Al-Biqa'iAsh‑Shu'ara · 26:14–40

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:14–40

26:14Page 367

وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤

And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."

ولَمّا ذَكَرَ ما تُؤْثِرُهُ الرِّسالَةُ، وقَدَّمَ الإشارَةَ إلى اسْتِكْشافِهِ لِأنَّهُ أهَمُّ، أتْبَعَهُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مُطْلَقِ التَّظاهُرِ لَهم فَضْلًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِما يَكْرَهُونَ فَقالَ: ﴿ولَهم عَلَيَّ﴾ أيْ: بِقَتْلِي نَفْسًا مِنهُمْ؛ وقالَ: ﴿ذَنْبٌ﴾ وإنْ كانَ المَقْتُولُ غَيْرَ مَعْصُومٍ تَسْمِيَةً لَهُ بِما يَزْعُمُونَهُ، ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ ”لَهُمْ“ وأيْضًا فَلِكَوْنِهِ ما كانَ أتاهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ بِخُصُوصِهِ ﴿فَأخافُ﴾ [بِسَبَبِ ذَلِكَ] ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ، مَعَ ما أضُمُّهُ إلَيْهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهم، فَلا أتَمَكَّنُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ، فَإذا كانَ هارُونُ مَعِي عاضَدَنِي في إبْلاغِها، وكُلُّ ذَلِكَ اسْتِكْشافٌ واسْتِدْفاعٌ لِلْبَلاءِ، واسْتِعْلامٌ لِلْعافِيَةِ، لا تُوقَفُ في القَبُولِ كَما مَضى التَّصْرِيحُ بِهِ في سُورَةِ طَهَ.

26:15Page 367

قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥

[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.

ولَمّا اسْتَشْرَفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ شَفى عَناءَها بِقَوْلِهِ، إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَجابَ لَهُ في كُلِّ ما سَألَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلَ كامِلِ القُدْرَةِ شامِلِ العِلْمِ كَما هو وصْفُهُ سُبْحانَهُ: (p-١٨)﴿كَلا﴾ أيْ: ارْتَدِعْ عَنْ هَذا الكَلامِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِمّا خِفْتَ، لا قَتْلٌ ولا غَيْرُهُ -وكَأنَّهُ لَمّا كانَ التَّكْذِيبُ مَعَ ما قامَ عَلى الصِّدْقِ مِنَ البَراهِينِ، المُقَوِّيَةِ لِصاحِبِها، الشّارِحَةِ لِصَدْرِهِ، المُعْلِيَةِ لِأمْرِهِ، عُدَّ عَدَمًا- وقَدْ أجَبْناكَ إلى الإعانَةِ بِأخِيكَ ﴿فاذْهَبا﴾ أيْ: أنْتَ وهو مُتَعاضِدَيْنِ، إلى ما أمَرْتُكَ بِهِ، مُؤَيَّدَيْنِ ﴿بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكُما عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا؛ ثُمَّ عَلَّلَ تَأْمِينَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ: كائِنُونَ عِنْدَ وُصُولِكُما إلَيْهِمْ فِيمَنِ اتَّبَعَكُما مِن قَوْمِكُما؛ ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ أيْ: سامِعُونَ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في القُدْرَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ، إلى ما تَقُولانِ لَهم ويَقُولُونَ لَكُما، فَلا نَغِيبُ عَنْكم ولا تَغِيبُونَ عَنّا، فَنَحْنُ نَفْعَلُ مَعَكُما مِنَ المَعُونَةِ والنَّصْرِ فِعْلَ القادِرِ الحاضِرِ لِما يَفْعَلُ بِحَبِيبِهِ المُصْغِي لَهُ بِجُهْدِهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالِاسْتِماعِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِصُورَةِ الجَمْعِ [المُثَنّى] والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ فَقَطْ، لِأنَّ لَفْظَةَ ”مَعَ“ تُبايِنُ مَن يَكُونُ كافِرًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ: اللَّهُ مَعَهُ، وعَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالجَمْعِ التَّثْنِيَةُ حَمَلَهُ سِيبَوَيْهِ ”كَأنَّهُما لِشَرَفِهِما“ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عامَلَهُما في الخِطابِ مُعامَلَةَ الجَمْعِ إذْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا أنْ يُعامَلَ بِهِ الواحِدُ لِشَرَفِهِ وعَظَمَتِهِ - انْتَهى. وهو كَلامٌ نَفِيسٌ مُؤَيَّدٌ (p-١٩)بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ، ويَكُونُ حِينَئِذٍ خِطابُهُما مُشاكِلًا لِتَعْظِيمِ المُتَكَلِّمِ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، لِأنَّ المَقامَ لِلْعَظَمَةِ، وعَظَمَةُ الرَّسُولِ مِن عَظَمَةِ المُرْسَلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِمَن يَتْبَعُهُما كَما قَدَّرْتُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَعِيَّةُ لِلْكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةُ.

26:16Page 367

فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,

ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا خافَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ المُؤَكَّدِ، وكانَ ظُهُورُ ذَلِكَ في مُقارَعَةِ الرَّأْسِ أدَلَّ وأظْهَرَ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الضَّمانِ بِالحِراسَةِ والحِفْظِ أنِّي أقُولُ لَكُما: ائْتِيا،

﴿فِرْعَوْنَ﴾ نَفْسَهُ، وإنْ عَظُمَتْ مَمْلَكَتُهُ، وجَلَّتْ جُنُودُهُ،

﴿فَقُولا﴾ أيْ: ساعَةَ وُصُولِكُما لَهُ ولِمَن عِنْدَهُ: ﴿إنّا رَسُولُ﴾ أفْرَدَهُ مُرِيدًا بِهِ الجِنْسَ الصّالِحَ لِلِاثْنَيْنِ، إشارَةً بِالتَّوْحِيدِ إلى أنَّهُما في تَعاضُدِهِما واتِّفاقِهِما كالنَّفْسِ الواحِدَةِ، ولا تَخالُفَ لِأنَّهُ إمّا وقَعَ مَرَّتَيْنِ كُلُّ واحِدَةٍ بِلَوْنٍ، أوْ مَرَّةً بِما يُفِيدُ التَّثْنِيَةَ والِاتِّفاقَ، فَساغَ التَّعْبِيرُ بِكُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يُثَنِّ هُنا لِأنَّ المَقامَ لا اقْتِضاءَ لَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى طَلَبِ نَبِيِّنا ﷺ المُؤازَرَةَ بِخِلافِ ما مَرَّ في سُورَةِ طَهَ،

﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ المُدَبِّرِ لَهُمْ؛ .

26:17Page 367

أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧

[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"

ثُمَّ ذَكَرَ [لَهُ] ما قَصَدَ مِنَ الرِّسالَةِ إلَيْهِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ الرَّسُولَ (p-٢٠)فِيهِ مَعْنى الرِّسالَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ القَوْلَ: ﴿أنْ أرْسِلْ﴾ أيْ: خَلِّ وأطْلِقْ؛ وأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى ”رَسُولٍ“ فَقالَ: ﴿مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: قَوْمَنا الَّذِينَ اسْتَبْعَدْتَهم ظُلْمًا، ولا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ، نَذْهَبُ بِهِمْ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي وعَدَنا اللَّهُ بِها عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

26:18Page 367

قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨

[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما امْتَثِلا ما أمَرَهُما اللَّهُ، فَأتَياهُ وقالا لَهُ ما أمَرا بِهِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَوابِهِ لَهُما، فَقالَ تَعالى التِفاتًا إلى مِثْلِ قَوْلِهِ في الَّتِي قَبْلَها: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] و﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ [الفرقان: ٤١] ونَحْوُ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وتَحْقِيقًا لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى،

﴿كَلا﴾ [الشعراء: ١٥] و﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] مِن أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ بالَغَ في الإبْراقِ والإرْعادِ لا يُرَوِّعُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْءٌ مِنهُ: ﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ حِينَ أبْلَغاهُ الرِّسالَةَ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا مِنهُ أنَّهُ الأصْلُ فِيها، وأخُوهُ إنَّما هو وزِيرٌ، مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُواجَهَتَهُ بِمِثْلِ هَذا ومانًّا عَلَيْهِ لِيَكُفَّ مِن جُرْأتِهِ بِتَصْوِيبِ مِثْلِ هَذا الكَلامِ إلَيْهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي شاهَدْتَها،

﴿فِينا ولِيدًا﴾ أيْ: صَغِيرًا قَرِيبَ عَهْدٍ بِالوِلادَةِ،

﴿ولَبِثْتَ فِينا﴾ أيْ: لا في غَيْرِنا، بِاعْتِبارِ انْقِطاعِكَ إلَيْنا، وتَعَزُّزِكَ في الظّاهِرِ بِنا (p-٢١)﴿مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أيْ: كَثِيرَةً، فَلَنا عَلَيْكَ بِذَلِكَ مِنَ الحَقِّ ما يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكَ مِن مُواجَهَتِنا بِمِثْلِ هَذا، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِما يُفْهِمُ النَّكَدَ كِنايَةً عَنْ مُدَّةِ مَقامِهِ عِنْدَهُ بِأنَّها كانَتْ نَكَدَهُ لِأنَّهُ وقَعَ فِيما كانَ يَخافُهُ، وفاتَهُ ما كانَ يَحْتاطُ بِهِ مِن ذَبْحِ الأطْفالِ.

26:19Page 367

وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩

And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."

ولَمّا ذَكَّرَهُ مِنَّةً تَحْمِلُهُ عَلى الحَياءِ مِنهُ، ذَكَّرَهُ ذَنْبًا هو أهْلٌ لِأنْ يَخافَ مِن عاقِبَتِهِ فَقالَ مُهَوِّلًا لَهُ بِالكِنايَةِ عَنْهُ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ أيْ: مِن قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ أكَّدَ نِسْبَتَهُ إلى ذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ عامَلَهُ بِالحِلْمِ تَخْجِيلًا لَهُ فَقالَ: ﴿الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكَ ﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لِنِعْمَتِي وحَقِّ تَرْبِيَتِي بِقَتْلِ مَن يُنْسَبُ إلَيَّ، أوْ عَدِّهِ مِنهم لِسُكُوتِهِ عَنْهم إذْ ذاكَ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الرِّسالَةِ مَأْمُورًا فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَكانَ مُجامِلًا لَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: وأنْتَ مِنّا، فَما لَكَ الآنَ تُنْكِرُ عَلَيْنا وتَنْسِبُنا إلى الكُفْرِ؟، .

26:20Page 368

قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠

[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهُ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، واثِقًا بِوَعْدِ اللَّهِ بِالسَّلامَةِ مُقِرًّا بِما دَنْدَنَ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا لِذَلِكَ، وما تَرَكَ قَتْلَهُ إلّا التِماسًا لِلْبَيِّنَةِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا﴾ أيْ: إذْ قَتَلْتُهُ،

﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ (p-٢٢)[أيْ]: لا أعْرِفُ دِينًا، فَأنا واقِفٌ عَنْ كُلِّ وِجْهَةٍ حَتّى يُوَجِّهَنِي رَبِّي إلى ما يَشاءُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَضَعُ الضَّلالَ مَوْضِعَ الجَهْلِ، [والجَهْلَ] مَوْضِعَ الضَّلالِ - انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ لِلْحِرالِيِّ في هَذا كَلامٌ نَفِيسٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الفِعْلَةَ كانَتْ مِنِّي خَطَأً.

26:21Page 368

فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١

So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.

﴿فَفَرَرْتُ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِها وتَعَقُّبِهِ أنِّي فَرَرْتُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنكَ لِسَطْوَتِكَ [ومِن قَوْمِكَ لِإغْرائِهِمْ إيّاكَ عَلَيَّ] ﴿لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ [عَلى نَفْسِي أنْ تَقْتُلُونِي بِذَلِكَ القَتِيلِ الَّذِي قَتَلْتُهُ خَطَأً مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا مُهْدَرَ الدَّمِ] ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي﴾ [الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِتَرْبِيَتِي عِنْدَكم تَحْتَ كَنَفِ أُمِّي آمِنَةً مِمّا أحْدَثْتُمْ مِنَ الظُّلْمِ خَوْفًا مِنِّي] ﴿حُكْمًا﴾ أيْ: عِلْمًا أعْمَلُ بِهِ عَمَلَ الحُكّامِ الحُكَماءِ ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: فاجْهَدِ الآنَ جَهْدَكَ فَإنِّي لا أخافُكَ لِقَتْلٍ ولا غَيْرِهِ.

26:22Page 368

وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢

And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"

ولَمّا اجْتَمَعَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ مَنٌّ وتَعْيِيرٌ، بَدَأ بِجَوابِهِ عَنِ التَّعْيِيرِ لِأنَّهُ [الأخِيرُ فَكانَ أقْرَبَ، ولِأنَّهُ] أهَمُّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ جَوابَهُ عَمّا مَنَّ بِهِ، فَقالَ مُوَبِّخًا لَهُ مُبَكِّتًا مُنْكِرًا عَلَيْهِ غَيْرَ أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الإنْكارِ إجْمالًا في القَوْلِ وإحْسانًا في الخِطابِ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ: التَّرْبِيَةُ [الشَّنْعاءُ العَظِيمَةُ في الشَّناعَةِ] الَّتِي ذَكَّرْتَنِيها،

﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ (p-٢٣)ولَمّا كانَ سَبَبُها ظُلْمَهُ لِقَوْمِهِ، جَعَلَهُ نَفْسَها فَقالَ مُبْدِلًا مِنها [تَنْبِيهًا عَلى إحْباطِها، وإعْلامًا بِأنَّها -بِكَوْنِها نِقْمَةً- أوْلى مِنها في عَدِّها نِعْمَةً]: ﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾ [أيْ: تَعْبِيدُكَ وتَذْلِيلُكَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ البَدِيعِ المُبْعَدِ] قَوْمِي ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: جَعَلْتَهم عَبِيدًا ظُلْمًا وعُدْوانًا وهم أبْناءُ الأنْبِياءِ، ولِسَلَفِهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْكم مِنَ المِنَّةِ -بِإحْياءِ نُفُوسِكم أوَّلًا، وعِتْقِ رِقابِكم ثانِيًا- ما لا تَقْدِرُونَ لَهُ عَلى جَزاءٍ أصْلًا، ثُمَّ ما كَفاكَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلْتَ ما لَمْ يَفْعَلْهُ مُسْتَعْبَدٌ، فَأمَرْتَ بِقَتْلِ أبْنائِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ وُقُوعِي إلَيْكَ لِأسْلَمَ مِن ظُلْمِكَ كَما مَرَّ بَيانُهُ ويَأْتِي [إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى] مُسْتَوْفًى في سُورَةِ القَصَصِ.

26:23Page 368

قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣

Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"

ولَمّا كَلَّمَ اللَّئِيمَ الذَّمِيمَ الكَلِيمُ العَظِيمُ بِما رَجا أنْ يَكُفَّهُ عَنْ مُواجَهَتِهِ بِما يَكْرَهُ، ويُرْجِعُهُ إلى مُداراتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وفَهِمَ ما في جَوابِهِ هَذا الأخِيرِ مِنَ الذَّمِّ [لَهُ] والتَّعْجِيزِ، وإثْباتِ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ لِلَّهِ، بِما دَبَّرَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ لا يَنْهَضُ لِذَلِكَ بِجَوابٍ ولا يُحْمَدُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ، عَدَلَ [عَنْهُ] إلى جَوابِهِ عَنِ الرِّسالَةِ بِما يُمَوِّهُ بِهِ أيْضًا عَلى قَوْمِهِ لِئَلّا يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ مُحاوَرَتِهِ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما قالُ لَهُ جَوابًا لِهَذا الكَلامِ، الَّذِي كَأنَّهُ السِّهامُ؟: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ حائِدًا عَنْ جَوابِ (p-٢٤)مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِما فِيهِ مِن تَأْنِيبِهِ وتَعْجِيزِهِ، مُنْكِرًا لِخالِقِهِ عَلى سَبِيلِ التَّجاهُلِ، كَما أنْكَرَ هَؤُلاءِ الرَّحْمَنَ مُتَجاهِلِينَ وهم أعْرَفُ النّاسِ بِغالِبِ أفْعالِهِ، كَما كانَ فِرْعَوْنُ يَعْرِفُ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ“: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [أيْ]: الَّذِي زَعَمَتَ أنَّكُما رَسُولُهُ. فَسَألَ بِ ”ما“ عَنْ حَقِيقَتِهِ وإنَّما أرادَ في الحَقِيقَةِ إنْكارَهُ.

26:24Page 368

قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤

[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."

[ولَمّا كانَ تَعْرِيفُ حَقِيقَتِهِ سُبْحانَهُ بِنَفْسِها مُحالًا لِعَدَمِ التَّرْكِيبِ، فَكانَ تَعْرِيفُها لا يَصِحُّ إلّا بِالخارِجِ اللّازِمِ الجَلِيِّ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يُجِيبُ بِهِ عَنْهُ، فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ إخْبارًا عَنْهُ]: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى [مُعْرِضًا عَنِ التَّعْرِيفِ بِغَيْرِ الأفْعالِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ، وأنَّهُ مُبايِنٌ وجُودُهُ لِوُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ]، مُعَرِّفًا لَهُ سُبْحانَهُ بِأظْهَرِ أفْعالِهِ مِمّا لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ادِّعاءِ المُشارَكَةِ فِيهِ، مُشِيرًا إلى خِطابِهِ في طَلَبِ الماهِيَّةِ بِأنَّهُ لا مُماثِلَ لَهُ: أقُولُ لَكَ ولِمَن أرْدْتَ بِطَلَبِ الحَقِيقَةِ التَّمْوِيهَ عَلَيْهِمْ: هو ﴿رَبُّ﴾ [أيْ: خالِقُ ومُبْدِعُ ومُدَبِّرُ] ﴿السَّماواتِ﴾ [كُلِّها] ﴿والأرْضِ﴾ [وإنْ تَباعَدَتْ أجْرامُها بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ] ﴿وما بَيْنَهُما﴾ وذَلِكَ أظْهَرَ العالَمَ الَّذِي هو صَنْعَتُهُ وأنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَهَذِهِ هي المِنَّةُ، لا مِنَّتُكَ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ إلى (p-٢٥)حِينَ اسْتَغْنَيْتُ عَنْكَ، وهَذا هو الِاسْتِبْعادُ بِالإحْسانِ، مَعَ العِصْيانِ بِالكُفْرانِ، لا اسْتِبْعادُكَ لِقَوْمِي بِإهْلاكِهِمْ وهم في طاعَتِكَ، ولِسَلَفِهِمْ عَلَيْكم مِنَ المِنَّةِ ما لا تَجْهَلُونَهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ [أيْ: كَوْنًا راسِخًا] ﴿مُوقِنِينَ﴾ أيْ: مُتَّصِفِينَ بِما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ بِأُصُولِ الدِّينِ مِنَ الثِّقَةِ بِما تَعْتَقِدُونَ [اتِّصافًا ثابِتًا]، والجَوابُ: عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا جَوابَ أسَدُّ مِنهُ، لِأنَّ المَذْكُورَ مُتَغَيِّرٌ، فَلَهُ مُغِّيرٌ لا يَتَغَيَّرُ، وهو هَذا الَّذِي أرْسَلْناهُ، أيْ: إنْ كانَ لَكم يَقِينٌ فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، وعُمُومِ نُورِهِ.

26:25Page 368

قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥

[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"

﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ ﴿لِمَن حَوْلَهُ﴾ مِن أشْرافِ قَوْمِهِ مُمَوِّهًا أيْضًا: ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ أيْ: تُصْغُونَ إلَيْهِ بِجَمِيعِ جَهْدِكم، وهو كَلامٌ ظاهِرُهُ أنَّهُ نَبَّهَهم عَنِ الإنْكارِ، لِأنَّهُ سَألَ عَنِ الماهِيَّةِ، فَأُجِيبَ بِغَيْرِها، ويَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ لَوْ ضُويِقَ فِيهِ، فَهو مِن خَفِيِّ مَكْرِهِ.

26:26Page 368

قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦

[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."

ولَمّا وبَّخَ اللَّعِينَ في جَوابِهِ، وكانَ رُبَّما ادَّعى أنَّ الخافِقَيْنِ وما بَيْنَهُما مِنَ الفَضاءِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابٍ يُلْزِمُهُ، اسْتَأْنَفَ [الشِّفاءَ] لِعِيِّ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى، مُخَصِّصًا بَعْدَما عَمَّمَ [بِشَيْءٍ لا تُمْكِنُ المُنازَعَةُ فِيهِ لِمُشاهَدَةِ وُجُودِ أفْرادِهِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ]: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُوجِدُ لَكم والمُرَبِّي والمُحْسِنُ ﴿ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ (p-٢٦)وفِرْعَوْنُ -الَّذِي تُقِرُّونَ بِأنَّهُ رَبُّكُمْ- كانَ إذْ ذاكَ عَدَمًا مَحْضًا، أوْ ماءً صِرْفًا في ظَهْرِ أبِيهِ، فَبَطَلَ كَوْنُ أحَدٍ مِنهم رَبًّا لِمَن بَعْدَهُ كَما بَطَلَ كَوْنُ أحَدٍ مِمَّنْ قَبْلَهم مِنَ الهالِكِينَ رَبًّا لَهم، لِأنَّ الكُلَّ عَدَمٌ.

26:27Page 368

قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧

[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."

فَلَمّا أوْضَحَ بِذَلِكَ بُطْلانَ ما حَمَلَهم عَلى اعْتِقادِهِ مِن رُبُوبِيَّتِهِ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، إشارَةً إلى أنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أعْقَلَ النّاسِ، ثُمَّ زادَ الأمْرَ [وُضُوحًا] بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ أعْقَلُ النّاسِ،

﴿لَمَجْنُونٌ﴾ حَيْثُ لا يَفْهَمُ أنِّي أسَألُهُ عَنْ حَقِيقَةِ مُرْسِلِهِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ مِنَ المُلُوكِ.

26:28Page 368

قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨

[Moses] said, "Lord of the east and the west and that between them, if you were to reason."

فَلَمّا أساءَ الأدَبَ، [فاشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِ عَنْهُ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ بِذَلِكَ، فَحَكى أنَّهُ] ذَكَرَ لَهُ ما لا يُمْكِنُهُ أنْ يَدَّعِيَ طاعَتَهُ لَهُ، [وهُوَ أكْثَرُ تَغَيُّرًا وأعْجَبُ تَنَقُّلًا] بِأنْ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ أيْ: الشُّرُوقِ والغُرُوبِ ووَقْتِهِما ومَوْضِعِهِما ﴿وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَيْسُوا في طاعَتِكم، والحَيَوانِ والجَمادِ، بِسَبَبِ ما تَرَوْنَ مِن قُدْرَتِهِ عَلى تَقْلِيبِ النَّيِّراتِ مِن بُزُوغِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ وأُفُولِها [وما يَظْهَرُ عَنْهُما مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ] عَلى تَصارِيفَ مُخْتَلِفَةٍ، وحَرَكاتٍ مُتَقارِبَةٍ (p-٢٧)لَوْلا هي لَما عَلِمْتُمْ شَيْئًا مِن أُمُورِكم، ولا تَمَكَّنْتُمْ مِن أحْوالِكم، وهَذا الدَّلِيلُ أبْيَنُ الكُلِّ لِتُكَرِّرِ الحَرَكَةِ فِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعالِمِهِ، ولِذَلِكَ بُهِتَ نَمْرُودُ لَمّا ألْقاهُ عَلَيْهِ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا [دَعاهُ ﷺ بِاللِّينِ] فَأساءَ الأدَبَ عَلَيْهِ في الجَوابِ الماضِي، خَتَمَ هَذا البُرْهانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَخَيَّرَهم بَيْنَ الإقْرارِ بِالجُنُونِ أوِ العَقْلِ، بِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ في مُقابَلَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ بِسُكُوتِهِمْ وقَوْلِ عَظِيمِهِمْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، رَدًّا لَهم عَنِ الضَّلالَةِ، وإنْقاذًا مِن واضِحِ الجَهالَةِ، [فَكانَ قَوْلُهُ أنَكَأ مَعَ أنَّهُ ألْطَفُ، وأوْضَحَ مَعَ أنَّهُ أسْتَرُ وأشْرَفُ].

26:29Page 368

قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩

[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."

فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ قَطَعَهُ بِما أوْضَحَ مِنَ الأمْرِ، ووَصَلَ مَعَهُ في الغِلْظَةِ إلى ما إنْ سَكَتَ عَنْهُ أوْهَنَ مِن حالِهِ، وفَتَّرَ مِن عَزائِمِ رِجالِهِ، [تَكَلَّمَ بِما السُّكُوتُ أوْلى مِنهُ، فَأخْبَرَ تَعالى بِقَوْلِهِ]: ﴿قالَ﴾ عادِلًا عَنِ الحِجاجِ بَعْدَ الخَوْضِ فِيهِ إلى المُغالَبَةِ الَّتِي هي أبْيَنُ عَلاماتِ الِانْقِطاعِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي﴾ أيْ: تَعَمَّدْتَ أخْذَهُ [وأفْرَدْتَهُ بِتَوْجِيهِ جَمِيعِ قَصْدِكَ إلَيْهِ] ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ أيْ: واحِدًا مِمَّنْ هم في سُجُونِي عَلى ما تَعْلَمُ [مِن حالِي في اقْتِدارِي، ومِن (p-٢٨)سُجُونِي في فَظاعَتِها، ومِن حالِ مَن فِيها مِن شِدَّةِ الحَصْرِ، والغِلَظِ في الحَجْرِ] .

26:30Page 368

قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠

[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"

﴿قالَ﴾ مُدافِعًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إرْخاءً لِلْعِنانِ، لِإرادَةِ البَيانِ، حَتّى لا يَبْقى عُذْرٌ لِإنْسانٍ، رَجاءَ النُّزُوعِ عَنِ الطُّغْيانِ، والرُّجُوعِ إلى الإيمانِ، [لِأنَّ مِنَ العادَةِ الجارِّيَةِ السُّكُونَ إلى الإنْصافِ، والرُّجُوعَ إلى الحَقِّ والِاعْتِرافِ] ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أتَسْجِنُنِي ولَوْ ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: لِرِسالَتِي.

26:31Page 368

قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١

[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."

﴿قالَ﴾ طَمَعًا في أنْ يَجِدَ مَوْضِعًا لِلتَّكْذِيبِ أوِ التَّلْبِيسِ: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِكَ هَذا أنِّي أقُولُ لَكَ: ائْتِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ [أيْ: كَوْنًا أنْتَ راسِخٌ فِيهِ] ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [أيْ: فِيما ادَّعَيْتَ مِنَ الرِّسالَةِ والبَيِّنَةِ]، وهَذا إشارَةً إلى أنَّهُ بِكَلامِهِ المُتَقَدِّمِ قَدْ صارَ عِنْدَهُ في غَيْرِ عِدادِهِمْ، [ولَزِمَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَأْتِي بِالمُعْجِزَةِ إلّا الصّادِقُ لِأنَّها تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُدَّعِي، وعادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جارِيَةٌ في أنَّهُ لا يُصَدِّقُ الكاذِبَ] .

26:32Page 368

فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢

So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1

﴿فَألْقى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وتَعَقَّبَهُ أنْ ألْقى.

[ولَمّا كانَ الكَلامُ مَعَ] مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، [فَكانَ إضْمارُهُ غَيْرَ مُلْبِسٍ، لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ اكْتِفاءً بِضَمِيرِهِ فَقالَ]: ﴿عَصاهُ﴾ أيْ: الَّتِي تَقَدَّمَ في غَيْرِ سُورَةٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى أراهُ آياتِها ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ﴾ أيْ: حَيَّةٌ في غايَةِ الكِبَرِ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ الثُّعْبانِيَّةِ، لا شَكَّ عِنْدَ رائِيهِ فِيهِ، لا كَما يَكُونُ عِنْدَ الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ [مِنَ التَّخْيِيلاتِ والتَّشْبِيهاتِ] .

26:33Page 368

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣

And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.

(p-٢٩)﴿ونَـزَعَ يَدَهُ﴾ أيْ: الَّتِي كانَتِ احْتَرَقَتْ لَمّا أخَذَ الجَمْرَةَ وهو في حِجْرِ فِرْعَوْنَ، وبَذَلَ فِرْعَوْنُ جُهْدَهُ في عِلاجِها بِجَمِيعِ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأطِبّاءِ فَعَجَزَ عَنْ إبْرائِها، نَزَعَها مِن جَيْبِهِ بَعْدَ أنْ أراهُ إيّاها عَلى ما يَعْهَدُهُ مِنها ثُمَّ أدْخَلَها في جَيْبِهِ ﴿فَإذا هِيَ﴾ بَعْدَ النَّزْعِ ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: بَياضًا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى نَظَرِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ بِأنَّ لَهُ نُورًا كَنُورِ الشَّمْسِ يَكادُ يُغْشِي الأبْصارَ.

26:34Page 368

قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤

[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.

﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ ﴿لِلْمَلإ حَوْلَهُ﴾ لَمّا وضَحَ [لَهُ] الأمْرُ، يُمَوِّهُ [عَلى] عُقُولِهِمْ خَوْفًا مِن إيمانِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ المَعْرِفَةِ بِالسِّحْرِ، وخَصَّ في هَذِهِ السُّورَةِ إسْنادًا هَذا الكَلامَ إلَيْهِ لِأنَّ السِّياقَ كُلَّهُ لِتَخْصِيصِهِ الخِطابَ لِما تَقَدَّمَ، ونَظَرًا إلى ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] لِأنَّ خُضُوعَهُ هو خُضُوعُ مَن دُونَهُ، فَدَلالَتُهُ عَلى ذَلِكَ أظْهَرُ، ولا يَنْفِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْمُهُ قالُوهُ إظْهارًا لِلطَّواعِيَةِ كَما مَضى في الأعْرافِ.

26:35Page 368

يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥

He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"

ولَمّا أوْقَفَهم بِما خَيَّلَهم بِهِ، أحْماهم لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ مُلْقِيًا لِجِلْبابِ الأنَفَةِ لِما قَهَرَهُ مِن سُلْطانِ المُعْجِزَةِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ الَّتِي هي قِوامُكم ﴿بِسِحْرِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما أتى بِهِ مِنهُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ اسْتِتْباعَ النّاسِ فَيَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُ [بِهِمْ]؛ ثُمَّ قالَ لِقَوْمِهِ -الَّذِينَ كانَ يَزْعُمُ أنَّهم عَبِيدُهُ وأنَّهُ إلَهُهُمْ- ما دَلَّ عَلى أنَّهُ خارَتْ قُواهُ، (p-٣٠)فَحَطَّ عَنْ مَنكِبَيْهِ كِبْرِياءَ الرُّبُوبِيَّةِ، وارْتَعَدَتْ فَرائِصُهُ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ مَأْمُورًا بَعْدَ أنْ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ آمِرًا بَلْ إلْهًا قادِرًا: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: في مُدافَعَتِهِ عَمّا يُرِيدُ بِنا.

26:36Page 368

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦

They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

﴿قالُوا﴾ أيْ: المَلَأُ الَّذِينَ كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ لِيَقْتُلُوهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ: أخِّرْهُ ﴿وأخاهُ﴾ ولَمْ يَأْمُرُوا بِقَتْلِهِ ولا بِشَيْءٍ مِمّا يُقارِبُهُ فَسُبْحانَ مَن يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَيَهابُهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَهابُ هو غَيْرَ خالِقِهِ ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ: رِجالًا يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ، وأصْلُ الحَشْرِ الجَمْعُ بْكُرَةً.

26:37Page 368

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧

Who will bring you every learned, skilled magician."

﴿يَأْتُوكَ﴾ وكَأنَّهم فَهِمُوا شِدَّةَ قَلَقِهِ فَسَكَّنُوهُ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الإحاطَةِ وصِيغَةِ المُبالَغَةِ فَقالُوا: ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ أيْ: بَلِيغِ السِّحْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ أيْ: مُتَناهٍ في العِلْمِ بِهِ بَعْدَما تَناهى في التَّجْرِبَةِ؛ وعَبَّرَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى عَظَمَةِ مُلْكِهِ فَقالَ.

26:38Page 368

فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨

So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1

﴿فَجُمِعَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ لِما لَهُ عِنْدَهم مِنَ العَظَمَةِ ﴿السَّحَرَةُ﴾ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ في زَمانِهِ ومَكانِهِ، وهو ضُحى يَوْمِ الزِّينَةِ كَما سَلَفَ في طَهَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ وافَقَ يَوْمَ السَّبْتِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن سَنَتِهِمْ، وهو يَوْمُ النَّيْرُوزِ. .

26:39Page 368

وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩

And it was said to the people, "Will you congregate

﴿وقِيلَ﴾ أيْ: بِقَوْلِ مَن يَقْبَلُ لِكَوْنِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً حَثًّا لَهم عَلى الإسْراعِ إلى الِاجْتِماعِ بِأمْرِ فِرْعَوْنَ، وامْتِحانًا لَهم هَلْ رَجَعُوا عَنْ دِينِهِ، عِلْمًا مِنهُ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ المُعْجِزَةِ (p-٣١)-الَّتِي مِنها عَجْزُهُ عَنْ نَوْعِ أذًى لِمَن واجَهَهُ بِما لا مَطْمَعَ في مُواجَهَتِهِ بِأدْناهُ- لَمْ يَدَعْ لَبْسًا في أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ، وأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ أيْ: [اجْتِماعًا أنْتُمْ راسِخُونَ فِيهِ لِكَوْنِهِ بِالقُلُوبِ كَما هو بِالأبْدانِ]، كُلُّكم لِيَكُونَ أهْيَبَ لَكم، [وزَيَّنَ لَهم هَذا القائِلُ البَقاءَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ بِذِكْرِ جانِبِ السَّحَرَةِ وإنْ كانَ شَرَطَ فِيهِ الغَلَبَةَ، ولَمْ يَسْمَحْ بِذِكْرِ جانِبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ] .

26:40Page 369

لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠

That we might follow the magicians if they are the predominant?"

﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ لِأنَّ مَنِ امْتَثَلَ أمْرَ المَلِكِ كانَ حالُهُ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ اتِّباعُ حِزْبِهِ ﴿إنْ كانُوا هُمُ﴾ [أيْ: خاصَّةً] ﴿الغالِبِينَ﴾ أيْ: [غَلَبَةً لا يُشَكُّ في أنَّها ناشِئَةٌ عَنْ مُكْنَةٍ] ونُعْرِضُ عَنْ أمْرِ مُوسى الَّذِي تَنازَعَ المَلِكُ في أمْرِهِ، [وهَذا مُرادُهم في الحَقِيقَةِ، وعَبَّرَ بِهَذا كِنايَةً عَنْهُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَظَمَةِ المَلِكِ]، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إظْهارًا لِلْإنْصافِ، واسْتِجْلابًا لِلنّاسِ، مَعَ تَقْدِيرِهِمْ لِقَطْعِهِمْ بِظَفَرِ السَّحَرَةِ، لِما رَسَخَ في أذْهانِهِمْ في الأزْمِنَةِ المُتَطاوِلَةِ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي لا غَفْلَةَ لِإبْلِيسَ عَنْ تَزْيِينِهِ مَعَ أنَّ تَغْيِيرَ المَأْلُوفِ أمْرٌ في غايَةِ العُسْرِ، وقالَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском