Al-Biqa'iAl‑Hajj · 22:36–47

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:36–47

22:36Page 336

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦

And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ الحَثَّ عَلى التَّقَرُّبِ بِالأنْعامِ كُلِّها، وكانَتِ الإبِلُ أعْظَمَها خَلْقًا، وأجَلَّها في أنْفُسِهِمْ أمْرًا، خَصَّها بِالذِّكْرِ في سِياقٍ تَكُونُ فِيهِ مَذْكُورَةً مَرَّتَيْنِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى عِظَمِها، أوْ أنَّهُ خَصَّها لِأنَّهُ خَصَّ العَرَبَ بِها دُونَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ واللَّهُ أعْلَمُ: فَأشْرَكْناكم مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ (p-٥٠)فِي البَقَرِ والغَنَمِ ﴿والبُدْنَ﴾ أيِ الإبِلِ أيِ المَعْرُوفَةِ بِعِظَمِ الأبْدانِ - ﴿جَعَلْناها﴾ أيْ بِعَظْمَتِنا، وزادَ في التَّذْكِيرِ بِالعَظَمَةِ بِذِكْرِ الِاسْمِ العَلَمِ فَقالَ: ﴿لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْلامِ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ ومَناسِكِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وشَرَعَ فِيها الإشْعارَ، وهو أنْ يَطْعَنَ بِحَدِيدَةٍ في سَنامِها، تَمْيِيزًا لِما يَكُونُ مِنها هَدْيًا عَنْ غَيْرِهِ.

ولَمّا نَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ النَّفْعِ الدِّينِيِّ، نَبَّهَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ بِالتَّسْخِيرِ الَّذِي هو مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، والتَّقْرِيبِ الَّذِي هو مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ؛ رَوى التِّرْمِذَيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَّةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن هِراقَةِ الدَّمِ، وإنَّهُ لِيُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرُونِها وأظْلافِها وأشْعارِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ مِنَ الأرْضِ فَطِيبُوا بِها نَفْسًا» والدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُنْفِقَتِ الوَرِقُ في شَيْءٍ أفْضَلَ مِن نَحِيرَةٍ في يَوْمِ عِيدٍ»

ولَمّا ذَكَرَ ما فِيها، سَبَّبَ عَنْهُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى ذَبْحِها بِالتَّكْبِيرِ، حالَ كَوْنِها (p-٥١)﴿صَوافَّ﴾ قِيامًا مُعْقَلَةَ الأيْدِي اليُسْرى، فَلَوْلا تَعْظِيمُهُ بِامْتِثالِ شَرائِعِهِ، ما شَرَعَ لَكم ذَبَحَها وسَلَّطَكم عَلَيْها مَعَ أنَّها أعْظَمُ مِنكم جِرْمًا وأقْوى ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ أيْ سَقَطَتْ سُقُوطًا بَرُدَتْ بِهِ بِزَوالِ أرْواحِها فَلا حَرَكَةَ لَها أصْلًا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ «ولا تَعْجَلُوا النَّفْسَ أنْ تَزْهَقَ» وقَدْ رَواهُ الثَّوْرِيُّ في جامِعِهِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ يَحْيى ابْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ فَرافِصَةَ الحَنَفِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يُحَرَّمُ الأكْلُ مِنها لِلْأمْرِ بِتَقْرِيبِها لِلَّهِ تَعالى، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ إذا كانَتْ تَطَوُّعًا إنْ شِئْتُمُ الأكْلَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها قُرْبانًا ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ أيِ المُتَعَرِّضَ لِلسُّؤالِ بِخُضُوعٍ وانْكِسارٍ ﴿والمُعْتَرَّ﴾ أيِ السّائِلِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ في كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ: والقانِعُ هو السّائِلُ، والمُعْتَرُّ هو الزّائِرُ والمارُّ، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ القافَ والنُّونَ والعَيْنَ تَدُلُّ عَلى الإقْبالِ عَلى الشَّيْءِ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَعانِيهِ مَعَ اتِّفاقِ القِياسِ، فالقانِعُ: السّائِلُ، لِإقْبالِهِ عَلى مَن يَسالُهُ، والقانِعُ: الرّاضِي الَّذِي لا يَسْألُ، كَأنَّهُ مُقْبِلٌ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي هو راضٍ بِهِ.

ولَمّا كانَ تَسْخِيرُها لِمِثْلِ هَذا القَتْلِ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ مَعَ قُوَّتِها (p-٥٢)وكِبَرَها أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ عِنْدَ التَّأمُّلِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيكِ لِلسُّؤالِ عَمّا هو أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا التَّسْخِيرِ العَظِيمِ المِقْدارِ ﴿سَخَّرْناها﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لَوْلاها ما كانَ ذَلِكَ ﴿لَكُمْ﴾ وذَلَّلْناها لَيْلًا ونَهارًا مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها، ولَوْ شِئْنا جَعَلْناها وحْشِيَّةً ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِتَتَأمَّلُوا ذَلِكَ فَتَعْرِفُوا أنَّهُ ما قادَها لَكم إلّا اللَّهُ فَيَكُونُ حالُكم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ، فَتُوقِعُوا الشُّكْرَ بِأنْ لا تُحَرِّمُوا مِنها إلّا ما حَرَّمَ، ولا تُحِلُّوا إلّا ما أحَلَّ، وتَشْهَدُوا مِنها ما حَثَّ عَلى إهْدائِهِ، وتَتَصَرَّفُوا فِيها بِحَسَبِ ما أمَرَكم.

22:37Page 336

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧

Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.

ولَمّا حَثَّ عَلى التَّقَرُّبِ بِها مَذْكُورًا اسْمُهُ عَلَيْها، وكانَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وكانَ أكْثَرُهم يَفْعَلُهُ، وكانُوا يَنْضَحُونَ البَيْتَ ونَحْوَهُ بِدِماءِ قَرابِينِهِمْ، ويُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ، ويَضَعُونَهُ حَوْلَهُ، زاعِمِينَ أنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ، وقَدْ كانَ بَعْضُ ذَلِكَ شَرْعًا قَدِيمًا، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نَسْخِ ذَلِكَ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ رُوحُهُ لا صُورَتُهُ فَقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ﴾ أيْ يُصِيبَ ويَبْلُغَ ويُدْرِكَ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحَثِّ عَلى التَّقْرِيبِ لَهُ سُبْحانَهُ، كانَ تَقْدِيمُ اسْمِهِ عَلى الفاعِلِ أنْسَبَ لِلْإسْراعِ بِنَفْيِ ما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن لَحاقِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، (p-٥٣)فَقالَ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ العَلَمِ الَّذِي حَمى عَنِ الشَّرِكَةِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ: ﴿اللَّهَ﴾ أيْ رِضا المَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا يَلْحَقُهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ﴿لُحُومُها﴾ المَأْكُولَةُ ﴿ولا دِماؤُها﴾ المُهْراقَةُ ﴿ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى﴾ أيْ عَمَلُ القَلْبِ وهي الصِّفَةُ المَقْصُودُ بِها أنْ تَقِيَ صاحِبَها سَخَطَ اللَّهِ، وهي الَّتِي اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ حَتّى حَمَلَتْهُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ الَّتِي هي نِهاياتٌ لِذَلِكَ، الكائِنَةُ ﴿مِنكُمْ﴾ الحامِلَةُ عَلى التَّقَرُّبِ الَّتِي بِها يَكُونُ لَهُ رُوحُ القَبُولِ، المُحَصِّلَةُ لِلْمَأْمُولِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّيَّةَ الخالِصَةَ خَيْرٌ مِنَ الأعْمالِ المُوَظَّفَةِ - انْتَهى. فَإذا نالَتْهُ سُبْحانَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ العَمَلِ فَتُلْقى اللُّقْمَةُ «فَرَبّاها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ جَبَلٍ» «ووَقَعَ الدَّمُ مِنهُ بِمَكانٍ» فالنَّفْيُ لِصُورَةٍ لا رُوحَ لَها والإثْباتِ لِذاتِ الرُّوحِ، فَقَدْ تُفِيدُ النِّيَّةَ مِن غَيْرِ عَمَلٍ كَما قالَ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ما مَعْناهُ. «إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما نَزَلْنا مَنزِلًا ولا قَطَعْنا وادِيًا إلّا كانُوا فِيهِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» ولا يُفِيدُ العَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، والنِّيَّةُ هي الَّتِي تُفِيدُ الجَزاءَ سَرْمَدًا واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ عَلى عَظِيمِ تَسْخِيرِها مُنَبِّهًا عَلى ما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ التَّسْخِيرِ العَظِيمِ ﴿سَخَّرَها﴾ أيِ اللَّهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لَكُمْ﴾ بِعَظْمَتِهِ وغِناهُ عَنْكم ﴿لِتُكَبِّرُوا﴾

ولَمّا ذَكَرَ التَّكْبِيرَ، صَوَّرَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾ وضُمِّنَ التَّكْبِيرُ فِعْلَ الشُّكْرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: شاكِرِينَ لَهُ ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ (p-٥٤)أيْ عَلى هِدايَتِكم لَهُ والأُمُورُ العَظِيمَةُ الَّتِي هَداكم إلَيْها.

ولَمّا كانَ الدِّينُ لا يَقُومُ إلّا بِالنِّذارَةِ والبِشارَةِ، وكانَ السِّياقُ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، ومَعالِمِ العَجِّ والثَّجِّ - بِالبِشارَةِ ألْيَقَ، ذَكَرَها مُشِيرًا إلى النِّذارَةِ بِواوِ العَطْفِ لِيُؤْذَنَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأنْذَرَ أيُّها الدّاعِي المُسِيئِينَ: ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أوْجَدُوا الإحْسانَ لِأفْعالِهِمْ صُورَةً ومَعْنًى.

22:38Page 336

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨

Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الحَجَّ المُذَكِّرَ لِلْمُهاجِرِينَ بِأوْطانِهِمُ المُخاصَمَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وذَكَرَ ما يَفْعَلُ فِيهِ مِنَ القُرُباتِ، عَظُمَ اشْتِياقُ النُّفُوسِ إلى ذَلِكَ وتَذَكَّرَتْ عُلُوَّ المُشْرِكِينَ الَّذِي يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وظُهُورِهِمْ ومَنعِهِمْ لِمَن أرادَ هَذِهِ الأفْعالَ، عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الخالِصَةِ، والأحْوالِ الصّالِحَةِ، وفِتْنَتِهِمْ لَهُ، فَأجابَها سُبْحانَهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأنَّهم بِدُخُولِهِمْ في الإيمانِ لَمْ يَكُونُوا مُبالِغِينَ في الخِيانَةِ ولا في الكُفْرِ فَهو يُحِبُّهُمْ، فَكَيْفَ بِالمُحْسِنِينَ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ الآيَةُ السّالِفَةُ، أيْ فَيَظْهَرُهم عَلى عَدْوِهِمْ - هَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ (p-٥٥)وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ مُبالَغَةً بِإخْراجِ الفِعْلِ عَلى المُغالَبَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بَشِّرْهم بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الأوْصافَ لِيَفْهَمَ أنَّها مَناطُ الأحْكامِ والتَّعْبِيرِ، فَعَبَّرَ بِالفِعْلِ الماضِي تَرْغِيبًا، أيْ لِكُلِّ مَن أوْقَعَ هَذا الوَصْفَ في الخارِجِ إيقاعًا ما دَفَعَ عَنْهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ﴾ أيْ لا يُكْرِمُ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ ﴿كُلَّ خَوّانٍ﴾ في أمانَتِهِ، مانِعٍ لِعِبادِهِ مِن بَيْتِهِ الَّذِي هو لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ﴿كَفُورٍ﴾ لِنِعْمَتِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى غَيْرِهِ، فَهو يَفْعَلُ مَكارِمَ الأخْلاقِ صُورَةً لَيْسَ فِيها مَعْنًى أصْلًا، لا يُصَحِّحُها بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ، ولا يُجْمِلُها بِالإحْسانِ، وأتى بِالصِّفَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ نَقائِصَ الإنْسانِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَها خالِيَةً عَنِ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ يَخُونُ نَفْسَهُ بِالعَزْمِ أوَّلًا، والفِعْلِ ثانِيًا وغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ ثالِثًا، وكَذا يَخُونُ نَفْسَهُ ورَبَّهُ سُبْحانَهُ وهَكَذا في الكُفْرِ وغَيْرَهُ، ولَمّا كانَتِ الخِيانَةُ مَنبَعَ النَّقائِصِ، كانَتِ المُبالَغَةُ فِيها أكَثَرَ.

22:39Page 337

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩

Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ المُدافَعَةُ وبِمَن؟ (p-٥٦)فَقِيلَ: بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ﴾ وأشارَ بِقِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَجْهُولِ إلى سُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ لِلَّذِينِ فِيهِمْ قُوَّةُ المُدافَعَةِ، في المُدافَعَةِ بِالقَتْلِ بَعْدَ أنْ كانُوا يَمْنَعُونَ مِنهُ بِمَكَّةَ ويُؤْمَرُونَ بِالصَّفْحِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الإذْنِ فَقالَ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ أيْ وقَعَ ظُلْمُ الظّالِمِينَ لَهم بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، والأذى بِغَيْرِ حَقٍّ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ أرادَ إظْهارَ دِينِهِ بِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي هو المَلِكُ الأعْلى، وكُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ [الحج: ٣٨] أيْ بِإذْنِهِ لَهم في القِتالِ وأنَّهُ ﴿عَلى نَصْرِهِمْ﴾ وأبْلَغُ في التَّأْكِيدِ لِاسْتِبْعادِ النُّصْرَةِ إذْ ذاكَ بِالكُفّارِ مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِيرٌ﴾

22:40Page 337

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

ثُمَّ وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ مَظْلُومِيَّتَهم عَلى وجْهٍ يَجْمَعُهم ويُوَثِّقُهم بِاللَّهِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ إلى الشَّعْبِ والحَبَشَةِ والمَدِينَةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أوْجَبَ ذَلِكَ ﴿إلا أنْ يَقُولُوا﴾ أيْ غَيْرَ قَوْلِهِمْ، أوْ إلّا قَوْلَهُمْ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، المُوجِبُ لِإقْرارِهِمْ في دِيارِهِمْ، وحُبِّهِمْ ومَدْحِهِمْ واقْتِفاءِ آثارِهِمْ، فَهو مِن بابِ: (p-٥٧)

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وفِي سَوْقِ ذَلِكَ المَساقِ الِاسْتِثْناءُ عِنْدَ مَن يَجْعَلُهُ مُنْقَطِعًا إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ، صَوَّبَ النّاسُ إلَيْهِ سِهامَ مَكْرِهِمْ، ولَمْ يَدَعُوا في أذاهُ شَيْئًا مِن جُهْدِهِمْ.

ولَمّا ذَكَرَ مُدافَعَتَهُ، وذَكَرَ أنَّها بِالمُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ سِرَّها عُمُومًا لِيُفْهَمَ مِنها هَذا الخاصَّ، وصَوَّرَها تَقْرِيبًا لِفَهْمِها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا إذْنُ اللَّهِ لَهم لاسْتَمَرَّ الشِّرْكُ ظاهِرًا، والباطِلُ - بِاسْتِيلاءِ الجَهَلَةِ عَلى مَواطِنِ الحَجِّ - قاهِرًا: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً في كُلِّ شَرِيعَةٍ، وفي زَمَنِ كُلِّ نَبِيٍّ أرْسَلَهُ ﴿النّاسَ﴾ أيْ عُمُومًا ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ أيْ بِتَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ وهي مَعابِدُ صِغارٌ مُرْتَفِعَةٌ لِلرُّهْبانِ ﴿وبِيَعٌ﴾ لِلنَّصارى ﴿وصَلَواتٌ﴾ أيْ كَنائِسُ اليَهُودِ ﴿ومَساجِدُ﴾ أيْ لِلْمُسْلِمِينَ، أخَّرَها لِتَكُونَ بَعِيدَةً مِنَ الهَدْمِ قَرِيبَةً مِنَ الذِّكْرِ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ غَيْرُهُ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافٍ ذَكَرَهُ تَعالى في الأماكِنِ المَذْكُورَةِ بِالإخْلاصِ وغَيْرِهِ ﴿كَثِيرًا﴾ لِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُرِيدُ هَدْمَ ما لِلْأُخْرى، بَلْ رُبَّما أرادَ بَعْضَ أهْلِ مِلَّةِ إخْرابِ (p-٥٨)بَعْضِ مَعابِدَ أهْلِ مِلَّتِهِ، لا فَيَدَفْعُهُ اللَّهُ بِمَن يُرِيدُ مِن عِبادِهِ، وإذا تَأمَّلْتَ ذَلِكَ وجَدْتَ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ، ما يَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ الفَسادَ، نَصَبَ لَهم مِنَ الأضْدادِ، ما يُخَفِّفُ كَثِيرًا مِنَ العِنادِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنْ لَمْ تُهْدَمِ المَذْكُوراتُ، لِأنَّ اللَّهَ دَفَعَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، وجَعَلَ بَعْضَهم في نُحُورِ بَعْضٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ أوْ عَلى قَوْلِهِ ﴿أُذِنَ﴾ [الحج: ٣٩] قَوْلَهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ كائِنًا مَن كانَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، بِما يُهَيِّئُ لَهُ مِنَ الأسْبابِ، إجْراءً لَهُ عَلى الأمْرِ المُعْتادِ، وبِغَيْرِ أسْبابٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ، كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ، كَخَوْضِ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ البَحْرَ المِلْحَ إلى جَواثاءَ بِالبَحْرَيْنِ، واقْتِحامِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّجْلَةَ مَعَ عِظَمِها في ذَلِكَ العامِ وطُمُوِّها، وزِيادَتِها وعُلُوِّها، وزَلْزَلَةِ أسْوارِ حِمْصٍ بِالتَّكْبِيرِ وتَهَدُّمِ كَثِيرٍ مِن بُيُوتِها، عَنْ إتْقانِ بُنْيانِها، وإحْكامِ قَواعِدِها وأرْكانِها (p-٥٩)ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَصْرَهُ وإنْ ضَعُفَ المَنصُورُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿لَقَوِيٌّ﴾ أيْ عَلى ما يُرِيدُ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، ومَن كانَ ناصِرَهُ فَهو المَنصُورُ، وعَدُوُّهُ المَقْهُورُ، ولَقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ فِيما وعَدَ بِهِ، فَأذَلَّ بِأنْصارِ دِينِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - جَبابِرَةَ أهْلِ الأرْضِ ومُلُوكَهُمْ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.

22:41Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِما يَقْتَضِي تَمْكِينَ مَنصُورِهِ الَّذِي يَنْصُرُهُ، وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ أنَّ قِتالَهم لَهُ، لا لَهُمْ، بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِأنَّهم أُوذُوا بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ الَّذِي يُعادِلُ القَتْلَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ وقْتُ النُّصْرَةِ مُبْهَمًا آخِرُهُ يَوْمُ الفَصْلِ، عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى إخْلاصِ المُخْلِصِ في القِتالِ: ﴿إنْ مَكَّنّاهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِإعْلائِهِمْ عَلى أضْدادِهِمْ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ، الدّالَّةُ عَلى المُراقَبَةِ والإعْراضِ عَنْ تَحْصِيلِ الفانِي ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ المُؤْذِنَةَ بالزُّهْدِ في الحاصِلِ مِنهُ، المُؤْذِنُ بِعَمَلِ النَّفْسِ لِلرَّحِيلِ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما عَرَّفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ المُعَرَّفَ بِأنَّهُ لا أُنْسَ لَهم إلّا بِهِ سُبْحانَهُ، ولا خَوْفَ لَهم إلّا مِنهُ، ولا رَجاءَ فِيهِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.

(p-٦٠)ولَمّا كانَ هَذا ابْتِداءَ الأمْرِ بِالجِهادِ، وكانَ عَقِبَ ما آذى أعْداؤُهُ أوْلِياءَهُ، فَطالَ أذاهم لَهُمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، عَطْفًا عَلى ﴿ولَوْلا دَفْعُ﴾ [الحج: ٤٠] فَلِلَّهِ بادِئَةُ الأُمُورِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَتَمْكِينُهم كائِنٌ لا مَحالَةَ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْعاقِبَةِ وطَيَّهُ لِلْبادِئَةِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ لِلشَّيْطانِ - كَما هو المُشاهَدُ في الأغْلَبِ - حَظًّا في البادِئَةِ، لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والمُزَلْزَلَ مِنَ الثّابِتِ، وأمّا العاقِبَةُ فَهي مُتَمَحِّضَةٌ لَهُ إلى أنْ يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ القِيامَةَ الَّتِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ فِيها أمْرٌ، حَتّى أنَّهُ لا يَنْطِقُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ خاصٍّ. ولَمّا كانَ في تَرْغِيبِ هَذِهِ الآياتِ وتَرْهِيبِها ما يُعَطِّفُ العاقِلَ، ويَقْصِفُ الجاهِلَ، طُوِيَ حُكْمُ العاقِلِ لِفَهْمِهِ ما سَبَقَ، وهُوَ: فَإنْ يُؤْمِنُوا بِكَ مَكَّنّاهم في الأرْضِ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِعَطْفِ حُكْمِ الجاهِلِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في سِياقٍ يُسَلِّي بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ويُعَزِّيهِ، ويُؤْنِسُهُ ويُواسِيهِ، فَقالَ.

22:42Page 337

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢

And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيْ أخَذْتُهم وإنْ كانُوا أمْكَنَ النّاسِ، فَقَدْ فَعَلْتُ بِمَن قَبْلَهم ذَلِكَ، فَلا يَحْزُنْكَ أمْرُهم ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾ وأتى سُبْحانَهُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ تَحْقِيرًا لِلْمُكَذِّبِينَ في قُدْرَتِهِ وإنْ كانُوا أشَدَّ النّاسِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمَمُ لِعَظْمِهِمْ وتَمادِي أزْمانِهِمْ كَأنَّهم قَدِ اسْتَغْرَقُوا الزَّمانَ كُلَّهُ، لَمْ يَأْتِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ وكانُوا (p-٦١)أطْوَلَ النّاسِ أعْمارًا، وأشَدَّهُمُ اقْتِدارًا؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ في هَذا السِّياقِ غَرَضٌ بِالمُخالَفَةِ في تَرْتِيبِهِمْ، ساقَهم عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾ أيْ ذَوُو الأبْدانِ الشِّدادِ ﴿وثَمُودُ﴾ أُولُو الأبْنِيَةِ الطِّوالِ، في السُّهُولِ والجِبالِ.

22:43Page 337

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣

And the people of Abraham and the people of Lot

﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ﴾ المُتَجَبِّرُونَ المُتَكَبِّرُونَ ﴿وقَوْمُ لُوطٍ﴾ الأنْجاسُ بِما لَمْ يَسْبِقْهم إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ.

22:44Page 337

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤

And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.

﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ أرْبابُ الأمْوالِ، المَجْمُوعَةِ مِن خَزائِنِ الضَّلالِ.

ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أتى مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ المَسْمُوعَةِ بِما لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ أحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ، فَكانَ تَكْذِيبُهُ في غايَةٍ مِنَ البُعْدِ، غَيَّرَ سُبْحانِهُ الأُسْلُوبَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وعَلى أنَّ الَّذِينَ أطْبَقُوا عَلى تَكْذِيبِهِ القِبْطُ، وأمّا قَوْمُهُ فَما كَذَّبَهُ مِنهم إلّا ناسٌ يَسِيرٌ، فَقالَ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَعْظِيمٌ لِلتَّأْسِيَةِ وتَفْخِيمٌ لِلتَّسْلِيَةِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنِّي أمْهَلْتُهم بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ إلى الوَقْتِ الَّذِي ضَرَبْتُهُ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَنْ طُولِ الإمْلاءِ بِأداةِ التَّراخِي لِزِيادَةِ التَّأْسِيَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ ونَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّهُ كانَ في أخْذِهِمْ عِبَرٌ وعَجائِبُ، وأهْوالٌ وغَرائِبُ، بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي لِأفْعالِهِمْ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَيْتَهم بِأعْظَمِ ما أتى بِهِ رَسُولٌ قَوْمَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمَمُ السَّبْعَةُ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ، بَلْ كانَتْ أُمَّةٌ (p-٦٢)مِنهم أهْلَ الأرْضِ كَما مَضى بَيانُهُ في الأعْرافِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم مِمَّنْ كانَ في أزْمانِهِمْ وبَعْدِهِمْ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ عادَتَهُ فِيهِمُ الإمْلاءُ ثُمَّ الإهْلاكُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلُ الإخْبارِ عَنْهم وتَكْثِيرُهُمْ، فَقالَ تَعالى شارِحًا لِلْأخْذِ والإمْهالِ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وفي قِراءَةِ الجَماعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ إظْهارًا لِلْعَظَمَةِ ﴿وهِيَ﴾ أيْ والحالُ أنَّها ﴿ظالِمَةٌ فَهِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إهْلاكِها أنَّها ﴿خاوِيَةٌ﴾ أيْ مُتَهَدِّمَةٌ ساقِطَةٌ أيْ جُدْرانُها ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ سُقُوفِها، بِأنْ تَقَصَّفَتِ الأخْشابُ ولا مِن كَثْرَةِ الأمْطارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، فَسَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَيْها الجُدْرانُ. أوِ المَعْنى: خالِيَةٌ، قَدْ ذَهَبَتْ أرْواحُها بِذَهابِ سُكّانِها عَلى البَقاءِ سُقُوفُها، لَيْسَتْ مُحْتاجَةٌ إلى غَيْرِ السُّكّانِ ( و ) كَمْ مِن ”بِئْر مُعَطِّلَة“ مِن أهْلِها مَعَ بَقاءِ بِنائِها، وفَوَرانِ مائِها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أيْ عالٍ مُتْقَنٍ مُجَصَّصٍ لِأنَّهُ لا يُشَيَّدُ - أيْ يُجَصَّصُ - إلّا الَّذِي يُقْصَدُ رَفْعُهُ، فَحَلَّتِ القُصُورُ مِن أرْبابِها، وأقْفَرَتْ مُوحِشَةً مِن جَمِيعٍ أصاحِبِها، بَعْدَ كَثْرَةِ التَّضامِّ في نَوادِيها، وعُطِّلَتِ الآبارُ مِن وُرّادِها (p-٦٣)بَعْدَ الِازْدِحامِ بَيْنَ رائِحِها وِغادِيها، دانِيَةً ونائِيَةً، حاضِرَةً وبادِيَةً؛ ولَمّا كانَ خَرابُ المُشَيَّدِ يُوهِي مِن أرْكانِهِ، ويَخْلَقُ مِن جُدْرانِهِ، لَمْ يَحْسُنِ التَّشْدِيدُ في وصْفِ القَصْرِ، كَما حَسُنَ في وصْفِ البِئْرِ.

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

ولَمّا كانَ هَذا واعِظًا لِمَن لَهُ اسْتِبْصارٌ، وعاطِفًا لَهُ إلى العَزِيزِ الغَفّارِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ، فَعَدَّ أسْفارَهُمُ - الَّتِي كانُوا يَرَوْنَ فِيها هَذِهِ القُرى عَلى الوَجْهِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ لِما كانَتْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - عَدَمًا، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ وهم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ بِأعْيُنِهِمْ ما يَمُرُّونَ عَلَيْهِ، مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ مِنَ القُرى الظّالِمَةِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِها، وقَرِينَةُ الحَثِّ عَلى السَّيْرِ دَلَّ عَلى البَصَرِ.

ولَمّا كانَ الجَوابُ مَنصُوبًا، عُلِمَ أنَّهُ مَنفِيٌّ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ هَمْزَةِ الإنْكارِ الَّتِي مَعْناها النَّفْيُ، وقَدْ دَخَلَتْ عَلى نَفْيِ السَّيْرِ فَنَفَتْهُ، فَأثْبَتَتِ السَّيْرَ عَرِيًّا عَمّا أفادَهُ الجَوابُ، وهو قَوْلُهُ ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبَ عَنْ سَيْرِهِمْ أنْ تَكُونَ ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ واعِيَةٌ ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ ما رَأوْهُ بِأبْصارِهِمْ في الآياتِ المَرْئِيّاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ مَتى أرادَ فَيَعْتَبِرُوا بِهِ، فانْتِفاءُ القُلُوبِ المَوْصُوفَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلى نَفْيِ السَّيْرِ الَّذِي هو إثْباتُ السَّيْرِ، وكَذا الكَلامُ في الآذانِ مِن قَوْلِهِ ( أوْ ) أيْ أوْ تَكُونُ لَهم إنْ كانُوا عُمْيَ الأبْصارِ (p-٦٤)كَما دَلَّ عَلَيْهِ جَعْلُ هَذا قَسِيمًا ﴿آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ المَسْمُوعَةَ المُتَرْجَمَةَ عَنْ تِلْكَ القُرى وغَيْرِها سَواءٌ سارُوا أوْ لَمْ يَسِيرُوا، إنْ كانَتْ بَصائِرُهم غَيْرَ نافِذَةِ الفَهْمِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ فَيَتَدَبَّرُوها بِقُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّهم فَقْدُ الأبْصارِ عِنْدَ وُجُودِ البَصائِرِ.

ولَمّا كانَ الضّارُّ لِلْإنْسانِ إنَّما هو عَمى البَصائِرِ دُونَ الأبْصارِ، نَفى العَمى أصْلًا عَنِ الأبْصارِ لِعَدَمِ ضَرُورَةِ مَعَ إنارَةِ البَصائِرِ، وخَصَّهُ بِالبَصَرِ لِوُجُودِ الضَّرَرِ بِهِ ولَوْ وُجِدَتِ الأبْصارُ مُسَبَّبًا عَمّا مَضى مَعَ ما أرْشَدَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ، فَقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ أيْ لِعَدَمِ الضَّرَرِ بِعَماها المُسْتَنِيرِ البَصِيرَةِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ﴾ وأكَّدَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ لِوُجُودِ الضَّرَرِ بِعَماها المُبْطِلِ لِمَنفَعَةِ صاحِبِها وإنْ كانَ البَصَرُ مُوجُودًا، فاحْتِيجَ في تَصْوِيرِ عَماها إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ لِما تُعُورِفَ مِن أنَّ العَمى إنَّما هو لِلْبَصَرِ، إعْلامًا بِأنَّ القُلُوبَ ما ذَكَرَتْ غَلَطًا، بَلْ عَمْدًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَمى البَصَرِ عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ لى عَماها، والمُرادُ بِالقَلْبِ لَطِيفَةٌ رَبّانِيَّةٌ رُوحانِيَّةٌ مُودَعَةٌ في اللَّحْمِ الصَّنَوْبَرِيِّ المُودَعِ في الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ، لَدَيْهِ تَعَلُّقٌ. . . عُقُولُ الأكْثَرِ في أنَّهُ يُضاهِي تَعَلُّقَ العَرَضِ بِالجِسْمِ، أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، أوِ المُتَمَكِّنِ بِمَكانٍ (p-٦٥)وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ عَلى حَقِيقَةِ الإنْسانِ سُمِّيَتْ قَلْبًا لِلْمُجاوَرَةِ والتَّعَلُّقِ، وهي كالفارِسِ والبَدَنُ كُلُّهُ كالفَرَسِ، وعَمى الفارِسِ أضَرُّ عَلى الفارِسِ مِن عَمى الفَرَسِ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِأحَدِ الضَّرَرَيْنِ بِالآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ نَفى عَمى الأبْصارِ أصْلًا (p-٦٦)ورَأْسًا، فَلا شَيْءَ ضَرَرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَمى البَصائِرِ.

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ الضّالَّ المُضِلَّ لَهُ خِزْيٌ في الدُّنْيا، وقَدَّمَ أنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ويَنْصُرُهُمْ، وساقَ الدَّلِيلَ الشُّهُودِيَّ عَلى ذَلِكَ لِمَن كانَ جامِدَ الفَهْمِ، مُقَيَّدًا بِالوَهْمِ، بِالقُرى الظّالِمَةِ الَّتِي أنْجَزَ هَلاكَها، وخَتَمَ بِإنْكارِ عَماهم عَنْ ظاهِرِ الآياتِ البَيِّناتِ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ﴾ [الحج: ٨] مُعَجِّبًا مِنهم ومُوَضِّحًا لِعَماهُمْ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ ويَجُوزُ وهو أحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَسِيرُوا﴾ [الحج: ٤٦] فَيَكُونُ مِمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ﴿بِالعَذابِ﴾ الَّذِي تَتَوَعَّدُهم بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، ( و ) الحالُ أنَّهُ ”لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ“ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿وعْدَهُ﴾ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لَكِنَّ الطَّوِيلَ عِنْدَهم مِنَ الزَّمَنِ قَصِيرٌ عِنْدَهُ، وقَدْ يُنْجِزُ الوَعْدَ وقَدْ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الوَعِيدِ إلى حِينِ يَوْمٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، لِأنَّ قَضاءَهُ سَبَقَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا فِيهِ لِحِكَمٍ يُظْهِرُها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا﴾ أيْ واحِدًا ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَأْخِيرِ (p-٦٧)العَذابِ عَنْهم إكْرامًا لَكَ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنا التَّطْوِيلَ، فَعَبَّرَ بِالسَّنَةِ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَتِ السُّنُونَ قَدْ تَخْتَلِفُ قالَ: ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لِأنَّ أيّامَكم تُناسِبُ أوْهامَكُمْ، وأزْمانَكم تُناسِبُ شَأْنَكُمْ، وهو حَلِيمٌ لا يَسْتَطِيلُ الزَّمانَ، وقادِرٌ لا يَخافُ الفَوْتَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском