Al-Biqa'iAl‑Mu'minun · 23:18–31

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:18–31

23:18Page 343

وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨

And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.

ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، أتْبَعَهُما بِما هو مِن جِنْسِهِما ومُشاكِلٍ لِلْأوَّلِ مِنهُما، وهو مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى خِتامِ الثّانِي مِن أنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي يَجِبُ شُكْرُها، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ (p-١٢١)أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ مِن جِهَتِها ﴿ماءً بِقَدَرٍ﴾ لَعَلَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِقَدْرِ ما يَسْقِي الزُّرُوعَ والأشْجارَ، ويُحْيِي البَرارِيَ والقِفارَ، وما تَحْتاجُ إلَيْهِ البِحارُ، مِمّا تَصُبُّ فِيها الأنْهارُ، إذْ لَوْ كانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَأغْرَقَتِ البِحارُ الأقْطارَ، ولَوْ كانَ دُونَ ذَلِكَ لَأدّى إلى جَفافِ النَّباتِ والأشْجارِ ﴿فَأسْكَنّاهُ﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَعْضُهُ عَلى ظَهْرِها وبَعْضُهُ في بَطْنِها، ولَمْ نَعُمَّها بِالَّذِي عَلى ظَهْرِها ولَمْ نُغَوِّرْ ما في بَطْنِها لِيَعُمَّ نَفْعُهُ ولِيَسْهُلَ الوُصُولُ إلَيْهِ ﴿وإنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ أيْ عَلى إذْهابِهِ بِأنْواعِ الإذْهابِ بِكُلِّ طَرِيقٍ بِالإفْسادِ والرَّفْعِ والتَّغْوِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ إذْهابِ البَرَكَةِ الَّتِي تَكُونُ لِمَن كُنّا مَعَهُ ﴿لَقادِرُونَ﴾ قُدْرَةً هي في نِهايَةِ العَظَمَةِ، فَإيّاكم والتَّعَرُّضَ لِما يُسْخِطُنا.

23:19Page 343

فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩

And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.

ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ الدَّلِيلَ القُرْبَ عَلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا﴾ أيْ فَأخْرَجْنا وأحْيَيْنا ﴿لَكُمْ﴾ خاصَّةً، لا لَنا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ الَّذِي جَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ تَجُنُّ - أيْ تَسْتُرُ - داخِلَها بِما فِيها ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ صَرَّحَ بِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لِشَرَفِهِما، ولِأنَّهُما أكْثَرُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِنَ الثِّمارِ، سُمِّيَ الأوَّلُ بِاسْمِ (p-١٢٢)شَجَرَتِهِ لِكَثْرَةِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّهُ المَقْصُودُ مِن شَجَرَتِهِ؛ وأشارَ إلى غَيْرِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ ولَكم فِيها غَيْرُ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مِنها - وهي طَرِيَّةٌ - تَتَفَكَّهُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِنها﴾ أيْ بَعْدَ اليُبْسِ والعَصْرِ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكُمُ الأكْلُ بِالِادِّخارِ، ولَعَلَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ تَعْظِيمًا لِلِامْتِنانِ بِها.

23:20Page 343

وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠

And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما إذا عُصِرَ كانَ ماءً لا يَنْفَعُ لِلِاصْطِباحِ، أتْبَعَهُ ما إذا عُصِرَ كانَ دُهْنًا يَعُمُّ الِاصْطِباحَ والِاصْطِباغَ، وفَصَلَهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿وشَجَرَةً﴾ أيْ وأنْشَأْنا بِهِ شَجَرَةً، أيْ زَيْتُونَةً ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ﴾

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإمْدادِ بِالنِّعَمِ، ناسَبَهُ المَدُّ فَقالَ: ﴿سَيْناءَ﴾ قالَ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو طُورُ سِينِينَ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما حَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي فِيها شَجَرُ الزَّيْتُونِ. وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: والطُّورُ: الجَبَلُ، وجَبَلٌ (p-١٢٣)قُرْبَ أيْلَةَ يُضافُ إلى سَيْناءَ وسِينَيْنِ، وجَبَلٌ بِالشّامِ، وقِيلَ: هو المُضافُ إلى سَيْناءَ، وجَبَلٌ بِالقُدْسِ عَنْ يَمِينِ المَسْجِدِ، وآخَرُ عَنْ قِبْلِيِّهِ، بِهِ قَبْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُجْبِلَ بِرَأْسِ العَيْنِ، - وآخَرُ مُطِلٌّ عَلى طَبَرِيَّةَ - انْتَهى. وهو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الِاسْمَيْنِ، وقِيلَ: بَلْ هو مُضافٌ إلى سَيْناءَ، ومَعْنى سَيْناءَ الحُسْنُ، وقِيلَ: المُبارَكُ، وقِيلَ: هو حِجارَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ شَجَرٌ، ولَعَلَّهُ خَصَّهُ مِن بَيْنِ الأطْوارِ لِقُرْبِهِ مِنَ المُخاطَبِينَ أوَّلًا بِهَذا القُرْآنِ، وهُمُ العَرَبُ، ولِغَرابَةِ نَبْتِ الزَّيْتُونِ بِهِ لِأنَّهُ في بِلادِ الحَرِّ والزَّيْتُونُ مِن نَباتِ الأرْضِ البارِدَةِ، ولِتَمَحُّضِهِ لِأنْ يَكُونَ نَبْتُهُ مِمّا أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ مِنَ الماءِ لِعُلُوِّهِ جِدًّا، وبَعُدَ مِن أنْ يَدَّعِيَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ النَّداوَةِ مِنَ الماءِ مِنَ البَحْرِ لِأنَّ الإمامَ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ ابْنَ القاصِّ مِن قُدَماءِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ حَكى في كِتابِهِ أدِلَّةِ القِبْلَةِ أنَّهُ يُصْعَدُ إلى أعْلاهُ في سِتَّةِ آلافِ مَرَقاةٍ وسِتِّمِائَةٍ وسِتٍّ وسِتِّينَ مَرْقاةً، قالَ: وهي مِثْلُ الدَّرَجِ مِنَ الصَّخْرِ، فَإذا انْتَهى إلى مِقْدارِ النِّصْفِ مِنَ الطَّرِيقِ يَصِيرُ إلى مُسْتَواهُ مِنَ الأرْضِ فِيها أشْجارٌ وماءٌ عَذْبٌ، في هَذا المَوْضِعِ كَنِيسَةٌ عَلى اسْمِ إيلِيا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَغارٌ، ويُقالُ: إنَّ إيلِيا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هَرَبَ مِن إزْقِيلَ المَلِكِ اخْتَفى فِيهِ؛ ثُمَّ يَصْعَدُ مِن هَذا المَوْضِعِ في الدَّرَجِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى قِلَّةِ الجَبَلِ، (p-١٢٤)وفِي قَلْبِهِ كَنِيسَةٌ بُنِيَتْ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأساطِينِ رُخامٍ، أبْوابُها مِنَ الصُّفْرِ والحَدِيدِ، وسَقْفُها مِن خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، وأعْلى سُقُوفِها أطْباقُ رَصاصٍ قَدْ أُحْكِمَتْ بِغايَةِ الإحْكامِ، ولَيْسَ فِيها إلّا رَجُلٌ راهِبٌ يُصَلِّي ويُدَخِّنُ ويُسْرِجُ قَنادِيلَها، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنَّ يَنامَ فِيها البَتَّةَ، وقَدِ اتَّخَذَ هَذا الرّاهِبُ لِنَفْسِهِ خارِجًا مِنَ الكَنِيسَةِ بَيْتًا صَغِيرًا يَأْوِي فِيهِ، وهَذِهِ الكَنِيسَةُ بُنِيَتْ في المَكانِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَوالَيْهِ - أيْ حَوالَيِ الجَبَلِ - مِن أسْفَلِهِ سِتَّةُ آلافِ ما بَيْنَ دَيْرٍ وصَوْمَعَةٍ لِلرُّهْبانِ والمُتَعَبِّدِينَ، كانَ يُحْمَلُ إلَيْهِمْ خَراجُ مِصْرَ في أيّامِ مِلْكِ الرُّومِ لِلنَّفَقَةِ عَلى الدِّياراتِ وغَيْرِها، ولَيْسَ اليَوْمَ بِها إلّا مِقْدارُ سَبْعِينَ راهِبًا يَأْوُونَ في الدَّيْرِ الَّذِي داخِلَ الحِصْنِ، وفي أكْثَرِها يَأْوِي أعْرابُ بَنِي رَمادَةَ، وعَلى الجَبَلِ مِائَةُ صَوْمَعَةٍ، وأشْجارُ هَذا الجَبَلِ اللَّوْزُ والسَّرْوُ، وإذا هَبَطْتَ مِنَ الطُّورِ أشْرَفْتَ عَلى عَقَبَةٍ تَهْبِطُ مِنها فَتَسِيرُ خُطُواتٍ فَتَنْتَهِي إلى دَيْرٍ النَّصْرانِيِّ: حُصَّيْنِ عَلَيْهِ سُورٌ مِن حِجارَةٍ مَنحُوتَةٍ ذاتِ شُرَفٍ عَلَيْهِ بابانِ مِن حَدِيدٍ، وفي جَوْفِ هَذا الدَّيْرِ عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، وعَلى هَذِهِ العَيْنِ دَرابْزِينُ مِن نُحاسٍ لِئَلّا يَسْقُطَ في العَيْنِ أحَدٌ، وقَدْ هُيِّئَ بِراتِجِ رَصاصٍ يَجْرِي فِيها الماءُ إلى كُرُومٍ لَهم حَوْلَ الدَّيْرِ، ويُقالُ: إنَّ هَذا الدَّيْرَ هو المَوْضِعُ الَّذِي رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ النّارَ في الشَّجَرَةِ العَلِيقِ، وقِبْلَةُ مَن بِها دُبُرُ الكَعْبَةِ، وفِيهِ (p-١٢٥)يَقُولُ القائِلُ:

؎عَجِبَ الطُّورُ مِن ثَباتِكَ مُوسى حِينَ ناجاكَ بِالكَلامِ الجَلِيلِ

والطُّورُ مِن جُمْلَةِ كُوَرِ مِصْرَ، مِنهُ إلى بَلَدِ قُلْزُمَ عَلى البَرِّ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ، ومِنهُ إلى فُسْطاطِ مِصْرَ مَسِيرَةَ سَبْعَةِ أيّامٍ - انْتَهى كَلامُ ابْنِ القاصِّ، وسَألْتُ أنا مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِالجَبَلِ المَذْكُورِ: هَلْ بِهِ أشْجارُ الزَّيْتُونِ؟ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ شَيْئًا مِنها، وإنَّما رَآها فِيما حَوْلَهُ في قَرارِ الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ وزَيْتُونُها مَعَ كِبْرِهِ أطْيَبُ مِن غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهو أغْرَبُ مِمّا لَوْ كانَتْ بِهِ، لِأنَّهُ لِعُلُوِّهِ أبْرَدُ مِمّا سَفَلَ مِنَ الأرْضِ، فَهو بِها أوْلى، وظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ حِكْمَةَ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عَدَدُ الدَّرَجِ ما ذَكَرَ مُوافَقَةَ زَمانِ الإيجادِ الأوَّلِ لِمَكانِ الإبْقاءِ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وهو الإيجادُ الأوَّلُ، وكَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ في هَذا الجَبَلِ، ثُمَّ أتَمَّ لَهُ التَّوْراةَ وهي أعْظَمُ الكُتُبِ بَعْدَ القُرْآنِ، وبِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والشَّرائِعِ الرَّبّانِيَّةِ انْتِظامُ البَقاءِ الأوَّلِ، كَما سَلَفَ في الفاتِحَةِ والأنْعامِ والكَهْفِ.

ولَمّا ذَكَّرَ سُبْحانَهُ إنْشاءَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِهَذا الجَبَلِ البَعِيدِ عَنْ مِياهِ البِحارِ لِعُلُوِّهِ وصَلابَتِهِ أوْ بِما حَوْلَهُ مِنَ الأرْضِ الحارَّةِ، ذَكَرَ تَمَيُّزَها عَنْ (p-١٢٦)عامَّةِ الأشْجارِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَجِيبٍ فَقالَ: ﴿تَنْبُتُ﴾ أيْ بِالماءِ الَّذِي لا دَهْنَ فِيهِ أصْلًا، نَباتًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ إنْباتًا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الفَوْقانِيَّةِ، مُلْتَبِسًا ثَمَرَهُ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ وهو في الأصْلِ مائِعٌ لَزِجٌ خَفِيفٌ يَتَقَطَّعُ ولا يَخْتَلِطُ بِالماءِ الَّذِي هو أصْلُهُ فَيُسَرَّجُ ويُدْهَنُ بِهِ، وكَأنَّهُ عَرَّفَهُ لِأنَّهُ أجَلُّ الأدْهانِ وأكْمَلُها.

ولَمّا كانَ المَأْكُولُ مِنها الدُّهْنُ والزَّيْتُونُ قَبْلَ العَصْرِ، عَطَفَ إشْعارًا بِالتَّمَكُّنِ فَقالَ: ﴿وصِبْغٍ﴾ أيْ وتَنْبُتُ بِشَيْءٍ يَصْبُغُ - أيْ يُلَوِّنُ - الخُبْزَ إذا غَمَسَ فِيهِ أوْ أكَلَ بِهِ ﴿لِلآكِلِينَ﴾ وكَأنَّهُ نَكَّرَهُ لِأنَّ في الإدامِ ما هو أشْرَفُ مِنهُ وألَذُّ وإنْ كانَتْ بَرَكَتُهُ مَشْهُورَةً؛ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السّاعِدِيِّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”«كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ“»

ولِلتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ وتَفْسِيرِهِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن (p-١٢٧)شَجَرَةٌ مُبارَكَةٌ“» وقالَ أبُو حَيّانَ: وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ النَّخْلِ والعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ.

23:21Page 343

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١

And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى قُدْرَتِهِ بِما أحْيا بِالماءِ حَياةً قاصِرَةً عَنِ الرُّوحِ، أتْبَعَهُ ما أفاضَ عَلَيْهِ بِهِ حَياةً كامِلَةً فَقالَ: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿لَعِبْرَةً﴾ تُعَبِّرُونَ بِها مِن ظاهِرِ أمْرِها إلى باطِنِهِ مِمّا لَهُ سُبْحانَهُ فِيها مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْصِيلَ ما فِيها مِنَ العِبْرَةِ قائِلًا: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ ولَمّا كانَ الأنْعامُ مُفْرَدًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جَمْعٍ، ولَمْ يُذْكَرْ ما يُسْقى مِنهُ، أنَّثَ الضَّمِيرَ بِحَسَبِ المَعْنى وعُلِمَ أنَّ المُرادَ ما يَكُونُ مِنهُ اللَّبَنُ خاصَّةً وهو الإناثُ، فَهو اسْتِخْدامٌ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ جَمِيعَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَذَكَّرَ الضَّمِيرَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ نَجْعَلُهُ لَكم شَرابًا نافِعًا لِلْبَدَنِ مُوافِقًا لِلشَّهْوَةِ تَلْتَذُّونَ بِهِ مَعَ خُرُوجِهِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ كَما مَضى في النَّحْلِ ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ في جَماعَةِ الأنْعامِ، وقَدَّمَ الجارَّ تَعْظِيمًا لِمَنافِعِها حَتّى كَأنَّ غَيْرَها عَدَمٌ (p-١٢٨)﴿مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ بِاسْتِسْلامِها لِما يُرادُ مِنها مِمّا لا يَتَيَسَّرُ مِن أصْغَرَ مِنها، وبِأوْلادِها وأصْوافِها وأوْبارِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: تَصْرِفُونَها في تِلْكَ المَنافِعِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ تَعْظِيمًا لِمَأْكُولِها فَقالَ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ بِسُهُولَةٍ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ما عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَوْ شاءَ لَمَنَعَها مِن ذَلِكَ وسَلَّطَها عَلَيْكُمْ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ لَحْمَها لا يَنْضِجُ، أوْ جَعَلَهُ قَذَرًا لا يُؤْكَلُ، ولَكِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ هَيَّأها لِما ذَكَرَ وذَلَّلَها لَهُ.

23:22Page 343

وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢

And upon them and on ships you are carried.

ولَمّا كانَتِ المُفاوَتَةُ بَيْنَ الحَيَواناتِ في القُوى وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وكانَ الحَمْلُ لِلنَّفْسِ والمَتاعِ عَلَيْها وعَلى غَيْرِها مِنَ الحَيَوانِ مِن أجَلِّ المَنافِعِ بِحَيْثُ لَوْلا هو تَعَطَّلَتْ أكْثَرُ المَصالِحِ، ذَكَّرَهُ فِيها مُذَكِّرًا بِغَيْرِها في البَرِّ تَلْوِيحًا، وذاكِرًا لِمَحامِلِ البَحْرِ تَصْرِيحًا، فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ عَدا لِحَمْلِ غَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى حَمْلِها لِعَظِيمِ وقْعِهِ عَدَمًا: ﴿وعَلَيْها﴾ أيِ الأنْعامِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ في البَرِّ ﴿وعَلى الفُلْكِ﴾ في البَحْرِ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن تَذْلِيلِها عَلى كِبَرِها وقُوَّتِها وامْتِناعِ غَيْرِها عَلى صِغَرِهِ وضَعْفِهِ أنَّهُ لا فاعِلَ لِذَلِكَ (p-١٢٩)إلّا اللَّهُ مَعَ أنَّ المُمْتَنَّ بِهِ نَفْسُ الحَمْلِ لا بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ بِإنْعامِهِ عَلَيْكم بِذَلِكَ، ولَوْ شاءَ لَمَنَعَهُ، فَتَذَكَّرُوا عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وكَمالِ صَنْعَتِهِ، وعَظِّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، واشْكُرُوهُ عَلى ما أوْلاكم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وأخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ، لِتُفْلِحُوا فَتَكُونُوا مِنَ الوارِثِينَ.

23:23Page 343

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣

And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ حَمَلْنا نُوحًا ومَن أرَدْنا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأهْلِهِ وغَيْرِهِمْ عَلى الفُلْكِ، وأغْرَقْنا مَن عانَدَهُ مِن أهْلِ الأرْضِ قاطِبَةً بِقُدْرَتِنا، ونَصَرْناهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ضَعْفِهِ عَنْهم بِأيْدِينا وقُوَّتِنا، وجَعَلْناهُ وذُرِّيَّتَهُ هُمُ الوارِثِينَ، وكُنْتُمْ ذُرِّيَّةً في أصْلابِهِمْ، وكَثَّرْناهم حَتّى مَلَأْنا مِنهُمُ الأرْضَ، دَلالَةً عَلى ما قَدَّمْنا مِن تَفَرُّدِنا كَما أجْرَيْنا عادَةً هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ بِذِكْرِ عَظِيمِ البَطْشِ بَعْدَ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وأتْبَعْناهُ بَعْدَهُ الرُّسُلَ الَّذِينَ سَمِعْتُمْ بِهِمْ، وعَرَفْتُمْ بَعْضَ أخْبارِهِمْ، يا مَن أنْكَرَ الآنَ رِسالَةَ البَشَرِ لِإنْكارِ رِسالَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ! عَطَفَ عَلَيْهِ يُهَدِّدُ بِإهْلاكِ الماضِينَ، لِلرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ، ويُذَكِّرُ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ لِلْإقْبالِ عَلى الشُّكْرِ، ويُسَلِّي هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِمَن كُذِّبَ قَبْلَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وأُوذِيَ مِن أتْباعِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَضِّلُ مِن عِبادِهِ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، كَما فَضَّلَ طِينَةَ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الطِّينِ، وعَلى أنَّ الفَلاحَ بِالإرْثِ والحَياةِ الطَّيِّبَةِ في الدّارَيْنِ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ كَما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ، فَذَكَرَ نُوحًا (p-١٣٠)لِأنَّ قِصَّتَهُ أشْهَرُ القِصَصِ، ولِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا مِلْءَ الأرْضِ، ولَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم ولا نَفَعَتْهم قُوَّتُهُمْ، ولِأنَّهُ الأبُ الثّانِي بَعْدَ الأبِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالطِّينِ، ولِأنَّ نَجاتَهُ ونَجاةَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ كانَتْ بِالفُلْكِ المَخْتُومِ بِهِ الآيَةَ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إشارَةً بِصِيغَةِ العَظَمَةِ إلى زِيادَةِ التَّسْلِيَةِ بِأنَّهُ ”«آتاهُ مِنَ الآياتِ ما مْثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“» وقامَ هو ﷺ بِذَلِكَ حَقَّ القِيامِ ﴿نُوحًا﴾ أيْ وهو الأبُ الثّانِي بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ لِتَواصُلِ ما بَيْنَهم لِكَوْنِهِمْ عَلى لُغَةٍ واحِدَةٍ ﴿فَقالَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿يا قَوْمِ﴾ تَرَفُّقًا بِهِمْ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وحْدَهُ، لِأنَّهُ إلَهُكم وحْدَهُ لِاسْتِحْقاقِهِ لِجَمِيعِ خِلالِ الكَمالِ؛ واسْتَأْنَفَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ قَوْلَهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِما هو حَقُّ العِبادَةِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ أيْ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ ﴿غَيْرُهُ﴾ فَلا تَعْبُدُوا سِواهُ.

ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ الوَحْدانِيَّةِ والعَظَمَةِ بِإعْطاءِ الثَّوابِ وإحْلالِ العِقابِ في غايَةِ الظُّهُورِ لا تَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَأمُّلٍ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إنْكارَهُ لِأمْنِهِمْ مِن مَكْرِهِ، والخَوْفِ مِن ضُرِّهِ، فَقالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَخافُونَ ما يَنْبَغِي الخَوْفُ مِنهُ فَتَجْعَلُوا لَكم وِقايَةً مِن عَذابِهِ فَتَعْمَلُوا (p-١٣١)بِما تَقْتَضِيهِ التَّقْوى مِن إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ خَوْفًا مِن ضُرِّكم ورَجاءً لِنَفْعِكم.

23:24Page 343

فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤

But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.

﴿فَقالَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ كَذَّبُوهُ فَقالَ: ﴿المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ رُؤْيَتُهُمُ الصُّدُورَ عَظَمَةً. ولَمّا كانَ أهْلُ الإيمانِ كُلُّهم إذْ ذاكَ قَبِيلَةً واحِدَةً لِاجْتِماعِهِمْ في لِسانٍ واحِدٍ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ بِبَيانِ التَّكْذِيبِ أتَمُّ، والصِّلَةُ هُنا قَصِيرَةٌ لا يَحْصُلُ بِها لَبْسٌ ولا ضَعْفٌ في النَّظْمِ بِخِلافِ ما يَأْتِي، وكَأنَّ أفْخاذَهم كانَتْ مُتَمايِزَةً فَزادَ في الشَّناعَةِ عَلَيْهِمْ بِأنْ عَرَّفَ أنَّهم مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ فَلا يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ بَعْضُ البَشَرِ نَبِيًّا، ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ بَعْضُ الطِّينِ إنْسانًا، وبَعْضُ الماءِ عَلَقَةً، وبَعْضُ العَلَقَةِ مُضْغَةً - إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ؟ فَقالُوا: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ الفَضْلَ بِادِّعاءِ مِثْلِ هَذا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لِتَكُونُوا أتْباعًا لَهُ، ولا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِهِ دُونَكم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ كَما ادَّعى، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الإرْسالَ إلَيْكم وعَدَمَ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿لأنْـزَلَ﴾ لِذَلِكَ ﴿مَلائِكَةً﴾ وما عَلِمُوا أنَّ القادِرَ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الجَواهِرِ بِجَعْلِها مَلائِكَةً قادِرٌ عَلى تَفْضِيلِ ما شاءَ ومَن شاءَ بِما (p-١٣٢)يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ هَذا مُتَضَمِّنًا لِإنْكارِ رِسالَةِ البَشَرِ، صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ كَذِبًا وبُهْتانًا كَما كَذَّبَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ حِينَ قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ وكَذِبُهُمُ المُؤْمِنَ بِرِسالَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ مِنَ البَشَرِ يَمْنَعُ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ بِقَصْدِ التَّقْرِيبِ إلَيْهِ، فَجَعَلُوا الإلَهَ حَجَرًا، وأحالُوا كَوْنَ النَّبِيِّ بَشَرًا ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ولا سَمِعْنا بِما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ.

23:25Page 343

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥

He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."

ولَمّا نَفَوْا عَنْهُ الرِّسالَةَ وحَصَرُوا أمْرَهُ في قَصْدِ السِّيادَةِ، وكانَتْ سِيادَتُهُ لَهم بِمِثْلِ هَذا عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، قالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ في قَصْدِهِ التَّفَضُّلُ بِما يُورِثُ بُغْضَهُ وهَضْمَهُ ولا نَعْرِفُ لَهُ وجْهًا مُخَصَّصًا بِهِ، فَلا نُطِيعُ لَهُ فِيهِ أبَدًا ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ الحُكْمِ بِجُنُونِهِ أنّا نَأْمُرُكم بِالكَفِّ عَنْهُ لِأنَّهُ لا حَرَجَ عَلى مَجْنُونٍ ﴿حَتّى﴾ أيْ إلى ﴿حِينٍ﴾ لَعَلَّهُ يُفِيقُ أوْ يَمُوتُ.

23:26Page 343

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦

[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ عِنْدَما أيِسَ مِن فَلاحِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ أعِنِّي عَلَيْهِمْ ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِي، فَإنَّ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ اسْتِخْفافٌ بِالمُرْسَلِ.

23:27Page 343

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧

So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.

﴿فَأوْحَيْنا﴾ (p-١٣٣)أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ أنّا أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أيِ السَّفِينَةَ.

ولَمّا كانَ يَخافُ مِن أذاهم لَهُ في عَمَلِهِ بِالإفْسادِ وغَيْرِهِ قالَ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ إنَّهُ لا يَغِيبُ عَنّا شَيْءٌ مِن أمْرِكَ ولا مِن أمْرِهِمْ وأنْتَ تَعْرِفُ قُدْرَتَنا عَلَيْهِمْ فَثِقْ بِحِفْظِنا ولا تَخَفْ شَيْئًا مِن أمْرِهِمْ. ولَمّا كانَ لا يَعْلَمُ تِلْكَ الصَّنْعَةَ، قالَ: ﴿ووَحْيِنا﴾ ثُمَّ حَقَّقَ لَهُ هَلاكَهم وقُرْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ بِالهَلاكِ عَقِبَ فَراغِكَ مِنهُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وجْهُ الأرْضِ. وفي القامُوسِ: التَّنُّورُ: الكانُونُ يُخْبَزُ فِيهِ، ووَجْهُ الأرْضِ، وكُلُّ مُفَجِّرُ ماءٍ، وجَبَلٌ قُرْبَ المُصِيصَةِ - انْتَهى.

والألْيَقُ بِهَذا الأمْرِ صَرْفُهُ إلى ما يَخْبِزُ فِيهِ لِيَكُونَ آيَةً في آيَةٍ ﴿فاسْلُكْ﴾ أيْ فَأدْخِلْ ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَوانِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ مِن أوْلادِكَ وغَيْرِهِمْ ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ﴾ لا لَهُ ﴿القَوْلُ مِنهُمْ﴾ بِالهَلاكِ لِقَطْعِ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مِنَ الوُصْلَةِ بِالكُفْرِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَحْمِلْهُ مَعَكَ ولا تَعْطِفْ عَلَيْهِ لِظُلْمِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ بِالسُّؤالِ في النَّجاةِ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عامَّةً؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ قَدْ خَتَمَ القَضاءَ عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُكْرِمُكَ عَنْ سُؤالٍ لا يُقْبَلُ.

23:28Page 344

فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨

And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'

(p-١٣٤)ولَمّا قَدَّمَ ذَلِكَ، لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ - بِالنَّهْيِ عَمّا لا يُرْضِي - أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، أتْبَعَهُ الأمْرَ بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيِ اعْتُقِلَتْ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ فَفَرَغْتَ مِنِ امْتِثالِ الأمْرِ بِالحَمْلِ ﴿فَقُلِ﴾ لِأنَّ عِلْمَكَ بِاللَّهِ لَيْسَ كَعِلْمِ غَيْرِكَ فالحَمْدُ مِنكَ أتَمَّ، وإذا قُلْتَ اتَّبَعَكَ مَن مَعَكَ، فَإنَّكَ قُدْوَتُهم وهم في غايَةِ الطّاعَةِ لَكَ، ولِهَذا أفْرَدَ في الجَزاءِ بَعْدَ العُمُومِ في الشَّرْطِ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ في الإيجادِ والإعْدامِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ المَجْدِ ﴿الَّذِي نَجّانا﴾ بِحَمْلِنا فِيهِ ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ الأشِدّاءِ الأعْتِياءِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ حالُهم - لِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها - حالَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، فَلَكَ الحَمْدُ بَعْدَ إفْنائِهِمْ كَما كانَ لَكَ الحَمْدُ في حالِ إبْدائِهِمْ وإبْقائِهِمْ، والحَمْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِأعْظَمِ شَعِيرَةٍ بِها الإبْقاءُ الأوَّلُ، وهي الصَّلاةُ المَوْصُوفَةُ بِالخُشُوعِ كالحَمْدِ في سُورَةِ الإيجادِ الأوَّلِ: الأنْعامِ بِقَوْلِهِ تَعالى

﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]

23:29Page 344

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩

And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"

ولَمّا أشارَ لَهُ بِهَذا القَوْلِ إلى السَّلامَةِ بِالحَمْلِ، أتْبَعَهُ الإشارَةَ إلى الوَعْدِ بِإسْكانِ الأرْضِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ في الفُلْكِ ثُمَّ في الأرْضِ وفي كُلِّ مَنزِلٍ تُنْزِلُنِي بِهِ وتُورِثُنِي إيّاهُ ﴿مُنْـزَلا﴾ مَوْضِعَ نُزُولٍ، أوْ إنْزالًا ﴿مُبارَكًا﴾ أيْ أهْلًا لِأنْ يَثْبُتَ فِيهِ أوْ بِهِ. ولَمّا كانَ (p-١٣٥)الثَّناءُ أعْظَمَ مُهَيِّجٍ عَلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وكانَ التَّقْدِيرُ، فَأنْتَ خَيْرُ الحامِلِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ لِأنَّكَ تَكْفِيَ نَزِيلَكَ كُلَّ مُلِمٍّ، وتُعْطِيهِ كُلَّ مُرادٍ.

23:30Page 344

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠

Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن أغْرَبِ القِصَصِ، حَثَّ عَلى تَدَبُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ نُوحِ وقَوْمِهِ وكَذا ما هو مِهادٌ لَهُ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ عَلاماتٍ دالّاتٍ عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ في أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ المُفْلِحُونَ، وأنَّهُمُ الوارِثُونَ لِلْأرْضِ بَعْدَ الظّالِمِينَ وإنْ عَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ، واشْتَدَّتْ صَوْلَتُهم ﴿وإنْ﴾ أيْ وإنّا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كُنّا﴾ بِما لَنا مِنَ الوَصْفِ الثّابِتِ الدّالِّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ ﴿لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ فاعِلَيْنِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِعِبادِنا بِإرْسالِ الرُّسُلِ لِيَظْهَرَ في عالَمِ الشَّهادَةِ الصّالِحُ مِنهم مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَبْتَلِي الصّالِحِينَ مِنهم بِما يَزِيدُ حَسَناتِهِمْ، ويَنْقُصُ سَيِّئاتِهِمْ، ويُعْلِي دَرَجاتِهِمْ، ثُمَّ نَجْعَلُ لَهُمُ العاقِبَةَ فَنُبْلِي بِهِمُ الظّالِمِينَ بِما يُوجِبُ دَمارَهُمْ، ويُخَرِّبُ دِيارَهُمْ، ويَمْحُو آثارَهُمْ، هَذِهِ عادَتُنا المُسْتَمِرَّةُ إلى أنْ نَرِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها فَيَكُونُ البَلاءُ المُبِينُ.

23:31Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١

Then We produced after them a generation of others.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكْذِيبَهم وما عَذَّبَهم بِهِ، وكانَ القِياسُ مُوجِبًا لِأنَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم يَخْشى مِثْلَ مَصْرَعِهِمْ، فَيَسْلُكُ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، (p-١٣٦)ويَقُولُ غَيْرَ قِيلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ تَنْفَعْهُمُ العِبْرَةُ، فارْتَكَبُوا مِثْلَ أحْوالِهِمْ، وزادُوا عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، لِإرادَةِ ذَلِكَ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ، الواحِدِ القَهّارِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ - مَعَ التَّهْدِيدِ والدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ - الدَّلالَةَ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ والبَقاءِ بَعْدَ الأعْداءِ، وكانَ إهْلاكُ المُتْرَفِينَ أدُلُّ عَلى ذَلِكَ، اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ وأبْهَمَهم لِيَصِحَّ تَنْزِيلَ قِصَّتِهِمْ عَلى كُلِّ مَنِ ادَّعى فِيهِمُ الإتْرافَ مِنَ الكَفَرَةِ، ويَتَرَجَّحُ إرادَةُ عادٍ لَمّا أُعْطُوا مَعَ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ وعِظَمِ الأجْسامِ، وبِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وإرادَةُ ثَمُودَ لِما في الشُّعَراءِ والقَمَرِ مِمّا يُشابِهُ بَعْضَ قَوْلِهِمْ هُنا، ولِلتَّعْبِيرِ عَنْ عَذابِهِمْ بِالصَّيْحَةِ ولِمُوافَقَتِهِمْ لِقَوْمِ نُوحٍ في تَعْلِيلِ رَدِّهِمْ بِكَوْنِهِ بَشَرًا، وطَوى الإخْبارَ عَمَّنْ بَعْدَهم بِغَيْرِ التَّكْذِيبِ والإهْلاكِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذِكْرِ شَيْءٍ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا﴾ أيْ أحْدَثْنا وأحْيَيْنا ورَبَّيْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ البُعْدِ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا﴾ أيْ أُمَّةً وجِيلًا. ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهم فِرْقَةٌ مِنَ المُهْلَكِينَ نَجَوْا مِن عَذابِ سائِرِهِمْ كَما يَكُونُ في حُرُوبِ سائِرِ المُلُوكِ، عَبَّرَ عَنْ (p-١٣٧)إنْجائِهِمْ بِإنْشائِهِمْ، حَقَّقَ أنَّهم أحْدَثُوا بَعْدَهم فَقالَ: ﴿آخَرِينَ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском