Al-Biqa'iAn‑Nur · 24:29–34

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:29–34

24:29Page 353

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

ولَمّا كانَ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي قَدْ لا يُوجَدُ بِها أحَدٌ ما يُباحُ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِخُلُوِّهِ أوْ عَدَمِ اخْتِصاصِ النّازِلِ بِهِ كالخاناتِ والرَّبْطِ، أتْبَعَ ما تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ في النَّهْيِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ مَيْلٌ بِلَوْمٍ أصْلًا ﴿أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ كالخاناتِ والرَّبْطِ ﴿غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها مَتاعٌ﴾ (p-٢٥٣)أيِ اسْتِمْتاعٌ بِنَوْعِ انْتِفاعٍ كالِاسْتِظْلالِ ونَحْوِهِ ﴿لَكُمْ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ المُعَدُّ لِلضَّيْفِ إذا أذِنَ فِيهِ صاحِبُهُ في أوَّلِ الأمْرِ ووَضَعَ الضَّيْفَ مَتاعَهُ فِيهِ، لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلى ما يُرادُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ ويُرادُ طَيُّهُ عَنْ عِلْمِ الغَيْرِ، فَإذا لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِلِاسْتِئْذانِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ لا يَمْنَعُكم مِمّا يَنْفَعُكُمْ، ولا يَضُرُّ غَيْرُكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿يَعْلَمُ﴾ في كُلِّ وقْتٍ ﴿ما تُبْدُونَ﴾ وأكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾ تَحْذِيرًا مِن أنْ تُزاحِمُوا أحَدًا في مُباحٍ بِما يُؤْذِيهِ ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ، مُعْتَلِّينَ بِأصْلِ الإباحَةِ، أوْ يُؤْذَنُ لَكم في مَنزِلٍ فَتُبْطِنُوا فِيهِ الخِيانَةَ فَإنَّهُ وإنْ وقَعَ الِاحْتِرازُ مِنَ الخَوَنَةِ بِالحِجابِ فَلا بُدَّ مِنَ الخُلْطَةِ لِما بُنِيَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الحاجَةِ إلى العِشْرَةِ، ولِذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ قَوْلُهُ تَعالى؛ مُقْبِلًا عَلى أعْلى خَلْقِهِ فَهْمًا وأشَدِّهِمْ لِنَفْسِهِ ضَبْطًا دُونَ بَقِيَّتِهِمْ، إشارَةً إلى صُعُوبَةِ الأمْرِ وخَطَرِ المَقامِ، مُخَوِّفًا لَهم بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، بِالتَّرَدِّي بِرِداءِ الكِبْرِ، والِاحْتِجابِ في مَقامِ القَهْرِ.

24:30Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَبَّرَ بِالوَصْفِ إشارَةً إلى عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِاحْتِرازِ مِنَ المُخالِطِ بَعْدَ الخُلْطَةِ، وأنَّهُ لا يَعْفُ فِيها إلّا مَن رَسَخَ الإيمانُ في قَلْبِهِ (p-٢٥٤)لِخَفاءِ الخِيانَةِ حِينَئِذٍ بِخِلافِ ما سَبَقَ في المَنعِ مِنَ الدُّخُولِ حَيْثُ كانَ التَّعْبِيرُ بِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ ﴿يَغُضُّوا﴾ أيْ يَخْفِضُوا ولا يَرْفَعُوا، بَلْ يَكُفُّوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ.

ولَمّا كانَ الأمْرُ في غايَةِ العُسْرِ، قالَ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ بِإثْباتِ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ النَّظْرَةِ الأُولى، وأنَّ المَأْخُوذَ بِهِ إنَّما هو التَّمادِي، ولَمّا كانَ البَصَرُ بَرِيدَ الزِّنى قَدَّمَهُ.

ولَمّا كانَ حِفْظُ الفَرْجِ لِخَطَرِ المُواقَعَةِ أسْهَلَ مِن حِفْظِ البَصَرِ، ولِأنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهِ مِن غَيْرِ اخْتِبارٍ، حَذَفَ ”مِن“ لِقَصْدِ العُمُومِ فَقالَ: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ حَرامٍ مِن كَشْفٍ وغَيْرِهِ ولَمْ يَسْتَثْنَ الزَّوْجَةَ ومِلْكَ اليَمِينِ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما سَبَقَ في المُؤْمِنُونَ، ولِأنَّ المَقامَ لِلتَّهْوِيلِ في أمْرٍ لِلْحِفْظِ والتَّشْدِيدِ، ورَغَّبَ في ذَلِكَ بِتَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي العَظِيمُ مِن كُلٍّ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ الَّذِي أمَرْتُهم بِهِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ أقْرَبُ إلى أنْ يَنْمُوا ويُكْثِرُوا ويُطَهَّرُوا حِسًّا ومَعْنًى، ويُبارِكَ لَهُمْ، أمّا الحِسِّيُّ فَهو أنَّ الزِّنى مَجْلَبَةٌ لِلْمَوْتِ بِالطّاعُونِ، ويُورِثُ الفَقْرَ وغَيْرَهُما مِنَ البَلايا «ما مِن قَوْمٍ ظَهَرَ فِيهِمُ الزِّنى إلّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ»

رَواهُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (p-٢٥٥)ورَواهُ عَنْهُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في كِتابِ الفُتُوحِ ولَفْظُهُ «ما مِن قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنى إلّا أُخِذُوا بِالفَنا وما مِن قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبا إلّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وما مِن قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّشا إلّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ الزِّنى يُورِثُ الفَقْرَ» رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإذا ظَهَرَ الزِّنى ظَهَرَ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ وراهَ ابْنُ ماجَّةَ والبَزّارُ وهَذا لَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - والبَيْهَقِيُّ ولَفْظُهُ: «الزِّنى يُورِثُ الفَقْرَ» وفي رِوايَةٍ لَهُ «ما ظَهَرَتِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ يُعْمَلُ بِها فِيهِمْ عَلانِيَةً إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطّاعُونُ والأوْجاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمْ» ورَواهُ عَنْهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ في سَرِيَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى دَوْمَةِ الجَنْدَلِ ولَفْظُهُ: «إنَّهُ لَمْ تَظْهَرِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتّى يُعْلِنُوا بِها إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطّاعُونُ والأوْجاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ولَمْ يَنْقُضُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَؤُونَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ، ولَمْ يَمْنَعُوا الزَّكاةَ مِن أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، فَلَوْلا البَهائِمُ ما مُطِرُوا، وما نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ وعَهْدَ رَسُولِهِ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ، فَأخَذَ بَعْضَ ما كانَ في أيْدِيهِمْ، وما (p-٢٥٦)لَمْ يَحْكم أئِمَّتُهم بِكِتابِ اللَّهِ وتَجَبَّرُوا فِيما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهم بَيْنَهُمْ» وفي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ عَنِ ابْنِ ماجَةَ والبَزّارِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ هَذا اللَّفْظِ، وفي آخِرِ السِّيرَةِ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في خُطْبَتِهِ عِنْدَما ولِيَ الخِلافَةَ: لا يَدَعُ قَوْمٌ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، ولا تَشِيعُ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالبَلاءِ.

وفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ ”ما ظَهَرَ الغُلُولُ في قَوْمٍ قَطُّ إلّا ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، ولا فَشا الزِّنى في قَوْمٍ قَطُّ إلّا كَثُرَ فِيهِمُ المَوْتُ، ولا نَقْصَ قَوْمٌ قَطُّ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، ولا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا فَشا فِيهِمُ الدَّمُ، ولا خَتَرَ قَوْمٌ بِالعَهْدِ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِمُ العَدُوَّ“ .

ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا كَثُرَتِ الفاحِشَةُ كَثُرَ الفَسادُ، وجارَ السُّلْطانُ”وفِيهِ:“أُمَثِّلُهم في ذَلِكَ الزَّمانِ المُداهِنَ. إذا ظَهَرَ الرِّبا والزِّنى في قَرْيَةٍ آذَنَ اللَّهُ في هَلاكِها» . رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

(p-٢٥٧)وأمّا المَعْنَوِيُّ فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إلى مَحاسِنِ امْرَأةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إلّا أخْلَفَ اللَّهُ لَهُ عِبادَةً يَجِدُ حَلاوَتَها» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ولَكِنْ في أسانِيدِها ضَعْفٌ. وساقَ لَهُ شاهِدًا مِنَ الطَّبَرانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: «إنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَن تَرَكَها مَخافَتِي أبْدَلْتُهُ إيمانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ في قَلْبِهِ» فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن تَخَلَّقَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ هُنا كانَ قَلْبُهُ مَوْضِعًا لِلْحِكْمَةِ، وفِعْلُهُ أهْلًا لِلنَّجْحِ، وذِكْرُهُ مَقْرُونًا بِالقَبُولِ.

ولَمّا كانَ الزَّكاءُ يَتَضَمَّنُ التَّكْثِيرَ والتَّطْهِيرَ، وكانَ الكَلامُ هُنا في غَضِّ البَصَرِ، وكانَ ظاهِرًا جِدًّا في الطَّهارَةِ، لَمْ يَدْعُ داعٍ إلى التَّأْكِيدِ بِالتَّصْرِيحِ بِالطَّهارَةِ، وأمّا آيَةُ البَقَرَةِ فَلَمّا كانَتْ في العَضْلِ، وكانَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ضَغائِنَ وإحَنٍ فَكانَ الوَلِيُّ رُبَّما ظَنَّ أنَّ مَنعَها عَمَّنْ عَضَلَها عَنْهُ أطْهَرُ لَهُ ولَها. أكَّدَ العِبارَةَ بِفِعْلِ الزَّكاءِ بِالتَّصْرِيحِ بِما (p-٢٥٨)أفْهَمَهُ مِنَ الطَّهارَةِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا لِمَيْلِ النُّفُوسِ إلى الدَّنايا واتِّباعِها لِلشَّهَواتِ، عَلَّلَ هَذا الأمْرَ مُرَغِّبًا ومُرَهِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ الكامِلَةِ ﴿خَبِيرٌ﴾ ولَمّا كانَ وازِعُ الحَياءِ مَعَ ذَلِكَ مانِعًا عَظِيمًا فَلا يُخالِفُ إلّا بِمُعالَجَةٍ وتَدَرُّبٍ، عَبَّرَ بِالصَّنْعَةِ فَقالَ: ﴿بِما يَصْنَعُونَ﴾ أيْ وإنْ تَناهَوْا في إخْفائِهِ، ودَقَّقُوا في تَدْبِيرِ المَكْرِ فِيهِ.

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

ولَمّا بَدَأ بِالقَوْمَةِ مِنَ الرِّجالِ، ثَنّى بِالنِّساءِ فَقالَ: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ﴾ فَرَغَّبَ أيْضًا بِذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ ﴿يَغْضُضْنَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ الغَضَّ عَنْ بَعْضِ المُبْصَراتِ وهُمُ المَحارِمُ قالَ: ﴿مِن أبْصارِهِنَّ﴾ فَلا يُتْبِعْنَها النَّظَرَ إلى مَنهِيٍّ عَنْهُ رَجُلٍ أوْ غَيْرِهِ، وأجابُوا عَنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في النَّظَرِ إلى لَعِبِ الحَبَشَةِ في المَسْجِدِ بِاحْتِمالِ أنَّها كانَتْ دُونَ البُلُوغِ لِأنَّها قالَتْ: فاقْدُرُوا قَدْرَ الجارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ الحَرِيصَةِ عَلى اللَّهْوِ

﴿ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عَمّا لا يَحِلُّ لَهُنَّ مِن كَشْفٍ وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ النِّساءُ حَبائِلَ الشَّيْطانِ، أُمِرْنَ بِزِيادَةِ السِّتْرِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٥٩)ناهِيًا عَنِ الزِّينَةِ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ مَواقِعِها مِنَ الجَسَدِ أشَدَّ وأوْلى ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أيْ كالحُلِيِّ والفاخِرِ مِنَ الثِّيابِ فَكَيْفَ بِما وراءَها ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ أيْ كانَ بِحَيْثُ يَظْهَرُ فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ في إخْفائِهِ فَبَدا مِن غَيْرِ قَصْدٍ كالسُّوارِ والخاتَمِ والكُحْلِ فَإنَّها لا بُدَّ لَها مِن مُزاوَلَةِ حاجَتِها بِيَدِها ومِن كَشْفِ وجْهِها في الشَّهادَةِ ونَحْوِها.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الزِّينَةِ في الأعْناقِ والأيْدِي والأرْجُلِ، وكانَ دَوامُ سِتْرِ الأعْناقِ أيْسَرَ وأمْكَنَ، خَصَّها فَقالَ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ﴾ مِنَ الضَّرْبِ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ وتَحامُلٍ، يُقالُ: ضَرَبَ في عَمَلِهِ: أخَذَ فِيهِ، وضَرَبَ بِيَدِهِ إلى كَذا: أهْوى، وعَلى يَدِهِ: أمْسَكَ، وضَرَبَ اللَّيْلُ بِأوْراقِهِ: أقْبَلَ، والضّارِبُ: اللَّيْلُ الَّذِي ذَهَبَتْ ظُلْمَتُهُ يَمِينًا وشِمالًا ومَلَأتِ الدُّنْيا، والضّارِبُ: الطَّوِيلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ والمُتَحَرِّكُ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الضَّرْبِ بَعْضَ الخِمارِ، وهو ما لاصَقَ الجَيْبَ مِنهُ، عَدّاهُ بِالباءِ فَقالَ: ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جَمْعُ خِمارٍ، وهو مَندِيلٌ يُوضَعُ عَلى الرَّأْسِ، وقالَ أبُو حَيّانِ: وهو المَقْنَعَةُ الَّتِي تُلْقِي المَرْأةُ عَلى رَأْسِها.

﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ جَمْعُ جَيْبٍ، وهو خَرْقُ الثَّوْبِ الَّذِي (p-٢٦٠)يُحِيطُ بِالعُنُقِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ يَهْوَيْنَ بِها إلى ما تَحْتَ العُنُقِ ويُسْبِلْنَها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ويُطَوِّلْنَها سِتْرًا لِلشَّعْرِ والصَّدْرِ وغَيْرِهِما مِمّا هُنالِكَ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ لَفْظُ الضَّرْبِ إشارَةً إلى قُوَّةِ القَصْدِ لِلسِّتْرِ وإشارَةً إلى العَفْوِ عَمّا قَدْ يَبْدُو عِنْدَ تَحَرُّكِ الخِمارِ عِنْدَ مُزاوَلَةِ شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَ النِّساءُ يُغَطِّينَ رُؤُوسَهُنَّ بِالأخْمِرَةِ ويُسْدِلْنَها مِن وراءِ الظُّهُورِ فَيَبْقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سِتْرَ عَلَيْهِنَّ.

ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِساءَ المُهاجِراتِ الأُوَلَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ - وفي رِوايَةٍ: أخَذْنَ أُزُرَهُنَّ فَشَقَقْنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي - فاخْتَمَرْنَ بِها»، يَعْنِي تَسْتُرْنَ ما قُدّامُ، والإزارُ هُنا المُلاءُ.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ الجَيْبِ رُبَّما أوْهَمَ خُصُوصًا في الزِّينَةِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ﴾ أوْ كَرَّرَهُ لِبَيانِ مَن يَحِلُّ الإبْداءُ لَهُ ومَن لا يَحِلُّ، ولِلتَّأْكِيدِ ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ أيِ الخَفِيَّةَ في أيِّ مَوْضِعٍ كانَتْ مِن عُنُقٍ أوْ غَيْرِهِ، (p-٢٦١)وهِيَ ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وظُهُورَ القَدَمَيْنِ، بِوَضْعِ الجِلْبابِ، وهو الثَّوْبُ الَّذِي يُغَطِّي الثِّيابَ والخِمارُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أيْ أزْواجِهِنَّ، فَإنَّ الزِّينَةَ لَهم جُعِلَتْ. قالَ أبُو حَيّانَ: ثُمَّ ثَنّى بِالمَحارِمِ وسَوّى بَيْنَهم في إبْداءِ الزِّينَةِ، ولَكِنْ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسَبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ فالأبُ والأخُ لَيْسَ كابْنِ الزَّوْجِ - انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿أوْ آبائِهِنَّ﴾ أيْ فَإنَّ لَهم عَلَيْهِنَّ مِنَ الشَّفَقَةِ ما يَمْنَعُ النَّظَرَ بِالشَّهْوَةِ ومِثْلُهم في هَذا المَعْنى سَواءً الأعْمامُ والأخْوالُ وكُلٌّ مِنهُما والِدٌ مَجازًا بِدَلِيلِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ﴿أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَإنَّ رَحْمَتَهم لِأوْلادِهِمْ مانِعَةٌ ﴿أوْ أبْنائِهِنَّ﴾ فَإنَّ لَهُنَّ عَلَيْهِنَّ مِنَ الهَيْبَةِ ما يُبْعِدُ عَنْ ذَلِكَ ﴿أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَإنَّ هَيْبَةَ آبائِهِمْ حائِلَةٌ ﴿أوْ إخْوانِهِنَّ﴾ فَإنَّ لَهم مِنَ الرَّغْبَةِ في صِيانَتِهِنَّ عَنِ العارِ ما يَحْفَظُ مِنَ الرِّيبَةِ ﴿أوْ بَنِي﴾ عَدَلَ بِهِ عَنْ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِئَلّا يَتَوالى أرْبَعُ مُضْمَراتٍ مِن غَيْرِ فاصِلٍ حَصِينٍ فَتَنْقُصُ عُذُوبَتُهُ ﴿إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ فَإنَّهم كَأبْنائِهِنَّ ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ أيِ المُسْلِماتِ، وأمّا غَيْرُ المُسَلَّماتِ فَحُكْمُهُنَّ حُكْمُ الرِّجالِ؛ (p-٢٦٢)رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ إلى عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْهى عَنْ دُخُولِ الذِّمِّيّاتِ الحَمّامَ مَعَ المُسْلِماتِ، وقالَ: فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها إلّا أهْلُ مِلَّتِها، وفي مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وإنْ كُنَّ غَيْرَ مُسْلِماتٍ لِما لَهُنَّ عَلَيْهِنَّ مِنَ الهَيْبَةِ، وحَمَلَ ابْنُ المُسَيِّبِ الآيَةَ عَلى الإماءِ فَقَطْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا هو الصَّحِيحُ، لِأنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ فَحْلًا، وعَنْ مَيْسُونَ بِنَّةِ بِحَدْلٍ الكِلابِيَّةِ أنَّ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْها ومَعَهُ خُصِيٌّ فَتَقَنَّعَتْ مِنهُ فَقالَ: هو خِصِيٌّ، فَقالَتْ: يا مُعاوِيَةُ ! أتَرى المُثْلَةَ بِهِ تُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللَّهُ - انْتَهى.

وقِصَّةُ مابُورَ تَرُدُّ هَذا، وقَوْلُهُ: الكِلابِيَّةُ، قالَ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ الكَشّافِ: صَوابُهُ: الكَلْبِيَّةُ بِإسْكانِ اللّامِ.

﴿أوِ التّابِعِينَ﴾ أيَّ لِلْخِدْمَةِ أوْ غَيْرِها ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ أيِ الحاجَةِ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِالنِّساءِ ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾ كالشُّيُوخِ الفانِينَ ومَن بِهِمْ عِلَّةٌ مَنَعَتْ شَهْوَتَهُمْ، وكَذا مَن كانَ مَمْسُوحًا لِقِصَّةٍ مابُورَ ﴿أوْ﴾ مِنَ (p-٢٦٣)﴿الطِّفْلِ﴾ أيْ جِنْسِهِ، والطِّفْلُ الصَّغِيرُ ما لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ أوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وهو في الأصْلِ: الرَّخْصُ النّاعِمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَخْرُجُ مُلْتَبِسًا بِالتُّرابِ الَّذِي تَأْكُلُهُ الحامِلُ، قالَ في القامُوسِ: وطَفِلَ النَّبْتُ كَفَرِحَ وطَفُلَ بِالضَّمِّ تَطْفِيلًا: أصابَهُ التُّرابُ، والطُّفالُ، كَغُرابٍ وسَحابٍ: الطِّينُ اليابِسُ. قالَ القَزّازُ: ويُسَمِّيهِ أهْلُ نَجْدٍ الكَلامَ والعامَّةُ تَقُولُ لِجِنْسٍ مِنهُ: طِفْلٌ،

﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أيْ لَمْ يَعْلُوا بِالنَّظَرِ المَقْصُودِ لِلِاطِّلاعِ ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ لِعَدَمِ بُلُوغِ سِنِّ الشَّهْوَةِ لِذَلِكَ.

ولَمّا نَهى عَنِ الإظْهارِ، نَبَّهَ عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ مِنهُ فَقالَ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ أيْ والخَلاخِيلِ وغَيْرِها مِنَ الزِّينَةِ فِيها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لِمُطْلَقِ الإعْلامِ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ﴾ أيْ بِالسّاتِرِ الَّذِي أُمِرْنَ بِهِ ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ بِالصَّوْتِ النّاشِئِ مِنَ الحَرَكَةِ عِنْدَ الضَّرْبِ المَذْكُورِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ التَّطَيُّبُ، والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يُفْهِمُ النَّهْيَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنَ الجَسَدِ مِن بابِ الأوْلى.

ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أمَرَهُ ﷺ بِالتَّقَدُّمِ فِيهِ إلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَبْدَ الحَقِيرَ المَجْبُولَ عَلى الضَّعْفِ (p-٢٦٤)المُوجِبَ لِلتَّقْصِيرِ لَنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يُقَدِّرَ المَوْلى العَلِيَّ الكَبِيرَ حَقَّ قَدْرِهِ وإنْ أبْلَغَ في الِاجْتِهادِ وزادَ في التَّشْمِيرِ، أتْبَعَهُ التَّلَطُّفَ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ في الأمْرِ بِإقْبالِهِمْ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وأنَّ الإنْسانَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الزَّلَلِ والتَّقْصِيرِ - وإنِ اجْتَهَدَ - لا يَسَعُهُ إلّا إحْسانُ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى طاعَةِ المَلِكِ الأعْلى مَهْما حَصَلَ مِنكم زَيْغٌ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ ﴿جَمِيعًا﴾ رِجالُكم ونِساؤُكم ﴿أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ إشارَةً إلى عُلُوِّ مَقامِ التَّوْبَةِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مُلازَمَتِها إلّا راسِخُ القَدَمِ في الإيمانِ، عارِفٌ بِأنَّهُ وإنْ بالَغَ في الِاجْتِهادِ واقِعٌ في النُّقْصانِ، وهَذا الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وإذا كانَ لِلرّاسِخِينَ في الإيمانِ فَمَن دُونَهُ مِن بابِ الأوْلى ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ الَّذِي مَضى أوَّلَ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ تَعْلِيقُهُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي مِنها رِعايَةُ الأمانَةِ ولا سِيَّما في الفُرُوجِ؛ قالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: إنَّ الإنْسانَ مِن حَيْثُ جُبِلَ عَلى النَّقْصِ لا يَخْلُو عَمّا يُوجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ، فَإنْ خَلا في بَعْضِ الأحْوالِ عَنْ مَعْصِيَةِ الجَوارِحِ فَلا يَخْلُو عَنِ الهَمِّ بِالذُّنُوبِ بِالقَلْبِ، فَإنْ خَلا عَنْهُ فَلا يَخْلُو عَنْ وسْواسِ الشَّيْطانِ بِإيرادِ الخَواطِرِ المُتَفَرِّقَةِ المُذْهِلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإنْ خَلا عَنْهُ فَلا يَخْلُو عَنْ غَفْلَةٍ (p-٢٦٥)وقُصُورٍ في العِلْمِ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَقْصٌ، ولَهُ أسْبابٌ، وتَرْكُ أسْبابِهِ بِالتَّشاغُلِ بِأضْدادِها رُجُوعٌ عَنْ طَرِيقٍ إلى ضِدِّهِ، والمُرادُ بِالتَّوْبَةِ الرُّجُوعُ، ولا يُتَصَوَّرُ الخُلُوُّ في حَقِّ الآدَمِيِّ عَنْ هَذا النَّقْصِ، وإنَّما يَتَفاوَتُونَ في المَقادِيرِ.

24:32Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

ولَمّا تَقَدَّمَ سُبْحانَهُ إلى عِبادِهِ في الأُمُورِ العامَّةِ لِلْأحْوالِ والأشْخاصِ في الزِّنى وأسْبابِهِ، فَحَكَمَ وقَرَّرَ، ووَعَظَ وحَذَّرَ، أتْبَعَهُ أسْبابَ العِصْمَةِ الَّتِي هي نِعْمَ العَوْنُ عَلى التَّوْبَةِ فَقالَ مُرْشِدًا: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى﴾ مَقْلُوبُ أيايِمَ جَمْعُ أيِّمٍ، وزْنُ فَعِيلٍ مَن آمَ، عَيْنُهُ ياءٌ، وهو العَزَبُ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى أوْ بِكْرًا ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أحْرارِكُمْ، وأغْنى لَفْظُ الأيِّمِ عَنْ ذِكْرِ الصَّلاحِ لِأنَّهُ لا يُقالُ لِمَن قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ النِّكاحِ ﴿والصّالِحِينَ﴾ أيْ لِلنِّكاحِ ﴿مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ أيْ أرِقّائِكُمُ الذُّكُورِ والإناثِ، احْتِياطًا لِمَصالِحِهِمْ وصَوْنًا لَهم عَنِ الفَسادِ امْتِثالًا لِما نَدَبَ إلَيْهِ حَدِيثُ «تَناكَحُوا تَكاثَرُوا فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ» .

ولَمّا كانَ لِلزَّواجِ كَلَفٌ يُهابُ لِأجْلِها، لِما طُبِعَ الآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الهَلَعِ في قِلَّةِ الوُثُوقِ بِالرِّزْقِ، أجابَ مِن كَأنَّهُ قالَ: قَدْ يَكُونُ الإنْسانُ (p-٢٦٦)غَيْرَ قادِرٍ لِكَوْنِهِ مُعْدِمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُونُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن ذَكَرَ مِن حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في النِّكاحِ ضِيقٌ وسَعَةٌ ﴿فُقَراءَ﴾ أيْ مِنَ المالِ ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، إذا تَزَوَّجُوا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ لِأنَّهُ قَدْ كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسِ رِزْقَها فَلا يَمْنَعْكم فَقْرُهم مِن إنْكاحِهِمْ، وعَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزْ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى.

وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجِبْتُ لِمَن يَبْتَغِي الغِنى بِغَيْرِ النِّكاحِ - وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: التَمِسُوا الغِنى في النِّكاحِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ابْنُ جَرِيرٍ. ولِأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمَكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ، والغازِي (p-٢٦٧)فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ويُؤَيِّدُهُ ما في الصَّحِيحِ مِن «حَدِيثِ الواهِبَةِ نَفْسَها حَيْثُ زَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن لَمْ يَجِدْ ولا خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» .

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ فَهو بِسَعَةِ قُدْرَتِهِ يَسُوقُ ما كَتَبَهُ لِلْمَرْأةِ عَلى يَدِ الزَّوْجِ، وبِشُمُولِ عِلْمِهِ يُسَبِّبُ أسْبابَهُ.

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِما يَعْصِمُ مِنَ الفِتْنَةِ مِن غَضِّ البَصَرِ ثُمَّ بِما يُحَصِّنُ مِنَ النِّكاحِ، وجَرَّأ عَلَيْهِ بِالوَعْدِ بِالإغْناءِ، وكانَ هَذا الوَعْدُ فِيما بَعْدَ النِّكاحِ، وقَدَّمَ الكَلامَ فِيهِ تَرْغِيبًا لِلْإنْسانِ في التَّوَكُّلِ والإحْصانِ، وكانَ قَبْلَهُ ما قَدْ يَتَعَذَّرُ لِأجْلِهِ إمّا بِعَدَمِ وِجْدانِ المَهْرِ وما يُطْلَبُ مِنهُ تَقْدِيمُهُ، أوْ بِعَدَمِ رِضى العَبْدِ وغَيْرِهِ بِكَوْنِ ولَدِهِ رَقِيقًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ حاثًّا عَلى قَمْعِ النَّفْسِ الأمّارَةِ عِنْدَ العَجْزِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ يُبالِغْ في طَلَبِ العِفَّةِ وإيجادِها عَنِ الحَرامِ ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ قُدْرَةً عَلَيْهِ وباعِثًا إلَيْهِ ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ في ذَلِكَ الَّذِي (p-٢٦٨)تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ النِّكاحَ بِسَبَبِهِ.

ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ المَوانِعِ كَما تَقَدَّمَ خَوْفُ الرِّقِّ عَلى الوَلَدِ لِمَن لَهُ مِنَ الرَّقِيقِ هِمَّةٌ عَلِيَّةٌ، ونَفْسٌ أبِيَّةٌ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ طَلَبًا عازِمًا ﴿الكِتابَ﴾ أيِ المُكاتَبَةَ ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى؛ وعَبَّرَ بِ ”ما“ إشارَةً إلى ما في الرَّقِيقِ مِنَ النَّقْصِ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أيْ نَدَبًا لِأنَّهُ مُعاوَضَةٌ تَتَضَمَّنُ الإرْفاقَ عَلى ما يُؤَدُّونَهُ إلَيْكم مُنَجَّمًا، فَإذا أدَّوْهُ عُتِقُوا ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ تَصَرُّفًا صالِحًا في دِينِهِمْ ودُنْياهم لِئَلّا يَفْسُدَ حالُهم بَعْدَ الِاسْتِقْلالِ بِأنْفُسِهِمْ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ المَراسِيلِ عَنْ يَحْيى ابْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً ولا تُرْسِلُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ» انْتَهى.

ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالعِلْمِ في مَوْضِعِ الظَّنِّ لِذَلِكَ ﴿وآتُوهُمْ﴾ وُجُوبًا إذا أدَّوْا إلَيْكم ﴿مِن مالِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّ كَلَّ شَيْءٍ بِنِعْمَتِهِ، لِأنَّهُ المَلِكُ العَظِيمُ ﴿الَّذِي آتاكُمْ﴾ ولَوْ بِحَطِّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ.

ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِالجُودِ في أمْرِ الرَّقِيقِ تارَةً بِالنَّفْسِ، وتارَةً (p-٢٦٩)بِالمالِ، نَهاهم عَمّا يُنافِيهِ فَقالَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ أيْ إماءَكُمْ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ الفُتُوَّةِ هَزًّا لَهم إلى مَعالِي الأخْلاقِ، وتَخْجِيلًا مِن طَلَبِ الفُتُوَّةِ مِن أمَةٍ ﴿عَلى البِغاءِ﴾ أيِ الزِّنى لِتَأْخُذُوا مِنهُنَّ مِمّا يَأْخُذْنَهُ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ الإكْراهُ عَلى الزِّنى لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ العِفَّةِ، وكانَ ذَلِكَ نادِرًا مِن أمَةٍ، قالَ: ﴿إنْ﴾ بِأداةِ الشَّكِّ ﴿أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَقْبِيحٍ لِلْإكْراهِ عَلى هَذا الفِعْلِ حَيْثُ كانَتِ النِّساءُ مُطْلَقًا يَتَعَفَّفْنَ عَنْهُ مَعَ أنَّهُنَّ مَجْبُولاتٌ عَلى حُبِّهِ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَمْنَعْهُنَّ مانِعُ خَوْفٍ أوْ حَياءٍ كالإماءِ، فَكَيْفَ إذا أُذِنَ لَهُنَّ فِيهِ. فَكَيْفَ إذا أُلْجِئْنَ إلَيْهِ، وأشارَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ وذَكَرَ الإرادَةَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عِفَّةٍ بالِغَةٍ، وزادَ في تَصْوِيرِ التَّقْبِيحِ بِذِكْرِ عِلَّةِ التِزامِ هَذا العارِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ أيْ تَطْلُبُوا طَلَبًا حَثِيثًا فِيهِ رَغْبَةٌ قَوِيَّةٌ بِإكْراهِهِنَّ عَلى الفِعْلِ الفاحِشِ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّ العَرَضَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ الزَّوالُ، والدُّنْيا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدَّناءَةِ.

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ الإكْراهِ، رَغَّبَ المَوالِيَ في التَّوْبَةِ عِنْدَ المُخالَفَةِ (p-٢٧٠)فِيهِ فَقالَ: ﴿ومَن يُكْرِهُّنَّ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإنْ أُكْرِهْنَ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إعْلامًا بِأنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِمَّنْ خالَفَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الجَلالَ غَيْرُ مُؤَيَّسٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ ”بَعْدَ“ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ المَيْلِ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ عِنْدَ مُواقَعَتِهِ إنْ رَجَعَتْ إلى الكَراهَةِ بَعْدَهُ، فَإنَّ النَّفْسَ لا تَمْلِكُ بُغْضَهُ حِينَئِذٍ، فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ أيْ لَهُنَّ ولِلْمَوالِي، يَسْتُرُ ذَلِكَ الذَّنْبَ إنْ تابُوا ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلصِّنْفَيْنِ إلى ما يُرْضِيهِ.

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ في بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ومُقَدِّماتِها وخَواتِيمِها، قالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ أوَّلَها ﴿وأنْـزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَرْغِيبًا لَكم وتَرْهِيبًا ﴿إلَيْكُمْ﴾ أيْ لِتَتَّعِظُوا ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ مُفَصَّلٌ فِيها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، مُوَضَّحٌ بِالنَّقْلِ والعَقْلِ بِحَيْثُ صارَتْ لِشِدَّةِ بَيانِها تُبَيِّنُ هي لِمَن تَدَبَّرَها طُرُقَ الصَّوابِ كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ لِمَن يَتَدَبَّرُهُ (p-٢٧١)فِي بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وما تَقَدَّمَها وتَتَبَّعُها مِمّا هو صَلاحُكم في الدِّينِ والدُّنْيا ﴿ومَثَلا﴾ أيْ وشَبَهًا بِأحْوالِكم ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ مِن أحْوالِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ في أحْوالِ المُخالَطَةِ والزِّنى وقَذْفِ الأبْرِياءِ كَيُوسُفَ ومَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وتَبْرِئَتِهِمْ كَما قَدَّمْتُ كَثِيرًا مِنهُ في سُورَةِ المائِدَةِ وغَيْرِها مِمّا صارَ في حُسْنِ سَبْكِهِ في هَذا الكِتابِ، وبَدِيعِ حَبْكِهِ عِنْدَ أُولِي الألْبابِ، كالأمْثالِ السّائِرَةِ، والأفْلاكِ الدّائِرَةِ ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والفَواصِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ العِلَلِ المُذَكِّرَةِ بِما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ زُلْفى، ويُنَوِّرُ القَلْبَ، ويُوجِبُ الحُبَّ والأُلْفَةَ، ويُذْهِبُ وحَرَ الصَّدْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском