Al-Biqa'iAl‑Furqan · 25:20–33

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:20–33

25:20Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ ما وصَمُوا بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وذَكَرَ ما جَزاهم عَلَيْهِ. وما أعَدَّ لَهم ولَهُ ولِأتْباعِهِ، ونَفى ما زَعَمُوهُ في مَعْبُوداتِهِمْ وخَتَمَهُ بِتَعْذِيبِ الظّالِمِ، ذَكَرَ ما ظَلَمُوا فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] ونَحْوِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ ما جَعَلُوهُ مِن ذَلِكَ وصْمَةً في حَقِّهِ هو سُنَّتُهُ سُبْحانَهُ في الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ أُسْوَةً لِنَوْعِهِمُ البَشَرِيِّ، وأتْبَعَهُ سِرَّهُ فَقالَ زِيادَةً في (p-٣٦٥)التَّسْلِيَةِ والتَّعْزِيَةِ والتَّأْسِيَةِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ المُرادُ العُمُومَ، أعَراهُ مِنَ الجارِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَكَ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ أحْدًا ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ إلا﴾ وحالُهم ﴿إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ ما نَأْكُلُ ويَأْكُلُ غَيْرُكَ مِنَ الآدَمِيِّينَ ﴿ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ كَما تَفْعَلُ ويَفْعَلُونَ أيْ إلّا وحالُهُمُ الأكْلُ والمَشْيُ لِطَلَبِ المَعاشِ كَحالِ سائِرِ الآدَمِيِّينَ، وهو يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِما سَمِعُوا مِن أخْبارِهِمْ، وهَذا تَأْكِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ نَقْصًا، وإبْطالُ لِحُجَّتِهِمْ بِما قالُوهُ مِن ذَلِكَ، وإقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى عِنادِهِمْ، وأنَّهم إنَّما يَقُولُونَهُ وأمْثالَهُ لِما تَقَدَّمَ مِن رُسُوخِ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ في أنْفُسِهِمْ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِالعَطاءِ والمَنعِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ بِأنْ جَعَلْنا هَذا نَبِيًّا وخَصَصْناهُ بِالرِّسالَةِ، وهَذا مَلِكًا وخَصَصْناهُ بِالدُّنْيا، وهَذا فَقِيرًا وحَرَمْناهُ الدُّنْيا، لِيَظْهَرَ ما نَعْلَمُهُ مِن كُلٍّ مِنَ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ في عالَمِ الغَيْبِ لِلنّاسِ في عالَمِ الشَّهادَةِ، فَنَخْتَبِرُ الفَقِيرَ بِصَبْرِهِ عَلى ما حُرِمَ مِمّا أُعْطِيهِ الغَنِيَّ أوْ جَزَعِهِ، والمُلْكَ ومَن في مَعْناهُ مِنَ الأشْرافِ بِصَبْرِهِمْ عَلى ما أُعْطِيَهُ الرَّسُولُ مِنَ الكَرامَةِ والبُلُوغِ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ إلى ما لا يَبْلُغُونَهُ مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ، فَلِأجْلٍ ذَلِكَ لَمْ أُعْطِ (p-٣٦٦)رَسُولِي الدُّنْيا، وجَعَلْتُهُ مِمَّنْ يَخْتارُ العُبُودِيَّةَ والكَفافَ بِطَلَبِ المَعاشِ في الأسْواقِ، لِأبْتَلِيَكم في الطّاعَةِ لَهُ خالِصَةً، فَإنِّي لَوْ أعْطَيْتُهُ الدُّنْيا، وجَعَلْتُهُ مِمَّنْ يَخْتارُ المُلْكَ، لَسارَعَ الأكْثَرُ إلى اتِّباعِهِ طَمَعًا في الدُّنْيا، وهَذا مَعْنى ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ فَإنَّهُ عِلَّةُ ما قَبْلَهُ، أيْ لِنَعْلَمَ عِلْمَ شَهادَةٍ هَلْ تَصْبِرُونَ فِيما امْتَحَنّاكم بِهِ أمْ لا؟ كَما كُنّا نَعْلَمُهُ عِلْمَ الغَيْبِ، لِتَقُومَ عَلَيْكم بِذَلِكَ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِكُمْ، وفِيها مَعَ العِلِّيَّةِ تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ لِمَن تَدَبَّرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ اسْتِئْنافًا لِلتَّهْدِيدِ.

ولَمّا كانَ الِاخْتِبارُ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا في العِلْمِ، وكانَ إحْسانُهُ سُبْحانَهُ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ دُونَ إحْسانِهِ إلى سَيِّدِهِمْ وعَيْنِهِمْ، وخُلاصَتِهِمْ وزَيْنِهِمْ: مُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ أعْلَمَهم بِتَنْزِيهِهِ وتَعْظِيمِهِ، وكانَ امْتِحانُهم بِجَعْلِهِ نَبِيًّا عَبْدًا مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الإكْرامِ لَهُ رُبَّما ظَنُّوهُ إهانَةً، نَفى ما لَعَلَّهُ يُوهِمُهُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِفْهامِ والِامْتِحانِ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وحَقِّ نَبِيِّهِ ﷺ، فَقالَ صارِفًا وجْهَ الخِطابِ إلَيْهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ إحْسانًا لَمْ يُحْسِنْهُ إلى أحَدٍ سِواكَ، لا سِيَّما بِجَعْلِكَ نَبِيًّا عَبْدًا ﴿بَصِيرًا﴾ (p-٣٦٧)بِكُلِّ شَيْءٍ فَهو عالِمٌ بِالإنْسانِ قَبْلَ الِامْتِحانِ، لَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ، وهو سُبْحانَهُ يَضَعُ الأُمُورَ في حاقَ مَواضِعِها وإنَّ رُئِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي عَلى كُلِّ أحَدٍ التَّسْلِيمُ لَهُ في جَمِيعِ الأُمُورِ فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى خَيْرٍ كَبِيرٍ، والتَّدَبُّرِ لِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ بِحُسْنِ الِانْقِيادِ والتَّلَقِّي فَإنَّهُ يُوصِلُ إلى عِلْمٍ غَزِيرٍ، وما أرادَ بِابْتِلائِكَ بِهِمْ وابْتِلائِهِمْ بِكَ في هَذا الأذى الكَبِيرِ إلّا إعْلاءَ شَأْنِكَ وإسْفالَ أمْرِهِمْ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]

25:21Page 362

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الِابْتِلاءَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ ما هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ مِن سَعَةِ المُلْكِ، وكَثْرَةِ الصَّنائِعِ، والإحْسانِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وكانَ مِن حَقِّ كُلِّ مَرْبُوبٍ أنْ يَتَعَرَّفَ إلى رَبِّهِ، كائِنًا مَن كانَ، لا سِيَّما إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِيَنالَ مِن إحْسانِهِ، ويَتَعَزَّزَ بِهِ عَلى أقْرانِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ أنَّهُ كَشَفَ الِابْتِلاءَ عَنْ أنَّهُ لا بَصَرَ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ الوَصْفَ الَّذِي قُدِّمَ أنَّهُ مُوجِبٌ لِعَماهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ أيْ لَيْسَتْ لَهم عُقُولٌ لِكَوْنِهِمْ نَسُوا ﴿لِقاءَنا﴾ فَهَمْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا يَطْمَعُونَ في إثْباتِنا لَهم عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ عَلى ما يَعْلَمُونَ لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن رَجاها كانَتْ لَهُ فَسَعِدَ، ومَن أعْرَضَ عَنْها (p-٣٦٨)كانَتْ عَلَيْهِ فَهَلَكَ، فَصارَتْ لِذَلِكَ عُقُولُهم تَبَعًا لِشَهَواتِهِمْ، فَصارُوا يَتَعَرَّفُونَ إلى جَماداتٍ سَمَّوْها أرْبابَهُمْ، ويَقْصِدُونَها ويَتَمَسَّحُونَ بِها رَجاءً لِلْمُحالِ، والِانْهِماكِ في الضَّلالِ، فَذَكَرَ الرَّجاءَ لِهَذا الغَرَضِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ الخَوْفِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا.

ولَمّا كانَ مُرادُهم لِجَهْلِهِمْ أنْ يَرَوْهم كُلَّهم دُفْعَةً واحِدَةً، عَبَّرَ بِالإنْزالِ فَقالَ: ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن أيِّ مُنْزِلٍ كانَ ﴿عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ كَما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ فِيما يَزْعُمُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ بِما لَهُ إلَيْنا مِنَ الإحْسانِ وما لَنا نَحْنُ مِنَ العَظَمَةِ بِالقُوَّةِ بِالأمْوالِ وغَيْرِها، فَيَأْمُرُنا بِما يُرِيدُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى واسِطَةٍ.

ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِمّا لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يَجْتَرِئَ عَلَيْهِ، لِأنَّ فِيهِ اعْتِراضًا عَلى مَن لا يُحَدُّ وصْفُ عَظَمَتِهِ، ولا تُدْرَكُ مَقاصِدُ حِكْمَتِهِ، قالَ مُصَدِّرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ: ما حالُهم في هَذا؟ ﴿لَقَدِ﴾ أيْ وعِزَّتِنا لَقَدْ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ طَلَبُوا بَلْ أوْجَدُوا الكِبْرَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِكِبْرِهِمْ ثَمَرَةٌ في الظّاهِرِ، لِأنَّهُ لا يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلى أحَدٍ غَيْرِهِمْ، قالَ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ بِطَلَبِ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ.

(p-٣٦٩)ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِهِمْ أنَّهم طَلَبُوا رُتْبَةَ النَّبِيِ الَّذِي واسِطَتُهُ المَلَكُ، وزادُوا عَلَيْهِ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ الآخِذِينَ عَنِ اللَّهِ، وزادُوا عَلى ذَلِكَ بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، قالَ: ﴿وعَتَوْا﴾ أيْ وجاوَزُوا الحَدَّ في الِاسْتِكْبارِ بِما وراءَهُ مِن طَلَبِهِمْ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ ورُؤْيَةِ المَلِكِ الجَبّارِ، وزادَ في تَأْكِيدِ هَذا المَعْنى لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ وبَيانُ أنَّهم ما قالُوا هَذا إلّا عُتُوًّا وظُلْمًا أنَّ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ الَّتِي أُعْظَمُها القُرْآنُ دَلَّهم قَطْعًا بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنهُ عَلى صِدْقِهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ ما يَقُولُهُ، وفي حُسْنٍ هَذا الِاسْتِئْنافِ وفَحْوى هَذا السِّياقِ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ فالمَعْنى: ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم وأكْبَرَ عُتُوَّهُمْ! .

25:22Page 362

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

ثُمَّ بَيَّنَ لَهم حالَهم عِنْدَ بَعْضِ ما طَلَبُوا فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ وناصِبُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ ”لا بُشْرى“ ﴿يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ قَبْلَهُ في الغَزَواتِ أوْ عِنْدَ الِاحْتِضارِ ﴿لا بُشْرى﴾ أيْ مِنَ البِشْرِ أصْلًا ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ لِأحَدٍ مِمَّنْ قَطَعَ ما أمَرَ اللَّهُ (p-٣٧٠)بِهِ أنْ يُوصَلَ، ولِبَيانٍ ذَلِكَ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ نَطْلُبُ مَنعًا مِنكم مَمْنُوعًا، أيْ مُبالَغًا في مانِعِيَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَفْعُولِ الفاعِلُ، والمَعْنى واحِدٌ في أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ مانِعٌ عَظِيمٌ يَمْنَعُهم مِنهُمْ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وهَذا عُوذَةُ العَرَبِ، يَقُولُهُ مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ وقالَ سِيبَوَيْهِ: يُرِيدُ البَراءَةَ مِنَ الأمْرِ ويِبْعُدُ عَنْ نَفْسِهِ أمْرًا، فَكَأنَّهُ قالَ: أُحَرِّمُ ذَلِكَ حَرامًا مُحَرَّمًا، ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أتُفْعَلُ كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُ: حِجْرًا أيْ سِتْرًا وبَراءَةً مِن هَذا، فَهَذا يَنْتَصِبُ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ.

وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى دَوامِ تَجْدِيدِهِمْ لِهَذا القَوْلِ بَعْدَ مُفاجَأتِهِمْ بِهِ حالَ رُؤْيَتِهِمْ لَهم لِعَظِيمِ رَوْعَتِهِمْ مِنهُمْ، بِخِلافِ ما بَعْدَهُ فَإنَّهُ عَبَّرَ فِيهِ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.

25:23Page 362

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

ولَمّا كانَ المُرِيدُ لِإبْطالِ الشَّيْءِ - لِشِدَّةِ كَراهَتِهِ لَهُ لا يَقْنَعُ في إبْطالِهِ بِغَيْرِهِ، بَلْ يَأْتِيهِ بِنَفْسِهِ فَيُبْطِلُهُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدِمْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ سَواءٌ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ أيْ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ (p-٣٧١)مِنَ الجُودِ وصِلَةِ الرَّحِمِ والحِلْمِ والنَّجْدَةِ في الخَيْرِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وغَيْرِهِ ﴿فَجَعَلْناهُ﴾ لِكَوْنِهِ لَمْ يُؤَسَّسْ عَلى الإيمانِ، وإنَّما هو لِلْهَوى والشَّيْطانِ - باطِلًا لا نَفْعَ فِيهِ، وهو مَعْنى ﴿هَباءً﴾ وهو ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ الدّاخِلِ مِنَ الكُوَّةِ مِمّا يُشْبِهُ الغُبارَ، فَهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالعَدَمِ لِأنَّهُ لا نَفْعَ لَهُ أصْلًا.

ولَمّا كانَ الهَباءُ يُرى مَعَ السُّكُونِ مُنْتَظِمًا، فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ تَناثَرَ وذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، مُعْظَمُ دُخُولِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ مَعَ أنَّهُ مَحْسُوسٌ، قالَ مُبَلِّغًا في وصْفِ أعْمالِهِمْ: ﴿مَنثُورًا﴾ وهو صِفَةٌ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثالِثٌ لِجَعَلَ، أيْ جَعَلْنا الأعْمالَ جامِعَةً لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ.

25:24Page 362

أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤

The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.

ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَكانَ بِحَيْثُ إنَّهم لا قَرارَ لَهم إذا كانَتِ النّارُ مَقِيلَهُمْ، تَلاهُ بِحالِ أضْدادِهِ فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ مَكانًا يَصْلُحُ لِلِاسْتِقْرارِ لِطِيبِهِ، ويَكُونُونَ فِيهِ في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ يَتَحادَثُونَ، إشارَةً إلى أنَّ مَنزِلَ أُولَئِكَ لا يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِ (p-٣٧٢)﴿وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ أيْ مَكانًا يُمْكِنُ فِيهِ الِاسْتِراحَةُ في مِثْلِ وقْتِ القَيْلُولَةِ لِلِاسْتِرْواحِ بِأزْواجِهِمْ، والتَّمَتُّعِ بِما يَكُونُ في الخَلَواتِ، رُوِيَ أنَّ وقْتَ الحِسابِ عَلى طُولِهِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِينَ حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ أوَّلِ النَّهارِ إلى وقْتِ القائِلَةِ فَيُقِيلُونَ في رِياضِ الجَنَّةِ حَتّى يَفْرُغَ النّاسُ مِنَ الحِسابِ.

وعَبَّرَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَهَكُّمًا بِهِمْ أوْ أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا كانَ الكَلامُ عامًّا لِأحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهم قاطِعُونَ بِأنَّهم في الدُّنْيا أحْسَنُ حالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِما هم فِيهِ مِنَ السَّعَةِ في المالِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ، وبِلَفْظِ الحُسْنِ إشارَةٌ إلى ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مَقِيلُهم مِن حُسْنِ الوُجُوهِ ومَلاحَةِ الصُّوَرِ ونَحْوِهِ.

25:25Page 362

وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥

And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.

ولَمّا كانَ لِلْكَفَرَةِ في هَذِهِ الدّارِ مِنَ العِزِّ والقُوَّةِ والضَّخامَةِ ما يَتَعَجَّبُونَ مَعَهُ مِن مَصِيرِ حالِهِمْ وحالِ أخْصامِهِمْ إلى ما ذَكَرَ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى غَيْرِ ما نَعْهَدُهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ [الفرقان: ٢٢] ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ أيْ تَشَقُّقًا عَظِيمًا وإنْ كانَ فِيهِ خَفاءٌ عَلى البَعْضِ - بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ تائِهِ ﴿السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ أيْ كَما تَشَقَّقُ الأرْضُ بِالنَّباتِ فَيَخْرُجُ مِن خِلالِ شُقُوقِها، وأشارَ إلى جَهْلِ مَن طَلَبُوا نُزُولَهم دُفْعَةً واحِدَةً بِقَوْلِهِ:﴿ونُـزِّلَ﴾ أيْ بِالتَّدْرِيجِ بِأمْرٍ حَتْمٍ لا يُمْكِنُهُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ لَها، بِأمْرِ مَن لا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ الَّذِينَ طَلَبُوا أنْ يَرَوْهم في حالٍ واحِدٍ (p-٣٧٣)﴿تَنْـزِيلا﴾ في أيْدِيهِمْ صَحائِفُ الأعْمالِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تَشَقَّقُ السَّماءُ في الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الدُّنْيا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ السَّماءُ الثّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا وأهْلِ الأرْضِ جِنًّا وإنْسًا ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى تَشَقَّقَ السَّماءُ السّابِعَةُ، وأهْلُ كُلِّ سَماءٍ يَزِيدُونَ عَلى أهْلِ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ الكُرُوبِيُّونَ ثُمَّ حَمَلَةُ العَرْشِ.

25:26Page 362

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦

True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ سَبَبًا لِانْكِشافِ الأُمُورِ ومَعْرِفَةِ أنَّهُ لا مِلْكَ لِسِواهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَقْضِي فِيهِ غَيْرُهُ قالَ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ؛ ثُمَّ وصَفَ المُلْكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ مَعْناهُ ثَباتًا لا يُمْكِنُ زَوالُهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ العامَّ الرَّحْمَةِ في الدّارَيْنِ، ومِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ وحَقِّيَّةِ مُلْكِهِ أنْ يُسِرَّ قُلُوبَ أهْلِ وُدِّهِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ عَداوَتِهِ الَّذِينَ عادَوْهم فِيهِ لِتَضْيِيعِهِمُ الحَقَّ بِاتِّباعِ الباطِلِ، ولَوْلا اتِّصافُهُ بِالرَّحْمَةِ لَمْ يَدْخُلْ أحَدٌ الجَنَّةَ، ومَعْنى التَّرْكِيبِ أنَّ مِلْكَ غَيْرِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ إنَّما هو بِالِاسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ في الدُّنْيا تَسْمِيَتُهُ بِهِ فَقَطْ، لا حُكْمَ لَهُ أصْلًا ولا ظاهِرًا كَما كانَ في الدُّنْيا ﴿وكانَ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ طَلَبَ الكُفّارَ رُؤْيَتَهم (p-٣٧٤)﴿يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ فَقَطْ ﴿عَسِيرًا﴾ شَدِيدَ العُسْرِ والِاسْتِعارِ.

25:27Page 362

وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧

And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1

ولَمّا كانَ حاصِلُ حالِهِمْ أنَّهم جانَبُوا أشْرَفَ الخَلْقِ الهادِي لَهم إلى كُلِّ خَيْرٍ، وصاحَبُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَقُودُهم إلى كُلِّ شَرٍّ، بَيَّنَ عُسْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي إنَّما أوْجَبَ جُرْأتَهم تَكْذِيبُهم بِهِ بِتَناهِي نَدَمِهِمْ عَلى فِعْلِهِمْ هَذا فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ أيْ لِفَرْطِ تَأسُّفِهِ لِما يَرى فِيهِ مِنَ الأهْوالِ ﴿عَلى يَدَيْهِ﴾ أيْ كِلْتَيْهِما فَيَكادُ يَقْطَعُهُما لِشِدَّةِ حَسْرَتِهِ وهو لا يَشْعُرُ، حالَ كَوْنِهِ مَعَ هَذا الفِعْلِ ﴿يَقُولُ﴾ أيْ يُجَدِّدُ في كُلِّ لَحْظَةٍ قَوْلَهُ: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ أيْ أرْغَمْتُ نَفْسِي وكَلَّفْتُها أنْ آخُذَ في الدُّنْيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ أيْ عَمَلًا واحِدًا مِنَ الأعْمالِ الَّتِي دَعانِي إلَيْها، وأطَعْتُهُ طاعَةً ما، لِما انْكَشَفَ لِي في هَذا اليَوْمِ مِن أنَّ كُلَّ مَن أطاعَهُ ولَوْ لَحْظَةً حَصَلَتْ لَهُ سَعادَةٌ بِقَدْرِها، وعَضُّ اليَدِ والأنامِلِ وحَرْقُ الأسْنانِ ونَحْوُ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ لِأنَّها مِن رَوادِفِهِما، فَتُذْكَرُ الرّادِفَةُ دَلالَةً عَلى المَرْدُوفِ فَيَرْتَفِعُ الكَلامُ في طَبَقَةِ الفَصاحَةِ إلى حَدٍّ يَجِدُ السّامِعُ عِنْدَهُ في نَفْسِهِ مِنَ الرَّوْعَةِ والِاسْتِحْسانِ ما لا يَجِدُهُ عِنْدَ المُكَنّى عَنْهُ.

25:28Page 362

يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨

Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.

(p-٣٧٥)ولَمّا تَأْسَّفَ عَلى مُجانَبَةِ الرَّسُولِ، تَنَدَّمَ عَلى مُصادَقَةِ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى﴾ أيْ يا هَلاكِي الَّذِي لَيْسَ لِي مُنادِمٌ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَضْرَتِي سِواهُ. ولَمّا كانَ يُرِيدُ مُحالًا، عَبَّرَ بِأداتِهِ فَقالَ: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا﴾ يَعْنِي الَّذِي أضَلَّهُ - يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ، وإنَّما كَنّى عَنْهُ وهو سُبْحانَهُ لا يَخافُ مِنَ المُناواةِ، ولا يَحْتاجُ إلى المُداجاةِ، إرادَةً لِلْعُمُومِ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ﴿خَلِيلا﴾ أيْ صَدِيقًا أُوافِقُهُ في أعْمالِهِ لِما عَلِمْتُ مِن سُوءِ عاقِبَتِها.

25:29Page 362

لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩

He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ الَّذِي يَتَوَقَّعُ كُلُّ سامِعٍ أنْ يَقُولَهُ: ﴿لَقَدْ﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ ﴿أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ عَمّى عَلَيَّ طَرِيقَ القُرْآنِ الَّذِي لا ذِكْرَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ وصَرَفَنِي عَنْهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِما قَبْلَها ﴿بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ ولَمْ يَكُنْ لِي مِنهُ مانِعٌ يَظْهَرُ غَيْرُ إضْلالِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ ها هو قَدْ خَذَلَنِي أحْوَجَ ما كُنْتُ إلى نُصْرَتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ أيْ كُلُّ مَن كانَ سَبَبًا لِلضَّلالِ مِن عُتاةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ أيْ شَدِيدَ الخِذْلانِ يُورِدُهُ ثُمَّ يُسْلِمُهُ إلى أكْرَهَ ما يَكْرَهُ، لا يَنْصُرُهُ، ولَوْ أرادَ لَما اسْتَطاعَ، بَلْ هو شَرٌّ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ عَلَيْهِ إثْمَهُ في نَفْسِهِ ومِثْلَ إثْمِ مَن أضَلَّهُ.

25:30Page 362

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أقْوالَ الكَفّارِ إلى أنْ خَتَمَ بِالإضْلالِ عَنِ الذِّكْرِ، (p-٣٧٦)وكانُوا مَعَ إظْهارِهِمُ التَّكْذِيبَ بِهِ وأنَّهُ مُفْتَعِلٌ في غايَةِ الطَّرَبِ لَهُ، والِاهْتِزازِ بِهِ، والتَّعَجُّبِ مِنهُ، والمَعْرِفَةِ بِأنَّهُ يَكُونُ لَهُ نَبَأٌ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عاطِفًا عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] مُعَظِّمًا لِهَذِهِ الشِّكايَةِ مِنهُ ﷺ، مُخَوِّفًا لِقَوْمِهِ لِأنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا إذا شَكُّوا أنْزَلَ بِقَوْمِهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿يا رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِأنْواعِ الإحْسانِ الَّذِي أعْظَمُهُ الرِّسالَةُ، وعَبَّرَ بِأداةِ البُعْدِ هَضْمًا لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ ﴿إنَّ قَوْمِي﴾ أيْ قُرَيْشًا الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ وقِيامٌ ومَنَعَةٌ ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ بِتَكْلِيفِ أنْفُسِهِمْ ضِدَّ ما تَجِدُهُ ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ أيِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ عَلَيْهِ والمُبادَرَةِ إلَيْهِ ﴿مَهْجُورًا﴾ أيْ مَتْرُوكًا، فَأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّهم عالَجُوا أنْفُسَهم في تَرْكِهِ عِلاجًا كَثِيرًا، لِما يَرَوْنَ مِن حُسْنِ نَظْمِهِ، ويَذُوقُونَ مِن لَذِيذِ مَعانِيهِ، ورائِقِ أسالِيبِهِ، ولَطِيفِ عَجائِبِهِ، وبَدِيعِ غَرائِبِهِ، كَما تُعْرَفُ بِهِ قِصَّةُ أبِي جَهْلٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ حِينَ كانُوا يَسْتَمِعُونَ لِقِراءَتِهِ لَيْلًا، كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَكانٍ لا يَعْلَمُ بِهِ صاحِباهُ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمُ الطَّرِيقُ إذا أصْبَحُوا فَيَتَلاوَمُونَ ويَتَعاهَدُونَ عَلى أنْ لا يَعُودُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ (p-٣٧٧)حَتّى فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ ثُمَّ أكَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمُ العُهُودَ حَتّى تَرَكُوا ذَلِكَ كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ.

25:31Page 362

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١

And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.

ولَمّا كانَ في هَذا الكَلامِ مَعْنى الشِّكايَةِ وشِدَّةِ التَّحَرُّقِ، وعَظِيمِ التَّحَزُّنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ إثْباتُ يا الَّتِي لِلْبُعْدِ، عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في نِداءِ الخَواصِّ الَّذِينَ هو أخَصُّهُمْ، والِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ هِجْرانِهِمْ مَعَ ما لَهم إلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّ مَن فَعَلَهُ عاداكَ حَسَدًا لَكَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ ما فَعَلْنا مِن هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ لَدَيْنا ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ أيْ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ، رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ ﴿عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ الَّذِينَ طَبَعْناهم عَلى الشَّغَفِ بِقَطْعِ ما يَقْتَضِي الوَصْلَ فَأضْلَلْناهم بِذَلِكَ إهانَةً لَهم فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا فَإنِّي سَأهْدِي بِكَ مَن شِئْتُ، وأنْصُرُكَ عَلى غَيْرِهِمْ، وأُكْرِمُ قَوْمَكَ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ تَشْرِيفًا لَكَ.

ولَمّا كانَ مَوْطِنًا تُعَلَّقُ فِيهِ النُّفُوسُ مُتَشَوِّقَةً إلى الهِدايَةِ بَعْدَ هَذا الطَّبْعِ، والنُّصْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الجَعْلِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ فَلَنَجْعَلَنَّ لَكَ ولِيًّا مِمَّنْ نَهْدِيهِ لِلْإيمانِ، ولَنَنْصُرَنَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ كَما فَعَلْنا بِمَن قَبْلَكَ، (p-٣٧٨)بَلْ أعْظَمُ حَتّى نَقْضِيَ أُمَمَهم مِن ذَلِكَ العَجَبِ، ولا يَسَعُهم إلّا الخُضُوعُ لَكم والدُّخُولُ في ظِلالِ عِزِّكُمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ - لِكَثْرَةِ المُعادِينَ - أمْرًا يَحِقُّ لَهُ الِاسْتِبْعادُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ؛ ثُمَّ نَصَرَ إخْوانَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَن جَعَلَهم أعْداءَهم رَبُّكَ الَّذِي أرْسَلَهُمْ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ ﴿هادِيًا﴾ يَهْدِي بِكَ مَن قَضى بِسَعادَتِهِ ﴿ونَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكَ عَلى مَن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ.

25:32Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ شِكايَتَهُ مِن هِجْرانِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وقَرَّرَ عَداوَتَهم لَهُ ونُصْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ما مَضى مِنَ الأشْباهِ في الشُّبَهِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا عَداوَةً وحَسَدًا ما تَشْهَدُ عُقُولُهم بِصِحَّتِهِ مِن أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ لِإعْجازِهِ لَهم مُتَفَرِّقًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَمِعًا، وغَطَّوْا ما وضَحَ لَهم مِن آثارِهِ الظّاهِرَةِ الشّاهِدَ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ العَلِيَّةِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا.

ولَمّا كانُوا لِشِدَّةِ ضَعْفِهِمْ لا يَكادُونَ يَسْمَحُونَ بِتَسْمِيَةِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا فَضْلًا عَنْ أنَّ يُسْنِدُوا إنْزالَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ في هَذِهِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها قَوْلُهُمْ: ﴿نُـزِّلَ عَلَيْهِ﴾ ولَمّا عَبَّرُوا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ (p-٣٧٩)المُشِيرَةِ إلى التَّدْرِيجِ والتَّفْرِيقِ اسْتِجْلابًا لِلسّامِعِ لِئَلّا يُعْرِضَ عَنْهُمْ، أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ فَقالُوا: ﴿القُرْآنُ﴾ أيِ المُقْتَضِي اسْمُهُ لِلْجَمْعِ؛ ثُمَّ صَرَّحُوا بِالمُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿جُمْلَةً﴾ وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿واحِدَةً﴾ أيْ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ بِمَرَّةٍ، لِيَتَحَقَّقَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويَزُولُ عَنّا ما نَتَوَهَّمُهُ مِن أنَّهُ هو الَّذِي يُرَتِّبُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَتَعْبِيرُهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّفْرِيقِ أبْلَغُ في مُرادِهِمْ، فَإنَّهم أرَغَبُوا السّامِعَ في الإقْبالِ عَلى كَلامِهِمْ بِتَوْطِينِهِ عَلى ما يُقارِبُ مُرادَهُ، ثُمَّ أزالُوا بِالتَّدْرِيجِ أتَمَّ إزالَةٍ، فَكانَ في ذَلِكَ مِنَ المُفاجَأةِ بِالرَّوْعَةِ والإقْناطِ مِمّا أمَّلَ مِنَ المُقارَبَةِ ما لَمْ يَكُنْ في ”أنْزَلَ“ واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وما لَهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مُفَرَّقًا، وكانَ لِلتَّفْرِيقِ فَوائِدُ جَلِيلَةٌ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظَمَتِها بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا لِلْإشارَةِ إلى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ بِأداةِ البُعْدِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أنْزَلْناهُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ الَّذِي أنْكَرُوهُ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بِالإغاثَةِ بِتَرَدُّدِ الرُّسُلِ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وبِتَمْكِينِكَ وتَمْكِينِ أتْباعِكَ مِن تَفَهُّمِ المَعانِي، وتَخْفِيفًا لِلْأحْكامِ، في تَحْمِيلِها أهْلَ الإسْلامِ، بِالتَّدْرِيجِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، ولِتَنافِي الحِكْمَةِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ، لِما رَتَّبَ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ، (p-٣٨٠)وتَسْهِيلًا لِلْحِفْظِ لا سِيَّما والأُمَّةُ أُمِّيَّةً لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، وتَلْقِينًا لِلَأجْوِبَةِ في أوْقاتِها، وتَعْظِيمًا لِلْإعْجازِ، لِأنَّ ما تَحَدّى بِنَجْمٍ مِنهُ فَعَجَزَ عَنْهُ عَلِمَ أنَّ العَجْزَ عَنْ أكْثَرَ مِنهُ أوْلى، فالحاصِلُ أنَّ التَّفْرِيقَ أدْخَلُ في بابِ الإعْجازِ وفي كُلٍّ حِكْمَةٌ، فَعُلِمَ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ فُضُولٌ ومُماراةُ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ مِن ضِيقِ الفِطَنِ، وقِلَّةِ الحِلْيَةِ، وحَرَجِ الخَطِيرَةِ، دَأْبَ المَقْطُوعِ المَبْهُوتِ، لِأنَّ المَدارَ الإعْجازُ، وأمّا كَوْنُهُ جُمْلَةً أوْ مُفَرَّقًا فَأمْرٌ لا فائِدَةَ لَهم فِيهِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ مُحْتَمِلَةً لِأنْ تَكُونَ لِلْكُتُبِ الماضِيَةِ، لِأنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ مُنَجَّمًا كَما بَيَّنَتْهُ في سُورَةِ النِّساءِ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ المُشِيرِ إلَيْهِ نَصُّ كِتابِنا، لا كَما يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ولا أصْلَ لَهُ إلّا كِذْبَةٌ مِن بَعْضِ اليَهُودِ شَبَّهُوا بِها عَلى أهْلِ الإسْلامِ فَمَشَتْ عَلى أكْثَرِهِمْ وشَرَعُوا يَتَكَلَّفُونَ لَها أجْوِبَةً، واليَهُودُ الآنَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ في نَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا كانَ إنْزالُهُ مُفَرَّقًا أحْسُنَ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ”كَذَلِكَ“ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ أيْ فَرَّقْناهُ في الإنْزالِ إلَيْكَ تَفْرِيقًا في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٨١)عَنْهُما: بَيَّناهُ بَيانًا، والتَّرْتِيلُ: التَّبَيُّنُ في تَرَسُّلٍ وتَثَبُّتٍ انْتَهى. وأصْلُهُ تَرْتِيلُ الأسْنانِ وهو تَفْلِيجُها كَنَوْرِ الأُقْحُوانِ.

25:33Page 363

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قَدْ بَطَلَ ما أتَوْا بِهِ هَذا الِاعْتِراضَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿بِمَثَلٍ﴾ أيْ بِاعْتِراضٍ في إبْطالِ أمْرِكَ يُخَيِّلُونَ بِهِ لِعُقُولِ الضُّعَفاءِ بِما يَجْتَهِدُونَ في تَنْمِيقِهِ وتَحْسِينِهِ وتَدْقِيقِهِ حَتّى يَصِيرَ عِنْدَهم في غايَةِ الحُسْنِ والرَّشاقَةِ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿إلا جِئْناكَ﴾ أيْ في جَوابِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ ومِنَ الألِفِ واللّامِ الدّالَّةِ عَلى الكَمالِ يُعْرَفُ أنَّ المُرادَ بِهِ الثّابِتُ الَّذِي لا شَيْءَ أثْبَتُ مِنهُ، فَيُرْهِقُ ما أتَوْا بِهِ لِبُطْلانِهِ، ويَفْتَضِحُ بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ فَضِيحَةً تُخَجِّلُ القائِلَ والسّامِعَ القابِلَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ في الأصْلِ: بِأحَقَّ مِنهُ، وإنَّما عَبَّرَ بِالحَقِّ، لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ لِما يَأْتُونَ بِهِ وجْهًا في الحَقِيقَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأحْسَنَ﴾ أيْ مِن مِثْلِهِمْ ﴿تَفْسِيرًا﴾ أيْ كَشْفًا لِما غَطّى الفَهْمَ مِن ذَلِكَ الَّذِي خَيَّلُوا بِهِ وادَّعَوْا أنَّهم أوْضَحُوا بِهِ وجْهًا مِن وُجُوهِ المَطاعِنِ، فَجَزَمَ أكْثَرُ مِنَ السّامِعِينَ بِحُسْنِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском