Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:76–78
22:76Page 341
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦
He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.
ولَمّا كانَ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ وصْفُهُ مَقْصُورًا عَلى بَعْضِ الأشْياءِ، أخْبَرَ أنَّ صِفاتِهِ مُحِيطَةٌ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيِ الرُّسُلِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِما هم مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وبِما غابَ عَنْهُمْ، فَلا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أنَّ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وإنْ ظَنَّ الجاهِلُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، لِاحْتِجابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأسْبابِ، فَلا يَقَعُ في فِكْرٍ أصْلًا أنَّ المُحِيطَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ الشّامِلَ القُدْرَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ يَكِلُ رَسُولًا مِن رُسُلِهِ إلى نَفْسِهِ، فَيَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَمْ يُرْسِلْهُ بِهِ، ولا أنَّهُ يُمَكِّنُ شَيْطانًا أوْ غَيْرَهُ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ بِشَيْءٍ، بَلْ كُلٌّ مِنهم مَحْفُوظٌ في نَفْسِهِ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] مَحْفُوظٌ عَنْ تَلْبِيسِ غَيْرِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ﴾ أيْ بِغايَةِ السُّهُولَةِ بِوَعْدٍ فَصْلٍ لا بُدَّ مِنهُ ﴿الأُمُورُ﴾ يَوْمَ يَتَجَلّى لِفَصْلِ القَضاءِ، فَيَكُونُ أمْرُهُ ظاهِرًا خَفاءً فِيهِ، ولا يَصْدُرُ (p-٩٩)شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا عَلى وجْهِ العَدْلِ الظّاهِرِ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ مِنهُ. ولا يَكُونُ لِأحَدٍ التِفاتٌ إلى غَيْرِهِ، والَّذِي هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ أنْ يَشْرَعَ ما يَشاءُ، ويَنْسَخَ مِنَ الشُّرُوعِ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ.
22:77Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧
O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ المُلْكَ والأمْرَ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ قَدْ أحْكَمَ شَرْعَهُ، وحَفِظَ رُسُلَهُ، وأنَّهُ يُمْكِنُ لِمَن يَشاءُ أيَّ دِينٍ شاءَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِما يَصْلُحُ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ المَلِكَ إذا بَرَزَتْ أوامِرُهُ وانْبَثَّتْ دُعاتُهُ، أقْبَلَ إلَيْهِ مُقْبِلُونَ، خاطَبَ المُقْبِلِينَ إلى دِينِهِ، وهُمُ الخُلَّصُ مِنَ النّاسِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ قالُوا: آمَنّا ﴿ارْكَعُوا﴾ تَصْدِيقًا لِقَوْلِكم ﴿واسْجُدُوا﴾ أيْ صَلُّوا الصَّلاةَ الَّتِي شَرَعْتُها لِلْآدَمِيِّينَ، فَإنَّها رَأْسُ العِبادَةِ، لِتَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكم في الإقْرارِ بِالإيمانِ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، لِأنَّهُما - لِمُخالَفَتِهِما الهَيْئاتِ المُعْتادَةَ - هُما الدّالّانِ عَلى الخُضُوعِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ بِهِما عَنْها جِدًّا في السُّورَةِ الَّتِي جَمَعَتْ جَمِيعَ الفِرَقِ الَّذِينَ فِيهِمْ مَن يَسْتَقْبِحُ - لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ - بَعْضَ الهَيْئاتِ الدّالَّةِ عَلى ذُلٍّ.
ولَمّا خَصَّ أشْرَفَ العِبادَةِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ أيْ بِأنْواعِ (p-١٠٠)العِبادَةِ ﴿رَبَّكُمْ﴾ المُحْسِنَ إلَيْكم بِكُلِّ نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ودِينِيَّةٍ. ولَمّا ذَكَرَ عُمُومَ العِبادَةِ، أتْبَعَها ما قَدْ يَكُونُ أعَمَّ مِنها مِمّا صُورَتُهُ صُورَتُها، وقَدْ يَكُونُ بِلا نِيَّةٍ، فَقالَ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أيْ كُلَّهُ مِنَ القُرَبِ كَصِلَةِ الأرْحامِ وعِيادَةِ المَرْضى ونَحْوِ ذَلِكَ، مِن مَعالِي الأخْلاقِ بِنِيَّةٍ وبِغَيْرِ نِيَّةٍ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ لَكم عادَةً فَيَخِفُّ عَلَيْكم عَمَلُهُ لِلَّهِ، وهو قَرِيبٌ مِن «ابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا» قالَ أبُو حَيّانَ: بَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يَرْجُو الفَلاحَ، وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ؛ قالَ ابْنَ القَطّاعِ: أفْلَحَ الرَّجُلُ: فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، وفَلَحَ أيْضًا لُغَةٌ فِيهِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: الفَلْحُ والفَلاحُ: الفَوْزُ والبَقاءُ وفي التَّنْزِيلِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أيْ نالُوا البَقاءَ الدّائِمَ، وفي الخَبَرِ: أفْلَحَ الرَّجُلُ: ظَفِرَ. ويُقالُ لِكُلِّ مَن أصابَ خَيْرًا: مُفْلِحٌ.
22:78Page 341
وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨
And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.
ولَمّا كانَ الجِهادُ أساسَ العِبادَةِ، وهو - مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً في قِتال الكُفّارِ - صالِحٌ لِأنَّ يَعُمَّ كُلَّ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ بِالمالِ والنَّفْسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ بِالسَّيْفِ وغَيْرِهِ، وكُلَّ اجْتِهادٍ في تَهْذِيبِ (p-١٠١)النَّفْسِ وإخْلاصِ العَمَلِ، خَتَمَ بِهِ فَقالَ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ في كُلِّ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ عَنْهُ كَما لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَظْرُوفِ عَنِ الظَّرْفِ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ بِاسْتِفْراغِ الطّاقَةِ في إيقاعِ كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مِن جِهادِ العَدُوِّ والنَّفْسِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ مِنَ الحَجِّ والغَزْوِ وغَيْرِهِما جِهادًا يَلِيقُ بِما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الإخْلاصِ والقُوَّةِ، فَإنَّهُ يَهْلَكُ جَمِيعُ مَن يَصُدُّكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ، أتْبَعَها بَعْضَ ما يَجِبُ بِهِ شُكْرُهُ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيِ اخْتارَكم لِجَعْلِ الرِّسالَةِ فِيكم والرَّسُولِ مِنكم وجَعَلَهُ أشْرَفَ الرُّسُلِ، ودِينَهُ أكْرَمَ الأدْيانِ، وكِتابَهُ أعْظَمَ الكُتُبِ، وجَعَلَكم - لِكَوْنِكم أتْباعَهُ - خَيْرَ الأُمَمِ ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ﴾ الَّذِي اخْتارَهُ لَكم ﴿مِن حَرَجٍ﴾ أيْ ضِيقٍ يَكُونُ بِهِ نَوْعُ عُذْرٍ لِمَن تَوانى في الجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ كَما جَعَلَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَعْضَهُ في البَقَرَةِ وغَيْرِها، أعْنِي ﴿مِلَّةَ﴾ (p-١٠٢)ولَمّا كانَ أوَّلُ مُخاطَبٍ بِهَذا قُرَيْشًا، ثُمَّ مُضَرَ، وكانُوا كُلُّهم أوْلادَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً، قالَ: ﴿أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِي تَرَكَ عِبادَةَ الأصْنامِ ونَهى عَنْها، ووَحَّدَ اللَّهَ وأمَرَ بِتَوْحِيدِهِ، يا مَن تَقَيَّدُوا بِتَقْلِيدِ الآباءِ! فالزَمُوا دِينَهُ لِكَوْنِهِ أبًا، ولِكَوْنِي أمَرْتُ بِهِ، وهو أبٌ لِبَعْضِ المُخاطَبِينَ مِنَ الأُمَّةِ حَقِيقَةً، ولِبَعْضِهِمْ مَجازًا بِالِاحْتِرامِ والتَّعْظِيمِ، فَيَعُمُّ الخِطابُ الجَمِيعَ، ولِذَلِكَ حَثَّهم عَلى مِلَّتِهِ بِالتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ في الأزْمانِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلِ إنْزالِ هَذا القُرْآنِ، فَنَوَّهَ بِذِكْرِكم والثَّناءِ عَلَيْكم في سالِفِ الدَّهْرِ وقَدِيمِ الزَّمانِ فَكَتَبَ ثَناءَهُ في كُتُبِ الأنْبِياءِ يُتْلى عَلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وسَمّاكم أيْضًا مُسْلِمِينَ ﴿وفِي هَذا﴾ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ إنْزالِ تِلْكَ الكُتُبِ كَما أخْبَرْتُكم عَنْ دَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] لِأنَّهُ بِانْتِفاءِ الحَرَجِ يُطابِقُ الِاسْمُ المُسَمّى، ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِحَقِّ الجِهادِ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ويَشْهَدُ لَهُ بِالحُسْنِ قِراءَةُ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالجَلالَةِ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ، أيْ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَسَمَّتْ بِاسْمٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِها، واللَّهُ تَعالى خَصَّكم بِاسْمِ الإسْلامِ مُشْتَقًّا لَهُ مِنَ اسْمِهِ ”السَّلام“ مَعَ ما خَصَّكم بِهِ مِنِ (p-١٠٣)اسْمِ الإيمانِ اشْتِقاقًا لَهُ مِنِ اسْمِهِ المُؤْمِنِ، فَأثْبَتَ لَكم هَذا الِاسْمَ في كُتُبِهِ، واجْتَباكم لِاتِّباعِ رَسُولِهِ.
ولَمّا كانَ الِاسْمُ إذا كانَ ناشِئًا عَنِ اللَّهِ تَعالى سَواءً كانَ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ يَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ كِيانِ المُسَمّى، وكانَ التَّقْدِيرُ: رَفَعَ عَنْكُمُ الحَرَجَ وسَمّاكم بِالإسْلامِ لِتَكُونُوا أشَدَّ الأُمَمِ انْقِيادًا لِتَكُونُوا خَيْرَهُمْ، عَلَّلَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ لِأنَّهُ خَيْرُكُمْ، والشَّهِيدُ يَكُونُ خَيْرًا ولِكَوْنِ السِّياقِ لِإثْباتِ مُطْلَقِ وصْفِ الإسْلامِ فَقَطْ، لَمْ يَقْتَضِ الحالُ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّها لِإثْباتِ ما هو أخَصُّ مِنهُ ﴿وتَكُونُوا﴾ بِما في جَبِلّاتِكم مِنَ الخَيْرِ ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ رُسُلَهم بَلَّغَتْهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ، لِأنَّكم قَدَرْتُمُ الرُّسُلَ حَقَّ قَدْرِهِمْ، ولَمْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، وعَلِمْتُمْ أخْبارَهم مِن كِتابِكم عَلى لِسانِ رَسُولِكم ﷺ، فَبِذَلِكَ كُلِّهِ صِرْتُمْ خَيْرَهُمْ، فَأُهِّلْتُمْ لِلشَّهادَةِ وصَحَّتْ شَهادَتُكم وقَبْلَكُمُ الحَكَمُ العَدْلُ، وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ الشَّهادَةَ غَيْرُ المُسْلِمِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً.
ولَمّا نَدَبَهم لِأنَّ يَكُونُوا خَيْرَ النّاسِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأقِيمُوا﴾ (p-١٠٤)أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْعامِي عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ وإقامَتِي لَكم في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ أنِّي أقُولُ لَكُمْ: أقِيمُوا ﴿الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي زَكاةُ قُلُوبِكُمْ، وصِلَةُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ رَبِّكم ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ أبْدانِكُمْ، وصِلَةُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ إخْوانِكم ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ.
فِي جَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ، مِنَ المَناسِكِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وغَيْرِها لِتَكُونُوا مُتَّقِينَ، فَيَذُبُّ عَنْكم مَن يُرِيدُ أنْ يَحُولَ بَيْنَكم وبَيْنَ شَيْءٍ مِنها ويَقِيكم هَوْلَ السّاعَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أهْلِيَّتَهُ لِاعْتِصامِهِمْ بِهِ بِقَوْلِهِ: ( هو ) أيْ وحْدَهُ ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِجَمِيعِ أُمُورِكُمْ، فَهو يَنْصُرُكم عَلى كُلِّ مَن يُعادِيكُمْ، بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِن إظْهارِ هَذا الدِّينِ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وغَيْرِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالِاعْتِصامِ وتَوَحُّدُهُ بِالوِلايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ المَوْلى﴾ أيْ هو ﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لِأنَّهُ إذا تَوَلّى أحَدًا كَفاهُ كُلَّ ما أهَمَّهُ، وإذا نَصَرَ أحَدًا أعْلاهُ عَلى كُلِّ مَن خاصَمَهُ «ولا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أحَبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ» - الحَدِيثُ، «إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ» وهَذا نَتِيجَةُ التَّقْوى، وما قَبْلَهُ مِن أفْعالِ الطّاعَةِ دَلِيلُها. فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها. ورُدَّ مَقْطَعُها عَلى مَطْلَعِها - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وأسْرارِ كِتابِهِ وهو الهادِي لِلصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences