Al-Biqa'iAl‑Mu'minun · 23:32–49

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:32–49

23:32Page 344

فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢

And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

﴿فَأرْسَلْنا﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ إنْشاءَنا لَهم وتَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ أرْسَلْنا.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ في التَّسْلِيَةِ، عُدِّيَ الفِعْلُ بِ ”فِي“ دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَمَّهم بِالإبْلاغِ كَما يَعُمُّ المَظْرُوفُ الظَّرْفَ، حَتّى لَمْ يَدَعْ واحِدًا مِنهم إلّا أبْلَغَ في أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ فَكانَ القِياسُ يَقْتَضِي مُبادَرَتَهم لِاتِّباعِهِ لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم لِأجْلِ التَّكْذِيبِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ غايَةَ المَعْرِفَةِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ مِنهُمْ، بِما جَعَلْناهُ عَلَيْهِ المَحاسِنَ، وما زَيَّناهُ بِهِ مِنَ الفَضائِلِ، ولِأنَّ عِزَّهُ عَزُّهُمْ، ولِدُعائِهِ لَهم إلى ما لا يَخْفى حُسْنُهُ عَلى عاقِلٍ، ولا يَأْباهُ مُنْصِفٌ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما أرْسَلَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ لِأنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ، ولِذا حُفِظَ اسْمُهُ فَكانَ لا سَمِيَّ لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكُمْ﴾ ودَلَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾

ولَمّا كانَتِ المَثُلاتُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ في المُكَذِّبِينَ، وأناخَتْ صُرُوفَها بِالظّالِمِينَ، فَتَسَبَّبَ عَنْ عَمَلِهِمْ بِذَلِكَ إنْكارَ قِلَّةِ مُبالاتِهِمْ في عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِن مِثْلِ مَصارِعِهِمْ، قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ (p-١٣٨)لَكم وِقايَةً مِمّا يَنْبَغِي الخَوْفُ مِنهُ فَتَجْعَلُوا وِقايَةً تَحُولُ بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِ اللَّهِ.

23:33Page 344

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣

And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَتَّقُوا دَأْبَ قَوْمِ نُوحٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ رُؤْيَتُهُمُ الصُّدُورِ، فَكَأنَّ ما اقْتَرَنَ بِالواوِ أعْظَمُ في التَّسْلِيَةِ مِمّا خَلا مِنها عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ لِدَلالَةِ هَذا عَلى ما عَطَفَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَتِ القَبائِلُ قَدْ تَفَرَّغَتْ بِتَفَرُّقِ الألْسُنِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ اهْتِمامًا وتَخْصِيصًا لِلْإبْلاغِ في التَّسْلِيَةِ ولِأنَّهُ لَوْ أخَّرَ لَكانَ بَعْدَ تَمامِ الصِّلَةِ وهي طَوِيلَةٌ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَلَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا ما يَعْرِفُونَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ.

ولَمّا كانَ مِن لازِمِ الشَّرَفِ التَّرَفُ، صَرَّحَ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ - لَظَنَّ كَوْنَهُ سَعادَةً في الدُّنْيا - قاطِعٌ في الغالِبِ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ، لِكَوْنِهِ حامِلًا عَلى الأشَرِ والبَطَرِ والتَّكَبُّرِ حَتّى عَلى المُنْعِمِ، فَقالَ: ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنّا - بِما لَنا وعَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - نَعَّمْناهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الدّانِيَةِ الدَّنِيئَةِ، بِالأمْوالِ والأوْلادِ وكَثْرَةِ السُّرُورِ، يُخاطِبُونَ أتْباعَهُمْ: ﴿ما هَذا﴾ أشارُوا إلَيْهِ تَحْقِيرًا لَهُ عِنْدَ المُخاطَبِينَ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ في الخَلْقِ والحالِ؛ ثُمَّ (p-١٣٩)وصَفُوهُ بِما يُوهِمُ المُساواةَ في كُلِّ وصْفٍ فَقالُوا: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ مِن طَعامِ الدُّنْيا ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ مِنهُ مِن شَرابِها فَكَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا دُونَكُمْ!

23:34Page 344

وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤

And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ إنَّكم لَضالُّونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ في جَمِيعِ ما تَرَوْنَ ﴿إنَّكم إذًا﴾ أيْ إذا أطَعْتُمُوهُ ﴿لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ لِكَوْنِكم فَضَّلْتُمْ مِثْلَكم عَلَيْكم بِما يَدَّعِيهِ مِمّا نَحْنُ لَهُ مُنْكِرُونَ.

23:35Page 344

أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥

Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?

ثُمَّ بَيَّنُوا إنْكارَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ فَفارَقَتْ أرْواحُكم أجْسادَكم ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ وكانَتْ أجْسادُكم ﴿تُرابًا﴾ بِاسْتِيلاءِ التُّرابِ عَلى ما دُونُ عِظامِها ﴿وعِظامًا﴾ مُجَرَّدَةً؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَوْعُودَ بِهِ بَعْدَ أنْ حَرَّكَ النُّفُوسَ إلَيْهِ، وبَعَثَ بِما قَدَّمَهُ أتَمَّ بَعْثٍ عَلَيْهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ﴿أنَّكُمْ﴾ الأُولى إيضاحًا لِلْمَعْنى: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي صِرْتُمْ إلَيْها، فَراجِعُونِ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ عَلى ما كانَ لَكم مِنَ الأجْسامِ.

23:36Page 344

۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦

How far, how far, is that which you are promised.1

ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا التَّصْرِيحَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنِ اسْتِبْعادِهِمْ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ أيْ بَعُدَ بَعُدَ جِدًّا بِحَيْثُ صارَ مُمْتَنِعًا، ولَمْ يَرْفَعْ ما بَعْدَهُ بِهِ بَلْ قَطَعَ عَنْهُ تَفْخِيمًا لَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأيِّ شَيْءٍ هَذا الِاسْتِبْعادُ؟ فَقِيلَ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾

23:37Page 344

إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧

It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.

ولَمّا كانُوا بِهَذا التَّأْكِيدِ في التَّبْعِيدِ كَأنَّهم قالُوا: إنّا لا نُبْعَثُ أصْلًا، اتَّصَلَ بِهِ: ﴿إنْ هِيَ﴾ أيِ الحالَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُ لَنا سِواها ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ (p-١٤٠)أيِ الَّتِي هي أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْنا وهي ما نَحْنُ فِيها، ثُمَّ فَسَّرُوها بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ مِنّا مَن هو مَوْجُودٌ، ويَنْشَأُ آخَرُونَ بَعْدَهم ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

23:38Page 344

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨

He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما هَذا الكَلامُ الَّذِي يَقُولُهُ؟ فَقِيلَ: كَذِبٌ؛ ثُمَّ حَصَرُوا أمْرَهُ في الكَذِبِ فَقالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ إلا﴾ وألْهَبُوهُ عَلى تَرْكِ مِثْلِ ما خاطَبَهم بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَجُلٌ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿كَذِبًا﴾ والرَّجُلُ لا يَنْبَغِي لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، أوْ هو واحِدٌ وحْدَهُ، أيْ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما يُخْبِرُنا بِهِ مِنَ البَعْثِ والرِّسالَةِ.

23:39Page 344

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩

He said, "My Lord, support me because they have denied me."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإرْسالِي إلَيْهِمْ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ التَّرْبِيَةِ ﴿انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ أيْ أوْقِعْ لِيَ النَّصْرَ ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾

23:40Page 344

قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠

[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."

فَأجابَهُ رَبُّهُ بِأنْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ مِنَ الزَّمَنِ. وأكَّدَ قِلَّتَهُ بِزِيادَةِ ”ما“ ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ اتِّباعِكَ.

23:41Page 344

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ أنْ تَعْقُبَ هَلاكَهُمْ، وعَدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيِ الَّتِي كَأنَّها لِقُوَّتِها لا صِحِّيَّةَ إلّا هِيَ، (p-١٤١)ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها فَتَكُونُ صَيْحَةُ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ القَوْمُ ثَمُودَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَجازًا عَنِ العَذابِ الهائِلِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الَّذِي لا تُمْكِنُ مُدافَعَتُهُ لَهم ولا لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو عَدْلٌ ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ، بِسَبَبِ الصَّيْحَةِ ﴿غُثاءً﴾ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ، جاثِمَيْنِ أمْواتًا يُطْرَحُونَ كَما يُطْرَحُ الغُثاءُ، وهو ما يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِن نَباتٍ ونَحْوِهِ فَيَسُودُ ويَبْلى فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ، ونَجَّيْنا رَسُولَهم ومِن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَخابَ الكافِرُونَ، وأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، وكانُوا هُمُ الوارِثِينَ لِلْأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَلاكُهم عَلى هَذا الوَجْهِ سَبَبًا لِهَوانِهِمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبُعْدًا﴾ أيْ هَلاكًا وطَرْدًا. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن؟ قِيلَ: لَهُمْ! ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الضَّمِيرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ تَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن تَلَبَّسَ بِهِ فَقالَ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ الَّذِي لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ والمُدافَعَةِ عَنْهم ﴿الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ وضَعُوا قُوَّتَهُمُ الَّتِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُها في نَصْرِ الرُّسُلِ في خِذْلانِهِمْ.

23:42Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢

Then We produced after them other generations.

ولَمّا كانَتْ عادَةُ المُكَذِّبِينَ أنْ يَقُولُوا تَكْذِيبًا: هَذا تَعْرِيضٌ لَنا بِالهَلاكِ، فَصَرِّحْ ولا تَدَعْ جُهْدًا في إحْلالِهِ بِنا والتَّعْجِيلِ بِهِ (p-١٤٢)إلَيْنا، فَإنّا لا نَدَعْ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لِشَيْءٍ، وكانَ العَرَبُ أيْضًا قَدِ ادَّعَوْا أنَّ العادَةَ بِمَوْتِهِمْ وإنْشاءِ مَن بَعْدَهم شَيْئًا فَشَيْئًا لا تَنْخَرِمُ، قالَ تَعالى رادِعًا لَهُمْ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَضُرُّها تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ، وأثْبَتَ الجارَّ لِما تَقَدَّمَ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مَن نُوحٍ والقَرْنِ الَّذِي بَعْدَهُ ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾

23:43Page 345

مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣

No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].

ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْجَلْ عَلى أحَدٍ مِنهم قَبْلَ الأجَلِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ﴾ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَكُونُ، وأشارَ إلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيِ الَّذِي قَدَّرْناهُ لِهَلاكِها ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ، وكُلُّهم أسْفَرَتْ عاقِبَتُهُ عَنْ خَيْبَةِ المُكَذِّبِينَ وإفْلاحِ المُصَدِّقِينَ، وجَعْلِهِمْ بَعْدَهُمُ الوارِثِينَ، وعَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ في غَيْرِها مِنَ الآياتِ فَقَدَّمَ الِاسْتِئْخارَ لِأنَّهُ فَرَضَ هُناكَ مَجِيءَ الأجَلِ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ نَظَرٌ إلّا إلى التَّأْخِيرِ.

23:44Page 345

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤

Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.

ولَمّا كانَ قَدْ أمْلى لِكُلِّ قَوْمٍ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمَنُ، فَلَمّا لَمْ يَهْدِهم عُقُولُهم لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وأحَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ النِّقَمِ، أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا﴾ أيْ بَعْدِ إنْشاءِ كُلِّ قَرْنٍ مِنهم وطُولِ إمْهالِنا لَهُ، (p-١٤٣)ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ فَتْرَةً، وأضافَ الرُّسُلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ في مَقامِ العَظَمَةِ وزِيادَةً في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ قالَ الرّازِي: مِن وتَرَ القَوْسَ لِاتِّصالِهِ.

وقالَ البَغَوِيُّ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةً. وقالَ الأصْبِهانِيُّ: والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى. فَجاءَ كُلُّ رَسُولٍ إلى أُمَّتِهِ قائِلًا: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهِ غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ قِيلَ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ التَّكْذِيبِ، أضافَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ، ذَمًّا لَهم لِأنْ يَخُصُّوا بِالكَرامَةِ فَيَأْبَوْها ولِقَصْدِ التَّسْلِيَةِ أيْضًا فَقالَ: ﴿رَسُولُها﴾ أيْ بِما أمَرْناهُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ.

ولَمّا كانَ الأكْثَرُ مِن كُلِّ أمَةٍ مُكَذِّبًا، أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الكُلِّ فَقالَ: ﴿كَذَّبُوهُ﴾ أيْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ بِكَ لِما أمَرْتَهم بِذَلِكَ ﴿فَأتْبَعْنا﴾ القُرُونَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الإهْلاكِ، فَكُنّا نُهْلِكُ الأُمَّةَ كُلَّها في آنٍ واحِدٍ، بَعْضُهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضُهم بِالرَّجْفَةِ، وبَعْضُهم بِالخَسْفِ، وبَعْضُهم بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَدَلَّ أخْذُنا لَهم عَلى غَيْرِ العادَةِ - مِن إهْلاكِنا لَهم (p-١٤٤)جَمِيعًا وإنْجاءِ الرُّسُلِ ومِن صِدْقِهِمْ والمُخالَفَةِ بَيْنَهم في نَوْعِ العَذابِ - أنّا نَحْنُ الفاعِلُونَ بِهِمْ ذَلِكَ بِاخْتِيارِنا لا الدَّهْرُ، وأنّا ما فَعَلْنا ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ ذَهَبُوا لَمْ يَبْقَ عِنْدَ النّاسِ مِنهم إلّا أخْبارُهُمْ، جُعِلُوا إيّاها، فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها لِيَكُونُوا عِظَةً لِلْمُسْتَبْصِرِينَ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ولا يَخِيبُ المُؤْمِنُونَ، وما أحْسَنَ قَوْلَ القائِلِ:

؎ولا شَيْءَ يَدُومُ فَكُنْ حَدِيثًا جَمِيلَ الذِّكْرِ فالدُّنْيا حَدِيثُ

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ هَلاكَهُمُ المُقْتَضِيَ لِبُعْدِهِمْ فَقالَ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ﴾ أيْ أقْوِياءَ عَلى ما يُطْلَبُ مِنهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ وإنْ جَرَتْ عَلَيْهِمُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، لِأنَّهُ لا مِزاجَ لَهم مُعْتَدِلٌ.

23:45Page 345

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥

Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1

ولَمّا كانَ آلُ فِرْعَوْنَ قَدْ أنْكَرُوا الإيمانَ لِبَشَرٍ مِثْلِهِمْ كَما قالَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْمِ نُوحٍ والقَرْنِ الَّذِي بَعْدَهُمْ، وكانُوا أتْرَفَ أهْلِ زَمانِهِمْ، وأعْظَمَهم قُوَّةً، وأكْثَرَهم عُدَّةً، وكانُوا يَسْتَعْبِدُونَ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قَدْ نُقِلَ إلَيْنا مِنَ الآياتِ الَّتِي أظْهَرَ رَسُولَهم ما لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا مِثْلُهُ لِمَن تَقَدَّمَهُ، صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِهِمْ، وكَأنَّ الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ كانَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، فَدَلَّ عَلَيْها بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا (p-١٤٥)مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى﴾ وزادَ في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخاهُ هارُونَ﴾ أيْ عاضِدًا لَهُ وبَيانًا لِأنَّ إهْلاكَ فِرْعَوْنِ وآلِهِ جَمِيعًا مَعَ إنْجاءِ الرَّسُولَيْنِ مَعًا ومَن آمَنَ بِهِما لِإرادَةِ الواحِدِ القَهّارِ لِإفْلاحِ المُؤْمِنِينَ وخَيْبَةِ الكافِرِينَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيِ المُعْجِزاتِ، بِعَظْمَتِنا لِمَن يُبارِيها ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ عَظِيمَةٍ واضِحَةٍ، وهي حِراسَتُهُ وهو وحْدُهُ، وأعْلاهُ عَلى كُلِّ مَن ناواهُ وهم مَعَ قُوَّتِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ وعَجْزُهم عَنْ كُلِّ ما يَرُومُونَهُ مِن كَيْدِهِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ مِن جُمْلَةِ الآياتِ لَكِنَّها أعْظَمُها، وهي وحْدَها كافِيَةٌ في إيجابِ التَّصْدِيقِ.

23:46Page 345

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦

To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ وقَوْمِهِ.

ولَمّا كانَ الأطْرافُ لا يُخالِفُونَ الأشْرافَ، عَدَّهم عَدَمًا، ومِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِهِ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ إلى أنَّهم أوْجَدُوا الكِبْرَ عَنِ الِاتِّباعِ فِيما دُعُوا إلَيْهِ عَقِبَ الإبْلاغِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا تَثَبُّتٍ وطَلَبُوا أنْ لا يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِ مَن دَعاهُمْ، وأشارَ بِالكَوْنِ إلى فَسادِ جِبِلَّتِهِمْ فَقالَ: ﴿وكانُوا قَوْمًا﴾ أيْ أقْوِياءَ ﴿عالِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ مَن يُناوِيهم مِن أمْثالِهِمْ.

23:47Page 345

فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧

They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"

(p-١٤٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ وعُلُوِّهِمْ إنْكارُهم لِلِاتِّباعِ قالَ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ﴾ أيْ بِاللَّهِ مُصَدِّقِينَ ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ ”مِثْلُ“ و”غَيْرُ“ قَدْ يُوصَفُ بِهِما المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُثَنّى والجَمْعُ دُونَ تَغْيِيرٍ، ولَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى التَّثْنِيَةِ قالَ: ﴿مِثْلِنا﴾ أيْ في البَشَرِيَّةِ والمَأْكَلِ والمَشْرَبِ وغَيْرِهِما مِمّا يَعْتَرِي البَشَرَ كَما قالَ مَن تَقَدَّمَهم ﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ والحالُ أنَّ قَوْمَهُما ﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ في غايَةِ الذُّلِّ والِانْقِيادِ كالعَبِيدِ فَنَحْنُ أعْلى مِنهُما بِهَذا، ويا لَيْتَ شِعْرِي ما لَهم لَمّا جَعَلُوا هَذا شُبْهَةً لَمْ يَجْعَلُوا عَجْزَهم عَنْ إهْلاكِ الرُّسُلِ وعَمّا يَأْتُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ فُرْقانًا وما جَوابُهم عَنْ أنَّ مِنَ النّاسِ الجاهِلَ الَّذِي لا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ والعالِمَ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ مَن فاوَتَ بَيْنَهُما؟ وإذا جازَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ؟ .

23:48Page 345

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨

So they denied them and were of those destroyed.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ التَّكْذِيبُ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ الهَلاكُ، قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ أيْ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَكانُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وآلُهُ، ونَبَّهَ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِإغْراقِنا لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَهْلَكُوا بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ مَهْلَكٍ مُخْتارٍ بِدَلِيلِ إغْراقِهِمْ كُلِّهِمْ بِما كانَ سَبَبُ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم في أنْفُسِهِمْ ثُمَّ قُوَّتُهم عَلى خُصُوصِ بَنِي إسْرائِيلَ (p-١٤٧)بِاسْتِعْبادِهِمْ إيّاهُمْ، ولا ضَرَّ بَنِي إسْرائِيلَ ضَعْفُهم عَنْ دِفاعِهِمْ، ولا ذُلُّهم لَهم وصَغارُهم في أيْدِيهِمْ.

23:49Page 345

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩

And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.

ولَمّا كانَ ضَلالُ قَوْمِهِما الَّذِينَ اسْتَنْقَذْناهم مِن عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أعْجَبَ، وكانَ السّامِعُ مُتَشَوِّفًا إلى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ بَعْدَ نَصْرِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُبْتَدِئًا لَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ مُشِيرًا إلى حالِهِمْ في ضَلالِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ النّاظِمِ لِمَصالِحِ البَقاءِ الأوَّلِ بَلْ والثّانِي.

ولَمّا كانَ كِتابُهم لَمْ يَنْزِلْ إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كَما هو واضِحٌ لِمَن تَأمَّلَ أشْتاتَ قِصَّتِهِمْ في القُرْآنِ، وكانَ حالُ هَلاكِ القِبْطِ مُعَرِّفًا أنَّ الكِتابَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، اكْتَفى بِضَمِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ العَواقِبَ حالَ مَن تُرْجى هِدايَتُهُ، فَأفْهَمَ جَعْلُهم في ذَلِكَ في مَقامِ التَّرَجِّي أنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَهْتَدِ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وبَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ لَمْ تَهْلَكْ أُمَّةٌ بِعامَّةٍ بَلْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِ الكافِرِينَ - انْتَهى.

ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”لَعَلَّهم“ لِلْقُرُونِ الحادِثَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿قُرُونًا﴾ [المؤمنون: ٤٢] ورُبَّما أرْشَدَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ (p-١٤٨)ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] وقَدْ خَتَمَ الهَلاكَ العامَّ بِالإغْراقِ كَما فَتَحَ بِهِ، والنَّبِيّانِ اللَّذانِ وقَعَ ذَلِكَ لَهُما دَعا كُلٌّ مِنهُما عَلى مَن عَصاهُ، وكِلاهُما مَثَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في غَزْوَةِ بَدْرٍ في الشِّدَّةِ عَلى العُصاةِ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي أطاعَهُ النِّيلُ وأطاعَ جَيْشَهُ الدَّجْلَةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском