Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:58–63
24:58Page 357
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
ولَمّا كانَ المَلَلُ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ، فَكانَ تَدْرِيجُ الكَلامِ في المَقاصِدِ لا سِيَّما الأحْكامُ شَيْئًا فَشَيْئًا خِلالَ مَقاصِدَ أُخْرى أوْقَعَ في القَلْبِ، وأشْهى إلى الطَّبْعِ، لا سِيَّما إذا كانَ عَلى وُجُوهٍ مِنَ المُناسَباتِ عَجِيبَةٍ، وضُرُوبٍ مِنَ الِاتِّصالاتِ هي مَعَ دِقَّتِها غَرِيبَةٌ، زَيَّنَ اللَّهُ تَأْصِيلَها بِتَفْصِيلِها فابْتَدَأ السُّورَةَ بِطائِفَةٍ مِنها، وفَصَلَها بَدُرِّ الوَعْظِ، وجَواهِرِ الحِكَمِ، (p-٣٠٩)والحَثِّ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ، ومَكارِمِ الأعْمالِ، ثُمَّ وصَلَها بِالإلَهِيّاتِ الَّتِي هي أُصُولُها، وعَنْ عَلِيِّ مَقاماتِها تَفَرَّعَتْ فُصُولُها، فَلَمّا خَتَمَها بِالتَّمْكِينِ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ، وتَوْهِينِ أمْرِ المُعْتَدِينَ، شَرَعَ في إكْمالِها، بِإثْباتِ بَقِيَّةِ أحْوالِها، تَأْكِيدًا لِما حَكَمَ بِهِ مِنَ التَّمْكِينِ، وما خَتَمَهُ مِن ذَلِكَ مِنَ التَّوْهِينِ، وتَحْذِيرًا مِمّا خَتَمَهُ مِنَ العَذابِ المُهِينِ، وتَحْقِيقًا لِما أُلْزِمَ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ، ولُزُومِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَقالَ واصِلًا بِما خَتَمَ بِهِ الأحْكامَ الأوْلى، مِنَ الأمْرِ بِإنْكاحِ الأيامى، والكَفِّ عَنْ إكْراهِ البَغايا، إثْرَ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إمّا لِلتَّغْلِيبِ، وإمّا لِأنَّ النِّساءَ أوْلى بِحِفْظِ العَوْرَةِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْوى الإيمانِ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ البالِغِينَ، ومَن قارَبَهُمْ، لِلدُّخُولِ عَلَيْكم كَراهَةَ الِاطِّلاعِ عَلى عَوْراتِكم والتَّطَرُّقِ بِذَلِكَ إلى مَساءَتِكم ﴿والَّذِينَ﴾ ظَهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، ولَكِنَّهم ﴿لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ لِيَخْرُجَ الأرِقّاءُ والكُفّارُ ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في كُلِّ دَوْرٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ: ثَلاثُ اسْتِئْذاناتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ الإذْنُ رَجَعَ المُسْتَأْذِنُ كَما تَقَدَّمَ: المَرَّةُ الأُولى مِنَ الأوْقاتِ (p-٣١٠)الثَّلاثِ ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ والثّانِيَةُ ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ﴾ أيِ الَّتِي لِلْخُرُوجِ بَيْنَ النّاسِ ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ لِلْقائِلَةِ والثّالِثَةُ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ الِانْفِصالِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ، والِاتِّصالُ بِثِيابِ النَّوْمِ، وخَصَّ هَذِهِ الأوْقاتِ لِأنَّها ساعاتُ الخَلْوَةِ، ووَضْعِ الثِّيابِ، وأثْبَتَ مِن في المَوْضِعَيْنِ دَلالَةً عَلى قُرْبِ الزَّمَنِ مِنَ الوَقْتِ المَذْكُورِ لِضَبْطِهِ، وأسْقَطَها في الأوْسَطِ دَلالَةً عَلى اسْتِغْراقِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ أيِ اخْتِلالاتٍ في التَّسَتُّرِ والتَّحَفُّظِ، وأصْلُ العَوْرَةِ - كَما قالَ البَيْضاوِيُّ: الخَلَلُ.
لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ العَوْرَةُ تَبْدُو فِيها سُمِّيَتْ بِها ﴿لَكُمْ﴾ لِأنَّها ساعاتُ وضْعِ الثِّيابِ والخَلْوَةِ بِالأهْلِ، وبَيَّنَ حُكْمَ ما عَدا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ في تَرْكِ الأمْرِ ﴿ولا عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي العَبِيدَ والخَدَمَ والصِّبْيانَ، في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ ﴿جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ، وأصْلُهُ المَيْلُ ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ في جَمِيعِ ما سِوى هَذِهِ الأوْقاتِ إذا هَجَمُوا عَلَيْكُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإباحَةَ في غَيْرِها، (p-٣١١)مُخْرِجًا لِغَيْرِهِمْ، مُبَيِّنًا أنَّ حِكْمَةَ الِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ كَما مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لِعَمَلٍ ما تَحْتاجُونَهُ في الخِدْمَةِ كَما أنْتُمْ طَوّافُونَ عَلَيْهِمْ لِعَمَلِ ما يُصْلِحُهم ويُصْلِحُكم في الِاسْتِخْدامِ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ طَوّافٌ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ لِعَمَلِ ما يَعْجِزُ عَنْهُ الآخَرُ أوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ فَلَوْ عَمَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ لَأدّى إلى الحَرَجِ.
ولَمّا أعْلى سُبْحانَهُ البَيانَ في هَذِهِ الآياتِ إلى حَدٍّ يُعْجِزُ الإنْسانَ لا سِيَّما وهي في الأحْكامِ، والكَلامُ فِيها يُعْيِي أهْلَ البَيانِ، وكانَ السّامِعُ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْيانِ، يَذْهَلُ عَنْ أنَّ هَذا هو الشَّأْنُ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ مُشِيرًا إلى عِظَمِ شَأْنِها، في تَفْرِيقِها وبَيانِها: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ﴿لَكُمْ﴾ أيَّتُها الأُمَّةُ الخاصَّةُ ﴿الآياتِ﴾ في الأحْكامِ وغَيْرِها وبِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العامَّةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُتْقِنُ ما يُرِيدُهُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِهِ، وخَتْمُ الآيَةِ بِهَذا الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
24:59Page 358
وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩
And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.
(p-٣١٢)ولَمّا بَيَّنَ حُكْمَ الصِّبْيانِ والأرِقّاءِ الَّذِينَ هم أطْوَعُ لِلْأمْرِ، وأقْبَلُ لِكُلِّ خَيْرٍ، أتْبَعَهُ حُكْمَ البالِغِينَ مِنَ الأحْرارِ فَقالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ﴾ أيْ مِن أحْرارِكم ﴿الحُلُمَ﴾ أيِ السَّنَّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ إنْزالُ المَنِيِّ بِرُؤْيَةِ الجِماعِ في النَّوْمِ، هَذا أصْلُهُ، والمُرادُ سِنُّ مُطْلَقِ الإنْزالِ ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ عَلى غَيْرِهِمْ في جَمِيعِ الأوْقاتِ ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عَلى ما بَيَّنَ في أوَّلِ الآياتِ القائِلَةِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الغُلامَ إذا كانَ رَباعِيًا فَإنَّهُ يَسْتَأْذِنُ في العَوْراتِ الثَّلاثِ عَلى أبَوَيْهِ، فَإذا بَلَغَ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنْ عَلى كُلِّ حالٍ.
ولَمّا كانَتْ آياتُ الِاسْتِئْذانِ أتْقَنَ حاسِمٍ لِمَوادِّ الشَّرِّ، وتَرْكُها أعْظَمَ فاتِحٍ لِأبْوابِ الفِتَنِ، وكانَ إخْراجُ الكَلامِ في أحْكامِ الحَلالِ والحَرامِ، مَعَ التَّهْذِيبِ والبَيانِ، في النِّهايَةِ مِنَ الصُّعُوبَةِ، وكانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَمّا ألِفَتْ في غايَةٍ مِنَ العُسْرِ شَدِيدَةٍ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ آيَةِ البَيانِ، إشارَةً إلى أنَّها - لِما لَها مِنَ العُلُوِّ - جَدِيرَةٌ بِالتَّأْكِيدِ، وإلى أنَّ البُلَغاءَ يَسْتَبْعِدُونَ القُدْرَةَ عَلى البَيانِ كُلَّما أُرِيدُ عَلى هَذا السَّنَنِ (p-٣١٣)فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الَّذِي بَيَّنَهُ في آياتِ الأحْكامِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَكُمْ﴾ مَعَ ما لَكم مِن خِلالِ النَّقْصِ ﴿آياتِهِ﴾ أيِ العَلاماتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الفَرْعِيّاتِ وما رَقَتْ إلَيْهِ الأصْلِيّاتُ، فَأضافَها إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لَها، إشارَةً إلى أنَّها مُقَدِّمَةٌ لِلْآياتِ الإلَهِيّاتِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَتَفَرَّغْ مِن مُكَدِّراتِ الأفْكارِ، لَمْ يَطِرْ ذَلِكَ المَطارَ، وحَثًّا عَلى تَدَبُّرِ ما تَقَدَّمَ مِنها لِاسْتِحْضارِ ما دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ، وفَصَلَتْ بِهِ مِنَ المَواعِظِ، وتَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ دِينًا ودُنْيا، وزادَ في التَّرْغِيبِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ كُلِّ سَعادَةٍ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ رَوى الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ ”عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قالَ: لَمّا كانَتْ صَبِيحَةٌ احْتَلَمْتُ دَخَلْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ أنِّي قَدِ احْتَلَمْتُ، فَقالَ:“ لا تَدْخُلْ عَلى النِّساءِ "، فَما أتى عَلَيَّ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِنهُ» .
24:60Page 358
وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠
And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ اقْتِبالَ الشَّبابِ، في تَغْيِيرِ حُكْمِ الحِجابِ، أتْبَعَهُ الحُكْمَ عِنْدَ إدْبارِ الشَّبابِ، في إلْقاءِ الظّاهِرِ مِنَ الثِّيابِ، فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ﴾ وحَقَّقَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ جَمْعُ قاعِدٍ، وهي (p-٣١٤)الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الوَلَدِ وعَنِ الحَيْضِ كِبَرًا وعَنِ الزَّوْجِ. ولَمّا كانَ هَذا الأخِيرُ قُطْبَها قالَ: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ لِعَدَمِ رَغْبَتِهِنَّ فِيهِ أوْ لِوُصُولِهِنَّ إلى حَدٍّ لا يُرْغَبُ فِيهِنَّ مَعَهُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ الحَرَجِ في ﴿أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ الظّاهِرَةَ فَوْقَ الثِّيابِ السّاتِرَةِ بِحَضْرَةِ الرِّجالِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”مِن ثِيابِهِنَّ“ قالَ أبُو صالِحٍ: تَضَعُ الجِلْبابَ، وهو ما يُغَطِّي ثِيابَها مِن فَوْقٍ كالمِلْحَفَةِ، وتَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ في الدِّرْعِ والخِمارِ ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ مُتَعَمِّداتٍ – بِوَضْعِ ما أُبِيحَ لَهُنَّ وضْعُهُ- إظْهارَ وُجُوهِهِنَّ مَعَ الزِّينَةِ، أوْ غَيْرَ مُتَظاهِراتٍ بِالزِّينَةِ، قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ: أظْهَرَتْ وجْهَها. وفي القامُوسِ: تَبَرَّجَتْ: أظْهَرَتْ زِينَتَها لِلرِّجالِ - انْتَهى.
ومادَّةُ بَرَجَ تَدُورُ عَلى الظُّهُورِ كَما مَضى في الحِجْرِ؛ وقالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُ البَرْجِ التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى - انْتَهى. وكَأنَّهُ أُشِيرَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ ما ظَهَرَ مِنها مِن وجْهِها أوْ زِينَتِها عَفْوًا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ الفَسادَ لا حَرَجَ فِيهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الجائِزَ، وكانَ إبْداءُ الوَجْهِ داعِيًا إلى الرِّيبَةِ، أشارَ إلَيْهِ (p-٣١٥)بِقَوْلِهِ ذاكِرًا المُسْتَحَبَّ، بَعْثًا عَلى اخْتِيارِ أفْضَلِ الأعْمالِ وأحْسَنِها: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أيْ يَطْلُبْنَ العِفَّةَ بِدَوامِ السِّتْرِ وعَدَمِ التَّخَفُّفِ بِإلْقاءِ الجِلْبابِ والخِمارِ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ مِنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِن حالِهِنَّ مِنَ الخُلْطَةِ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ مَعْلُومًا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ كَلامٍ، كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ في وضْعِ الحَرَجِ عَنْهُنَّ رَؤُوفٌ بِهِنَّ رَحِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِكَلامِهِنَّ إذا خاطَبْنَ الرِّجالَ هَلْ يَخْضَعْنَ فِيهِ ويَتَصَنَّعْنَ في تَرْخِيمِ الصَّوْتِ بِهِ أوْ يُلْقِينَهُ عَلى الحالَةِ المَعْرُوفَةِ غَيْرِ المُنْكَرَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يَقْصِدْنَ بِهِ وبِكُلِّ شَيْءٍ.
24:61Page 358
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١
There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ مِن حُرُماتِ البُيُوتِ المُسْتَلْزَمَةِ لِصِيانَةِ الأبْضاعِ عَلى وجْهٍ يَلْزَمُ مِنهُ إحْرازُ الأمْوالِ، أتْبَعَهُ ما يُباحُ مِن ذَلِكَ لِلْأكْلِ الَّذِي هو مِن أجَلِّ مَقاصِدِ الأمْوالِ اجْتِماعًا وانْفِرادًا، فَقالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ: هَلْ هَذا التَّحْجِيرُ في البُيُوتِ سارٍ في الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ في جَمِيعِ الأحْوالِ؟: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ أيْ في مُؤاكَلَةِ غَيْرِهِ وما يَأْتِي مِنَ الأحْكامِ، وإنْ كَرِهَ غَيْرُهُ أكْلَهُ لِمَدِّ يَدِهِ كَيْفَما اتَّفَقَ فَإنَّهُ مَرْحُومٌ، والِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ (p-٣١٦)البَصَرِ ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ﴾ الَّذِي لا يُرَجْى ﴿حَرَجٌ﴾ وإنْ تَقَذَّرَ مِنهُ بَعْضُ المُتْرَفِينَ فَإنَّهُ يُجامِعُهُ في أنَّهُ يُرْحَمُ لِنَقْصِهِ ﴿ولا عَلى المَرِيضِ﴾ أيْ مَرَضًا يُرْجى بِعَرَجٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿حَرَجٌ﴾ كَذَلِكَ لِمَرَضِهِ، وأخَّرَهُ لِرَجاءِ بُرْئِهِ ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ ولا عَلى غَيْرِ مَن ذَكَرَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا بِأنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي فِيها عِيالُكُمْ، وذَكَرَها سُبْحانَهُ لِئَلّا يَحْصُلَ مِن تَرْكِها لَوْ تَرَكَها رِيبَةٌ، ولِيَدْخُلَ فِيها بُيُوتَ الأوْلادِ لِأنَّهم مِن كَسْبِ الأبِ «أطْيَبُ ما أكَلَ الرَّجُلَ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ”» «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» ﴿أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ وإنْ بَعُدَتْ أنْسابُكم - ولَعَلَّهُ جَمَعَ لِذَلِكَ - فَإنَّها مَرْباكم وحُرْمَتُها حُرْمَتُكم ﴿أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ كَذَلِكَ، وقَدَّمَ الأبَ لِأنَّهُ أجَلُّ وهو حاكِمُ بَيْتِهِ دائِمًا والمالُ لَهُ ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ مِنَ الأبَوَيْنِ أوِ الأبِ أوِ الأُمِّ بِالنَّسَبِ أوِ الرِّضاعِ، فَإنَّهم مِن أوْلى مَن رُضِيَ بِذَلِكَ بَعْدَ الوالِدَيْنِ، لِأنَّهم أشِقّاؤُكُمْ، وهم أوْلِياءُ بُيُوتِهِمْ ﴿أوْ بُيُوتِ أخَواتِكُمْ﴾ فَإنَّهُنَّ بَعْدَهُمْ، مِن أجْلِ أنَّ ولِيَّ البَيْتِ - إذا كُنَّ مُزَوَّجاتٍ - الزَّوْجُ ﴿أوْ بُيُوتِ أعْمامِكُمْ﴾ فَإنَّهم شَقائِقُ آبائِكم سَواءٌ كانُوا أشِقّاءَ أوْ لِأبٍ أوْ أمٍّ، ولَوْ أفْرَدَ العَمَّ لِتُوُهِّمَ أنَّهُ الشَّقِيقُ فَقَطْ فَإنَّهُ أحَقُّ بِالِاسْمِ ﴿أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ﴾ فَهُنَّ بَعْدَ الأعْمامِ لِضَعْفِهِنَّ، ولِأنَّهُ رُبَّما (p-٣١٧)كانَ أوْلِياءُ بُيُوتِهِنَّ الأزْواجَ ﴿أوْ بُيُوتِ أخْوالِكُمْ﴾ لِأنَّهم شَقائِقُ أُمَّهاتِكم ﴿أوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾ أخَّرَهُنَّ لِما ذُكِرَ ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ أيِ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كالوِكالَةِ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الَّذِي تَعْرِفُونَ رِضاهُ بِذَلِكَ ولَوْ بِقَرِينَةٍ كَما هو الغالِبُ، ولِذَلِكَ أطْلَقَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أمْكَنَكم مِن مِفْتاحِهِ بَلْ كانَ عِيالُهُ فِيهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إفْسادٍ ولا حَمْلٍ ولا ادِّخارٍ، وقَدْ عَدَلَ الصَّدِيقَ هُنا بِالقَرِيبِ، تَنْبِيهًا عَلى شَرِيفِ رُتْبَةِ الصَّداقَةِ ولَطِيفِ سِرِّها، وخَفِيفِ أمْرِها، وأفْرَدَهُ لِعِزَّتِهِ؛ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ كالنَّفْسِ والأبِ ومَن مَعَهُ. قالَ الأصْبَهانِيُّ: وقالُوا: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ، وبِما سَمِجَ الِاسْتِئْذانَ وثَقُلَ كَمَن قُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ فاسْتَأْذَنَ صاحِبَهُ في الأكْلِ.
ولَمّا ذَكَرَ مَعْدِنَ الأكْلِ، ذَكَرَ حالِهِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ شَيْءٌ مِنَ الإثْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَمِيلَ بِصاحِبِهِ عَنِ السَّواءِ في ﴿أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمَعَيْنِ وإنْ كانَ بَيْنَكم ناقِصُ الخِلْقَةِ، لِأنَّ مَن كانَ مُعَرَّضًا لِلْآفاتِ جَدِيرٌ بِأنْ يَرْحَمَ المُبْتَلى، فَلا يَسْتَقْذِرُهُ حَذَرًا مِنِ انْعِكاسِ الحالِ. (p-٣١٨)ولَمّا رَغَّبَ في أوَّلِ الإسْلامِ - لِما كانَ فِيهِ أكْثَرُ النّاسِ مِنَ الضِّيقِ - في المُؤاساةِ، والِاجْتِماعِ مَعَ الضُّيُوفِ، تَرْغِيبًا ظَنَّ بِهِ الوُجُوبَ، مَعَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَرَمِ الباعِثِ عَلى الجُودِ والِاجْتِماعِ لِلْأُنْسِ بِالمُحْتاجِ، خَفَّفَ عَنْهم بِقَوْلِهِ:﴿أوْ أشْتاتًا﴾ أيْ مُتَفَرِّقِينَ لِغَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِقْذارِ، والتَّرَفُّعِ والإضْرارِ، وإنْ كانَ الأكْلُ في جَماعَةٍ أفْضَلَ وأبْرَكَ - كَما يُفْهِمُهُ تَقْدِيمُهُ، فَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَةَ عَنْ وحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنْ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا نَأْكُلُ ولا نَشْبِعُ، قالَ:“ فَلَعَلَّكم تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟ اجْتَمِعُوا عَلى طَعامِكُمْ، واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبارِكْ لَكم فِيهِ» ولِابْنِ ماجَةَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُوا جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا فَإنَّ البَرَكَةَ مَعَ الجَماعَةِ» .
ولَمّا ذَكَرَ مَوْطِنَ الأكْلِ وكَيْفِيَّتَهُ، ذَكَرَ الحالَ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الدّاخِلُ إلى تِلْكَ المَواطِنِ أوْ غَيْرِها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِنَ الإذْنِ، مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ، بِشارَةً بِأنَّهم يُطِيعُونَ بَعْدَ أنْ كانُوا تَحَرَّجُوا مِن ذَلِكَ حِينَ أنْزَلَ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أوْ غَيْرِهِ ﴿بُيُوتًا﴾ أيْ مَأْذُونًا فِيها، أيَّ بُيُوتٍ كانَتْ مَمْلُوكَةً أوْ لا، مَساجِدَ أوْ غَيْرَها ﴿فَسَلِّمُوا﴾ عَقِبَ الدُّخُولِ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ (p-٣١٩)أيْ أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم دِينًا وقُرْبًا، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَرْغِيبًا في السَّلامِ، والإحْسانُ في الإكْرامِ، ولِتَصْلُحَ العِبارَةُ لِما إذا لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ فَيُقالُ حِينَئِذٍ ”السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ“ فَيَكُونُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ ﴿تَحِيَّةً﴾ مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، أوْ أوْقَعُوا الدُّعاءَ لِلْمُحَيِّي بِسَلامَةٍ وحَياةٍ ومِلْكِ بَقاءٍ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ هي جَدِيرَةٌ لِتَمامِ حُسْنِها أنْ تُضافَ إلى مَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ سُبْحانَهُ ﴿مُبارَكَةً﴾ أيْ ثابِتَةً أعْظَمَ ثَباتٍ بِكَوْنِها مُوافَقَةً لِما شَرَعَ اللَّهُ مِن خالِصِ قُلُوبِكم ﴿طَيِّبَةً﴾ تُلَذِّذُ السَّمْعَ؛ ثُمَّ وصَفَ البَيانَ، تَنْبِيهًا عَلى ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الحُسْنِ والإحْسانِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا البَيانِ، العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي لا أكْمَلَ مِنها.
ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى، بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وعِزِّهِ وقُدْرَتِهِ، ولُطْفِهِ وخِبْرَتِهِ، قَدْ خَلَقَ عَقْلًا نَيِّرًا يَهْدِي إلى الحَقِّ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وقَسَّمَهُ بَيْنَ عِبادِهِ، وخَلَقَ فِيهِمْ أنْواعًا مِنَ العَوائِقِ لِذَلِكَ العَقْلِ عَنِ النُّفُوذِ عَلى سَمْتِ الِاسْتِقامَةِ، مِنَ الهَوى والكَسَلِ، الفُتُورِ والمَلَلِ، جَعَلَها حُجُبًا تَحْجُبُهُ عَنِ النُّفُوذِ، وتَسْتُرُ عَنْهُ المَدارِكَ، وتَمْنَعُهُ مِنَ البُلُوغِ، إلّا بِرِياضاتٍ (p-٣٢٠)ومُجاهَداتٍ تَكِلُّ عَنْها القُوى، وتَضْعُفُ عِنْدَها العَزائِمُ، فَلا يَكادُ الماهِرُ مِنهم يُرَتِّبُ قِياسًا صَحِيحًا، لِغَلَطِهِ في المُقَدِّماتِ، فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ حِينَئِذٍ فاسِدَةَ القاعِدَةِ، واهِيَةَ الأساسِ، فَكانُوا لا يَزالُونَ لِذَلِكَ مُخْتَلِفِينَ، حَتّى يُوصِلَهُمُ الِاخْتِلافُ إلى الإحَنِ، والمُشاجَرَةِ والفِتَنِ، فَيَجُرُّهم إلى السَّيْفِ وذَهابِ النُّفُوسِ وتَلَفِ الأرْواحِ، فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ لَهم في كُلِّ وقْتٍ شَرْعًا يَلِيقُ بِذَلِكَ الزَّمانِ عَلى لِسانِ رَسُولٍ مِن رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، جُعِلَ ذَلِكَ الشَّرْعُ يُطابِقُ العَقْلَ السَّوِيَّ، والنُّورَ الضَّوِيَّ، والمَنهَلَ الرَّوِيَّ، والسَّبَبَ القَوِيَّ، مَن تَمَسَّكَ بِهِ هُدِيَ ولَمْ يَزِغْ، حَدَّ فِيهِ سُبْحانَهُ حُدُودًا، وأقامَ فِيهِ زَواجِرَ، لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ، ويَتَّضِحَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ، فَصارَتْ شَرائِعَ مُتَّفِقَةَ الأُصُولِ، مُخْتَلِفَةَ الفُرُوعِ، بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، إشارَةً إلى أنَّ الفاعِلَ في تَغْيِيرِ الأحْكامِ بِحَسَبِ الأزْمانِ واحِدٌ مُخْتارٌ، وامْتِحانًا لِلْعِبادِ، تَمْيِيزًا لِأهْلِ الصَّلاحِ مِنهم مِن أهْلِ الفَسادِ، وكانَتِ الإغارَةُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأعْراضِ والأمْوالِ عَلى غَيْرِ ما أذِنَ (p-٣٢١)فِيهِ تَذْهَبُ العُقُولُ، وتَعْمى البَصائِرَ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ عِنْدَ مَن يَصِحُّ مِنهُ الرَّجاءُ مِن ثَباتِ هَذا الوَصْفِ لَكُمْ، وهو ضَبْطُ النُّفُوسِ ورَدُّها عَنِ الأهْوِيَةِ، بِاتِّباعِ آياتِ الشَّرْعِ الَّتِي أنْزَلَها الَّذِي كَرَّرَ وصْفَهُ هُنا بِأنَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فَلا تَتَوَلَّوْا بَعْدَ قَوْلِكم ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] عَنِ الإذْعانِ لِلْأحْكامِ وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ.
24:62Page 359
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢
The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ بِالتَّوَلِّي عَنِ الأحْكامِ، وتَلاهُ بِما رَأيْتَ أنْ تَنْظِمَهُ أحْسَنَ نِظامٍ، حَتّى خَتَمَ بِما أوْمَأ إلى أنَّ مِن عَمِيَ عَنْ أحْكامِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ مَسْلُوبُ العَقْلِ، وكَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرَ البَيانِ، تَكْرِيرًا أشارَ إلى لَمَعانِ المَعانِي بِأمْتَنِ بَنانٍ حَتّى صارَتْ مُشْخَصاتٍ لِلْعِيانِ، وبَيَّنَ مَن حازَ وصْفَ الإيمانِ، بِحُسْنِ الِاسْتِئْذانِ، وكانَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ أجَلَّ مَوْطِنٍ تَجِبُ الإقامَةُ فِيهِ ويُهْجَرُ ما عَداهُ مِنَ الأوْطانِ، فَتَصِيرُ الأرْضُ بِرُحْبِها ضَيِّقَةً لِأجْلِهِ، مَحْظُورًا سُلُوكُها مِن جَرّاهُ، بِمَنزِلَةِ بَيْتِ الغَيْرِ الَّذِي لا يَحِلُّ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، قالَ مُعَرِّفًا بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ مُقابِلًا لِسَلْبِ ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧] مُبَيِّنًا عَظِيمَ الجِنايَةِ في الذَّهابِ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ المُقْتَضِي لِلْجَمْعِ مِن غَيْرِ إذْنٍ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ الَّذِينَ لَهُمُ الفَلاحُ (p-٣٢٢)﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿ورَسُولِهِ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.
ولَمّا كانَ الكَلامُ في الرّاسِخِينَ، كانَ المَوْضِعُ لِأداةِ التَّحْقِيقِ فَقالَ: ﴿وإذا﴾ أيْ وصَدَقُوا إيمانَهم بِأنَّهم إذا ﴿كانُوا مَعَهُ﴾ أيِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أيْ لَهم عَلى اللَّهِ، كالجِهادِ لِأعْداءِ اللَّهِ، والتَّشاوُرِ في مُهِمٍّ، وصَلاةِ الجُمْعَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ خُطْوَةً إلى مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ ولَوْ أنَّهُ بُيُوتَهُمْ، لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ولَوْ أنَّهُ أهَمُّ مُهِمّاتِهِمْ، لِأنَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِالطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فَيَأْذَنَ لَهُمْ، لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ صارَ مَنزِلَهم ومَأْواهم ومُتَبَوَّأهُمْ، وصارَ كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الأماكِنِ والأُمُورِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَهُمْ، لا حَظَّ لَهم فِيهِ، فَلا يَحِلُّ لَهم أنْ يَدْخُلُوهُ حِسًّا أوْ مَعْنًى إلّا بِإذْنِهِ، وهَذا مِن عَظِيمِ التَّنْبِيهِ عَلى عَلِيِّ أمْرِهِ، وشَرِيفِ قَدْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما أمَرَهم بِالِاسْتِئْذانِ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِهِ، أفْرَدَهُ بِأمْرِهِمْ بِاسْتِئْذانِهِ عِنْدَ الِانْصِرافِ عَنْهُ ﷺ، وجَعَلَ رُتْبَةَ ذَلِكَ تالِيَةً لِرُتْبَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ والرَّسُولِ، وجَعَلَهُما كالتَّسْبِيبِ لَهُ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِأداةِ الحَصْرِ، وإيقاعِ المُؤْمِنِينَ في مُبْتَدَأٍ مُخْبِرًا عَنْهُ بِمَوْصُولٍ أحاطَتْ وُصْلَتُهُ بِالرُّتَبِ الثَّلاثِ شَرْحًا لَهُ.
(p-٣٢٣)ولَمّا نَفى عَنِ المُؤْمِنِينَ الذَّهابَ إلى غايَةِ الِاسْتِئْذانِ، فَأفْهَمَ أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُؤْمِنٌ، صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ لِيَكُونَ آكَدَ، فَقالَ تَشْدِيدًا في الإخْلالِ بِالأدَبِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ، وتَأْكِيدًا لِحِفْظِ حُرْمَتِهِ والأدَبِ مَعَهُ لِئَلّا يَتَشَوَّشَ فِكْرُهُ في أُسْلُوبٍ آخَرَ، وبَيانًا لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ مِصْداقُ الإيمانِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ إذْنَكَ لَهم إذا أرادُوا الِانْصِرافَ، في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمُ الَّتِي يُحْتَمَلُ أنْ تَمْنَعَ مِنها ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُو الرُّتْبَةِ خاصَّةً ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الإيمانَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا كُفُؤَ لَهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ وذَلِكَ ناظِمٌ لِأشْتاتِ خِصالِ الإيمانِ.
ولَمّا قَصَرَهم عَلى الِاسْتِئْذانِ،تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إعْلامُهُ ﷺ بِما يَفْعَلُ إذْ ذاكَ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَحَّتْ دَعْواهُمْ؛ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ تَأْكِيدًا لِتَعْظِيمِ الأدَبِ مَعَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ وهو ما تَشْتَدُّ الحاجَةُ إلَيْهِ ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ قِيلَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَعِدَ المِنبَرَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَمَن أرادَ أنْ يَخْرُجَ لِعُذْرٍ قامَ بِحِيالِهِ فَيَعْرِفُ أنَّهُ يَسْتَأْذِنُ فَيَأْذَنُ لِمَن شاءَ»، قالَ مُجاهِدٌ: وإذْنُ الإمامِ يَوْمَ الجُمْعَةِ أنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ، وقِيلَ: كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدِّمِيهِمْ (p-٣٢٤)فِي الدِّينِ والعِلْمِ لا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ بِهَذا التَّفْوِيضِ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَبْلُغُ وصْفَهُ، أفْهَمَهم أنَّ حالَ المُسْتَأْذِنِ قاصِرَةٌ عَنْ حال المُفَوِّضِ المُلازِمِ كَيْفَما كانَتْ، فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ، فَلا تَنْفَعُهُ طاعَةٌ، ولا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ، أوْ يَكُونُ الكَلامُ شامِلًا لِمَن صَحَّتْ دَعْواهُ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الِاسْتِغْفارِ، وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أهْلِ الأوْزارِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ لَهُ هَذا الوَصْفَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم ما قَصَّرُوا فِيهِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ فَكُلُّ ما أمَرَهم بِهِ فَهو خَيْرٌ لَهم وإنْ تَراءى لَهم خِلافُهُ.
24:63Page 359
لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣
Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.
ولَمّا أظْهَرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِعُمُومِها، وهَذِهِ الآياتُ بِخُصُوصِها، مِن شَرَفِ الرَّسُولِ ما بَهَرَ العُقُولَ، لِأجْلِ ما وقَعَ لِلْمُنافِقِ مِنَ التَّجَرُّؤِ عَلى ذَلِكَ الجَنابِ الأشَمِّ، والمَنصِبِ الأتَمِّ، وعُلِمَ مِنهُ أنَّ لَهُ ﷺ في كُلِّ أمْرِهِ وجَمِيعِ شَأْنِهِ خُصُوصِيَّةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ تَفْخِيمًا لِلشَّأْنِ، وتَعْظِيمًا لِلْمَقامِ، لِيَتَأدَّبَ مَن ناضَلَ عَنِ المُنافِقِ، أوْ تَوانى في أمْرِهِ فَقَصَرَ عَنْ مَدى أهْلِ السَّوابِقِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ المَصائِبَ سَبَبٌ لِإظْهارِ المَناقِبِ أوْ إشْهارِ المَعايِبِ ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ أيِ أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴿دُعاءَ الرَّسُولِ﴾ أيْ لَكُمُ الَّذِي يُوقِعُهُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ (p-٣٢٥)ولَوْ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، في وُجُوبِ الِامْتِثالِ ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ فَإنَّ أمْرَهُ عَظِيمٌ، ومُخالَفَتَهُ اسْتِحْلالًا كُفْرٌ، ولا تَجْعَلُوا أيْضًا دُعاءَكم إيّاهُ كَدُعاءِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ، بَلْ تَأدَّبُوا مَعَهُ بِالتَّفْخِيمِ والتَّبْجِيلِ والتَّعْظِيمِ كَما سَنَّ اللَّهُ بِنَحْوِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، ويا أيُّها الرَّسُولُ، مَعَ إظْهارِ الأدَبِ في هَيْئَةِ القَوْلِ والفِعْلِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ والتَّواضُعِ.
ولَمّا كانَ بَعْضُهم يُظْهِرُ المُؤالَفَةَ، ويُبْطِنُ المُخالَفَةَ، حَذَّرَ مِن ذَلِكَ بِشُمُولِ عِلْمِهِ وتَمامِ قُدْرْتِهِ، فَقالَ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا مُحَقِّقًا مُعْلِمًا بِتَجْدِيدِ تَعْلِيقِ العِلْمِ الشُّهُودِيِّ كُلَّما جَدَّدَ أحَدٌ خِيانَةً لِدَوامِ اتِّصافِهِ بِإحاطَةِ العِلْمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ أيِ الحائِزُ لِجَمِيعِ صِفاتِ المَجْدِ إنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ ما تَفْعَلُونَهُ مِنَ التَّسَتُّرِ يُخْفِي أمْرَكم عَلى رَسُولِهِ ﷺ، فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ وعَيَّنَ أهْلَ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُونَ سَلَّ أنْفُسِهِمْ لِيَجْعَلُوا ذَهابَهم في غايَةِ الخَفاءِ ﴿لِواذًا﴾ أيْ تَسَلُّلًا مُسْتَخْفِينَ بِهِ بِتَسَتُّرِ بَعْضِهِمْ فِيهِ بِبَعْضٍ؛ يُقالُ: لاذَ بِالشَّيْءِ لَوْذًا ولِواذًا ومُلاوَذَةً: اسْتَتَرَ وتَحَصَّنَ، فَهو مَصْدَرٌ لِتَسَلَّلَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، ولَعَلَّهُ أدْخَلَ ”قَدْ“ عَلى المُضارِعِ لِيَزِيدَ أهْلَ التَّحْقِيقِ تَحْقِيقًا، ويَفْتَحَ لِأهْلِ الرَّيْبِ إلى الِاحْتِمالِ طَرِيقًا، فَإنَّهُ يَكْفِي في الخَوْفِ مِنَ النَّكالِ طُرُوقُ الِاحْتِمالِ؛ وسَبَّبَ عَنْ عِلْمِهِ قَوْلَهُ: (p-٣٢٦)﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ أيْ يُوقِعِ الحَذَرَ ﴿الَّذِينَ يُخالِفُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ مُخالَفَتَهُ بِالذَّهابِ مُجاوِزِينَ مُعْرِضِينَ ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ أيْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إلى خِلافِهِ ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُخالِطُهم في الدُّنْيا فَيُحِيلُ أُمُورَهم إلى غَيْرِ الحالَةِ المَحْبُوبَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ حَتّى يَصْرِفَ عَنْهُ صارِفٌ، لِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى الإخْلالِ بِهِ، لِأنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ العِقابِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ قِيامِ المُقْتَضِي لِنُزُولِ العَذابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences