Al-Biqa'iAn‑Nur · 24:7–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:7–19

24:7Page 350

وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧

And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.

﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا القاذِفِ نَفْسِهِ ﴿إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما رَماها بِهِ، ولِأجْلِ قَطْعِهِ بِهَذِهِ الأيْمانِ الغَلِيظَةِ بِصِدْقِهِ وحُكْمِ اللَّهِ بِخَلاصِهِ انْتَفى عَنْهُ الوَلَدُ، فَلَزِمَ مِن نَفْيِهِ الفُرْقَةُ المُؤَبَّدَةُ مِن غَيْرِ لَفْظٍ لِعَدَمِ صَلاحِيَتِها أنْ تَكُونَ فِراشًا لَهُ، لِأنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ، ولا يَصِحُّ (p-٢١٨)اللِّعانُ إلّا عِنْدَ حاكِمٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ الإبْعادِ عَنِ القَذْفِ بِوُجُوبِ مَزِيدِ الِاحْتِياطِ، لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّكْرِيرِ والِاقْتِرانِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، والجَمْعِ بَيْنَ الإثْباتِ وما يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، والدُّعاءَ بِاللَّعْنِ المُباعِدِ لِصِفَةِ المُؤْمِنِ، فَإذا فَعَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ العَذابُ بِحَدِّ القَذْفِ وأوْجَبَهُ عَلى المَقْذُوفَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى.

24:8Page 350

وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨

But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.

﴿ويَدْرَأُ﴾ أيْ يَدْفَعُ ﴿عَنْها﴾ أيِ المَقْذُوفَةِ ﴿العَذابَ﴾ أيِ المَعْهُودَ، وهو الحَدُّ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْها ما تَقَدَّمَ مِن شَهادَةِ الزَّوْجِ ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ﴾ مِن خَمْسٍ ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى كَما تَقَدَّمَ في الزَّوْجِ ﴿إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما قالَهُ عَنْها.

24:9Page 350

وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩

And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.

﴿والخامِسَةَ﴾ مِنَ الشَّهاداتِ ﴿أنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا كُفُؤَ لَهُ ﴿عَلَيْها﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ اللَّعْنِ الَّذِي هو الطَّرْدُ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الغَضَبِ، وسَبَبُ التَّغْلِيظِ عَلَيْها الحَثُّ عَلى اعْتِرافِها بِالحَقِّ لِما يُعَضِّدُ الزَّوْجَ مِنَ القَرِينَةِ مِن أنَّهُ لا يَتَجَشَّمُ فَضِيحَةَ أهْلِهِ المُسْتَلْزِمِ لِفَضِيحَتِهِ إلّا وهو صادِقُ، ولِأنَّها مادَّةُ الفَسادِ، وهاتِكَةُ الحِجابِ، وخالِطَةُ الأنْسابِ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ فِيما رَماها بِهِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ (p-٢١٩)هِلالَ بْنَ أُمِّيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَذَفَ امْرَأتَهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:”البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ“، قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ! إذا رَأى أحَدُنا عَلى امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ، فَقالَ هِلالٌ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إنِّي لَصادِقٌ، ولِيَنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِما، فَجاءَ هِلالٌ فَشَهِدَ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:”إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟“ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، فَتَلَكَّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ. فَمَضَتْ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ:”أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقِينِ فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ“، فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» .

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ أيْضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها قِصَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ لِعُوَيْمِرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ الواحِدَةِ عِدَّةُ أسْبابٍ (p-٢٢٠)مَعًا أوْ مُتَفَرِّقَةً.

24:10Page 350

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.

ولَمّا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الجُمَلِ الأعْراضَ والأنْسابَ، فَصانَ بِذَلِكَ الدِّماءَ والأمْوالَ، عَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرُ الغافِرِينَ وخَيْرُ الرّاحِمِينَ، لَما فَعَلَ بِكم ذَلِكَ، ولَفَضَحَ المُذْنِبِينَ، وأظْهَرَ سَرائِرَ المُسْتَخِفِّينَ، فَفَسَدَ النِّظامُ، وأطْبَقْتُمْ عَلى التَّهاوُنِ بِالأحْكامِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي عُلِمَ تَقْدِيرُهُ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الكَرَمِ والجَمالِ، والِاتِّصافِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ بِكم ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿تَوّابٌ﴾ أيْ رَجّاعٌ بِالعُصاةِ إلَيْهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَحْكُمُ الأُمُورَ فَيَمْنَعُها مِنَ الفَسادِ بِما يَعْلَمُ مِن عَواقِبِ الأُمُورِ، لِفَضْحِ كُلِّ عاصٍ، ولَمْ يُوجِبْ أرْبَعَةَ شُهَداءَ سِتْرًا لَكُمْ، ولَأمَرَ بِعُقُوبَتِهِ بِما تُوجِبُهُ مَعْصِيَتُهُ، فَفَسَدَ نِظامُكُمْ، واخْتَلَّ نَقْضُكم وإبْرامُكُمْ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ وصْفُهُ، فَتَذْهَبُ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَهو كَما قالُوا: رُبَّ مَسْكُوتٍ عَنْهُ أبْلَغُ مِن مَنطُوقٍ بِهِ.

24:11Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١

Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].

ثُمَّ عَلَّلَ ما اقْتَضَتْهُ ”لَوْلا“ مِن نَحْوِ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إفْضالًا عَلَيْكم ورَحْمَةً لَكُمْ، بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِما عَرَفَ مِن حالِ كَثِيرٍ مِمَّنْ غَضِبَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مِن إرادَةِ العُقُوبَةِ لِلْآفِكِينَ بِضَرْبِ الأعْناقِ، مُنَبِّهًا لَهم عَلى أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى مَفْسَدَةٍ كَبِيرَةٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ (p-٢٢١)أيْ أسْوَأِ الكَذِبِ لِأنَّهُ القَوْلُ المَصْرُوفُ عَنْ مَدْلُولِهِ إلى ضِدِّهِ، المَقْلُوبُ عَنْ وجْهِهِ إلى قَفاهُ، وعُرِّفَ زِيادَةَ تَبْشِيعٍ لَهُ في هَذا المَقامِ، حَتّى كَأنَّهُ لا إفْكَ إلّا هو لِأنَّهُ في حَقِّ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهي مِن أحَقِّ النّاسِ بِالمِدْحَةِ لِما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَصانَةِ والشَّرَفِ والعِفَّةِ والكَرَمِ، فَمَن رَماها بِسُوءٍ فَقَدْ قَلَبَ الأمْرَ عَنْ أحْسَنِ وُجُوهِهِ إلى أقْبَحِ أقْفائِهِ، وتَرَكَ تَسْمِيَتَها تَنْزِيهًا لَها عَنْ هَذا المَقامِ، إبْعادًا لِمَصُونِ جانِبِها العَلِيِّ عَنْ هَذا المَرامِ ﴿عُصْبَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ أقَلُّهم عَشَرَةٌ وأكْثَرُهم أرْبَعُونَ، فَهم لِكَوْنِهِمْ عُصْبَةً يَحْمى بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَيَشْتَدُّ أمْرُهُمْ، لِأنَّ مَدارَ مادَّةِ ”عَصَبَ“ عَلى الشِّدَّةِ، وهم مَعَ ذَلِكَ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ يُعَدُّ عِنْدَكم في عِدادِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ فَضَحَهُمُ اللَّهُ في جَمِيعِ ما أسَرُّوهُ وأعْلَنُوهُ، وأمَرَكم بِأنْ تُعاقِبُوهم بِما يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ، لَفَسَدَتْ ذاتُ البَيْنِ، بِحِمايَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ وهم كَثِيرٌ، وتَعَصِّبِ أوِدّائِهِمْ لَهُمْ، إلّا بِأمْرٍ خارِقٍ يَعْصِمُ بِهِ مِن ذَلِكَ كَما كَشَفَتْ عَنْهُ التَّجْرِبَةُ حِينَ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: «مَن يَعْذُرُنِي مِن رَجُلٍ بَلَغَ أذاهُ في أهْلِي» حِينَ كادُوا يَقْتَتِلُونَ لَوْلا أنَّ سَكَّنَهم (p-٢٢٢)النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ بِرَحْمَتِهِ بِكم يَمْنَعُ مِن كَيْدِهِمْ بِبَيانِ كَذِبِهِمْ، وبِحِكْمَتِهِ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ ويُخِيفُهُمْ، لِتَنْحَسِمَ مادَّةُ مَكْرِهِمْ، وتَنْقَطِعَ أسْبابُ ضُرِّهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا مُقْتَضِيًا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ، تَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ مُخاطِبًا لِلْخُلَّصِ وخُصُوصًا النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وعائِشَةَ وأُمَّها وصَفْوانَ بْنَ المُعَطِّلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ﴾ أيِ الإفْكَ ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ بِأنْ يُصَدِّقَهُ أحَدٌ أوْ تَنْشَأ عَنْهُ فِتْنَةٌ ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِثُبُوتِ البَراءَةِ المُوجِبَةِ لِلْفَخْرِ الَّذِي لا يَلْحَقُ، بِتِلاوَتِها عَلى مَرِّ الدُّهُورِ بِألْسِنَةِ مَن لا يُحْصى مِنَ العِبادِ، في أكْثَرِ البِلادِ، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والصِّدِّيقِينَ بِذَلِكَ، مَعَ الثَّوابِ الجَزِيلِ، بِالصَّبْرِ عَلى مَرارَةِ هَذا القِيلِ، وثُبُوتِ إعْجازِ القُرْآنِ بَعْدَ إعِجازِهِ بِالبَلاغَةِ بِصِدْقِهِ في صِيانَةِ مَن أثْنى عَلَيْها في ذَلِكَ الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، الَّذِي عاشَتْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ إلى أنْ ماتَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أتْقى النّاسِ دِيانَةً، وأظْهَرَهم صِيانَةً، وأنْقاهم عِرْضًا، وأطْهَرَهم نَفْسًا، فَهو لِسانُ صِدْقٍ في الدُّنْيا، ورِفْعَةُ مَنازِلَ في الآخِرَةِ إلى غَيْرِ (p-٢٢٣)ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، الَّتِي رَتَّبَها بارِئُ النَّسَمِ، مِنَ الفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والأحْكامِ والآدابِ.

ولَمّا كانَ لا شِفاءَ لِغَيْظِ الإنْسانِ أعْظَمُ مِنِ انْتِصارِ المَلِكِ الدَّيّانِ لَهُ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ﴾ أيِ الآفِكِينَ ﴿ما﴾ أيْ جَزاءُ ما ﴿اكْتَسَبَ﴾ بِخَوْضِهِ فِيهِ ﴿مِنَ الإثْمِ﴾ المُوجِبِ لِشَقائِهِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن ”كَسَبَ“ تُسْتَعْمَلُ في الذَّنْبِ إشارَةً إلى أنَّ الإثْمَ يُرَتَّبُ عَلى ما حَصَلَ فِيهِ تَصْمِيمٌ وعَزْمٌ قَوِيٌّ صَدَّقَهُ العَمَلُ بِما فِيهِ مِنَ الجِدِّ والنَّشاطِ، وتَجَرَّدَ في الخَيْرِ إشارَةً إلى أنَّ الثَّوابَ يُكْتَبُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الخَيْرِ بَلْ ونِيَّتِهِ ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ أيْ مُعْظَمَهُ بِإشاعَتِهِ والمُجاهَرَةِ بِهِ ﴿مِنهم لَهُ﴾ بِما يَخُصُّهُ لِإمْعانِهِ في الأذى ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ أعْظَمُ مِن عَذابِ الباقِينَ، لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا إلّا كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا، وقَصَّةُ الإفْكِ مَعْرُوفَةٌ في الصَّحِيحِ والسُّنَنِ وغَيْرِها شَهِيرَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزا بَنِيِ المُصْطَلَقِ بَعْدَ ما أُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ، وكانَتْ مَعَهُ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ زَوْجَتُهُ أمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَحْمِلُ هَوْدَجَ لَها، فافْتَقَدَتْ عُقْدًا لَها لَيْلَةً فَرَجَعَتْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تَخَلَّتْ (p-٢٢٤)فِيهِ فالتَمَسَتْهُ، فَرَحَلَ النَّبِيُّ ﷺ وحَمَلَ جَمّالُوها هَوْدَجَها وهم يَظُنُّونَها فِيهِ، فَلَمّا رَجَعَتْ فَلَمْ تَجِدْ أحَدًا اضْطَجَعَتْ مَكانَ هَوْدَجِها رَجاءَ أنْ يَعْلَمُوا بِها فَيَرْجِعُوا، وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلُ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ عَرَّسَ مِن وراءِ الجَيْشِ، فَأصْبَحَ في مَكانِهِمْ، فَلَمّا رَآها وكانَ يَراها قَبْلَ الحِجابِ اسْتَرْجَعَ وأناخَ راحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلى يَدِها، ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ غَيْرِ اسْتِرْجاعِهِ، فَرَكِبَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ثُمَّ أقْبَلَ بِها حَتّى لَحِقَ بِالجَيْشِ وهم نُزُولٌ في نِصْفِ النَّهارِ، فَتَكَلَّمَ أهْلُ الإفْكِ فِيهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكانَ مَن سُمِّيَ مِنهم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المُنافِقَ، وزَيْدَ بْنَ رَفاعَةَ، ومِسْطَحَ بْنَ أثاثَةَ، وحِمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ»، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: في ناسٍ آخَرِينَ لا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أنَّهم عُصْبَةٌ كَما قالَ تَعالى.

وهَكَذا ذَكَرُوا حَسّانَ مِنهم وأنا واللَّهِ لا أظُنُّ بِهِ أصْلًا وإنْ جاءَتْ تَسْمِيَتُهُ في الصَّحِيحِ فَقَدْ يُخْطِئُ الثِّقَةُ لِأسْبابٍ لا تُحْصى، كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن مارَسَ نَقْدَ الأخْبارِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ ولا شُغْلَ لَهُ إلّا مَدْحُ النَّبِيِّ ﷺ والمُدافَعَةُ عَنْهُ والذَّمُّ لِأعْدائِهِ وقَدْ شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ أنَّ الَّذِي أيَّدَهُ بِجِبْرِيلَ ما كانَ (p-٢٢٥)لِيَكِلَهُ إلى نَفْسِهِ في مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وقَدْ سَبَقَنِي إلى الذَّبِّ عَنْهُ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وكَيْفَ لا يُنافِحُ عَنْهُ وهو القائِلُ:

؎فَإنَّ أبِي ووالِدَهُ وعِرْضِي لِعَرْضِ مُحَمَّدٍ مِنكُمُ وِقاءُ

وهُوَ القائِلُ يَمْدَحُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ويُكَذِّبُ مَن نَقَلَ عَنْهُ ذَلِكَ:

؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ

؎حَلِيلَةُ خَيْرِ النّاسِ دِينًا ومَنصِبًا ∗∗∗ نَبِيُّ الهُدى والمَكْرُماتِ الفَواضِلِ

؎عَقِيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ∗∗∗ كِرامُ المَساعِي مَجْدُها غَيْرُ زائِلِ

؎مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَها ∗∗∗ وطَهَّرَها مِن كُلِّ شَيْنٍ وباطِلِ

؎فَإنْ كانَ ما بُلِّغْتَ عَنِّي قُلْتُهُ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي

؎وكَيْفَ ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتِي ∗∗∗ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ المَحافِلِ

؎لَهُ رُتَبٌ عالٍ عَلى النّاسِ فَضْلُها ∗∗∗ تَقاصَرُ عَنْها سَوْرَةُ المُتَطاوِلِ

وقالَ الحافِظَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ: وأنْكَرَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ حَسّانُ خاضَ في الإفْكِ وجُلِدَ فِيهِ ورَوَوْا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (p-٢٢٦)أنَّها بَرَّأتْهُ مِن ذَلِكَ - انْتَهى.

واسْتَمَرَّ أهْلُ الإفْكِ في هَذا أكْثَرَ مِن شَهْرٍ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَقُولُونَ، وأنَّ قَوْلَهم يَكادُ يَقْطَعُ أكْبادَ أحَبِّ خَلْقِهِ إلَيْهِ، وهو قادِرٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ عِنْدَ أوَّلِ ما خاضُوا فِيهِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ لِناسٍ رِفْعَةَ الدَّرَجاتِ، ولِآخَرِينَ الهَلاكَ، فَيا لَلَّهِ ما لَقِيَ النَّبِيُّ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصِّدِّيقُ وآلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وكُلُّ مَن أحَبَّهم وهم خَيْرُ النّاسِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُمْلِي لِلْآفِكِينَ ويُمْهِلُهُمْ، وكَأنَّ الحالَ لَعَمْرِي كَما قالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ في قَصِيدَةٍ:

؎كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولِيَفْدَحِ الأمْرُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ ماؤُها عُذْرُ

وحِينَ سَمِعَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْها وأصابَتْها حُمّى بِنافِضٍ، واسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في إتْيانِ بَيْتِ أبِيها فَأذِنَ لَها فَسَألَتْ أُمَّها عَنِ الخَبَرِ، فَأخْبَرَتْها فاسْتَعْبَرَتْ وبَكَتْ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في عِلِّيَّةٍ يَقْرَأُ فَسَمِعَ حِسَّها فَنَزَلَ فَسَألَ أُمَّها فَقالَتْ: بَلَغَها الَّذِي ذَكَرَ مِن شَأْنِها، فَفاضَتْ عَيْناهُ، واسْتَمَرَّتْ هي رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَبْكِي حَتّى ظَنَّتْ أنَّ البُكاءَ فالِقُ كَبِدِها، وساعَدَتْها عَلى البُكاءِ امْرَأةٌ مِن أُولِي الوَفاءِ والمُؤاساةِ والكَرَمِ والإيثارِ ومَعالِي الشِّيَمِ: الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَكانَتْ تَبْكِي مَعَها، «وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها جارِيَتَها (p-٢٢٧)بِرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فاسْتَعْظَمَتْ أنْ يَظُنَّ في عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِثْلَ ذَلِكَ فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ! واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلَيْها إلّا ما يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلى تِبْرِ الذَّهَبِ الأحْمَرِ، وخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ عَلى المِنبَرِ واسْتَعْذَرَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في أهْلِهِ وما عَلِمَ عَلَيْهِمْ إلّا خَيْرًا، وشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ بِصَلاحِ صَفْوانِ بْنِ المُعَطِّلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأنَّهُ ما عَلِمَ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، فَكادَ النّاسُ يَقْتَتِلُونَ فَسَكَّنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ أنْ صَلّى العَصْرَ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهي تَبْكِي والأنْصارِيَّةُ مَعَها فَوَعَظَها، فَأجابَتْ وأجادَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَأمّا أنا حِينَ رَأيْتُ مِن ذَلِكَ ما رَأيْتُ فَوَ اللَّهِ ما فَزِعْتُ وما بالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أنِّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ اللَّهَ غَيْرُ ظالِمِي، وأمّا أبَوايَ فَوالَّذِي نَفْسُ عائِشَةَ بِيَدِهِ! ما سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنْتُ لِتَخْرُجَنَّ أنْفُسُهُما فَرَقًا مِن أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِتَحْقِيقِ ما قالَهُ النّاسُ، قالَتْ: فَرُفِعَ عَنْهُ وإنِّي لَأتَبَيَّنُ السُّرُورَ في وجْهِهِ وهو يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ العَرَقَ ويَقُولُ: ”أبْشِرِي يا عائِشَةُ، فَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ بَراءَتَكِ“، فَكُنْتُ أشَدَّ ما كُنْتُ غَضَبًا، فَقالَ لِي أبَوايَ: قُومِي إلَيْهِ! فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أقُومُ إلَيْهِ (p-٢٢٨)ولا أحْمَدُهُ ولا أحْمَدُكُما ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَما أنْكَرْتُمُوهُ ولا غَيَّرْتُمُوهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ العَشْرَ الآياتِ كُلَّها، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: واللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ ما قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ما كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثى قَطُّ. قالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا في سَبِيلِ اللَّهِ».

24:12Page 351

لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢

Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِقابِهِمْ، وكانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن سَمِعَهُ فَسَكَتَ، وفِيهِمْ مَن سَمِعَهُ فَتَحَدَّثَ بِهِ مُتَعَجِّبًا مِن قائِلِهِ، أوْ مُسْتَثْبِتًا في أمْرِهِ، ومِنهم مَن كَذَّبَهُ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِعِتابِهِمْ، في أُسْلُوبِ خِطابِهِمْ، مُثْنِيًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُحَرِّضًا: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أيُّها المُدَّعُونَ لِلْإيمانِ. ولَمّا كانَ هَذا الإفْكُ قَدْ تَمالَأ عَلَيْهِ رِجالٌ ونِساءٌ قالَ: ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِنكم ﴿والمُؤْمِناتُ﴾ وكانَ الأصْلُ: ظَنَنْتُمْ، ولَكِنَّهُ التَفَتَ إلى الغَيْبَةِ تَنْبِيهًا عَلى التَّوْبِيخِ، وصَرَّحَ بِالنِّساءِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِحُسْنِ الظَّنِّ تَخْوِيفًا لِلَّذِي ظَنَّ السُّوءَ مِن سُوءِ الخاتِمَةِ: ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ حَقِيقَةً ﴿خَيْرًا﴾ وهم دُونَ مِن كُذِبَ عَلَيْها، فَقَطَعُوا بِبَراءَتِها لِأنَّ الإنْسانَ لا يَظُنُّ بِالنّاسِ إلّا ما هو مُتَّصِفٌ بِهِ أوْ بِإخْوانِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كالجَسَدِ الواحِدِ، أوْ ظَنُّوا (p-٢٢٩)ما يُظَنُّ بِالرَّجُلِ لَوْ خَلا بِأُمِّهِ، وبِالمَرْأةِ إذا خَلَتْ بِابْنِها، فَإنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ﴾ أيْ كَذِبٌ عَظِيمٌ خَلْفٌ مُنْكَبٌّ عَلى وجْهِهِ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحٌ في نَفْسِهِ، مُوَضِّحٌ لِغَيْرِهِ، وبَيانُهُ وظُهُورُهُ أنَّ المُرْتابَ يَكادُ يَقُولُ: خُذُونِي فَهو يَسْعى في التَّسَتُّرِ جَهْدَهُ، فَإتْيانُ صَفْوانَ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها راكِبَةً عَلى جَمَلِهِ داخِلًا بِهِ الجَيْشَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ والنّاسُ كُلُّهم يُشاهِدُونَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهم يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ، إدْلالًا بِحُسْنِ عَمَلِهِ، غافِلًا عَمّا يَظُنُّ بِهِ أهْلُ الرَّيْبِ، أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَراءَةِ وكَذِبِ القاذِفِينَ، ولَوْ كانَ هُناكَ أدْنى رِيبَةٍ لَجاءَ كُلٌّ مِنهُما وحْدَهُ عَلى وجْهٍ مِنَ التَّسَتُّرِ والذُّعْرِ، تُعْرَفُ بِهِ خِيانَتُهُ، فالأُمُورُ تُذاقُ، ولا يَظُنُّ الإنْسانُ بِالنّاسِ إلّا ما في نَفْسِهِ، ولَقَدْ عَمِلَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ وصاحِبَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي أبِي إسْحاقُ بْنُ يَسارٍ عَنْ بَعْضِ رِجالِ بَنِي النَّجّارِ أنَّ أبا أيُّوبَ خالِدُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ أمُّ أيُّوبَ: يا أبا أيُّوبَ ألّا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها؟ قالَ: بَلى وذَلِكَ كَذِبٌ، أكُنْتِ يا أمَّ أيُّوبَ فاعِلَةً؟ قالَتْ لا واللَّهِ ما كُنْتُ لِأفْعَلَهُ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ. ورَوى البَغَوِيُّ أنَّهُ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

24:13Page 351

لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣

Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.

ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ (p-٢٣٠)بَيانَ كَذِبِ الآفِكِينَ بِأنْ قالَ مُوَبِّخًا لِمَنِ اخْتَلَقَهُ وأذاعَهُ مُلَقِّنًا لِمَن نَدَبَهُ إلى ظَنِّ الخَيْرِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿جاءُوا﴾ أيِ المُفْتَرُونَ لَهُ أوَّلًا ﴿عَلَيْهِ﴾ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴿بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ كَما تَقَدَّمَ أنَّ القَذْفَ لا يُباحُ إلّا بِها.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ كَذِبُهم قالَ: ﴿فَإذْ﴾ أيْ فَحِينَ ﴿لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ الصَّوابِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِ المَلِكِ الأعْلى، بَلْ وفي هَذِهِ الواقِعَةِ بِخُصُوصِها في عِلْمِهِ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيِ الكَذِبَ العَظِيمَ ظاهِرًا وباطِنًا.

24:14Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment

ولَمّا بَيَّنَ لَهم بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَذِبِ الخائِضِينَ في هَذا الكَلامِ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا المَلامَ، وكانَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا لِأهْلِ التَّقْوى، بَيَّنَ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا بِالتَّقْصِيرِ في الإنْكارِ عُمُومَ الِانْتِقامِ في سِياقٍ مُبَشِّرٍ بِالعَفْوِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَوْلا﴾ الماضِيَةِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ مُعامَلَتُهُ لَكم بِمَزِيدِ الإنْعامِ، النّاظِرِ إلى الفَضْلِ والإكْرامِ، اللّازِمِ لِلرَّحْمَةِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والمُعامَلَةِ بِالحِلْمِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِالعَفْوِ عَمَّنْ يُرِيدُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ مِنكم ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ عاجِلًا عُمُومًا ﴿فِي ما أفَضْتُمْ﴾ أيِ انْدَفَعْتُمْ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ﴿فِيهِ﴾ بَعْضُكم حَقِيقَةً، وبَعْضُكم مَجازًا بِعَدَمِ الإنْكارِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ (p-٢٣١)يُحْتَقَرُ مَعَهُ اللَّوْمُ والجَلْدُ، بِأنْ يَهْلَكَ فَيَتَّصِلُ بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ.

24:15Page 351

إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.

ثُمَّ بَيَّنَ وقْتَ حُلُولِهِ وزَمانَ تَعْجِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ مَسِّكم حِينَ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ أيْ تَجْتَهِدُونَ في تَلَقِّي أيْ قَبُولِ هَذا الكَلامِ الفاحِشِ وإلْقائِهِ ﴿بِألْسِنَتِكُمْ﴾ بِإشاعَةِ البَعْضِ وسُؤالِ آخَرِينَ وسُكُوتِ آخَرِينَ ﴿وتَقُولُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ تَصْوِيرٌ لِمَزِيدِ قُبْحِهِ، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلا يُمْكِنُ ارْتِسامُهُ في القَلْبِ بِنَوْعِ دَلِيلٍ؛ وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ ﴿وتَحْسَبُونَهُ﴾ بِدَلِيلِ سُكُوتِكم عَنْ إنْكارِهِ ﴿هَيِّنًا وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا يَبْلُغُ أحَدٌ مِقْدارَ عَظَمَتِهِ ﴿عَظِيمٌ﴾ أيْ في حَدِّ ذاتِهِ ولَوْ كانَ في غَيْرِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَكَيْفَ وهو في جَنابِها المَصُونِ، وهي زَوْجَةُ خاتَمِ الأنْبِياءِ وإمامِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأفْضَلُ التَّسْلِيمِ.

24:16Page 351

وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦

And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?

ولَمّا بَيَّنَ فُحْشَهُ وشَناعَتَهُ، وقُبْحَهُ وفَظاعَتَهُ، عَطَفَ عَلى التَّأْدِيبِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] تَأْدِيبًا فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ﴾ أيْ وهَلّا حِينَ ﴿سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ أيْ حِينَ السَّماعِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا تَلَعْثُمٍ، وفَصَلَ بَيْنَ آلَةِ التَّحْضِيضِ والقَوْلِ المُحَضَّضِ عَلَيْهِ بِالظَّرْفِ لِأنَّ الظُّرُوفَ تُنْزِلُ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيها، وأنَّها لا انْفِكاكَ لَها (p-٢٣٢)عَنْهُ، ولِأنَّ ذِكْرَهُ مُنَبِّهٌ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِ لِوُجُوبِ المُبادَرَةِ إلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ: ﴿ما يَكُونُ﴾ أيْ ما يَنْبَغِي وما يَصِحُّ ﴿لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ﴾ حَقِيقَةً بِالنُّطْقِ ولا مَجازًا بِالسُّكُوتِ عَنِ الإنْكارِ ﴿بِهَذا﴾ أيْ بِمِثْلِهِ في حَقِّ أدْنى النّاسِ فَكَيْفَ بِمَنِ اخْتارَها العَلِيمُ الحَكِيمُ لِصُحْبَةِ أكْمَلِ الخَلْقِ، ثُمَّ دَلَلْتُمْ عَلى شِدَّةٍ نَفْرَتِكم مِنهُ بِأنْ وصَلْتُمْ بِهَذا النَّفْيِ قَوْلَكُمْ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَعَجُّبًا مِن أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ، في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

ولَمّا كانَ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى في مِثْلِ ذَلِكَ وإنْ كانَ لِلتَّعَجُّبِ إشارَةً إلى تَنْزِيهِ المَقامِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّعَجُّبُ تَنْزِيهًا عَظِيمًا، حَسُنَ أنْ يُوصَلَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعْلِيلًا لِلتَّعَجُّبِ والنَّفْيِ: ﴿هَذا بُهْتانٌ﴾ أيْ كَذِبٌ يَبْهَتُ مَن يُواجِهُ بِهِ، ويُحَيِّرُهُ لِشِدَّةِ ما يَفْعَلُ في القُوى الباطِنَةِ، لِأنَّهُ في غايَةِ الغَفْلَةِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ النّاسِ مِنهُ؛ ثُمَّ هَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أوَّلًا أنْ لا يَظُنَّ بِإخْوانِهِ المُؤْمِنِينَ ولا يَسْمَعُ فِيهِمْ إلّا خَيْرًا، فَإنْ غَلَبَهُ الشَّيْطانُ وارْتَسَمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في ذِهْنِهِ فَلا يَتَكَلَّمُ بِهِ، ويُبادِرُ إلى تَكْذِيبِهِ.

24:17Page 351

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧

Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ وعْظًا لَهم واسْتِصْلاحًا، تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يُرَقِّقُ قُلُوبَكُمُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ فَيُمْهِلُ بِحَمْلِهِ، ولا يُمْهِلُ بِحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، بِالتَّحْذِيرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ: ﴿أنْ﴾ أيْ كَراهَةً لِأنْ (p-٢٣٣)﴿تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ أيْ ما دُمْتُمْ أهْلًا لِسَماعِ هَذا القَوْلِ؛ ثُمَّ عَظَّمَ هَذا الوَعْظَ، وألْهَبَ سامِعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُتَّصِفِينَ بِالإيمانِ راسِخِينَ فِيهِ فَإنَّكم لا تَعُودُونَ، فَإنْ عُدْتُمْ فَأنْتُمْ غَيْرُ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ الِاتِّصافَ بِهِ.

24:18Page 351

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.

﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الِاتِّصافِ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ العَلاماتِ المُوَضِّحَةَ لِلْحَقِّ والباطِلِ، مَن كُلِّ أمْرٍ دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكَمالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَثِقُوا بِبَيانِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَضَعُ شَيْئًا إلّا في أحْكَمِ مَواضِعِهِ وإنْ دَقَّ عَلَيْكم فَهْمُ ذَلِكَ، فَلا تَتَوَقَّفُوا في أمْرٍ مِن أوامِرِهِ، واعْلَمُوا أنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا الخُلَّصَ مِن عِبادِهِ، عَلى حَسَبِ مَنازِلِهِمْ عِنْدَهُ، وقُرْبِهِمْ مَن قَلْبِهِ.

24:19Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩

Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ الوَعْظِ بَيانُ ما يَسْتَحِقُّ عَلى الذَّنْبِ مِنَ العِقابِ، أدَّبَهم تَأْدِيبًا ثالِثًا أشَدَّ مِنَ الأوَّلَيْنِ، فَقالَ واعِظًا ومُقَبِّحًا لِحالِ الخائِضِينَ في الإفْكِ ومُحَذِّرًا ومُهَدِّدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ عَبَّرَ بِالحُبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَرْتَكِبُ هَذا مَعَ شَناعَتِهِ إلّا مُحِبٌّ لَهُ، ولا يُحِبُّهُ إلّا بَعِيدٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ ﴿أنْ تَشِيعَ﴾ أيْ تَنْتَشِرَ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ ﴿الفاحِشَةُ﴾ أيِ الفِعْلَةُ الكَبِيرَةُ القُبْحِ، ويَصِيرُ لَها شِيعَةً يُحامُونَ عَلَيْها (p-٢٣٤)﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَوْ كانُوا في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ فَكَيْفَ بِمَن تَسَنَّمَ ذِرْوَتَهُ، وتَبَوَّأ غايَتَهُ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ رَدْعًا لَهم عَنْ إرادَةِ إشاعَةِ مِثْلِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن عَظِيمِ الأذى ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالحَدِّ وغَيْرِهِ مِمّا يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهم بِهِ ﴿والآخِرَةِ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ هَلْ كَفَّرَ الحَدُّ عَنْهم جَمِيعَ مُرْتَكَبِهِمْ أمْ لا ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ لَهُ العِلْمُ التّامُّ، فَهو يَعْلَمُ مَقادِيرَ الأشْياءِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ وما الحِكْمَةُ في سَتْرِهِ أوْ إظْهارِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأُمُورِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ مِن أنْفُسِكم فاعْلَمُوا بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، ولا تَتَجاوَزُوهُ تَضِلُّوا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском