Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:10–19
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا وُجُودَ لَهم لِأنَّهم لا عِلْمَ لَهم ولا قُدْرَةَ، وأنَّهم لا يُمْنَ لَهم ولا بَرَكَةَ، لا عَلى أنْفُسِهِمْ ولا غَيْرِهِمْ، أثْبَتَ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ ما يَسْتَحِقُّ مِنَ الكَمالِ الَّذِي يَفِيضُ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ما يَشاءُ فَقالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ ثَبْتَ ثَباتًا مُقْتَرِنًا بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ، لا ثَباتَ إلّا هو ﴿الَّذِي إنْ شاءَ﴾ فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي قالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿جَنّاتٍ﴾ فَضْلًا عَنْ جَنَّةٍ واحِدَةٍ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ تَكُونُ أرْضُها عُيُونًا نابِعَةً، أيْ مَوْضِعٍ أُرِيدَ مِنهُ إجْراءُ نَهْرٍ جَرى، فَهي لا تَزالُ رَيّا تُغْنِي صاحِبَها عَنْ كُلِّ حاجَةٍ ولا تُحْوِجُهُ في اسْتِثْمارِها إلى سَقْيٍ.
ولَمّا كانَ القَصْرُ - وهو بَيْتُ المُشَيِّدِ - لَيْسَ مِمّا يَسْتَمِرُّ فِيهِ الجَعْلُ (p-٣٤٨)كالجَنَّةِ الَّتِي هَذِهِ صِفَتُها، عَبَّرَ فِيهِ بِالمُضارِعِ إيذانًا بِالتَّجْدِيدِ كُلَّما حَصَلَ خَلَلٌ يَقْدَحُ في مُسَمّى القَصْرِ فَقالَ: ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أيْ بُيُوتًا مُشَيَّدَةً تَسْكُنُها بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الحَشَمِ والخَدَمِ، قالَ البَغَوِيُّ: والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا.
وهَذِهِ العِبارَةُ الصّالِحَةُ لِأنْ يَجْعَلَ لَهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ في الدُّنْيا مِمّا فَتَّتَ في أعَضادِهِمْ، وخافُوا غائِلَتَها فَسَهَّلَتْ مِن قِيادِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مُراسِلَهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أغْناهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَأْيِيدِهِ بِالأعْوانِ، مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ والجانِّ، حَتّى اضْمَحَلَّ أمْرُهُمْ، وعِيلَ صَبْرُهُمْ، ولَمْ يَشَأْ سُبْحانَهُ ما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ في هَذِهِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، وأخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، وقَدْ عَرَضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ما شاءَ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا فَأباهُ، رَوى البَغَوِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُبارَكِ، والتِّرْمِذِيِّ - وقالَ: حَسَنٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي أنْ يَجْعَلَ لِي (p-٣٤٩)بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لا يا رَبِّ! ولَكِنْ أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ يَوْمًا، فَإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ ودَعَوْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ» .
ورُوِيَ عَنْ طَرِيقِ أبِي الشَّيْخِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ شِئْتُ لَسارَتْ مَعِي جِبالُ الذَّهَبِ جاءَنِي مَلَكٌ إنَّ حُجُزَتَهُ لَتُساوِي الكَعْبَةَ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا وإنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأشارَ إلَيَّ أنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا قالَ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَأْكُلُ مُتَكِّئًا ويَقُولُ:”آكُلُ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ، وأجْلِسُ كَما يَجْلِسُ العَبْدُ»“ .
وسَيَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ عِنْدَ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ [سبإ: ١٢] ما يَتِمُّ هَذا، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ أُشِيرَ بِالآيَةِ الشَّرِيفَةِ - وإنْ كانَتْ في أُسْلُوبِ الشَّرْطِ إلى ما فَتَحَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الحَدائِقِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِثْلُها في بِلادِ العَرَبِ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ ووادِيَ القُرى، وتَصَرَّفَ في ذَلِكَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ وأكَلَ مِنهُ وإلى ما فَتَحَ عَلى أصْحابِهِ مِن بَعْدِهِ مِن بِلادِ فارِسَ والرُّومِ ذاتِ القُصُورِ والجِنانِ الَّتِي لا مِثْلَ لَها ولِذَلِكَ عَبَّرَ في الجَنّاتِ بِالماضِي، وفي القُصُورِ بِالمُضارِعِ، وأُتِيحُوا كُنُوزَ كِسْرى بْنِ هُرْمُزَ، فَإنَّ اللّائِقَ بِمَقامِ المُلُوكِ أنْ تَكُونَ إشاراتُهم أوْسَعَ مِن عِباراتِهِمْ، فَإذا ذَكَرُوا شَيْئًا مُمْكِنًا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ كانَ مِن إرادَتِهِمْ (p-٣٥٠)إيجادُهُ، ويُحِبُّونَ أنْ يَكْتَفِيَ مِنهم بِالإيماءِ، وأنْ يَعْتَمِدَ عَلى تَلْوِيحِهِمْ أعْظَمَ مِمّا يَعْتَمِدُ عَلى تَصْرِيحِ غَيْرِهِمْ، وأنْ يُعَدَّ المَفْرُوضُ مِنهم بِمَنزِلَةِ المَجْزُومِ بِهِ مِن غَيْرِهِمْ، والمُمْكِنُ في كَلامِهِمْ كالواجِبِ، فَما ظَنُّكَ بِمَلِكِ المُلُوكِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ! وهو قَدْ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ إلى أعْلى النّاسِ فَهْمًا، وأغْزَرِهم عِلْمًا، وقَدْ أراهُ سُبْحانَهُ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ مِن بَعْدِهِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
رَوى البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَطَّ الخَنْدَقَ لِيَحْفِرَهُ جَعَلَ عَلى كُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وكانَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا قَوِيًّا، فاخْتَلَفَ فِيهِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:”سَلْمانُ مِنّا أهْلَ البَيْتِ“فَخَرَجَتْ لَهم صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ، قالَ عَمْرٌو: فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا. وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ ارْقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَأخْبَرَ فَأخَذَ ﷺ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ثَلاثَ ضَرَباتٍ صَدَعَ فِيها في كُلِّ ضَرْبَةٍ صَدْعًا، وكَسَرَها في الثّالِثَةِ، وبَرَقَتْ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بُرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ كُلِّ بُرْقَةٍ تَكْبِيرَةً، ثُمَّ أخَذَ (p-٣٥١)بِيَدِ سَلْمانَ فَرَقِيَ فَسَألَهُ سَلْمانُ فقال لِلْقَوْمِ: هَلْ رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ ؟ قالُوا: نَعَمْ! يا رَسُولَ اللَّهِ! بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا! قَدْ رَأيْناكَ تَضْرِبُ فَيَخْرُجُ بَرْقٌ كالمَوْجِ فَرَأيْناكَ تُكَبِّرُ، لا نَرى شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقالَ: أضاءَتْ لِي مِنَ البُرْقَةِ الأُولى قُصُورُ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ومِنَ الثّانِيَةِ القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، ومِنَ الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي، جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها» .
فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ! مَوْعُودٌ صادِقٌ بِأنَّ وعْدَنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرِ، فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُسْلِمُونَ ”هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُوله وما زادَهم إلّا إيمانًا وتسليمًا“
وقالَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَ المُنافِقِينَ وصَدَّقَ رَسُولَهُ ﷺ، فافْتَتَحَ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَمِيعَ ما ذَكَرَ، وغَلَبُوا عَلى سائِرِ مَمْلَكَةِ الفُرْسِ واليَمَنِ وأكْثَرِ الرُّومِ، وانْتَثَلُوا مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ ما يَفُوتُ الحَصْرَ، وقَدْ كانَ ﷺ تَصَرَّفَ في ذَلِكَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ تَصَرُّفَ المُلُوكِ، لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، بَلْ غائِبُهُ أعْظَمُ مِن حاضِرِ غَيْرِهِ، ومَوْعُودُهُ أوْثَقُ مِن ناجِزِ سِواهُ، فَأعْطى ﷺ تَمِيمَ بْنَ أوْسٍ الدّارِيَّ بَلَدَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أرْضِ الشّامِ مِن مَمْلَكَةِ الرُّومِ، وأعْطى خَرِيمَ بْنَ أوْسٍ - الَّذِي يُقالُ لَهُ: شَوِيلُ - كَرامَةَ بِنْتَ عَبْدِ المَسِيحِ (p-٣٥٢)ابْنِ بَقِيلَةَ مِن سَبْيِ الحَيْرَةِ مِن بِلادِ العِراقِ مِن مَمْلَكَةِ فارِسٍ، وكُلٌّ مِنهم قَبَضَ ما أعْطاهُ عِنْدَ الفَتْحِ كَما يَعْرِفُهُ مَن طالَعَ كُتُبَ الفُتُوحِ عَلى أيّامِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، فَعِنْدِي أنَّ هَذا مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الشَّرِيفَةُ، نَزَّهَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْهُ وفَتَحَهُ عَلى أصْحابِهِ، تَشْرِيفًا لَهم بِإزالَةِ أهْلِ الشِّرْكِ عَنْهُ، وإنْعامًا عَلَيْهِمْ بِهِ تَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ، وإكْرامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وتَكْثِيرِ أُمَّتِهِ، وحَضَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ كانَ مِنَ القائِلِينَ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] إلى آخِرِهِ، وقَدْ كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُقَوِّيَهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ لِأنَّ ذَلِكَ أوْضَحُ في الأمْرِ، لِأنَّ نَصْرَهُ عَلى خِلافِ ما يُنْصَرُ بِهِ أهْلُ الدُّنْيا مِن غَيْرِ جُنُودٍ كَثِيرَةٍ ظاهِرَةٍ، ولا أمْوالٍ وافِرَةٍ، ولا مُلُوكٍ مُعِينَةٍ قاهِرَةٍ، بَلْ كانَتِ المُلُوكُ عَلَيْهِ، ثُمَّ صارُوا كُلُّهم أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ، بِيَدِ أصْحابِهِ مِن بَعْدِهِ وأحْبابِهِ.
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
ولَمّا ثَبَتَ بِما أثْبَتَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الكَمالِ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إيجادِ ما ساقُوهُ مَساقَ التَّوْبِيخِ إلّا عَدَمُ المَشِيئَةِ، لا عَجْزَ مِنَ الجاعِلِ ولا هَوانَ بِالمَجْعُولِ لَهُ، تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ في أُسْلُوبٍ مُشِيرٍ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ ذَلِكَ، سَلّاهُ أيْضًا بِأنَّ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ لا يَعْتَقِدُونَ حَقِيقَتَهُ، فَأضْرَبَ عَنْ كَلامِهِمْ قائِلًا: ﴿بَلْ﴾ أيْ لا تَظُنَّ أنَّهم كَذَّبُوا بِما جِئْتَ بِهِ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ فِيكَ كَذِبًا وافْتِراءً لِلْقُرْآنِ، أوْ نُقْصانًا لِأكْلِكَ الطَّعامَ ومَشْيِكَ (p-٣٥٣)فِي الأسْواقِ، أوْ في شَيْءٍ مِن أحْوالِكَ، أوْ لا تَظُنَّ أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما ذَكَرَ أنَّهُ إنْ شاءَ جَعْلَهُ لَكَ بَلْ، أوِ المَعْنى: دَعِ التَّفَكُّرَ فِيما قالُوهُ مِن هَذا فَإنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا في التَّكْذِيبِ عَلَيْهِ بَلْ ﴿كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أيْ بِقُدْرَتِنا عَلَيْها، واسْتَقَرَّ ذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ دُهُورًا طَوِيلَةً، وأخَذُوهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وأُشْرِبَ قُلُوبَهم حُبُّ هَذا الحُطامِ الفانِي، وتَقَيَّدَتْ أوْهامُهم بِهَذِهِ الظَّواهِرِ كالبَهائِمِ، فَعَسُرَ انْفِكاكُهم عَنْ ذَلِكَ بِما جاءَهم مِنَ البَيانِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ، فاجْتَرَؤُوا لِذَلِكَ عَلى العِنادِ لِعَدَمِ الخَوْفِ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى عَنْ أهْلِ الكِتابِ
﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ والحالُ أنّا أعَتَدْنا أيْ هَيَّأْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِمَن كَذَّبَ﴾ مِن هَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أيْ نارًا شَدِيدَةَ الِاتِّقادِ بِما أعَظَمُوا الحَرِيقَ في قُلُوبِ مَن كَذَّبُوهم مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
﴿إذا رَأتْهُمْ﴾ أيْ إذا كانَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَرَوْها وتَراهم لَوْ كانَتْ مُبْصِرَةً ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وهو أقْصى ما يُمْكِنُ رُؤْيَتُها مِنهُ وهم يُساقُونَ إلَيْها ﴿سَمِعُوا لَها﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تَغَيُّظًا﴾ أيْ صَوْتًا في غَلَيانِها (p-٣٥٤)وفَوَرانِها كَصَوْتِ المُتَغَيِّظِ في تَحَرُّقِهِ ونَكارَتِهِ إذا غَلا صَدْرُهُ مِنَ الغَضَبِ ﴿وزَفِيرًا﴾ أيْ صَوْتًا يَدُلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ، وأصْلُهُ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ الجَوْفِ.
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
ولَمّا وصَفَ مُلاقاتَها لَهُمْ، وصَفَ إلْقاءَهم فِيها قالَ: ﴿وإذا أُلْقُوا﴾ أيْ طُرِحُوا طَرْحَ إهانَةٍ فَجُعِلُوا بِأيْسَرِ أمْرٍ مُلاقِينَ ﴿مِنها﴾ أيِ النّارِ ﴿مَكانًا﴾ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ضَيِّقًا﴾ زِيادَةً في فَظاعَتِها ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ، أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ في السَّلاسِلِ، أوْ حِبالِ المَسَدِ، أوْ مَعَ مَن أغْواهم مِنَ الشَّياطِينِ، والتَّقْرِينُ: جَمْعُ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ في قِرْنٍ وهو الحَبْلُ ﴿دَعَوْا هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ البَغِيضِ البَعِيدِ عَنِ الرِّفْقِ ﴿ثُبُورًا﴾ أيْ هَلاكًا عَظِيمًا فَيَقُولُونَ: يا ثُبُوراهُ! لِأنَّهُ لا مُنادِمَ لَهم غَيْرُهُ، ولَيْسَ بِحَضْرَةِ أحَدٍ مِنهم سِواهُ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ الثَّبْرِ في كَلامِ العَرَبِ الِانْصِرافُ عَنِ الشَّيْءِ. فالمَعْنى حِينَئِذٍ: دَعَوُا انْصِرافَهم عَنِ الجَنَّةِ إلى النّارِ الَّذِي تَسَبَّبُوا فِيهِ بِانْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم سَمِيرٌ إلّا اسْتِحْضارُهم لِذَلِكَ تَأسُّفًا وتَنَدُّمًا، فَأُجِيبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ تَعالى.
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ﴾ أيُّها الكُفّارُ ﴿ثُبُورًا واحِدًا﴾ لِأنَّكم (p-٣٥٥)لا تَمُوتُونَ إذا حَلَّتْ بِكم أسْبابُ الهَلاكِ ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ لا يَحْصُرُهُ الإحْصاءُ ولا آخِرَ لَهُ، فَإنَّكم وقَعْتُمْ فِيما يُوجِبُ ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ الهَلاكِ لا تُبارِحُكم أصْلًا ولَكِنَّهُ لا مَوْتَ.
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
ولَمّا كانَتْ عادَتُهم تَجْوِيزَ المُمْكِنِ مِن كُلِّ ما يَحْذَرُونَ مِنهُ مِنَ الخَلْقِ، اقْتَضى الحالُ سُؤالَهُمْ: هَلْ أعَدُّوا لِما هَدَّدُوا بِهِ مِنَ الخالِقِ عُدَّةً أمْ لا؟ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ المُفاضَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما وعَدَهُ المُتَّقُونَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ المُمْكِنِ فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وتَهَكُّمًا بِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الهَوْلِ الَّذِي أُوعِدْتُمُوهُ مِنَ السَّعِيرِ المَوْصُوفَةِ.
ولَمّا كانَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ الإتْيانَ بِصِيغَةِ أفْعَلَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَلْبَ الخَيْرِ عَنْ مُقابِلِهِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ وإرْخاءِ العِنانِ، تَنْبِيهًا لِلْعاقِلِ عَلى أنَّهُ يَكْفِيهِ في الرُّجُوعِ عَنِ الغَيِّ طُرُوقُ احْتِمالٍ لِكَوْنِ ما هو عَلَيْهِ مَفْضُولًا قالَ: ﴿خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ أيِ الإقامَةُ الدّائِمَةُ ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيْ وقَعَ الوَعْدُ الصّادِقُ المُحَتَّمُ بِها، مِمَّنْ وعَدَهُ هو الوَعْدُ، لِلَّذِينَ (p-٣٥٦)خافُوا فَصَدَّقُوا بِالسّاعَةِ جاعِلِينَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوالِها وِقايَةً مِمّا أمَرَتْهم بِهِ الرُّسُلُ؛ ثُمَّ حَقَّقَ تَعالى أمْرَها تَأْكِيدًا لِلْبِشارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ﴾ أيْ تَكَوَّنَتْ ووُجِدَتْ بِإيجادِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَهم جَزاءً﴾ عَلى تَصْدِيقِهِمْ وأعْمالِهِمْ ﴿ومَصِيرًا﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا ومُنْتَهًى، وذَلِكَ مَدْحٌ لِجَزائِهِمْ لِأنَّهُ إذا كانَ في مَحَلٍّ واسِعٍ طَيِّبٍ كانَ أهْنَأ لَهُ وألَذَّ كَما أنَّ العِقابَ إذا كانَ في مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ شَنِيعٍ كانَ أنَكى وأوْجَعَ، وهو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ لِمَن كانَ يَعْقِلُ فَيُجَوِّزُ المُمْكَناتِ.
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نَعِيمَهم بِها ذَكَرَ تَنَعُّمَهم فِيها فَقالَ: ﴿لَهم فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ خاصَّةً لا في غَيْرِها ﴿ما يَشاءُونَ﴾ مِن كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم ﴿خالِدِينَ﴾ لا يَبْغُونَ عَنْهُ حِوَلًا ﴿كانَ﴾ أيْ ذَلِكَ كُلُّهُ ﴿عَلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالإحْسانِ إلى أتْباعِكَ ﴿وعْدًا﴾
ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ إلى إيجابِ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ العَظِيمَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِ ”عَلى“ والوَعْدِ، وكانَ الإنْسانُ لا سِيَّما مَجْبُولًا عَلى عِزَّةِ النَّفْسِ، لا يَكادُ يَسْمَحُ بِأنْ يَسْألَ فِيما لا يُحَقِّقُ حُصُولَهُ، قالَ: ﴿مَسْؤُولا﴾ أيْ حَقِيقًا بِأنْ يَسْألَ إنْجازَهُ، لِأنَّ سائِلَهُ خَلِيقٌ بِأنْ يُجابَ سُؤالُهُ، وتُحَقَّقَ ظُنُونُهُ وآمالُهُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا انْضافَ إلى تَحْتِيمِهِ الشَّيْءَ عَلى نَفْسِهِ (p-٣٥٧)سُؤالُ المَوْعُودِ بِهِ إيّاهُ، أُنْجِزَ لا مَحالَةَ، وهو مِن وادِي ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وفِيهِ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى الدُّعاءِ، وتَرْجِيَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْإجابَةِ، كَما وعَدَ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ في ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] و﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وإنْ لَمْ يَرَ الدّاعِي الإنْجازَ فَإنَّ الأمْرَ عَلى ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى المُنْذِرِيُّ: بِأسانِيدَ جَيِّدَةٍ - والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ بِها إحْدى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَجْعَلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَها لَهُ في الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها، قالُوا: إذَنْ نُكْثِرُ؟ قالَ: اللَّهُ أكْثَرُ» .
ولِلْحاكِمِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُوقِفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: عَبْدِي! إنِّي أمَرْتُكَ أنْ تَدْعُوَنِي، ووَعَدْتُكَ أنْ أسْتَجِيبَ لَكَ فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! يا رَبِّ فَيَقُولُ: أما إنَّكَ لَمْ تَدْعُنِي بِدَعْوَةٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَكَ؟ ألَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذا وكَذا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ أنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! يا رَبِّ! فَيَقُولُ: إنِّي عَجَّلْتُها لَكَ في الدُّنْيا، ودَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذا وكَذا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ أنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ فَلَمْ تَرَ فَرَجًا؟ قالَ: نَعَمْ! يا رَبِّ فَيَقُولُ: إنِّي ادَّخَرْتُ لَكَ بِها في الجَنَّةِ كَذا وكَذا، ودَعَوْتَنِي في حاجَةٍ أقْضِيها لَكَ في يَوْمٍ كَذا وكَذا فَقَضَيْتُها؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! يا رَبِّ! فَيَقُولُ: إنِّي عَجَّلْتُها (p-٣٥٨)لَكَ في الدُّنْيا، ودَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذا وكَذا في حاجَةٍ أقْضِيها لَكَ فَلَمْ تَرَ قَضاءَها؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! يا رَبِّ! فَيَقُولُ إنِّي ادَّخَرْتُ لَكَ بِها في الجَنَّةِ كَذا وكَذا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلا يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعا بِها عَبْدَهُ المُؤْمِنَ إلّا بَيَّنَ لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَكُونَ ادَّخَرَ لَهُ في الآخِرَةِ، فَيَقُولُ المُؤْمِنُ في ذَلِكَ المَقامِ: يا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِن دُعائِهِ» .
ولِابْنِ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمِ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ - عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَعْجِزُوا في الدُّعاءِ فَإنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعاءِ أحَدٌ» .
ولِلتِّرْمِذِيِّ والحاكِمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ادْعُوا اللَّهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجابَةِ» .
ولِلْبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ (p-٣٥٩)وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يُعَجِّلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ: «لا يَزالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ ما لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما الِاسْتِعْجالُ؟ قالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَدَعُ الدُّعاءَ» قالَ المُنْذِرِيُّ: يَسْتَحْسِرُ أيْ يَمَلُّ ويَعْيا فَيَتْرُكُ الدُّعاءَ - انْتَهى.
وقَدْ فُهِمَ مِنَ الآيَةِ ومِنَ الحَدِيثِ في اسْتِثْناءِ الإثْمِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ أنَّ ما لا مانِعَ مِن سُؤالِهِ مَوْعُودٌ بِإجابَتِهِ ونَوالِهِ، فَلْيَدْعُ الإنْسانُ بِهِ مُوقِنًا بِالإجابَةِ.
25:17Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
ولَمّا ذَكَرَ لَهم حالَهم في السّاعَةِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ حالِهِمْ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ مِن دُونِهِ، فَقالَ بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ قُلْ لَهم ما أمَرْتُكَ بِهِ، واذْكُرْ لَهم يَوْمَ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي نُبْرِزُها في ذَلِكَ اليَوْمِ، مِنَ القُبُورِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ (p-٣٦٠)فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلرَّبِّ ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَعْقِلُ ومِمَّنْ لا يَعْقِلُ؛ ونَبَّهَ عَلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وعَدَمِ أهْلِيَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وذَكَرَها بِلَفْظِ ”ما“ إشارَةً إلى أنَّ ناطِقَها وصامِتَها جَمادٌ بَلْ عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ، مَعَ أنَّ ”ما“ مَوْضُوعٌ عَلى العُمُومِ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ وإنْ كانَ أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في غَيْرِ العُقَلاءِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ﴾ بِإعادَةِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِنُونِ العَظَمَةِ في ”نَحْشُرُ“ في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ عامِرٍ لِتَقَدُّمِ الجَلالَةِ الشَّرِيفَةِ، تَحْقِيقًا لِلْمُرادِ وتَصْرِيحًا بِهِ، وإعْلامًا بِأنَّ المُرادَ بِالنُّونِ العَظَمَةُ لا جَمْعٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ مُوَحِّدًا الأُسْلُوبَ: ”أنْتُمْ“ أيْ أيُّها المَعْبُوداتُ! بِإيلاءِ الهَمْزَةِ الضَّمِيرَ سُؤالًا عَنِ المُضِلِّ، لِأنَّ ضَلالَ العَبَدَةِ مَعْرُوفٌ لا يُسْألُ عَنْهُ ﴿أضْلَلْتُمْ﴾ بِالقَهْرِ والخِداعِ والمَكْرِ ﴿عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ حَتّى عَبَدُوكم كَما في الآيَةِ الأُخْرى
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] في أمْثالِها مِنَ الآياتِ كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهم فاجْتالَتْهُمُ الشَّياطِينُ» ﴿أمْ﴾
ولَمّا كانَ السُّؤالُ - كَما مَضى - عَنِ الفاعِلِ لا عَنِ الفِعْلِ، كانَ لا بُدَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ بِاخْتِيارٍ مِنهم لِإهْمالِهِمُ اسْتِعْمالَ ما أعْطَيْتُهم (p-٣٦١)مِن قَوِيمِ العَقْلِ وسَدِيدِ النَّظَرِ ﴿ضَلُّوا﴾ وأوْصَلَ الفِعْلَ بِدُونِ ”عَنْ“ كَما في هُداةِ الطَّرِيقِ بِدُونِ ”إلى“ لِكَثْرَةِ الدَّوْرِ، ولِلْإشارَةِ إلى قُوَّةِ الفِعْلِ فَقالَ: ﴿السَّبِيلَ﴾ أيِ الَّذِي نَهَجْتَهُ ونُصِبَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ، والبَراهِينُ السّاطِعَةُ.
25:18Page 361
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
﴿قالُوا﴾ أيِ المَعْبُوداتُ الحَيُّ مِنهم والجَمادُ، المُطِيعُ والعاصِي: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنَزَّهَتْ عَنْ أنْ يُنْسَبَ إلى غَيْرِكَ قُدْرَةً عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ.
ولَمّا أنْتَجَ التَّنْزِيهُ أنَّهم لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ، عَبَّرُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي﴾ أيْ يَصِحُّ ويُتَصَوَّرُ ﴿لَنا أنْ نَتَّخِذَ﴾ أيْ نَتَكَلَّفُ أنْ نَأْخُذَ بِاخْتِيارِنا مِن غَيْرِ إرادَةٍ مِنكَ ﴿مِن دُونِكَ﴾ وكُلُّ ما سِواكَ فَهو دُونُكَ ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ يَنْفَعُونَنا، فَإنّا مُفْتَقِرُونَ إلى مَن يَنْفَعُنا لِحاجَتِنا وفَقْرِنا، فَكَيْفَ نَتْرُكُ مَن بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ وهو أقْرَبُ إلَيْنا في كُلِّ مَعْنًى مِن مَعانِي الوِلايَةِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِهِما إلى مَن لا شَيْءَ بِيَدِهِ، وهو أبْعَدُ بِعِيدٍ مِن كُلِّ مَعْنًى مِن مَعانِي الوِلايَةِ، فَلَوْ تَكَلَّفْنا جَعْلَهُ قَرِيبًا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وهَذِهِ عِبارَةٌ صالِحَةٌ سَواءٌ كانَتْ مِنَ الصّالِحِينَ مِمَّنْ عُبِدَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ أوْ غَيْرِهِمْ، (p-٣٦٢)فَإنْ كانَتْ مِنَ الصّالِحِينَ فَمَعْناها: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ذَلِكَ فَلَمْ نَفْعَلْهُ وأنْتَ أعْلَمُ، كَما قالَ تَعالى
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةُ؛ وإنْ كانَتْ مِنَ الجَماداتِ فالمَعْنى: ما كُنّا في حَيِّزِ مَن يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ فَعَلُوهُ بَطَرًا؛ وإنْ كانَتْ مِن مِثْلِ فِرْعَوْنَ فالمَعْنى: ما كانَ لَنا هَذا، ولَكِنَّهم أنْزَلُونا هَذِهِ المَنزِلَةَ بِمُجَرَّدِ دُعائِنا لَهم كَما يَقُولُ إبْلِيسُ - فَما كانَ لَنا عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْناهم فاسْتَجابُوا، وذَلِكَ لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ في حَقائِقِ الأُمُورِ، فَألْقى الكُلُّ إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ، فَثَبَتَ أنَّهم لَيْسُوا في تِلْكَ الرُّتْبَةِ الَّتِي أنْزَلُوهم إيّاها، وفائِدَةُ السُّؤالِ مَعَ شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى تَبْكِيتُ المُعانِدِينَ وزِيادَةُ حَسَراتِهِمْ وأسَفِهِمْ، وتَغْبِيطُ المُؤْمِنِينَ إذا سَمِعُوا هَذا الجَوابَ، هَذا مَعَ ما في حِكايَتِهِ لَنا مِنَ المَوْعِظَةِ البالِغَةِ، وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ واضِحَةُ المَعْنى، أيْ يَتَّخِذُنا أحَدَ آلِهَةٍ نَتَوَلّى أُمُورَهُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: إنّا ما أضْلَلْناهُمْ، أمّا إذا قُدِّرَ مِنَ المَلائِكَةِ ونَحْوِهِمْ فَواضِحٌ، وأمّا مِن غَيْرِهِمْ فَإنَّ المُضِلَّ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وفي الظّاهِرِ بَطَرُهُمُ النِّعْمَةَ، واتِّباعُهُمُ الشَّهَواتِ الَّتِي قَصُرَتْ بِهِمْ عَنْ إمْعانِ النَّظَرِ، وأوْقَفَتْهم مَعَ الظَّواهِرِ، حَسُنَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ (p-٣٦٣)ما أضْلَلْناهم نَحْنُ، وإنَّما هم ضَلُّوا بِإرادَتِكَ لِأنَّكَ أنْتَ ﴿مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ﴾ في الحَياةِ الدُّنْيا بِما تَسْتَدْرِجُهم بِهِ مِن لَطائِفِ المِنَنِ، وأطَلْتَ أعْمارَهم في ذَلِكَ ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ الذِّكْرُ عَلى غَيْرِهِ، وهو الإيمانُ بِكُلِّ ما أرْسَلْتَ بِهِ سُبْحانَكَ رُسُلَكَ بِبُرِهانٍ ما يَعْرِفُهُ كُلُّ عاقِلٍ مِن نَفْسِهِ بِما وهَبْتَهُ مِن غَرِيزَةِ العَقْلِ مِن أنَّهُ يَصِحُّ بِوَجْهٍ أنْ يَكُونَ الإلَهُ إلّا واحِدًا، ما بَيْنَ العاقِلِ وبَيْنَ ذِكْرِ ذَلِكَ إلّا يَسِيرُ تَأمُّلٍ، مَعَ البَراءَةِ مِن شَوائِبِ الحُظُوظِ، والحاصِلُ أنَّكَ سَبَّبْتَ لَهم أسْبابًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهِدايَةِ مَعَها، فَأنْتَ المَلِكُ الفَعّالُ لِما تُرِيدُ، لا فِعْلَ لِأحَدٍ سِواكَ ﴿وكانُوا﴾ في عِلْمِكَ بِما قَضَيْتَ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هَلْكى.
25:19Page 361
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا واقِعًا لا مَحالَةَ، التَفَتَ إلَيْهِمْ مُبَكِّتًا فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي بَعْدَ ”قَدْ“ المُقَرَّبَةِ المُحَقِّقَةِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ كَذَّبُوا العابِدِينَ بِسَبَبِ إلْقائِهِمُ السِّلْمَ المُقْتَضِي لِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَكم مَقْهُورَيْنِ مَرْبُوبَيْنِ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿تَقُولُونَ﴾ أيُّها العابِدُونَ مِن أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَكُمْ، وأنَّهم أضَلُّوكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّحْتانِيَّةِ المَعْنى: بِما يَقُولُ المَعْبُودُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ لِلَّهِ والإذْعانِ، في ادِّعائِكم أنَّهم أضَلُّوكم. (p-٣٦٤)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إلْقائِهِمُ السِّلْمَ وتَخَلِّيهِمْ عَمَّنْ عَبَدَهم أنَّهُ لا نَفْعَ في أيْدِيهِمْ ولا ضُرَّ، قالَ: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ ﴿صَرْفًا﴾ أيْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ عَنْ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، لا أنْتُمْ ولا غَيْرُكُمْ، مِن عَذابٍ ولا غَيْرِهِ، بِوَجْهِ حِيلَةٍ ولا شَفاعَةٍ ولا مُفاداةٍ ﴿ولا نَصْرًا﴾ بِمُغالَبَةٍ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٥٦]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَعْدِلْ مِنكم لِسَماعِ هَذا الوَعْظِ بِوَضْعِ العِبادَةِ في مَوْضِعِها نَثِبْهُ ثَوابًا جَلِيلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ ما المَقامُ لَهُ فَقالَ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ بِوَضْعِها في غَيْرِ مَوْضِعِها، وبِاعْتِقادِهِ في الرُّسُلِ ما لا يَنْبَغِي مِن أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونُوا مِثْلَ النّاسِ في أكْلٍ ولا طَلَبِ مَعِيشَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿نُذِقْهُ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَذابًا كَبِيرًا﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences