Al-Biqa'iAl‑Furqan · 25:47–60

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:47–60

25:47Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧

And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2

ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، قالَ مُصَرِّحًا بِهِما دَلِيلًا عَلى الحَقِّ، وإظْهارًا لِلنِّعْمَةِ عَلى الخَلْقِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ رَبِّكَ وحْدَهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ولَمّا كانَ ما مَضى في الظِّلِّ أمْرًا دَقِيقًا فَخَصَّ بِهِ أهْلَهُ، وكانَ أمْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ، عَمَّ فَقالَ: ﴿لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ أيِ الَّذِي تَكامَلَ بِهِ مَدُّ الظِّلِّ ﴿لِباسًا﴾ أيْ ساتِرًا لِلْأشْياءِ عَنِ الأبْصارِ كَما يَسْتُرُ اللِّباسُ ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ نَوْمًا وسُكُونًا وراحَةً، عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ مَوْتًا أصْغَرَ طاوِيًا لِما كانَ مِنَ الإحْساسِ، قَطْعًا عَمّا كانَ مِنَ الشُّعُورِ والتَّقَلُّبِ، دَلِيلًا لِأهْلِ البَصائِرِ عَلى المَوْتِ؛ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعِ.

وفِي جَعْلِهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما لا يُعَدُّ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ (p-٤٠٠)حَياةً وحَرَكَةً وتَقَلُّبًا بِما أوْجَدَ فِيهِ مِنَ اليَقَظَةِ المُذَكِّرَةِ بِالبَعْثِ، المُهَيِّئَةِ لِلتَّقَلُّبِ، بِرَدِّ ما أعْدَمَهُ النَّوْمُ مِن جَمِيعِ الحَواسِّ؛ يُحْكى أنَّ لُقْمانَ قالَ لِابْنِهِ: كَما تَنامُ فَتُوقَظُ فَكَذَلِكَ تَمُوتُ فَتُنْشَرُ. فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ السُّباتِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الحَرَكَةِ ثانِيًا، والنُّشُورِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الطَّيِّ والسُّكُونِ أوَّلًا.

25:48Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water

ولَمّا دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِتَصَرُّفِهِ في المَعانِي بِالإيجادِ والإعْدامِ، وخَتَمَهُ بِالإماتَةِ والإحْياءِ بِأسْبابٍ قَرِيبَةٍ، أتْبَعَهُ التَّصَرُّفَ في الأعْيانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، دالًّا عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ بِأسْبابٍ بَعِيدَةٍ، وبَدَأهُ بِما هو قَرِيبٌ لِلَطافَتِهِ مِنَ المَعانِي، وفِيهِ النَّشْرُ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ فَقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالإفْرادِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، وقِراءَةُ غَيْرِهِ بِالجَمْعِ أدَلُّ عَلى الِاخْتِيارِ بِكَوْنِها تارَةً صَبا وأُخْرى دَبُورًا، ومَرَّةً شِمالًا وكَرَّةً جَنُوبًا وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿بُشْرًا﴾ أيْ تَبْعَثُ بِأرْواحِها السَّحابَ، كَما نَشَرَ بِالنَّهارِ أرْواحَ الأشْباحِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ لِعِبادِهِ بِالمَطَرِ.

ولَمّا كانَ السَّحابُ قَرِيبًا مِنَ الرِّيحِ في اللَّطافَةِ، والماءِ قَرِيبًا مِنهُما (p-٤٠١)ومُسَبَّبًا عَمّا تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِنَ السَّحابِ، أتْبَعَهُما بِهِ، ولَمّا كانَ في إنْزالِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى العَظَمَةِ بِإيجادِهِ هُنالِكَ وإمْساكِهِ ثُمَّ إنْزالِهِ في الوَقْتِ المُرادِ والمَكانِ المُخْتارِ عَلى حَسَبِ الحاجَةِ ما لا يَخْفى، غَيَّرَ الأُسْلُوبَ مُظْهِرًا لِلْعَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ حَيْثُ لا مُمْسِكَ لِلْماءِ فِيهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿ماءً﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ بَيانًا لِلنِّعْمَةِ بِهِ فَقالَ: ﴿طَهُورًا﴾ أيْ طاهِرًا في نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ، اسْمُ آلَةٍ كالسَّحُورِ والسَّنُونَ لِما يُتَسَحَّرُ بِهِ ويُسْتَنُّ بِهِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِتَطَهَّرَ المُضاعَفِ جَرى عَلى غَيْرِ فِعْلِهِ. وأمّا جَعْلُهُ مُبالَغَةً لِطاهِرٍ فَلا يُفِيدُ غَيْرَ أنَّهُ بَلِيغُ الطَّهارَةِ في نَفْسِهِ لِأنَّ فِعْلَهُ قاصِرٌ.

25:49Page 364

لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩

That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ دالَّةً عَلى البَعْثِ لَكِنْ بِنَوْعِ خَفاءٍ، أتْبَعَها ثَمَرَةَ هَذا الفِعْلِ دَلِيلًا واضِحًا عَلى ذَلِكَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالإحْياءِ لِذَلِكَ، مُعَلِّلًا لِلطَّهُورِ المُرادِ بِهِ البُعْدُ عَنْ جَمِيعِ ما يُدَنِّسُهُ مِن مُلُوحَةٍ أوْ مَرارَةٍ أوْ كَبْرَتَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ كَمالَ الِانْتِفاعِ بِهِ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِإحْياءِ الأرْضِ بِالنَّباتِ إحْياءَ البِلادِ لِإحْياءِ أهْلِها قالَ: ﴿بَلْدَةً﴾ ولَوْ كانَ مِلْحًا أوْ مُرًّا أوْ مُكَبْرَتًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّةُ الإحْياءِ. ولَمّا كَرِهَ أنْ يَفْهَمَ تَخْصِيصَ البِلادِ، أُجْرِيَ الوَصْفُ بِاعْتِبارِ المَوْضِعِ (p-٤٠٢)لِيَعُمَّ كُلَّ مَكانٍ فَقالَ: ﴿مَيْتًا﴾ أيْ بِما نُحْدِثُ فِيهِ مِنَ النَّباتِ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ صارَ هَشِيمًا ثُمَّ تُرابًا، لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى بَعْثِ المَوْتى بَعْدَ كَوْنِهِمْ تُرابًا.

ولَمّا كانَ في مَقامِ العَظَمَةِ، بِإظْهارِ القُدْرَةِ، زادَ عَلى كَوْنِهِ آيَةً عَلى البَعْثِ بِإظْهارِ النَّباتِ الَّذِي هو مَنفَعَةٌ لِلرَّعْيِ مَنفَعَةً أُخْرى عَظِيمَةَ الجَدْوى في الحِفْظِ مِنَ المَوْتِ بِالشُّرْبِ كَما كانَتْ آيَةُ الإحْياءِ حافِظَةً بِالأكْلِ فَقالَ: ﴿ونُسْقِيَهُ﴾ أيِ الماءِ وهو مِن أسْقاهُ - مَزِيدُ سَقاهُ، وهُما لُغَتانِ.

قالَ ابْنُ القَطّاعِ: سَقَيْتُكَ شَرابًا وأسْقَيْتُكَ، واللَّهُ تَعالى عِبادَهُ وأرْضَهُ كَذَلِكَ.

﴿مِمّا خَلَقْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا.

ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ في إنْزالِ الماءِ عَلى الأنْعامِ وأهْلِ البَوادِي ونَحْوِهِمْ أكْثَرَ، لِأنَّ الطَّيْرَ والوَحْشَ تَبْعُدُ في الطَّلَبِ فَلا تَعْدَمُ ما تَشْرَبُ، خَصَّها فَقالَ: ﴿أنْعامًا﴾ وقَدَّمَ النَّباتَ لِأنَّ بِهِ حَياةَ الأنْعامِ، والأنْعامَ لِأنَّ بِها كَمالَ حَياةِ الإنْسانِ، فَإذا وُجِدَ ما يَكْفِيها مِنَ السَّقْيِ تَجَزَّأ هو بِأيْسَرِ شَيْءٍ، وأتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ بِحِفْظِنا لَهُ في الغُدْرانِ لِأهْلِ البَوادِي الَّذِينَ يَبْعُدُونَ عَنِ الأنْهارِ والعُيُونِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أرَدْنا، لِأنَّهُ تَعالى لا يَسْقِي جَمِيعَ النّاسِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولَكِنْ يُصِيبُ (p-٤٠٣)بِالمَطَرِ مَن يَشاءُ، ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ، ويَسْقِي بَعْضَ النّاسِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ولِذا نَكَّرَ المَذْكُوراتِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما يَشاءُ - وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقالَ البَغَوِيُّ: وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ وبَلَّغُوا بِهِ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ قالَ: «لَيْسَ مِن سَنَةٍ بِأمْطَرَ مِن أُخْرى، ولَكِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الأرْزاقَ، فَجَعَلَها في السَّماءِ الدُّنْيا في هَذا القَطْرِ، يَنْزِلُ مِنهُ كُلُّ سَنَةٍ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ، فَإذا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، وإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إلى الفَيافِي والبِحارِ» - انْتَهى.

وكانَ السِّرُّ في ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُطَهِّرُوا ظَواهِرَهم وبَواطِنَهُمْ، ويُطَهِّرُوا غَيْرَهم لِيُناسِبُوا حالَهُ في الطَّهُورِيَّةِ، فَلَمّا تَدَنَّسُوا بِالقاذُوراتِ تَسَبَّبُوا في صَرْفِهِ عَنْهم.

25:50Page 364

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠

And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مِن ثَمَرَةِ إنْزالِ القُرْآنِ نُجُومًا إحْياءَ القُلُوبِ الَّتِي هي أرْواحُ الأرْواحِ، وأتْبَعَهُ ما لاءَمَهُ، إلى أنْ خَتَمَ بِما جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياةِ الأشْباحِ، فَكانَ مَوْضِعًا لِتَوَقُّعِ العَوْدِ إلى ما هو حَياةُ الأرْواحِ، (p-٤٠٤)قالَ عاطِفًا عَلى مُتَعَلِّقِ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾ [الفرقان: ٣٢] مُنَبِّهًا عَلى فائِدَةٍ أُخْرى لِتَنْجِيمِهِ أيْضًا: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ وجَّهْنا القُرْآنَ.

كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّهُ المُرادُ هَهُنا، ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ - وُجُوهًا مِنَ البَيانِ، وطَرَقْناهُ طُرُقًا تُعْيِي أرْبابَ اللِّسانِ، في مَعانٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كُلِّ قُطْرٍ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ ما رَكَّزْنا في فِطَرِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والمُؤَيِّدَةِ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّذَكُّرِ المُنْجِيَةِ لَهم - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ.

ولَمّا كانَ القُرْآنُ قائِدًا ولا بُدَّ لِمَن أنْصَفَ إلى الإيمانِ، دَلَّ عَلى أنَّ المُتَخَلِّفَ عَنْهُ إنَّما هو مُعانِدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى﴾ أيْ لَمْ يُرِدْ ﴿أكْثَرُ النّاسِ﴾ أيْ بِعِنادِهِمْ ﴿إلا كُفُورًا﴾ مَصْدَرُ كَفَرَ مُبالَغًا فِيهِ.

25:51Page 364

وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١

And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1

ولَمّا كانَ تَعَنُّتُهم بِأنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، رُبَّما أثارَ في النَّفْسِ طَلَبَ إجابَتِهِمْ إلى مُقْتَرَحِهِمْ حِرْصًا عَلى هِدايَتِهِمْ، فَأوْمَأ أوَّلًا إلى أنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ بِأنَّ مُؤازَرَةَ هارُونَ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ تُغْنِ عَنِ القِبْطِ شَيْئًا، وثانِيًا بِأنَّ المَدارَ في وُجُوبِ التَّصْدِيقِ لِلنَّذِيرِ الإتْيانُ بِما يُعْجِزُ، وكانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في آياتِ القُرْآنِ، (p-٤٠٥)المُصَرَّفَةِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ بِكُلِّ بَيانٍ، فَكانَتْ كُلُّ آيَةٍ مِنهُ قائِمَةً مَقامَ نَذِيرٍ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ إنَّما تَرَكَ ذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ أوْ غَيْرِهِمْ مِن عِبادِنا، كَما قَسَّمْنا المَطَرَ لِأنَّ المُلْكَ - كَما قَدَّمْنا أوَّلَ السُّورَةِ - كُلُّهُ لَنا، لَيْسَ لَنا شَرِيكٌ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ، ولا ولَدَ يَمْنَعُ بِما لَهُ مِنَ الدِّلَةِ، ولَكُنّا لَمْ نَفْعَلْ لِما في آياتِ القُرْآنِ مِنَ الكِفايَةِ في ذَلِكَ، ولِما في انْفِرادِكِ بِالدَّعْوَةِ مِنَ الشَّرَفِ لَكَ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

25:52Page 364

فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢

So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.

﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما قَصَدُوا مِنَ التَّفْتِيرِ عَنِ الدُّعاءِ بِهِ، بِما يُبْدُونَهُ مِنَ المُقْتَرَحاتِ أوْ يُظْهِرُونَ لَكَ مِنَ المُداهَنَةِ، أوْ مِنَ القَلَقِ مِن صادِعِ الإنْذارِ، ويُخَيِّلُونَ أنَّكَ لَوْ أقْلَلْتَ مِنهُ رَجَوْا أنْ يُوافِقُوكَ ﴿وجاهِدْهُمْ﴾ أيْ بِالدُّعاءِ ﴿بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ التَّحْدِيثُ عَنْهُ في ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ [الفرقان: ٥٠] بِإبْلاغِ آياتِهِ مُبَشِّرَةً كانَتْ أوْ مُنْذِرَةً، والِاحْتِجاجِ بِبَراهِينِهِ ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ المُجاهَداتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، لِأنَّ في ذَلِكَ إقْبالَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إلَيْكَ واجْتِماعَهم عَلَيْكَ، فَيَتَقَوّى أمْرُكَ، ويَعْظُمُ خَطْبُكَ، وتَضْعُفُ (p-٤٠٦)شَوْكَتُهُمْ، وتَنْكَسِرُ سَوْرَتُهم.

25:53Page 364

۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣

And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.

ولَمّا ذَكَرَ تَصْرِيفَ الفُرْقانِ، ونَشْرَهُ في جَمِيعِ البُلْدانِ، بَعْدَ إثارَةِ الرِّياحِ ونَشْرِ السَّحابِ، وخَلْطِ الماءِ بِالتُّرابِ، لِجَمْعِ النَّباتِ وتَفْرِيقِهِ، أتْبَعَهُ - تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، وتَحْذِيرًا مِن إحْلالِ النِّقْمَةِ - الحَجْزَ بَيْنَ أنْواعِ الماءِ الَّذِي لا أعْظَمُ امْتِزاجًا مِنهُ، وجَمَعَ كَلَّ نَوْعٍ مِنها عَلى حِدَتِهِ، ومَنعَهُ مِن أنْ يَخْتَلِطَ بِالآخَرِ مَعَ اخْتِلاطِ الكُلِّ بِالتُّرابِ المُتَّصِلِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَقالَ عائِدًا إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ تَذْكِيرًا بِالإحْسانِ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ ”الرَّبِّ“ في آيَةِ الظِّلِّ:﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيِ الماءَيْنِ الكَثِيرِينَ الواسِعِينَ بِأنْ جَعَلَهُما مُضْطَرِبَيْنِ كَما تُشاهِدُونَهُ مِن شَأْنِ الماءِ؛ وقالَ الرّازِي: خَلّى بَيْنَهُما كَأنَّهُ أرْسَلَهُما في مَجارِيهِما كَما تُرْسَلُ الخَيْلَ في المَرْجِ، وأصْلُ المَرْجِ يَدُلُّ عَلى ذَهابٍ ومَجِيءٍ واضْطِرابٍ والتِباسٍ.

ولَمّا كانَ الِاضْطِرابُ مُوجِبًا لِلِاخْتِلاطِ، وكانَتْ ”ال“ دائِرَةً بَيْنَ العَهْدِ والجِنْسِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى السُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ جِنْسُ الماءِ الحُلْوِ والمِلْحِ، لِأنَّ البَحْرَ في الأصْلِ الماءُ الكَثِيرُ، وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَنَعَهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ، مَعَ المُوجِبِ لَهُ في العادَةِ، بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، (p-٤٠٧)وعَظْمَتِهِ القاهِرَةِ، فَقالَ: ﴿هَذا عَذْبٌ﴾ أيْ حُلْوٌ سائِغٌ ﴿فُراتٌ﴾ أيْ شَدِيدُ العُذُوبَةِ بالِغُ الغايَةِ فِيها حَتّى يَضْرِبَ إلى الحَلاوَةِ، لا فَرْقَ بَيْنَ ما كانَ مِنهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وما كانَ في بَطْنِها ﴿وهَذا مِلْحٌ﴾ شَدِيدُ المُلُوحَةِ ﴿أُجاجٌ﴾ أيْ مُرٌّ مُحْرِقٌ بِمُلُوحَتِهِ ومَرارَتِهِ، لا يَصْلُحُ لِسَقْيٍ ولا شُرْبٍ، ولَعَلَّهُ أشارَ بِأداةِ القُرْبِ في المَوْضِعَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى وُجُودِ المَوْضِعَيْنِ، مَعَ شِدَّةِ المُقارَبَةِ، لا يَلْتَبِسُ أحَدُهُما بِالآخَرِ حَتّى أنَّهُ إذا حَفَرَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ المِلْحِ بِالقُرْبِ مِنهُ جِدًّا خَرَجَ الماءُ عَذْبًا جِدًّا ﴿وجَعَلَ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ أيْ حاجِزًا مِن قُدْرَتِهِ مانِعًا مِنَ اخْتِلاطِهِما.

ولَمّا كانا يَلْتَقِيانِ ولا يَخْتَلِطانِ، كانَ كُلٌّ مِنهُما بِالِاخْتِلاطِ في صُورَةِ الباغِي عَلى الآخَرِ، فَأتَمَّ سُبْحانَهُ تَقْرِيرَ النِّعْمَةِ في مَنعِهِما الِاخْتِلاطَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي جَرَتْ عادَتُهم بِقَوْلِها عِنْدَ التَّعَوُّذِ، تَشْبِيهًا لِكُلٍّ مِنهُما بِالمُتَعَوَّذِ، لِيَكُونَ الكَلامُ - مَعَ أنَّهُ خَبَرٌ - مُحْتَمِلًا لِلتَّعَوُّذِ، فَيَكُونُ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ وأشْهَدِها عَلى البَلاغَةِ فَقالَ:﴿وحِجْرًا﴾ أيْ مَنعًا ﴿مَحْجُورًا﴾ أيْ مَمْنُوعًا مِن أنْ يَقْبَلَ رَفْعًا، كُلُّ هَذا التَّأْكِيدِ إشارَةً إلى جَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ كانَتْ قَدْ صارَتْ لِشِدَّةِ الإلْفِ بِها مُعْرَضًا عَنْها (p-٤٠٨)إلى الغايَةِ، لِتُعْرَفَ بِها قُدْرَتُهُ، وتُشْكَرَ نِعْمَتُهُ.

25:54Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ في مَنعِ الماءِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، أتْبَعَهُ القُدْرَةَ عَلى خَلْطِهِ، لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ مُمْتَنِعٌ، تَقْرِيرًا لِلْفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وإبْطالًا لِلْقَوْلِ بِالطَّبائِعِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ كَما تَقَدَّمَهُ حَثًّا عَلى اسْتِحْضارِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، لِتُعْرَفَ الحَيْثِيَّةُ الَّتِي كَرَّرَ الضَّمِيرَ لِأجْلِها: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ﴾ بِخَلْطِهِ مَعَ الطِّينِ ﴿بَشَرًا﴾ كَما تُشاهِدُونَهُ يَخْلُقُ مِنهُ نَباتًا وشَجَرًا ووَرَقًا وثَمَرًا ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّطْوِيرِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ، والتَّدْوِيرِ في أدْوارِ التَّرْبِيَةِ ﴿نَسَبًا﴾ أيْ ذَكَرًا يُنْسَبُ إلَيْهِ ﴿وصِهْرًا﴾ أيْ أُنْثى يُصاهَرُ - أيْ يُخالِطُ بِها إلى الذَّكَرِ، فَقَسَّمَ هَذا الماءَ بَعْدَ التَّطْوِيرِ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى كَما جُعِلَ ذَلِكَ الماءُ قِسْمَيْنِ: عَذْبًا ومِلْحًا، وخَلَطَ ماءَ الذَّكَرِ بِماءِ الأُنْثى مَتى أرادَ فَصَوَّرَ مِنهُ آدَمِيًّا، ومَنَعَهُ مِن ذَلِكَ إذا أرادَ، كَما أنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَ العَذْبِ والمِلْحِ ويَخْلِطُ بَيْنَهُما إذا أرادَ بِعِلْمِهِ الشّامِلِ وقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿وكانَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وإنْزالِ هَذا الذِّكْرِ إلَيْكَ ﴿قَدِيرًا﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَتَهُ عَلى ما ذَكَرَ مِن إبْداعِ هَذِهِ الأُمُورِ المُتَباعِدَةِ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ (p-٤٠٩)فَهُوَ يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُهُ عَذْبَ المَذاقِ، سَهْلَ الأخْلاقِ، ويَخْذُلُ مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُهُ مَرِيرَ الأخْلاقِ كَثِيرَ الشِّقاقِ، أوْ مُلْتَبِسَ الأخْلاقِ، عَرِيقًا في النِّفاقِ، فارْغَبْ إلى هَذا الرَّبِّ الشّامِلِ القُدْرَةِ، التّامِّ العِلْمِ.

25:55Page 364

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥

But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ بِهَذِهِ الأدِلَّةِ القُدْرَةَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَ مُعَجِّبًا مِنهم في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَبِّكَ“ عَوْدًا إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِهِ، مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ، إشارَةً إلى أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ مَرَّةً لَكانَ في غايَةِ العَجَبِ، فَكَيْفَ وهو عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ؟ ومُصَوِّرًا لِحالِهِمْ زِيادَةً في تَبْشِيعِها: ﴿ويَعْبُدُونَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ﴿مِن دُونِ﴾ أيْ مِمَّنْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ في الرُّتْبَةِ دُونَ ﴿اللَّهِ﴾ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ، بِحَيْثُ إنَّهُ لا ضُرَّ ولا نَفْعَ إلّا وهو بِيَدِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِتَعْدادِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ، وكانَ الحامِلُ لِلْإنْسانِ عَلى الإذْعانِ رَجاءَ الإحْسانِ، أوْ خَوْفَ الهَوانِ، وكانَ رَجاءُ الإحْسانِ مُقْبِلًا بِهِ إلى المُحْسِنِ في السِّرِّ والإعْلانِ، قَدَّمَ النَّفْعَ فَقالَ: ﴿ما لا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ بِوَجْهٍ.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ إنَّما يُوجِبُ الإقْبالَ ظاهِرًا فَقَطْ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَضُرُّهُمْ﴾ أيْ أصْلًا في إزالَةِ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَنْهُمْ، (p-٤١٠)فَلا أسْخَفَ عَقْلًا مِمَّنْ يَتْرُكُ مَن بِيَدِهِ كُلُّ نَفْعٍ وضُرٍّ وهو يَتَقَلَّبُ في نِعَمِهِ، في يَقَظَتِهِ ونَوْمِهِ، وأمْسِهِ ويَوْمِهِ، ويُقْبِلُ عَلى مَن لا نَفْعَ بِيَدِهِ ولا ضُرَّ أصْلًا؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ بَيانًا لِلْوَصْفِ الحامِلِ عَلى ما لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ، وأفْرَدَ تَحْقِيرًا لَهم فَقالَ: ﴿وكانَ الكافِرُ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ.

ولَمّا كانَ الكافِرُ لا يُمْكِنُ أنْ يُصافِيَ مُسْلِمًا ما دامَ كافِرًا، وكانَتْ مُصافاتُهُ لِغَيْرِهِ حاصِلَةً إمّا بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ، عُدَّتْ مُصارَمَتُهُ لِغَيْرِهِ عَدَمًا، فَكانَتْ مُصارَمَتُهُ خاصَّةً بِأوْلِياءِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ أشَدَّ لِذَمِّهِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ فَقالَ: ﴿عَلى رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ لا غَيْرِهِ ﴿ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا لِشَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ، والتَّعْبِيرِ بِ ”عَلى“ دالٌّ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ مُهِينًا في نَفْسِهِ حَقِيرًا فاعِلَ فِعْلِ العالِي عَلى الشَّيْءِ القَوِيِّ الغَلِيظِ الغالِبِ لَهُ، المُعِينِ عَلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ظَهْرُ الأرْضِ لِما عَلا مِنها وغَلُظَ، وأمْرٌ ظاهِرٌ لَكَ، أيْ غالِبٌ، والظّاهِرُ: القَوِيُّ والمُعِينُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْعَلُ لِما يَعْبُدُهُ مِنَ الأوْثانِ نَصِيبًا مِمّا تَفَرَّدَ اللَّهُ بِخَلْقِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ لَها أيْضًا بَعْضَ ما كانَ سَمّاهُ لِلَّهِ، ويُعانِدُ أوْلِياءَ اللَّهِ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، ويَنْصِبُ لَهُمُ المَكايِدَ والحُرُوبَ، ويُؤْذِيهِمْ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهم لِما يُشاهِدُونَهُ مِن خَرْقِهِ لَهُمُ العَوائِدَ، فَكانَ هَذا فِعْلَ مِن (p-٤١١)لا يَعْبَأُ بِالشَّيْءِ ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩] وهو في الحَقِيقَةِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، لِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما يَلْزَمُ عَلَيْهِ هَذا اللّازِمُ الَّذِي لا يَدُورُ في خَلَدِ عاقِلٍ.

25:56Page 365

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ: فالزَمْ ما نَأْمُرُكَ بِهِ ولا يَزِدْ هَمُّكَ بِرَدِّهِمْ عَمّا هم فِيهِ، فَإنّا ما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.

ولَمّا كانَ سِياقُ السُّورَةِ لِلْإنْذارِ، لِما ذَكَرَ فِيها مِن سُوءِ مَقالِهِمْ، وقُبْحِ أفْعالِهِمْ، حَسُنَ التَّعْبِيرُ في البِشارَةِ بِما يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الفِعْلِ، ويُفْهِمُ كَثْرَةَ المَفْعُولِ، بِشارَةً بِكَثْرَةِ المُطِيعِ، وفي النِّذارَةِ بِما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ صِفَةً لازِمَةً فَقالَ: ﴿إلا مُبَشِّرًا﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يُؤْمِنُ ﴿ونَذِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَعْصِي.

25:57Page 365

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

ولَمّا وقَعَ جَوابُهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧] وكانَ قَدْ بَقِيَ قَوْلُهم ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْـزٌ﴾ [الفرقان: ٨] أُشِيرَ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِجَوابِهِ بِإبْرازِهِ في صُورَةِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يُقالُ لَهم إذا تَظاهَرُوا وطَعَنُوا في الرِّسالَةِ بِما تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم يا أكْرَمَ الخَلْقِ حَقِيقَةً، وأعْدَلَهم طَرِيقَةً مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِإزالَةِ ما يَكُونُ مَوْضِعًا لِلتُّهْمَةِ: (p-٤١٢)﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى الإبْلاغِ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ لِتَتَّهِمُونِي أنِّي أدْعُوكم لِأجْلِهِ، أوْ تَقُولُوا: لَوْلا أُلْقِيَ إلَيْهِ كَنْزٌ لِيَغْتَنِيَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: الِاقْتِصارُ عَنِ التَّوَسُّعِ في المالِ إنَّما يُكْرَهُ لِمَن يَسْألُ النّاسَ، ولَيْسَ هَذا مِن شِيَمِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ بِما بَعْدَها؟ فَلا غَرَضَ لِي حِينَئِذٍ إلّا نَفْعُكم. ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ، مُسْتَثْنِيًا لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِعْيارُ العُمُومِ: ﴿إلا مَن﴾ أيْ إلّا أجْرَ مَن ﴿شاءَ أنْ يَتَّخِذَ﴾ أيْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ ويُخالِفَ هَواهُ ويَجْعَلَ لَهُ ﴿إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ فَإنَّهُ إذا اهْتَدى بِهِدايَةِ رَبِّهِ كانَ لِي مِثْلُ أجْرِهِ، لا نَفْعَ لِي مِن جِهَتِكم إلّا هَذا، فَإنْ سَمَّيْتُمْ هَذا أجْرًا فَهو مَطْلُوبِي، ولا مِرْيَةَ في أنَّهُ لا يَنْقُصُ أحَدًا شَيْئًا مِن دُنْياهُ، فَلا ضَرَرَ عَلى أحَدٍ في طَيِّ الدُّنْيا عَنِّي، فَأفادَ هَذا فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّهُ لا طَمَعَ لَهُ أصْلًا في شَيْءٍ يَنْقُصُهُمْ، والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ بِأنَّهُ يُعْتَدُّ بِمَنفَعَتِهِمُ المُوصِلَةِ لَهم إلى رَبِّهِمْ ثَوابًا لِنَفْسِهِ.

25:58Page 365

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ رَدَّهم عَنْ عِنادِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وكانَ هَذا الكَلامُ لا يَرُدُّ مُتَعَنِّتِيهِمْ - وهُمُ الأغْلَبُ - الَّذِينَ تُخْشى غائِلَتُهُمْ، (p-٤١٣)عَطَفَ عَلى ”قُلْ“ قَوْلَهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ أيْ أظْهِرِ العَجْزَ والضَّعْفَ واسْتَسْلِمْ واعْتَمِدْ في أمْرِكَ كُلِّهِ، ولا سِيَّما في مُواجَهَتِهِمْ بِالإنْذارِ، وفي رَدِّهِمْ عَنْ عِنادِهِمْ.

ولَمّا كانَ الوَكِيلُ يَحْمِلُ عَنِ المُوكِلِ ثِقْلَ ما أظْهَرَ لَهُ عَجْزَهُ فِيهِ ويَقُومُ بِأعْبائِهِ حَتّى يَصِيرَ كَمَن يَحْمِلُ عَنْ آخَرَ عَيْنًا مَحْسُوسَةً لا يَصِيرُ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها أصْلًا، عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَمْثِيلًا لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿عَلى الحَيِّ﴾ ولا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ إلّا بِلُزُومِ طاعَتِهِ والإعْراضِ عَمّا سِواها.

ولَمّا كانَ الأحْياءُ مِنَ الخَلْقِ يَمُوتُونَ، بَيَّنَ أنَّ حَياتَهُ لَيْسَتْ كَحَياةِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أيْ فَلا ضَياعَ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ أصْلًا، بَلْ هو المُتَوَلِّي لِمَصالِحِهِ في حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ، ولا تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ بِوَجْهٍ فَإنَّهُ هالِكٌ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ مُثْبِتًا لَهُ كُلَّ كَمالٍ.

ولَمّا كانَ المَسْلِيُّ رُبَّما وقَعَ في فِكْرِهِ أنَّ مَن سَلاهُ إمّا غَيْرُ قادِرٍ عَلى نَصْرِهِ، أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِذُنُوبِ خَصْمِهِ، وكانَ السِّياقُ لِلشِّكايَةِ مِن إعْراضِ المُبَلِّغِينَ عَنِ القُرْآنِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الأذى، أشارَ بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَكَفى بِهِ لَكَ نَصِيرًا، وعَطَفَ عَلَيْهِ: (p-٤١٤)﴿وكَفى﴾ وعَيَّنَ الفاعِلَ وحَقَّقَهُ بِإدْخالِ الجارِّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ﴾ أيْ وكُلُّ ما سِواهم عِبادُهُ ﴿خَبِيرًا﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها وإنْ دَقَّ.

25:59Page 365

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

ثُمَّ وصَفَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ مَعَ ما لَهُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ بِالمُلْكِ والِاخْتِراعِ - مُتَّصِفٌ بِالأناةِ وشُمُولِ العِلْمِ وحُسْنِ التَّدْبِيرِ لِيَتَأسّى بِهِ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ عَلى عِظَمِهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ الفَضاءِ والعَناصِرِ والعِبادِ وأعْمالِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ وغَيْرِها

﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ تَعْجِيبٌ لِلْغَبِيِّ الجاهِلِ، تَدْرِيبٌ لِلْفَطِنِ العالِمِ في الحِلْمِ والأناةِ والصَّبْرِ عَلى عِبادِ اللَّهِ في دَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ، وتَذْكِيرٌ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ وما يَلْزَمُها مِن شُمُولِ العِلْمِ، والمُرادُ مِقْدارُ سِتَّةٍ مِن أيّامِنا، فَإنَّ الأيّامَ ما حَدَّثَتْ إلّا بَعْدَ خَلْقِ الشَّمْسِ، والإقْرارِ بِأنَّ تَخْصِيصَ هَذا العَدَدِ لِداعِي حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَذا جَمِيعُ أفْعالِهِ وإنْ كُنّا لا نُدْرِكُ ذَلِكَ، هو الإيمانُ، وجَعَلَ اللَّهُ الجُمْعَةَ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ الخَلْقَ اجْتَمَعَ فِيهِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ في آخِرِ ساعَةٍ.

ولَمّا كانَ تَدْبِيرُ هَذا المُلْكِ أمْرًا باهِرًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيْ شَرَعَ في التَّدْبِيرِ لِهَذا المُلْكِ (p-٤١٥)الَّذِي اخْتَرَعَهُ وأوْجَدَهُ، وهم وذُنُوبُهم مِن جُمْلَتِهِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ في مَمالِكِهِمْ، لا غَفْلَةَ عِنْدِهِ عَنْ شَيْءٍ أصْلًا، ولا تَحْدُثُ فِيهِ ذَرَّةٌ مِن ذاتٍ أوْ مَعْنًى إلّا بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مِنهُ سُبْحانَهُ، رَدًّا عَلى مَن يَقُولُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِما دَبَّرَ في الأزَلِ مِنَ الأسْبابِ، وأنَّهُ الآنَ لا فِعْلَ لَهُ.

ولَمّا كانَ المُعْصى إذا عَلِمَ بِعِصْيانِ مَن يَعْصِيهِ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ لَمْ يُمْهِلْهُ، أشارَ إلى أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، حاضًّا عَلى الرِّفْقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وهو يُحْسِنُ إلى مَن يَكْفُرُهُ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَأجْدَرُ عِبادِهِ بِالتَّخَلُّقِ بِهَذا الخَلْقِ رُسُلُهُ، والحاصِلُ أنَّهُ أبْدَعَ هَذا الكَوْنَ وأخَذَ في تَدْبِيرِهِ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ في إحْسانِهِ لِمَن يَسْمَعُهُ يَسُبُّهُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ إلى الوَلَدِ، ويُكَذِّبُهُ في أنَّهُ يُعِيدُهُ كَما بَدَأهُ، وهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ بِخِلافِ مُلُوكِ الدُّنْيا فَإنَّهم لا يَرْحَمُونَ مَن يَعْصِيهِمْ مَعَ عَجْزِهِمْ.

ولَمّا كانَ العِلْمُ لازِمًا لِلْمِلْكِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَلى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ: ﴿فاسْألْ بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ سُؤالِكَ إيّاهُ ﴿خَبِيرًا﴾ عَنْ (p-٤١٦)هَذِهِ الأُمُورِ وكُلِّ أمْرٍ تُرِيدُهُ لِيُخْبِرَكَ بِحَقِيقَةِ أمْرِهِ ابْتِداءً وحالًا ومَآلًا، فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ، فَإنَّهُ ما أرْسَلَكَ إلَيْهِمْ إلّا وهو عالِمٌ بِهِمْ، فَسَيُعْلِي كَعْبَكَ عَلَيْهِمْ، ويُحْسِنُ لَكَ العاقِبَةَ.

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

ولَمّا ذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ، وإنْعامَهُ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ ما أبْدَوْهُ مِن كُفْرِهِمْ في مَوْضِعِ شُكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَقَلَّبُونَ في نِعَمِهِ، ويَغْذُوهم بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، مِن أيِّ قائِلٍ كانَ: ﴿اسْجُدُوا﴾ أيِ اخْضَعُوا بِالصَّلاةِ وغَيْرِها ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ لَكم إلّا مِنهُ ﴿قالُوا﴾ قَوْلَ عالٍ مُتَكَبِّرٍ كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى ﴿ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥] ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ مُتَجاهِلِينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ فَضْلًا عَنْ كُفْرِ نِعْمَتِهِ مُعَبِّرِينَ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ، وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهم إمّا عَبَّرُوا بِذَلِكَ إشارَةً إلى جَهْلِهِمُ الصِّفَةَ، دُونَ المَوْصُوفِ.

ثُمَّ عَجِبُوا مِن أمْرِهِ بِذَلِكَ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ فَعَبَّرُوا عَنْهُ بَعْدَ التَّجاهُلِ في أمْرِهِ والإنْكارِ عَلى الدّاعِي إلَيْهِ أيْضًا بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ ﴿وزادَهُمْ﴾ هَذا الأمْرُ الواضِحُ المُقْتَضِي لِلْإقْبالِ والسُّكُونِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ وطَمَعًا في الزِّيادَةِ ﴿نُفُورًا﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ الحَرارَةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تَؤُزُّهم أزًّا، فَلا نَفْرَةَ تُوازِي هَذِهِ النَّفْرَةَ، ولا ذَمَّ أبْلَغُ مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском