قالَ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ أيْ وإنْ حَصَلَ لَهم مِنَ المَشاقِّ بِأفْعالِ الحَجِّ وغَيْرِهِ ما عَسى أنْ يَحْصُلَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُقِيمُها عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ مَعَ تِلْكَ المَشاقِّ والشَّواغِلِ إلّا الأراسِخُ في حُبِّها، فَهم - لِما تَمَكَّنَ مِن حُبِّها في قُلُوبِهِمْ والخَوْفِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْها - كَأنَّهم دائِمًا في صَلاةٍ.
ولَمّا كانَ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِن زِيادَةِ النَّفَقَةِ رُبَّما كانَ مُقْعِدًا عَنْهُ، رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَهم لِكَوْنِهِ نِعْمَةً مِنّا لا يَبْخَلُونَ بِهِ، ولِأجْلِ عَظَمَتِنا يُحْسِنُونَ ظَنَّ الخَلَفِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ بَذْلَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ، بِالهَدايا الَّتِي يُغالُونَ في أثْمانِها وغَيْرِ ذَلِكَ، إحْسانًا إلى خَلْقِ اللَّهِ، امْتِثالًا لِأمْرِهِ كالخَبْتِ الباذِلِ لِما يُودِعُهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الماءِ والمَرْعى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences