Al-Biqa'iAsh‑Shu'ara · 26:185–208

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:185–208

26:185Page 375

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥

They said, "You are only of those affected by magic.

ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما مَضى الإعْلامُ بِالرِّسالَةِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المُخالَفَةِ، (p-٨٩)لِأنَّها تُؤَدِّي إلى الضَّلالَةِ إلى أنْ خَتَمَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالجِبِلَّةِ إلى أنَّ عَذابَهُ تَعالى عَظِيمٌ، لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ، أجابُوهُ بِالقَدْحِ في الرِّسالَةِ أوَّلًا، وبِاسْتِصْغارِ الوَعِيدِ ثانِيًا، بِأنْ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ كَرَّرَ سِحْرَهم مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى اخْتَبَلُوا، فَصارَ كَلامُهم [عَلى] غَيْرِ نِظامٍ، أوْ مِنَ المُعَلَّلِينَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ كَما مَضى في صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: فَأنْتَ بَعِيدٌ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِلرِّسالَةِ.

26:186Page 375

وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦

You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.

ثُمَّ أشارُوا إلى عَدَمِ صَلاحِيَةِ البَشَرِ مُطْلَقًا لَها ولَوْ كانُوا أعْقَلَ النّاسِ وأبْعَدَهم عَنِ الآفَةِ بِقَوْلِهِمْ، عاطِفِينَ بِالواوِ إشارَةً إلى عَراقَتِهِ فِيما وصَفُوهُ بِهِ مِن جِهَةِ السِّحْرِ والسَّحْرِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم: ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [أيْ: ] فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِكَ عَنّا بِذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ عَطْفَ ذَلِكَ أبْلَغُ مِن إتْباعِهِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ جَزْمُهم بِظَنِّ كَذِبِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ﴾ أيْ: وإنّا ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الكَذِبِ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في أنَّ ”إنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ تَرَجُّحُ مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ هُنا في أنَّ ”إنْ“ نافِيَةٌ، فَإنَّهم أرادُوا بِإثْباتِ الواوِ [فِي] ﴿وما﴾ المُبالَغَةَ في نَفْيِ إرْسالِهِ بِتَعْدادِ ”ما“ يُنافِيهِ، فَيَكُونُ مُرادُهم أنَّهُ لَيْسَ لَنا ظَنٌّ يَتَوَجَّهُ إلى غَيْرِ الكَذِبِ، وهو أبْلَغُ مِن إثْباتِ الظَّنِّ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ (p-٩٠)تَسْبِيبُهم عَنْهُ سُؤالَهُ اسْتِهْزاءً بِهِ وتَعْجِيزًا لَهُ إنْزالَ العَذابِ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ عَنْ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا.

26:187Page 375

فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧

So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."

﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ بِإسْكانِ السِّينِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ وفَتْحِها في رِوايَةِ حَفْصٍ، وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، أيْ: قِطَعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: السَّحابَ، أوِ الحَقِيقَةَ، وهَذا الطَّلَبُ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَوْ كانَ فِيهِمْ أدْنى مَيْلٍ إلى التَّصْدِيقِ لَما أخْطَرُوهُ بِبالِهِمْ [فَضْلًا عَنْ طَلَبِهِ ولا سِيَّما كَوْنُهُ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ، ولِذَلِكَ قالُوا]: ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو لَكَ كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الصِّدْقِ، المَشْهُورِينَ فِيما بَيْنَ أهْلِهِ، [لِنُصَدِّقَكَ] فِيما لَزِمَ مِن أمْرِكَ لَنا بِاتِّخاذِ الوِقايَةِ مِنَ العَذابِ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالعَذابِ، وما أحْسَنَ نَظَرَهُ إلى تَهْدِيدِهِ لَهم بِما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ القُدْرَةِ في خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعِ العَذابِ لَمّا عَصَوْهُ بِتَكْذِيبِ رُسُلِهِ.

26:188Page 375

قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨

He said, "My Lord is most knowing of what you do."

ولَمّا كانَ عَذابُ العاصِي يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ المُحِيطِ بِأعْمالِهِ، والقُدْرَةِ عَلى نَكالِهِ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الحِكايَةَ عَنْهُ في تَنْبِيهِهِ لَهم عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا شَيْءَ مِن ذَلِكَ إلّا إلى مَن أرْسَلَهُ، وهو (p-٩١)مُتَّصِفٌ بِكِلا الوَصْفَيْنِ، وأمّا هو فَإنَّهُ وإنْ كانَ عالِمًا فَهو قاصِرُ العِلْمِ فَهو غَيْرُ قادِرٍ ﴿رَبِّي أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنِّي ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ فَهو شامِلُ القُدْرَةِ، فَهو يَعْلَمُ اسْتِحْقاقِكم لِلْعَذابِ، ومِقْدارُ ما تَسْتَحِقُّونَ [مِنهُ] ووَقْتُ إنْزالِهِ، فَإنْ شاءَ عَذَّبَكم، وأمّا أنا فَلَيْسَ عَلَيَّ إلّا البَلاغُ وأنا مَأْمُورٌ بِهِ، فَلَمْ أُخَوِّفْكم مِن نَفْسِي ولا ادَّعَيْتَ قُدْرَةً عَلى عَذابِكم، فَطَلَبُكم ذَلِكَ مِنِّي ظُلْمٌ مِنكم مَضْمُومٌ إلى ظُلْمِكم بِالتَّكْذِيبِ.

26:189Page 375

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩

And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.

ولَمّا كانَ مَحَطُّ كَلامِهِمْ كُلِّهِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَهُ مِن غَيْرِ قَدْحٍ في قُدْرَةِ الخالِقِ، سَبَّبَ العَذابَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ فَقالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيْ: أخْذَ هَلاكٍ ﴿عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سَحابَةٌ عَلى نَحْوِ ما طَلَبُوا مِن قِطَعِ السَّماءِ، أتَتْهم بَعْدَ حَرٍّ شَدِيدٍ نالَهم حَتّى مِنَ الأسْرابِ في داخِلِ الأرْضِ أشَدَّ مِمّا نالَهم مِن خارِجِها لِيَعْلَمَ أنْ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شاءَ عَلى مُقْتَضى العادَةِ وغَيْرِ مُقْتَضاها فَوَجَدُوا مِن تِلْكَ الظُّلَّةِ نَسِيمًا بارِدًا، ورُوحًا طَيِّبًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها اسْتِرْواحًا [إلَيْها] واسْتِظْلالًا بِها، فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا بِنَحْوٍ مِمّا اقْتَرَحُوا وأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، فَنَفَذَتْ فِيهِمْ سِهامُ القُدْرَةِ، ولَمْ يَجِدُوا مَن دُونِها وِقايَةً ولا سُتْرَةً مِن غَيْرِ أنْ تَدْعُوَ حاجَةٌ إلى سُقُوطِ شَيْءٍ مِن جِرْمِ السَّماءِ، ولا بِما دُونَها مِنَ العَماءِ. (p-٩٢)ولَمّا كانَ الحالُ مُوجِبًا لِلسُّؤالِ عَنْ يَوْمِ الظُّلَّةِ، قالَ تَعالى مُهَوِّلًا لِأمْرِهِ ومُعَظِّمًا لِقَدْرِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ فَأكَّدَ بِـ ”إنَّ“ [وعَظَّمَ بِـ ”كانَ“] ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وزادَهُ عِظَمًا بِنِسْبَتِهِ إلى اليَوْمِ فَصارَ لَهُ مِنَ الهَوْلِ، بِبَدِيعِ هَذا القَوْلِ، ما تَجِبُ لَهُ القُلُوبُ وتَعْظُمُ الكُرُوبُ.

26:190Page 375

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

ولَمّا كانَ لِتَوالِي الإخْبارِ بِإهْلاكِ هَذِهِ القُرُونِ، وإبادَةِ مَن ذَكَرَ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، مِنَ الرُّعْبِ ما لا يَبْلُغُ وصْفُهُ، ولا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ شَرْحُهُ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلَيْهِ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الإنْجاءِ المُطَّرِدِ لِكُلِّ رَسُولٍ ومَن أطاعَهُ، والأخْذِ المُطَّرِدِ لِمَن عَصاهُ في كُلِّ عَصْرٍ بِكُلِّ قُطْرٍ، بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إنْسانٌ قاصٍ ولا دانٍ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: لَدِلالَةً واضِحَةً عَظِيمَةً عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ وأنْ يَكُونُوا جَدِيرِينَ بِتَصْدِيقِ العِبادِ لَهم في جَمِيعِ ما قالُوا مِنَ البَشائِرِ والنَّذائِرِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُ مَن عَصاهُ، ويُنْجِي مَن والاهُ، لِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، لا مانِعَ لَهُ، ولا سِيَّما أنْتَ وأنْتَ أعْظَمُهم مَنزِلَةً، وأكْرَمُهم رُتْبَةً، ولا سِيَّما وقَدْ أتَيْتَ قَوْمَكَ بِما لا يَكُونُ مَعَهُ شَكٌّ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهم بِكَ مَعْرِفَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وهم عارِفُونَ بِأنَّكَ كُنْتَ قَبْلَ الرِّسالَةِ أصْدَقَهم (p-٩٣)لَهْجَةً، وأعْظَمَهم أمانَةً، وأغْزَرَهم عَقْلًا، وأوْضَحَهم نُبْلًا، وأعْلاهم هِمَّةً، وأبْعَدَهم عَنْ كُلِّ دَنَسٍ –وإنْ قَلَّ- ساحَةً؛ ثُمَّ عَجَّبَ مَن تَوَقُّفِهِمْ في الإيمانِ مَعَ ما عَرَفُوا مِن صِدْقِ نَبِيِّهِمْ وطَهارَةِ أخْلاقِهِ، ووُفُورِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَخافُوا مِن مِثْلِ ما تَحَقَّقُوهُ مِن إهْلاكِ هَذِهِ الأُمَمِ فَقالَ: ﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ قَوْمِكَ كَما كانَ مِن قَبْلِهِمْ مَعَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الآياتِ، وإحْلالِ المَثُلاتِ حَتّى لَكَأنَّهم تَواصَوْا بِذَلِكَ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَرِيقَيْنِ في الإيمانِ، بَلْ ما يُؤْمِنُونَ إلّا وهم مُشْرِكُونَ.

26:191Page 375

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ تَأْسِيَةً لِلدّاعِي ﷺ، وتَهْدِيدًا لِمَن تَمادى عَلى تَكْذِيبِهِ، وتَرْجِيَةً لِمَن رَجَعَ عَنْ ذُنُوبِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِكُلِّ ما يُعْلِي شَأْنَكَ، ويُوَضِّحُ بُرْهانَكَ ﴿لَهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ أحَدٌ، ولا يُنْسَبُ في إمْهالِ عاصٍ إلى إهْمالٍ ولا عَجْزٍ ﴿الرَّحِيمُ﴾ فَلا يَأْخُذُ إلّا بَعْدَ تَجاوُزِ الحَدِّ، واليَأْسِ عَنِ الرَّدِّ، مَعَ البَيانِ الشّافِي، في الإبْلاغِ الوافِي، والتَّلَطُّفِ الكافِي، وكَرَّرَ الخِتامَ بِهَذا الكَلامِ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَمانِيَ مَرّاتٍ فَلَعَلَّ مِن أسْرارِهِ الإشارَةَ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ لِلْغَضَبِ، لِأنَّ مِنَ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالكِتابِ القَيِّمِ والعَبْدِ الكامِلِ بِالإضافَةِ إلى المَلِكَ الأعْظَمِ اللَّذَيْنِ هُما رَحْمَةُ الخالِقِ لِلْخَلائِقِ، وذَكَرَ فِيها [مَعَ تَقْدِيمِها في التَّرْهِيبِ] أهْلَ الرَّحْمَةِ مِن أهْلِ الكَهْفِ (p-٩٤)الَّذِينَ قالُوا ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] [ ومُوسى والخَضِرَ عَلَيْهِما السَّلامُ اللَّذَيْنِ آتى كُلًّا مِنهُما مِن لَدُنْهُ رَحْمَةً]، وذا القَرْنَيْنِ الَّذِي آتاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأتْبَعَ سَبَبًا وقالَ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] -إلى سُورَةِ الرَّحْمَةِ بِإنْزالِ الفُرْقانِ عَلى عَبْدِهِ المُضافِ إلَيْهِ لِلْإنْذارِ المُؤْذِنِ بِصِفَةِ العِزَّةِ- ثَمانِي سُوَرٍ، فَكُلٌّ مِنهُما ثامِنَةُ الأُخْرى، وافْتَتَحَتِ السُّورَةُ الوالِيَةِ لِلْفُرْقانِ تَفْصِيلًا لِما في أوَّلِ الكَهْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وبِذِكْرِ ما عَلى الأرْضِ مِن زِينَةٍ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] كُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما في تِلْكَ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بِالرَّحْمَةِ، وتَحْذِيرًا مِمّا في القُرْآنِ مِنَ الإنْذارِ الفارِقِ بِالعِزَّةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ كُرِّرَتْ صِفَتا العِزَّةِ الَّتِي أذِنَتْ بِها الفُرْقانُ، والرَّحْمَةُ الَّتِي صَرَّحَتْ بِها الكَهْفُ ثَمانِيَ مَرّاتٍ بِحَسَبِ ذَلِكَ العَدَدِ، تَذْكِيرًا بِهَذا المَعْنى البَدِيعِ، وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا وتَذْكِيرًا بِأبْوابِ الرَّحْمَةِ الثَّمانِيَةِ مَعَ ما لِخَتْمِ القَصَصِ بِذَلِكَ مِنَ الرَّوْعَةِ في النَّفْسِ، والهَيْبَةِ في القَلْبِ، والأُنْسِ البالِغِ لِلرُّوحِ، [وقُدِّمَتْ هُنا صِفَةُ العِزَّةِ النّاظِرَةُ لِلْإنْذارِ بِالفُرْقانِ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ مَعَ ما اقْتَضى ذَلِكَ مِنَ الحالِ هُنا] وجُعِلَتِ القَصَصُ سَبْعًا تَحْذِيرًا مِن أبْوابِ النِّقْمَةِ السَّبْعَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا تَسَعُها الأفْكارُ.

26:192Page 375

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢

And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.

ولَمّا كانَتْ آثارُ هَذِهِ القِصَصِ آياتٍ مَرْئِيّاتٍ، والإخْبارُ بِها آياتٍ (p-٩٥)مَسْمُوعاتٍ، وكانَ في اطِّرادِ إهْلاكِ العاصِي وإنْجاءِ الطّائِعِ في كُلٍّ مِنهُما، عَلى تَباعُدِ الأعْصارِ، وتَناهِي الأقْطارِ، واخْتِلافِ الدِّيارِ، أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، وتَقْرِيرُ الرِّسالاتِ لِتَوافُقِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وتَوارُدِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، والعَدْلِ مَعَ العُزُوفِ عَنِ الدُّنْيا الَّتِي هي شَرٌّ مَحْضٌ، والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ الَّتِي هي خَيْرٌ صِرْفٌ، والتَّحَلِّي بِما أطْبَقَ العِبادُ عَلى أنَّهُ مَعالِي الأخْلاقِ، ومَحاسِنُ الأعْمالِ، والتَّخَلِّي عَنْ جَمِيعِ الدَّنايا، والتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشعراء: ٥] الآيَةَ، الإخْبارَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إشارَةً إلى ما في الإخْبارِ عَنْ آثارِ هَذِهِ القِصَصِ بِالآياتِ المَسْمُوعاتِ مِن عَظِيمِ الدَّلالاتِ عَلى رِسالَتِهِ ﷺ بِما فِيها مِنَ الإعْجازِ مِن جِهَةِ التَّرْكِيبِ والتَّرْتِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الأسالِيبِ الَّذِي [لَمْ] تُؤْتَهُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ السّالِفاتِ، ومِن جِهَةِ أنَّ الآتِيَ بِتِلْكَ القِصَصِ الغَرِيبَةِ، والأنْباءِ البَدِيعَةِ العَجِيبَةِ، أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطْ عالِمًا [مَعَ شِدَّةِ مُلاءَمَةِ القُرْآنِ لِخُصُوصِ ما في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَدْلِ في الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي هو مَدارُ القُرْآنِ، ومِن أنَّهُ الظُّلَّةُ الجامِعَةُ لِلْخَيْرِ، والفُسْطاطُ الدّافِعُ لِكُلِّ ضَيْرٍ، ] فَقالَ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: الذِّكْرَ (p-٩٦)الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأخْبارِ وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ ولَهُ تارِكُونَ ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: الَّذِي رَبّاهم بِشُمُولِ عِلْمِهِ، وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، بِما يَعْجِزُ عَنْ أقَلِّ شَيْءٍ مِنهُ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ أتاهم بِالحَقِّ مِنها عَلى لِسانِ مَن لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ، ومَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَذّاهم بِنِعْمَتِهِ، ودَبَّرَهم بِحِكْمَتِهِ، فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يَكُونَ هَذا الذِّكْرُ جامِعًا لِكَوْنِهِ خِتامًا، وأنْ يَكُونَ مُعْجِزًا لِكَوْنِهِ تَمامًا، ونَزَّلَهُ عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا. مُكَرِّرًا فِيهِ ذِكْرَ القَصَصِ سابِقًا في كُلِّ سُورَةٍ مِنها ما يُناسِبُ المَقْصُودَ مِن تِلْكَ السُّورَةِ، مُعَبِّرًا عَمّا يَسُوقُهُ مِنها بِما يُلائِمُ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ السِّياقِ مَعَ مُراعاةِ الواقِعِ، ومُطابَقَةِ الكائِنِ.

26:193Page 375

نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣

The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down

ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ: مَن أتى بِهَذا المَقالِ، عَنْ ذِي الجَلالِ؟ قالَ: ﴿نَـزَلَ بِهِ﴾ أيْ: نُجُومًا عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى الَّذِي هو مَحَلُّ البَرَكاتِ، وعَبَّرَ عَنْ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّوحُ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مادَّةُ خَيْرٍ، وأنَّ الأرْواحَ تَجِيءُ بِما يُنْزِلُهُ مِنَ الهُدى، وقالَ: ﴿الأمِينُ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مَعْصُومًا مِن كُلِّ دَنَسٍ، فَلا يُمْكِنُ مِنهُ خِيانَةٌ.

26:194Page 375

عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤

Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners

﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: يا مُحَمَّدُ الَّذِي هو أشْرَفُ القُلُوبِ وأعْلاها، وأضْبُطُها وأوْعاها، فَلا زَيْغَ فِيهِ ولا عِوَجَ، (p-٩٧)حَتّى صارَ خُلُقًا لَهُ، وفي إسْقاطِ الواسِطَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ -لِشِدَّةِ إلْقائِهِ السَّمْعَ وإحْضارِهِ الحِسَّ- يَصِيرُ في تَمَكُّنِهِ مِنهُ بِحَيْثُ يَحْفَظُهُ فَلا يَنْسى، ويَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ فَلا يَخْفى، فَدُخُولُهُ إلى القَلْبِ في غايَةِ السُّهُولَةِ حَتّى كَأنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ واسِطَةِ السَّمْعِ عَكْسَ ما يَأْتِي عَنِ المُجْرِمِينَ، وهَكَذا كُلُّ مَن وعى شَيْئًا غايَةَ الوَعْيِ حَفِظَهُ كُلَّ الحِفْظِ، انْظُرْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةُ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلتَّحْذِيرِ، قالَ مُعَلِّلًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: المُخَوِّفِينَ المُحَذِّرِينَ لِمَن أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ، وفَعَلَ ما نَهى عَنْهُ مِنَ العِصْيانِ.

26:195Page 375

بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥

In a clear Arabic language.

ولَمّا كانَ القَصْدُ مِنَ السُّورَةِ التَّسْلِيَةُ عَنْ عَدَمِ إيمانِهِمْ بِأنَّهُ لِسُفُولِ شَأْنِهِمْ، لا لِخَلَلٍ في بَيانِهِ، ولا لِنَقْصٍ في شَأْنِهِ، قالَ تَعالى [مُوَضِّحًا لِتَمَكُّنِهِ مِن قَبْلِهِ]: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ﴾ . ولَمّا كانَ في العَرَبِيِّ ما هو حُوشِيٌّ لَفْظًا أوْ تَرْكِيبًا، مُشْكِلٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ، قالَ: ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٍ في نَفْسِهِ كاشِفٍ لِما يُرادُ مِنهُ غَيْرَ تارِكٍ لَبْسًا عِنْدَ مَن تَدَبَّرَهُ (p-٩٨)حَقَّ تَدَبُّرِهِ عَلى ما يُتَعارَفُهُ العَرَبُ في مُخاطَباتِها، مِن سائِرِ لُغاتِها، بِحَقائِقِها ومَجازاتِها عَلى اتِّساعِ إراداتِها، وتَباعُدِ مَرامِيها في مُحاوَراتِها، وحُسْنِ مَقاصِدِها في كِناياتِها واسْتِعاراتِها، ومَن يُحِيطُ بِذَلِكَ حَقَّ الإحاطَةِ غَيْرُ العَلِيمِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ البَصِيرِ، وإنَّما كانَتْ عَرَبِيَّتُهُ وإبانَتُهُ مُوَضِّحَةً لِسَبْقِهِ قَلْبَهُ، لِأنَّ مَن تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ -فَكَيْفَ بِالبَيِّنِ مِنها- تَسْبِقُ المَعانِي الألْفاظَ إلى قَلْبِهِ، فَلَوْ كانَ أعْجِمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى السَّمْعِ، لِأنَّهُ يَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا يَفْهَمُ مَعانِيَها؛ قالَ الكَشّافُ: وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِهِ الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى المَعانِي، ولا يَكادُ يَفْطِنُ لِلْألْفاظِ، وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِها وإنْ كانَ ماهِرًا فِيها كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها ثُمَّ في مَعانِيها - انْتَهى. فَفِيهِ تَقْرِيعٌ عَظِيمٌ لِمَن يَعْرِفُ لِسانَ العَرَبِ ولا يُؤْمِنُ بِهِ.

26:196Page 375

وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦

And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.

ولَمّا كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ الأدِلَّةِ مِمّا يُسَكِّنُ النُّفُوسَ، وتَطْمَئِنُّ بِهِ (p-٩٩)القُلُوبُ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ أُصُولُهُ وكَثِيرٌ مِن قِصَصِهِ وأُمَّهاتِ فُرُوعِهِ ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ أيْ: كُتُبِ ﴿الأوَّلِينَ﴾ المَضْبُوطَةِ الظّاهِرَةِ في كَوْنِها أتَتْ مِنَ السَّماءِ إلى أهْلِها الَّذِينَ سَكَنَتِ النُّفُوسُ إلى أنَّهُ أتَتْهم رُسُلٌ، وشُرِّعَتْ لَهم شَرائِعُ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ بِها كُتُبٌ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِطَ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ أحَدًا مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ في عِلْمٍ ما، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ ما أتاهُ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

26:197Page 375

أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧

And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ يَكُنْ لَهم أمارَةٌ عَلى صِدْقِ ذَلِكَ أنْ يَطْلُبُوا تِلْكَ الزُّبُرِ فَيَنْظُرُوا فَيَذُوقُوا ذَلِكَ مِنها لِيَضِلُّوا إلى حَقِّ اليَقِينِ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ .

[ولَمّا كانَ هَذا الأُسْلُوبُ الِاسْتِدْلالَ، اقْتَضى تَقْدِيمَ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّذْكِيرِ والنَّصْبِ، فَقالَ بَعْدَ تَقْدِيمٍ لِما اقْتَضاهُ مِنَ الحالِ]: ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةٌ عَلى النِّسْبَةِ إلَيْنا؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ الِاسْمَ مُحَوَّلًا إلى أنْ والفِعْلِ لِأنَّهُ أخَصُّ [وأعْرَفُ] وأوْضَحُ مِن ذِكْرِ المَصْدَرِ، فَقالَ: ﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي أتى بِهِ نَبِيُّنا مِن عِنْدِنا؛ وأنَّثَ ابْنُ عامِرٍ الفِعْلَ ورَفَعَ ”آيَة“ اسْمًا وأخْبَرَ عَنْها بِأنْ والفِعْلِ ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [فَيُقِرُّوا بِهِ] ولا يُنْكِرُوهُ، لِيُؤْمِنُوا بِهِ ولا يَهْجُرُوهُ، فَإنَّ قُرَيْشًا كانُوا كَثِيرًا ما يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ ويُعَوِّلُونَ في (p-١٠٠)الأخْبارِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم أسْلَمَ وذَكَرَ تَصْدِيقَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ [والزَّبُورِ وغَيْرِها مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ] لِلْقُرْآنِ في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي ذَلِكَ ما يُؤَيِّدُ صِدْقَهُ، ويُحَقِّقُ أمْرَهُ، وقَدْ عُرِّبَتِ الكُتُبُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ مِنها عُلَماءَ الإسْلامِ كَثِيرًا [مِمّا] أهْمَلُوهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِنهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ، فَإنَّها حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ التَّبْدِيلُ قَدْ وقَعَ فِيها بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى، [و] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بُعِثُوا إلى اليَهُودِ يَسْألُونَهم عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، وإنّا لَنَجِدُ في التَّوْراةِ صِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُلْزِمًا لَهم بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ كُلُّ ما اسْتَخْرَجَ مِنَ الكُتُبِ يَكُونُ حُجَّةً عَلى أهْلِها.

26:198Page 375

وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨

And even if We had revealed it to one among the foreigners1

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ آيَةً ولا آمَنُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ سُورَةٍ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ [الشعراء: ٦] الآيَةُ ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ﴾ أيْ: عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ والإعْجازِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن لِسانِ العَرَبِ مِنَ (p-١٠١)البَهائِمِ أوِ الآدَمِيِّينَ، جَمْعُ أعْجَمَ، وهو مَن لا يُفْصِحُ وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ بِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ لِزِيادَةِ [ياءِ] النِّسْبَةِ.

26:199Page 375

فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩

And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.

﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَّلْناهُ عَلَيْهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الفَصاحَةِ والإعْجازِ مَعَ عِلْمِهِمُ القَطْعِيِّ أنَّهُ لا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ اللِّسانِ ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ ولَتَمَحَّلُوا لِكُفْرِهِمْ عُذْرًا في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن تَعَنُّتِهِمْ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] مِن فَرْطِ عِنادِهِمْ، وتَهَيُّؤِهِمْ لِلشَّرِّ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، بَلْ لا يَسْمَعُونَهُ حَقَّ السَّماعِ، ولا يَعُونَهُ حَقَّ الوَعْيِ، بَلْ سَماعًا وفَهْمًا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ.

26:200Page 375

كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠

Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.

ولَمّا كانَ [ذَلِكَ] مَحَلَّ عَجَبٍ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ لَهُ أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، قَرَّرَ مَضْمُونَهُ وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا السَّلْكِ العَجِيبِ -الَّذِي هو سَماعٌ وفَهْمٌ ظاهِرِيٌّ- في صُعُوبَةِ مَدْخَلِهِ وضِيقِ مَدْرَجِهِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنِ السِّياقُ مُقْتَضِيًا لِما اقْتَضاهُ سِياقُ الحِجْرِ مِنَ التَّأْكِيدِ، اكْتَفى بِمُجَرَّدِ الحُدُوثِ فَقالَ: ﴿سَلَكْناهُ﴾ أيْ: كَلامَنا والحَقَّ الَّذِي أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، في قُلُوبِهِمْ -هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ، وعَمَّ كَلَّ زَمَنٍ وكُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ فَقالَ]: ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ طَبَّعْناهم عَلى الإجْرامِ، وهو القَطِيعَةُ (p-١٠٢)لِما يَنْبَغِي وصْلُهُ، كَما يُنَظِّمُ السَّهْمَ إذا رُمِيَ بِهِ، أوِ الرُّمْحُ إذا طُعِنَ بِهِ في القَلْبِ، لا يَتَّسِعُ لَهُ، ولا يَنْشَرِحُ بِهِ، بَلْ تَراهُ ضَيِّقًا حَرَجًا.

26:201Page 375

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١

They will not believe in it until they see the painful punishment.

ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى خَفِيًّا، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ، وجُعِلَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ والخِتامِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُونَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ ويَطْلُبُونَ الأمانَ [حَيْثُ لا أمانَ].

26:202Page 375

فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢

And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.

ولَمّا كانَ إتْيانُ الشَّرِّ فُجاءَةً أشَدَّ، وكانَ أخْذُهُ لَهم عَقِبَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ يَحْصُلُ فِيها نَوْعُ اسْتِعْدادٍ أصْلًا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ مُصَوِّرًا لِحالِهِ بِقَوْلِهِ دالًّا بِالفاءِ عَلى الأشَدِّيَّةِ والتَّعْقِيبِ: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ .

ولَمّا كانَ البَغْتُ الإتْيانَ عَلى غَفْلَةً، حَقَّقَ ذَلِكَ نافِيًا لِلتَّجَوُّزِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ودَلَّ عَلى تَطاوُلِهِ في مَحالِّهِمْ، وجَوْسِهِ لِخِلالِهِمْ، وتَرَدُّدِهِ في حَلالِهِمْ، بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المُفاجَأةِ بِالإهْلاكِ.

26:203Page 375

فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣

And they will say, "May we be reprieved?"

﴿فَيَقُولُوا﴾ أيْ: تَأسُّفًا واسْتِسْلامًا وتَلَهُّفًا في تِلْكَ الحالَةِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا طاقَةَ بِهِ بِوَجْهٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ: مَفْسُوحٌ لَنا في آجالِنا لِنَسْمَعَ ونُطِيعَ.

26:204Page 375

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤

So for Our punishment are they impatient?

ولَمّا حَقَّقَ أنَّ حالَهم عِنْدَ الأخْذِ الجُؤارِ بِالذُّلِّ والصَّغارِ [بِهِ]، تَسَبَّبَ عَنْهُ ما يَسْتَحِقُّونَ بِاسْتِعْجالِهِ مِنَ الإنْكارِ في قَوْلِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ قَدْرَهُ يَفُوقُ الوَصْفَ بِنُونِ العَظَمَةِ: ﴿أفَبِعَذابِنا﴾ أيْ: وقَدْ تَبَيَّنَ لَهم (p-١٠٣)كَيْفَ كانَ أخْذُهُ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ، والأقْوامِ العاتِيَةِ! ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِمْ: أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا كِسَفًا، ائْتِ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، كَما قالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْنا أمْرَهم، وتَلَوْنا ذِكْرَهم ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ونَحْوَ ذَلِكَ.

26:205Page 375

أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥

Then have you considered if We gave them enjoyment for years

ولَمّا تَصَوَّرَتْ حالَةَ مَآبِهِمْ، في أخْذِهِمْ بِعَذابِهِمْ، [وكانَ اسْتِعْجالُهم بِهِ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفافَ والتَّكْذِيبَ والوُثُوقَ بِأنَّهم مُمَتَّعُونَ، وتَعَلُّقُ آمالِهِمْ بِأنَّ تَمْتِيعَهم بِطُولِ زَمانِهِ، وكانَ مَن يُؤْذُونَهُ يَتَمَنّى لَوْ عَجَّلَ لَهُمْ]، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ سُؤالَ داعِيهِمْ مُسَلِّيًا ومُؤَسِّيًا ومُعَزِّيًا فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن طُولِ عَيْشِهِمْ في النَّعِيمِ فَأخْبِرْنِي ﴿إنْ مَتَّعْناهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِرَغَدِ العَيْشِ وصافِي الحَياةِ.

ولَمّا كانَتْ حَياةُ الكافِرِ في غايَةِ الضِّيقِ والنَّكَدِ وإنْ كانَ في أصْفى رَغَدٍ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى القَحْطِ بِصِيغَةِ القِلَّةِ وإنْ كانَ السِّياقُ يَدُلُّ عَلى أنَّها لِلْكَثْرَةِ فَقالَ: ﴿سِنِينَ﴾

26:206Page 375

ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦

And then there came to them that which they were promised?

﴿ثُمَّ جاءَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ تِلْكَ السِّنِينَ المُتَطاوِلَةِ، والدُّهُورِ المُتَواصِلَةِ ﴿ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِمّا طالَ إنْذارُكَ إيّاهم بِهِ وتَحْذِيرُكَ لَهم مِنهُ عَلى غايَةِ التَّقْرِيبِ لَهم والتَّمْكِينِ في إسْماعِهِمْ، أخْبَرَنِي.

26:207Page 376

مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧

They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.

﴿ما﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ﴿أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: فِيما أخَذَهم مِنَ العَذابِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ المُكْنَةِ وطُولِ الزَّمانِ ﴿يُمَتَّعُونَ﴾ (p-١٠٤)تَمْتِيعًا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ عِنْدَنا، وصَوَّرَهُ بِصُورَةِ الكائِنِ تَنْدِيمًا عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهُ ما أغْنى عَنْهم شَيْئًا لِأنَّ عاقِبَتَهُ الهَلاكُ، وزادَهم بُعْدًا مِنَ اللَّهِ وعَذابِهِ بِزِيادَةِ الآثامِ المُوجِبَةِ لِشَدِيدِ الِانْتِقامِ.

26:208Page 376

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨

And We did not destroy any city except that it had warners

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا لِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا بَعْدَ إنْذارِ المُنْذِرِينَ، لِمُشافَهَتِكَ إيّاهم بِهِ، وسَماعِهِمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ عَمَّنْ مَضى قَبْلَهم مِنَ الرُّسُلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أهْلَكْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، واعْلَمْ بِالِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: مِنَ القُرى السّالِفَةِ، بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ رَسُولُهم ومِن تَبِعَهُ مِن أُمَّتِهِ ومَن سَمِعُوا مِنَ الرُّسُلِ بِأخْبارِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ مِن قَبْلِ، وأعْراها مِنَ الواوِ لِأنَّ الحالَ لَمْ يَقْتَضِ التَّأْكِيدَ كَما في الحِجْرِ، لِأنَّ المُنْذِرِينَ مُشاهَدُونَ، وإذا تَأمَّلْتَ آياتِ المَوْضِعَيْنِ ظَهَرَ لَكَ ذَلِكَ؛ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском