Al-Biqa'iAl‑Furqan · 25:73–77

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:73–77

25:73Page 366

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهُمُ الَّذِي فاقُوا بِهِ، أشارَ إلى وصْفِ الجَهَلَةِ الَّذِي سَفُلُوا بِهِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا﴾ أيْ ذَكَّرَهم غَيْرُهم كائِنًا مَن كانَ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ الحَقَّ بِنَفْسِهِ لا بِقائِلِهِ ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي وفَّقَهم لِتَذَكُّرِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ في حُسْنِ تَرْبِيَتِهِ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلُوا فِعْلَ السّاقِطِينَ المُسْتَعْلِينَ ﴿عَلَيْها﴾ السّاتِرِينَ لَها؛ ثُمَّ زادَ في بَيانِ إعْراضِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْها فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ المَنفِيَّ القَيْدُ لا المُقَيِّدُ، وهو الخُرُورُ، بَلْ هو مَوْجُودٌ غَيْرُ مَنفِيٍّ بِصِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ: ﴿صُمًّا وعُمْيانًا﴾ أيْ كَما يَفْعَلُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ في الإقْبالِ عَلَيْها سَماعًا واعْتِبارًا، والإعْراضُ عَنْها تَغْطِيَةٌ لِما عَرَفُوا مِن حَقِّيتِها، وسِتْرًا لِما رَأوْا مِن نُورِها، فِعْلَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ كَما تَقَدَّمَ (p-٤٣٤)عَنْ أبِي جَهْلٍ وأبِي سُفْيانَ والأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وذَلِكَ وصْفٌ لِعِبادِ الرَّحْمَنِ بِفِعْلِ ضِدِّ هَذا، أيْ أنَّهم يَسْقُطُونَ عِنْدَ سَماعِها ويَبْكُونَ عَلَيْها، سُقُوطَ سامِعٍ مُنْتَفِعٍ بِسَمْعِهِ، بَصِيرٍ مُنْتَفِعٍ بِبَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ، سُجَّدًا يَبْكُونَ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ أوْصافِهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا أعْلى الدَّرَجاتِ البَصِيرَةِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ المُبالَغَةُ بِزِيادَةِ النُّونِ جَمْعَ العَمى.

25:74Page 366

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخَصْلَةَ المُثْمِرَةَ لِما يَلِي الخَلَصَةَ الأوْلى، خَتَمَ بِما يُنْتِجُ الصِّفَةَ الأُولى. فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّ إمامَةَ الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ تَطْلُبَ ويَرْغَبَ فِيها: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عِلْمًا مِنهم بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِجَمِيعِ ما مَضى أنَّهم أهْلٌ لِلْإمامَةِ: ﴿رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا﴾ اللّاتِي قَرَنْتَها بِنا كَما فَعَلْتَ لِنَبِيِّكِ ﷺ، فَمَدَحْتَ زَوْجَتَهُ في كَلامِكَ القَدِيمِ، وجَعَلْتَ مَدْحَها يُتْلى عَلى تَعاقُبِ الأزْمانِ والسِّنِينَ ﴿وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ﴾ ولَمّا كانَ المُتَّقُونَ - الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الطّاعَةَ ويُسِرُّونَ بِها - قَلِيلًا في جَنْبِ العاصِينَ، أتى بِجَمْعِ القِلَّةِ ونَكَّرَ فَقالَ: ﴿أعْيُنٍ﴾ أيْ مِنَ الأعْمالِ أوْ مِنَ العُمّالِ يَأْتَمُّونَ بِنا، لِأنَّ الأقْرَبِينَ أوْلى بِالمَعْرُوفِ، ولا شَيْءَ أسَرُّ لِلْمُؤْمِنِ ولا أقَرُّ لِعَيْنِهِ مِن أنْ يَرى حَبِيبَهُ يُطِيعُ اللَّهَ، فَما طَلَبُوا إلّا أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَتَقَرُّ أعْيُنُهُمْ، فَ ”مِن“ إمّا تَكُونُ مِثْلَها فِي: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، وإمّا أنْ تَكُونَ عَلى بابِها، وتَكُونُ القُرَّةُ هي الأعْمالُ، أيْ هَبْ لَنا مِنهم (p-٤٣٥)أعْمالًا صالِحَةً فَجَعَلُوا أعْمالَ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِمْ هِبَةً لَهُمْ، وأصْلُ القُرَّةِ البَرْدُ لِأنَّ العَرَبَ تَتَأذّى بِالحَرِّ وتَسْتَرْوِحُ إلى البَرْدِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ السُّرُورِ ﴿واجْعَلْنا﴾ أيْ إيّانا وإيّاهم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ عامَّةً مِنَ الأقارِبِ والأجانِبِ.

ولَمّا كانَ المَطْلُوبُ مِنَ المُسْلِمِينَ الِاجْتِماعَ في الطّاعَةِ حَتّى تَكُونَ الكَلِمَةُ في المُتابَعَةِ واحِدَةً، أشارُوا إلى ذَلِكَ بِتَوْحِيدِ الإمامِ وإنْ كانَ المُرادُ الجِنْسَ، فَقالُوا: ﴿إمامًا﴾ أيْ فَنَكُونُ عُلَماءَ مُخْبِتِينَ مُتَواضِعِينَ كَما هو شَأْنُ إمامَةِ التَّقْوى في إفادَةِ التَّواضُعِ والسَّكِينَةِ، لِنَحُوزَ الأجْرَ العَظِيمَ، إذِ الإنْسانُ لَهُ أجْرُهُ وأجْرُ مَنِ اهْتَدى بِهِ فَعَمِلَ بِعَمَلِهِ ”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“ وعَكْسُهُ.

25:75Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِضِدِّ أوْصافِ الكافِرِينَ مِنَ الرِّفْقِ والسَّكِينَةِ، والتَّواضُعِ والحِلْمِ والطُّمَأْنِينَةِ والشُّكْرِ لِرَبِّهِمْ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ والرَّهْبَةِ مِنهُ. وقالَ الرّازِي: فَوَصَفَ مَشْيَهم وخِطابَهم وانْتِصابَهم لَهُ ودُعاءَهم ونَفَقاتِهِمْ ونَزاهَتَهم وتَيَقُّظَهم وانْتِباهَهم وصِدْقَهم ومَحَبَّتَهم ونُصْحَهم. تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما لَهم عِنْدَهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ (p-٤٣٦)بِما لِلْكافِرِينَ، فابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِتَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ، العَظِيمُو المَنزِلَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إنَّما هو الجَزاءُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُجْزَوْنَ﴾ أيْ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى ما وفَّقَهم لَهُ مِن هَذِهِ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ، والأحْوالِ الصّافِيَةِ ﴿الغُرْفَةَ﴾ أيِ الَّتِي هي لِعُلُوِّها واتِّساعِها وطِيبِها لا غُرْفَةَ غَيْرُها، لِأنَّها مُنْتَهى الطَّلَبِ، وغايَةُ الأرَبِ، لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، ولا يُرِيدُونَ بِها بَدَلًا، وهي كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الجِنْسُ.

ولَمّا كانَتِ الغَرْبُ في غايَةِ التَّعَبِ لِمُنافاتِها لِشَهَواتِ النَّفْسِ وهَواها وطَبْعِ البَدَنِ، رَغَّبَ فِيها بِأنْ جَعَلَها سَبَبًا لِهَذا الجَزاءِ فَقالَ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الصَّبْرَ عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ ومَرارَةِ غُرْبَتِهِمْ بَيْنَ الجاهِلِينَ في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِي جَلالِهِمْ.

ولَمّا كانَ المَنزِلُ لا يَطِيبُ إلّا بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ، قالَ: ﴿ويُلَقَّوْنَ﴾ أيْ يَجْعَلُهُمُ اللَّهُ لاقِينَ بِأيْسَرِ أمْرٍ؛ وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ والأمْرُ واضِحٌ (p-٤٣٧)﴿فِيها تَحِيَّةً﴾ أيْ دُعاءٌ بِالحَياةِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يُرَدُّ دُعاؤُهُمْ، ولا يُمْتَرى في إخْبارِهِمْ، لِأنَّهم عَنِ اللَّهِ يَنْطِقُونَ، وذَلِكَ عَلى وجْهِ الإكْرامِ والإعْظامِ مَكانَ ما أهانَهم عِبادُ الشَّيْطانِ ﴿وسَلامًا﴾ أيْ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وسَلامَةٍ مِن كُلِّ آفَةٍ مَكانَ ما أصابُوهم بِالمَصائِبِ.

25:76Page 366

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

ولَمّا كانَ هَذا ناطِقًا بِدَوامِ حَياتِهِمْ سالِمِينَ بِصَرِيحِهِ، وبِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ بِلازِمِهِ، دَلَّ عَلى أنَّهم لا يَبْرَحُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ الغُرْفَةِ مَكانَ ما أزْعَجُوهم مِن دِيارِهِمْ حَتّى هاجَرُوا؛ ودَلَّ عَلى عُلُوِّ أمْرِها، وعَظِيمِ قَدْرِها، بِإبْرازِ مَدْحِها في مَظْهَرِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: ﴿حَسُنَتْ﴾ أيْ ما أحْسَنَها ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ مَوْضِعَ اسْتِقْرارٍ ﴿ومُقامًا﴾ أيْ مَوْضِعَ إقامَةٍ.

25:77Page 366

قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧

Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2

ولَمّا ثَبَتَ أمْرُ الرَّحْمانِيَّةِ، فَظَهَرَ أمْرُ الرَّحْمَنِ وما عَلَيْهِ عِبادُهُ مِنَ الدُّعاءِ الَّذِي هو الخُضُوعُ والإخْلاصُ، وخَتَمَ أوْصافَهُمُ الحَسَنَةَ بِالدُّعاءِ حَقِيقَةَ الدّالِّ عَلى الإخْلاصِ في الخُضُوعِ، وذَكَرَ حُسْنَ جَزائِهِمْ وكَرِيمَ مُنْقَلَبِهِمْ، أمَرَ النَّذِيرَ أنْ يَقُولَ لِعِبادِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ، وعَنِ الِاعْتِرافِ والإيمانِ، لِيَرْجِعُوا عَنِ العِصْيانِ، ويَزْدادَ المُؤْمِنُونَ في الطّاعاتِ والإيمانِ: إنْ رَبَّهُ لا يَعْتَدُّ بِمَن لا يَدْعُوهُ، فَمَن تَرَكَ دُعاءَهُ فَلْيَرْتَقِبِ العَذابَ الدّائِمَ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ﴾ أيْ يَعْتَدُّ (p-٤٣٨)ويُبالِي ويَجْعَلُكم مِمَّنْ يَسُدُّ بِهِ في مَوْضِعِ التَّعْبِئَةِ الآنَ - عَلى أنَّ ”ما“ نافِيَةٌ ﴿بِكُمْ﴾ أيْ أيُّها الكافِرُونَ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ وإلَيْكم بِرَحْمانِيَّتِهِ، المُخَصِّصُ لِي بِالإحْسانِ بِرَحِيمِيَّتِهِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالإضافَةِ لِاعْتِرافِهِ دُونَهم ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أيْ نِداؤُكم لَهُ في وقْتِ شَدائِدِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ تُبادِرُونَ إلَيْهِ فِيهِ خُضُوعًا لَهُ بِهِ لِيُنْجِيَكُمْ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أنْقَذَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، مُعامَلَةً لَكم مُعامَلَةَ مَن يُبالِي بِالإنْسانِ ويَعْتَدُّ بِهِ ويُراعِيهِ، ولَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم لِتَعْبُدُوهُ رَحْمَةً لَكم لِتُزَكُّوا أنْفُسَكم وتُصَفُّوا أعْمالَكم ولا تَكُونُوا حَطَبًا لِلنّارِ ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ لِسُوءِ طِباعِكم ضِدَّ ما كانَ يَنْبَغِي لَكم مِنَ الشُّكْرِ والخَيْرِ بِأنْ عَقَّبْتُمْ بِالإنْجاءِ وحَقَّقْتُمْ وقَرَنْتُمُ التَّكْذِيبَ بِالرَّحْمَنِ بَعْدَ رَحْمَتِكم بِالبَيانِ مَعَ ضَعْفِكم وعَجْزِكُمْ، وتَرَكْتُمْ ذَلِكَ الدُّعاءَ لَهُ وعَبَدْتُمُ الأوْثانَ، وادَّعَيْتُمْ لَهُ الوَلَدَ وغَيْرَهُ مِنَ البُهْتانِ، أوْ ما يَعْتَدُّ بِكم شَيْئًا مِنَ الِاعْتِدادِ لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ وقْتَ الشَّدائِدِ، فَهو يَعْتَدُّ بِكم لِأجْلِهِ نَوْعَ اعْتِدادٍ، وهو المُدَّةُ الَّتِي ضَرَبَها لَكم في الدُّنْيا لا غَيْرُها، بِسَبَبِ أنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمْ، أوْ ما يَصْنَعُ بِكم لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى طاعَتِهِ، لِأنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمْ، فَكُنْتُمْ شَرًّا مِنَ البَهائِمِ، فَدَعاكم فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ إيّاكم أنَّكم فاجَأْتُمُ الدّاعِيَ بِالتَّكْذِيبِ، والحاصِلُ أنَّهُ لَيْسَ فِيكُمُ الآنَ (p-٤٣٩)ما يَصْلُحُ أنْ يَعْتَدَّ بِكم لِأجْلِهِ إلّا الدُّعاءُ، لِأنَّكم مُكَذِّبُونَ، وإنَّما قُلْتُ: ”الآنَ“ لِأنَّ ”ما“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ بِمَعْنى الحالِ، عَكْسُ ”لا“ ﴿فَسَوْفَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِكم أنَّهُ يُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ مَعَ قُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ لا يُعاجِلُكُمْ، بَلْ ﴿يَكُونُ﴾ جَزاءُ هَذا التَّكْذِيبِ عِنْدَ انْقِضاءِ ما ضَرَبَهُ لَكم مِنَ الآجالِ، وكُلُّ بَعِيدٍ عِنْدَكم قَرِيبٌ عِنْدَهُ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، فَتَهَيَّؤُوا واعْتَدُّوا لِذَلِكَ اليَوْمِ ﴿لِزامًا﴾ أيْ لازِمًا لَكم لُزُومًا عَظِيمًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْكم بِحالٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ، وذُلِّهِمْ وقَهْرِهِمْ، لِأنَّ المَلْزُومَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، فَأسَرَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِن أفْرادِ هَذا التَّهْدِيدِ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِالإنْذارِ بِالفُرْقانِ، لِمَن أنْكَرَ حَقِيقَةَ الرَّحْمَنِ - واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ بِالإيمانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском