Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:209–227
ثُمَّ عَلَّلَ الإنْذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِكْرى﴾ أيْ: تَنْبِيهًا عَظِيمًا عَلى ما فِيهِ مِنَ النَّجاةِ، وتَذْكِيرًا بِأشْياءَ يَعْرِفُونَها بِما أدَّتْ إلَيْهِ فِطَرُ عُقُولِهِمْ، وقادَتْ إلَيْهِ بَصائِرُ قُلُوبِهِمْ، وجَعَلَ المُنْذِرِينَ نَفْسَ الذِّكْرى كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا﴾ [الطلاق: ١١] وذَلِكَ إشارَةً إلى إمْعانِهِمْ في التَّذْكِيرِ حَتّى صارُوا إيّاهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنها إلّا بِالحَقِّ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-١٠٥)قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا﴾ أوِ الواوُ لِلْحالِ مِن نُونِ ”أهْلَكْنا“ ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ: في إهْلاكِ شَيْءٍ مِنها لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَتَنا، وعَبَدُوا غَيْرَنا، بَعْدَ الإعْذارِ إلَيْهِمْ، ومُتابَعَةِ الحُجَجِ، ومُواصَلَةِ الوَعِيدِ.
26:210Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ غايَةَ إنْزالِ هَذا القُرْآنِ كَوْنُهُ ﷺ مِنَ المُنْذِرِينَ، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما لاءَمَهُ حَتّى خَتَمَ بِإهْلاكِ مَن كَذَّبَ المُنْذِرِينَ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] قَوْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ العِنايَةَ شَدِيدَةٌ في هَذا السِّياقِ بِالقُرْآنِ لِتَقْرِيرِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ونَفى اللَّبْسَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ﴾ أيْ: القُرْآنِ ﴿الشَّياطِينُ﴾ أيْ: لِيَكُونَ سِحْرًا أوْ كِهانَةً أوْ شِعْرًا أوْ أضْغاثَ أحْلامٍ كَما يَقُولُونَ.
26:211Page 376
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
ولَمّا كانَ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالفِعْلِ عَدَمُ الصَّلاحِيَةِ لَهُ قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: ما يَصِحُّ وما يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ النُّزُولُ بِشَيْءٍ مِنهُ لِأنَّهُ خَيْرٌ كُلُّهُ وبَرَكَةٌ، وهم مادَّةُ الشَّرِّ والهَلَكَةِ، فَبَيْنَهُما تَمامُ التَّبايُنِ، وأنْتَ سَكِينَةٌ ونُورٌ، وهم زَلْزَلَةٌ وثُبُورٌ، فَلا إقْبالَ لَهم عَلَيْكَ، ولا سَبِيلَ بِوَجْهٍ إلَيْكَ.
ولَمّا كانَ عَدَمُ الِانْتِفاءِ لا يَلْزَمُ مِنهم عَدَمُ القُدْرَةِ قالَ: ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: النُّزُولَ بِهِ وإنِ اشْتَدَّتْ مُعالَجَتُهم عَلى تَقْدِيِ أنْ يَكُونَ لَهم قابِلِيَّةٌ لِذَلِكَ؛ .
26:212Page 376
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ﴾ أيْ: (p-١٠٦)الكامِلِ الحَقِّ، مِنَ المَلَأِ الأعْلى ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أيْ: بِما حُفِظَتْ بِهِ السَّماءُ مِنَ الشُّهُبِ وبِما بايِنُوا بِهِ المَلائِكَةَ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهم خَيْرٌ صِرْفٌ، ونُورٌ خالِصٌ، وهَؤُلاءِ شَرٌّ بَحْتٌ وظُلْمَةٌ مَحْضَةٌ، فَلا يَسْمَعُونَ إلّا خَطْفًا، فَيَصِيرُ -بِما يَسْبِقُ إلى أفْهامِهِمْ، ويُتَصَوَّرُ مِن بابِ الخَيالِ في أوْهامِهِمْ- خَلْطًا لا حَقِيقَةَ لِأكْثَرِهِ، فَلا وُثُوقَ بِأغْلَبِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عامًّا حَتّى يَشْمَلَ السَّماعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِما شارَكُوا بِهِ المَلائِكَةَ مِنَ النُّورِ والخَيْرِ، انْظُرْ ما ورَدَ في «آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن أنَّها لا تُقْرَأُ في بَيْتٍ فَيَقْرَبُهُ شَيْطانٌ، وفي رِوايَةٍ: إلّا خَرَجَ مِنهُ الشَّيْطانُ»، ووَرَدَ نَحْوُهُ في الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذا ما كانَ مِن أشْكالِ ذَلِكَ، وأعْظَمُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّهُ يا ابْنَ الخَطّابِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما رَآكَ الشَّيْطانُ سالِكًا فَجًّا إلّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»، وتَرَكَ تَعْلِيلَ الِانْبِغاءِ لِظُهُورِهِ.
26:213Page 376
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
ولَمّا كانَ تَقْدِيرُهُ أنَّهم إلى الطَّواغِيتِ الباطِلَةِ يَدْعُونَ، والقُرْآنُ داعٍ إلى اللَّهِ الحَقِّ المُبِينِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَدْعُ﴾ وخاطَبَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو أكْرَمُ الخَلْقِ لَدَيْهِ، وأعَزُّهم عَلَيْهِ، لِيَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ فِيما يَأْتِيهِ مِنَ الإنْذارِ، فَيَكُونُ الوَعِيدُ أزْجَرَ لَهُ، ويَكُونُ هو لَهُ أقْبَلَ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزِ لِكُلِّ كَمالِ الدّاعِي إلَيْهِ هَذا القُرْآنُ الَّذِي (p-١٠٧)نَزَلَ بِهِ عَلَيْكَ الرُّوحُ الأمِينُ، لِما بَيْنَكَ وبَيْنَهُما مِن تَمامِ النِّسْبَةِ بِالنُّورانِيَّةِ والخَيْرِ ﴿إلَهًا﴾ وتَقَدَّمَ في آخِرِ الفُرْقانِ حِكْمَةُ الإتْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ فَتَكُونَ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ﴿مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ مِنَ القادِرِ عَلى ما يُرِيدُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ، وهَذا الكَلامُ لِكُلِّ مَن سَمِعَ القُرْآنَ في الحَثِّ عَلى تَدَبُّرِهِ مَعْناهُ، ومَقْصِدِهِ ومَغْزاهُ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ في غايَةِ المُبايَنَةِ لِلشَّياطِينِ وضَلالِهِمْ، والمُلاءَمَةِ لِلْمُقَرَّبِينَ وأحْوالِهِمْ، ولَعَلَّهُ خاطَبَ بِهِ المَعْصُومَ، زِيادَةً في الحَثِّ عَلى اتِّباعِ الهُدى، وتَجَنُّبِ الرَّدى، ولِيَعْطِفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
﴿وأنْذِرْ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ أيْ: قَبِيلَتَكَ ﴿الأقْرَبِينَ﴾ أيْ: الأدَنَيْنَ في النَّسَبِ، ولا تُحابِ أحَدًا، فَإنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ بِهِ النِّذارَةُ لِكَفِّ الخَلائِقِ عَمّا يُثْمِرُ الهَلاكَ مِنِ اتِّباعِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ اجْتالُوهم عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنْذارِ الأقْرَبِينَ يُفْهِمُ الإنْذارَ لِغَيْرِهِمْ مِن بابِ الأوْلى، ويَكْسِرُ مِن أنَفَةِ الأبْعَدِ لِلْمُواجَهَةِ بِما يُكْرَهُ، لِأنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الأقْرَبِ، ولَقَدْ قامَ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ حَقَّ القِيامِ؛ رَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ [يا بَنِي عَدِيٍّ ] لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ (p-١٠٨)إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هو، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقالَ: أرَأيْتَكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قالُوا: نَعَمْ! ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١]»، وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! اشْتَرُوا أنْفُسَكم، لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ! لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا! يا عَبّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ! لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ! لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ! سَلِينِي ما شِئْتِ مِن مالِي، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“»، ورَوى القِصَّةَ أبُو يَعْلى عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ قُرَيْشًا جاءَتْهُ فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم، فَسَألُوهُ آياتِ سُلَيْمانَ في الرِّيحِ وداوُدَ في الجِبالِ ومُوسى في البَحْرِ وعِيسى في إحْياءِ المَوْتى، وأنْ يُسَيِّرَ الجِبالَ، ويُفَجِّرَ الأنْهارَ، ويَجْعَلَ الصَّخْرَ ذَهَبًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وهم عِنْدَهُ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ أخْبَرَهم أنَّهُ أُعْطِيَ ما سَألُوهُ، ولَكِنَّهُ إنْ أراهم فَكَفَرُوا عُوجِلُوا. فاخْتارَ ﷺ (p-١٠٩)[الصَّبْرَ] عَلَيْهِمْ لِيُدْخِلَهُمُ اللَّهُ بابَ الرَّحْمَةِ» .
26:215Page 376
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
ولَمّا كانَتِ النِّذارَةُ إنَّما هي لِلْمُتَوَلِّينَ، أمَرَ بِضِدِّها لِأضْدادِهِمْ فَقالَ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ أيْ: لِنْ غايَةَ اللِّينِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ أنْ يَرْتَفِعَ رَفَعَ جَناحَيْهِ، فَإذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ كَسَرَهُما وخَفَضَهُما، فَجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا في التَّواضُعِ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِالتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَنْ مِثْلِ أبِي طالِبٍ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن أوْ آمَنَ ظاهِرًا وكانَ مُنافِقًا أوْ ضَعِيفًا بِالإيمانِ فاسِقًا؛ وحَقَّقَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم صِفَةً راسِخَةً سَواءٌ كانُوا مِنَ الأقْرَبِينَ أوِ الأبْعَدِينَ.
26:216Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، فَصَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ﴾ أيْ: هم فَغَيْرُهم [مِن بابِ الأوْلى] ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: تارِكًا لِما كُنْتَ تُعامِلُهم بِهِ حالَ الإيمانِ مِنَ اللِّينِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ﴾ أيْ: مُنْفَصِلٌ غايَةَ الِانْفِصالِ ﴿مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ العِصْيانِ الَّذِي أنْذَرَ مِنهُ القُرْآنُ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ إعْلاءً لِمَقامِهِمْ، بِالزِّيادَةِ في إكْرامِهِمْ، لِيُؤْذِنَ ذَلِكَ المُزَلْزِلِ بِالعِلْمِ بِحالِهِ فَيُحِثُّهُ ذَلِكَ عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ.
26:217Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
ولَمّا أُعْلِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمُنابَذَةِ مَن عَصى كائِنًا مَن كانَ ولَوْ كانَ مِمَّنْ ظَهَرَ مِنهُ الرُّسُوخُ في الإيمانِ، لِما يَرى مِنهُ مِن عَظِيمِ الإذْعانِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ [أيْ: ] في عِصْمَتِكَ ونَجاتِكَ والإقْبالِ (p-١١٠)بِالمُنْذِرِينَ إلى الطّاعَةِ، وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ أدَلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿عَلى العَزِيزِ﴾ أيْ: القادِرِ عَلى الدَّفْعِ عَنْكم والِانْتِقامِ مِنهم ﴿الرَّحِيمِ﴾ أيْ: المَرْجُوِّ لِإكْرامِ الجَمِيعِ بِرَفْعِ المُخالَفَةِ والشَّحْناءِ، والإسْعادِ بِالِاسْتِعْمالِ فِيما يُرْضِيهِ؛ .
ثُمَّ أتْبَعَ الأمْرَ بِالتَّوَكُّلِ الوَصْفَ بِما يَقْتَضِي الكِفايَةَ في كُلِّ ما يَنُوبُ مِن دَفْعِ الضُّرِّ وجَلْبِ النَّفْعِ، وذَلِكَ هو العِلْمُ المُحِيطُ المُقْتَضِي لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي يَراكَ﴾ أيْ: بَصَرًا وعِلْمًا ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ مِن نَوْمِكَ مِن فَرْشِكَ تارِكًا لِحُبِّكَ، لِأجْلِ [رِضا] رَبِّكَ.
”و“ يَرى ﴿وتَقَلُّبَكَ﴾ في الصَّلاةِ ساجِدًا وقائِمًا ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ أيْ: المُصَلِّينَ مِن أتْباعِكَ المُؤْمِنِينَ، لَكم دَوِيٌّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وتَضَرُّعٌ مِن خَوْفِ اللَّهِ، ودُعاءٌ وزَفَراتُ تَصاعُدٍ وبُكاءٍ، [أيْ: ] فَهو جَدِيرٌ لِإقْبالِكم عَلَيْهِ، وخُضُوعِكم بَيْنَ يَدَيْهِ، بِأنْ يُحِبُّوكم بِكُلِّ ما يَسُرُّكم.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ مُشْتَمِلَةً عَلى الأقْوالِ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ الرُّؤْيَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْعِلْمِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ مَقْرُونًا بِالسَّمْعِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ أقْوالِكم ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ ما تُسِرُّونَهُ وتُعْلِنُونَهُ مِن أعْمالِكم، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ شُمُولَ العِلْمِ (p-١١١)يَسْتَلْزِمُ تَمامَ القُدْرَةِ، فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: إنَّهُ السَّمِيعُ العَلِيمُ البَصِيرُ القَدِيرُ، تَثْبِيتًا لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ.
26:221Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ القُرْآنَ مُنافٍ لِأقْوالِ الشَّياطِينِ، وبَيَّنَ أنَّ حالَ النَّبِيِّ ﷺ وحالَ أتْباعِهِ مُنافِيَةً لِأحْوالِهِمْ وأحْوالَ مَن يَأْتُونَهُ مِنَ الكُهّانِ بِما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن فِعْلِهِ ﷺ وفَعَلَ أشْياعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ، والإعْراضَ عَمّا سِواهُ، فَعُلِمَ أنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهم بَوْنًا بَعِيدًا، وفَرْقًا كَبِيرًا شَدِيدًا، وأنَّ حالَ النَّبِيِّ ﷺ مُوافِقٌ لِحالِ الرُّوحِ الأمِينِ، النّازِلِ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الحَكِيمِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ إخْوانِ الشَّياطِينِ، فَقالَ مُحَرِّكًا لِمَن يُرِيدُ ذَلِكَ، مُتَمِّمًا لِدَفْعِ اللَّبْسِ عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وفَرْقٌ بَيْنَ الآياتِ المُتَكَلِّفَةِ بِذَلِكَ تَطْرِيَةً لِذِكْرِها وتَنْبِيهًا عَلى تَأْكِيدِ أمْرِها: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم خَبَرًا جَلِيلًا نافِعًا في الدِّينِ، عَظِيمِ الجَدْوى في الفُرْقانِ [بَيْنَ] أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وإخْوانِ الشَّيْطانِ ﴿عَلى مَن تَنَـزَّلُ﴾ وتَرَدُّدُ ﴿الشَّياطِينُ﴾ حِينَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ عَلى ضَرْبِ مِنَ الخَفاءِ بِما آذَنَ بِهِ حَذْفَ التّاءِ، ودَخَلَ حَرْفَ الجَرِّ عَلى الِاسْمِ المُتَضَمَّنِ لِلِاسْتِفْهامِ، (p-١١٢)لِأنَّ مَعْنى التَّضَمُّنِ أنَّهُ كانَ أصْلُهُ: أمَن، فَحُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ حَذْفًا مُسْتَمِرًّا كَما فَعَلَ في ”هَلْ“ لِأنَّ أصْلَهُ ”أهْلَ“ كَما قالَ:
؎سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنا أهْلَ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ
فالِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ قَبْلَ الجارِّ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ أنْبِئْنا! قالَ: ﴿تَنَـزَّلُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ والتَّرَدُّدِ ﴿عَلى كُلِّ أفّاكٍ﴾ أيْ: صَرّافٍ -عَلى جِهَةِ الكَثْرَةِ والمُبالَغَةِ- لِلْأُمُورِ عَنْ وُجُوهِها بِالكَذِبِ والبُهْتانِ، والخِداعِ والعُدْوانِ، مِن جُمْلَةِ الكُهّانِ وأخَذانِ الجانِّ ﴿أثِيمٍ﴾ فَعّالٍ الآثامَ بِغايَةِ جُهْدِهِ، وهَؤُلاءِ الأثَمَةُ.
26:223Page 376
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ إلى الشَّياطِينِ، ويُصْغُونَ إلَيْهِمْ غايَةَ الإصْغاءِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعاشُقِ بِجامِعِ إلْقاءِ الكَذِبِ مِن غَيْرِ اكْتِراثٍ ولا تَحاشٍ، أوْ يُلْقِي الشَّياطِينُ ما يَسْمَعُونَهُ مِمّا يَسْتَرِقُونَ اسْتِماعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ إلى أوْلِيائِهِمْ، فَهم بِما سَمِعُوا مِنهم يُحَدِّثُونَ، وبِما زَيَّنَتْ لَهم نُفُوسُهم يَخْلِطُونَ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: الفَرِيقَيْنِ ﴿كاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْقُلُونَهُ عَمّا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الإخْبارِ بِما حَصَلَ فِيما وصَلَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّخْلِيطِ، وما زادُوهُ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّخْبِيطِ انْهِماكًا في شَهْوَةِ عِلْمِ المُغَيَّباتِ، المُوقِعِ (p-١١٣)فِي الإفْكِ والضَّلالاتِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ ما مَعْناهُ أنَّهُ حَيْثُما كانَ اسْتِقامَةٌ في حالِ الخَيالِ -أيْ: القُوَّةِ المُتَخَيَّلَةِ- كانَتْ مَنزِلَةُ المَلائِكَةِ، وحَيْثُما كانَ اعْوِجاجٌ في حالِ الخَيالِ كانَ مُنْزِلُ الشَّياطِينِ، فَمَن ناسَبَ الرُّوحانِيِّينَ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مَهْبِطُهم عَلَيْهِ، وظُهُورُهم لَهُ، وتَأْثِيرُهم فِيهِ، وتَمَثُّلُهم [بِهِ]، حَتّى إذا ظَهَرُوا عَلَيْهِ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِمْ وتَكَلَّمُوا بِلِسانِهِ، ورَأى بِأبْصارِهِمْ وأبْصَرُوا بِعَيْنَيْهِ، فَهم مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ مُطْمَئِنِّينَ،
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] ومَن ناسَبَ الشَّياطِينَ مِنَ الأبالِسَةِ كانَ مَهْبِطُهم عَلَيْهِ، وظُهُورُهم لَهُ، [وتَأْثِيرُهم فِيهِ]، وتَمَثُّلُهم بِهِ، [حَتّى إذا ظَهَرُوا عَلَيْهِ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِمْ وتَكَلَّمُوا بِلِسانِهِ، ورَأى بِأبْصارِهِمْ وأبْصَرُوا] بِعَيْنَيْهِ، هم شَياطِينُ الإنْسِ يَمْشُونَ في الأرْضِ مُفْسِدِينَ - انْتَهى.
26:224Page 376
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤
And the poets - [only] the deviators follow them.
ولَمّا بَطَلَ -بِإبْعادِهِ عَنْ دَرَكاتِ الشَّياطِينِ، وإصْعادِهِ إلى دَرَجاتِ الرُّوحانِيِّينَ، مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، الآتِينَ عَنْ رَبِّ العالَمِينَ- كَوْنُهُ سِحْرًا، وكَوْنُهُ أضْغاثًا ومُفْتَرًى، نَفى سُبْحانَهُ كَوْنَهُ شِعْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ، [فِي] قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ بِالتَّشْدِيدِ، لِاسْتِحْسانِ مَقالِهِمْ وفِعالِهِمْ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهم ويَنْقُلُونَ عَنْهم ﴿الغاوُونَ﴾ أيْ: الضّالُّونَ المائِلُونَ عَنِ السَّنَنِ الأقْوَمِ إلى الزِّنى والفُحْشِ وكُلِّ فَسادٍ يَجُرُّ إلى الهَلاكِ، وهم كَما تَرى بَعِيدُونَ مِن أتْباعِ (p-١١٤)مُحَمَّدٌ ﷺ ورَضِيَ عَنْهُمُ السّاجِدِينَ الباكِينَ الزّاهِدِينَ.
26:225Page 376
أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥
Do you not see that in every valley they roam1
ولَمّا قَرَّرَ حالَ أتْباعِهِمْ، فَعُلِمَ مِنهُ أنَّهم هم أغْوى مِنهم، لِتَهَتُّكِهِمْ في شَهْوَةِ اللَّقْلَقَةِ بِاللِّسانِ، حَتّى حَسُنَ لَهُمُ الزُّورُ والبُهْتانُ، [دَلَّ] عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهُمْ﴾ أيْ: الشُّعَراءُ، ومَثَّلَ حالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ وادٍ﴾ أيْ: مِن أوْدِيَةِ القَوْلِ مِنَ المَدْحِ والهَجْوِ والنَّسِيبِ والرِّثاءِ والحَماسَةِ والمُجُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَهِيمُونَ﴾ أيْ: يَسِيرُونَ سَيْرَ الهائِمِ حائِرِينَ وعَنْ طَرِيقِ الحَقِّ جائِرِينَ، كَيْفَما جَرَّهُمُ القَوْلُ انْجَرُّوا مِنَ القَدْحِ في الأنْسابِ، والتَّشْبِيبِ بِالحُرَمِ، والهَجْوِ، ومَدْحِ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ ونَحْوَ ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ.
26:226Page 376
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦
And that they say what they do not do? -
﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوهُ، وإنَّما ألْجَأهم إلَيْهِ الفَنُّ الَّذِي سَلَكُوهُ فَأكْثَرُ أقْوالِهِمْ لا حَقائِقَ لَها، انْظُرْ إلى مَقاماتِ الحَرِيرِيِّ وما اصْطَنَعَ فِيها مِنَ الحِكاياتِ، وابْتَدَعَ بِها مِنَ الأُمُورِ المُعْجِباتِ الَّتِي لا حَقائِقَ لَها، وقَدْ جَعَلَها أهْلُ الِاتِّحادِ أصْلًا لِبِدْعَتِهِمُ الكافِرَةِ، وقاعِدَةً لِصَفْقَتِهِمُ الخاسِرَةِ، فَما أظْهَرَ حالَهم، وأوْضَحَ ضَلالَهُمْ! وهَذا بِخِلافِ القُرْآنِ فَإنَّهُ مَعانٍ جَلِيلَةٌ مُحَقَّقَةٌ، في ألْفاظٍ مَتِينَةٍ جَمِيلَةٍ مُنَسَّقَةٍ، وأسالِيبَ مُعْجِزَةٍ مُفْحِمَةٍ، ونُظُومٍ مُعْجَبَةٍ مُحْكَمَةٍ، (p-١١٥)لا كُلْفَةَ في شَيْءٍ مِنها، فَلا رَغْبَةَ لِذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ عَنْها، فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَتْبَعُهم عَلى أمْرِهِمْ إلّا غاوٍ مِثْلُهم، ولا يَزْهَدُ في [هَذا] القُرْآنِ إلّا مَن طَبْعُهُ جافٍ، وقَلْبُهُ مُظْلِمٌ مُدْلَهِمٌّ.
26:227Page 376
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧
Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.
ولَمّا كانَ مِنَ الشِّعْرِ -كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ- حِكْمَةٌ، وكانَ -كَما قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها- بِمَنزِلَةِ الكَلامِ مِنهُ حَسَنٌ ومِنهُ قَبِيحٌ، وكانَ مِنَ الشُّعَراءِ مَن يَمْدَحُ الإسْلامَ والمُسْلِمِينَ، ويَهْجُو الشِّرْكَ والمُشْرِكِينَ، ويُزْهِّدُ في الدُّنْيا ويُرَغِّبُ في الآخِرَةِ، ويَحُثُّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، ويُنَفِّرُ عَنْ مَساوِئِها، وكانَ الفَيْصَلُ بَيْنَ قَبِيلَيْ حَسَنَةٍ وقَبِيحَةٍ كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ: الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ ورَسُولُهُ لَهم ﴿وذَكَرُوا اللَّهَ﴾ مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ ﴿كَثِيرًا﴾ لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنِ الذِّكْرِ، بَلْ بَنَوْا شِعْرَهم عَلى أمْرِ الدِّينِ والِانْتِصارِ لِلشَّرْعِ، فَصارَ لِذَلِكَ كُلِّهِ ذِكْرُ اللَّهِ، ويَكْفِي مِثالًا لِذَلِكَ قَصِيدَةٌ عُزِيَتْ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَوابُها لِابْنِ الزِّبَعْرى، وكانَ إذْ ذاكَ عَلى شِرْكِهِ، وذَلِكَ في أوَّلِ سَرِّيَّةٍ كانَتْ في الإسْلامِ. وهي سَرِّيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ [بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ] رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، (p-١١٦)فَإنَّ قَصِيدَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ فِيها بَيْتٌ إلّا وفِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ إمّا صَرِيحًا وإمّا بِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ شَيْءٍ مِن دِينِهِ، وما لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو آثِلٌ إلَيْهِ لِبِنائِهِ عَلَيْهِ، وأمّا نَقِيضُها فَلا شَيْءَ في ذَلِكَ فِيها؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎أمِن طَيْفِ سَلْمى بِالبِطاحِ الدَّمائِثِ أرِقَتْ وأمُرُّ في العَشِيرَةِ حادِثُ تُرى مِن لُؤَيٍّ فِرْقَةً لا يَصُدُّها ∗∗∗
؎عَنِ الكُفْرِ تَذْكِيرٌ ولا بَعْثُ باعِثِ رَسُولٌ أتاهم صادِقٌ فَتَكَذَّبُوا
؎عَلَيْهِ وقالُوا لَسْتَ فِينا بِماكِثِ
؎إذا ما دَعَوْناهم إلى الحَقِّ أدْبَرُوا وهَرُّوا هُرَيْرَ المُحْجَراتِ اللَّواهِثِ
؎فَكَمْ قَدْ مَتَتْنا فِيهِمْ بِقَرابَةٍ
؎وتَرَكَ التُّقى شَيْءٌ لَهم غَيْرُ كارِثِ فَإنْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وعُقُوقِهِمْ ∗∗∗
؎فَما طَيِّباتُ الحِلِّ مِثْلَ الخَبائِثِ وإنْ يَرْكَبُوا طُغْيانَهم وضَلالَهُمْ
؎فَلَيْسَ عَذابُ اللَّهِ عَنْهم بِلابِثِ
؎ونَحْنُ أُناسٌ مِن ذُؤابَةِ غالِبٍ
؎لَنا العِزُّ مِنها في الفُرُوعِ الأثائِثِ
؎فَأوْلى بِرَبِّ الرّاقِصاتِ عَشِيَّةً
؎حَراجِيجُ تُخْذِي في السَّرِيحِ الرَّثائِثِ
؎كَأُدُمِ ظِباءٍ حَوْلَ مَكَّةَ عُكَّفٍ
؎يُرِدْنَ حِياضَ البِئْرِ ذابَ النَّبائِثِ
؎لَئِنْ لَمْ يُفِيقُوا عاجِلًا عَنْ ضَلالِهِمْ
؎ولَسْتُ إذا آلَيْتُ قَوْلًا بِحانِثِ
؎ (p-١١٧)لِتَبْتَدِرَنَّهم غارَةٌ ذاتُ مُصَدِّقِ
؎تُحَرِّمُ أطْهارَ النِّساءِ الطَّوامِثِ
؎تُغادِرُ قَتْلى تَعْصُبُ الطَّيْرُ حَوْلَهُمْ
؎ولا تَرْأفُ الكُفّارُ رَأفَ ابْنِ حارِثِ
؎فَأبْلِغْ بَنِي سَهْمٍ لَدَيْكَ رِسالَةً
؎وكُلُّ كَفُورٍ يَبْتَغِي الشَّرَّ باحِثِ
؎فَإنْ تَشَعَّثُوا عَرْضِي عَلى سُوءِ رَأْيِكُمْ
؎فَإنِّي مِن أعْراضِكم غَيْرُ شاعِثِ
فَأجابَهُ ابْنُ الزِّبَعْرى فَقالَ:
؎أمِن رَسْمِ دارٍ أقْفَرَتْ بِالعَثاعِثِ ∗∗∗ بَكَيْتَ بِعَيْنٍ دَمْعُها غَيْرُ لابِثِ
؎ومِن عَجَبِ الأيّامِ والدَّهْرِ كُلِّهِ ∗∗∗ لَهُ عَجَبٌ مِن سابِقاتٍ وحادِثِ
؎لِجَيْشٍ أتانا ذِي عِرامٍ يَقُودُهُ ∗∗∗ عُبَيْدَةُ يُدْعى في الهِياجِ ابْنَ حارِثِ
؎لِنَتْرُكَ أصْنامًا بِمَكَّةَ عُكَّفًا ∗∗∗ مَوارِيثُ مَوْرُوثٍ كَرِيمٍ لِوارِثِ
؎فَلَمّا لَقِيناهم بِسُمْرٍ رُدَيْنَةٍ ∗∗∗ وجَرْدٍ عِتاقٍ في العِجاجِ لَواهِثِ
؎وبِيضٍ كَأنَّ المِلْحَ فَوْقَ مُتُونِها ∗∗∗ بِأيْدِي كُماةٍ كاللُّيُوثِ العَوائِثِ
؎نُقِيمُ بِها إعْصارًا ما كانَ مائِلًا ∗∗∗ ونَشْفِي الذُّحُولَ عاجِلًا غَيْرَ لابِثِ
؎فَكُفُّوا عَلى خَوْفٍ شَدِيدٍ وهَيْبَةٍ ∗∗∗ وأعْجَبَهم أمْرٌ لَهم أمْرُ رائِثِ
؎ (p-١١٨)ولَوْ أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ناحَ نِسْوَةٌ ∗∗∗ أيامى لَهم مِن بَيْنِ نَسْءٍ وطامِثِ
؎وقَدْ غُودِرَتْ قَتْلى يُخْبِرُ عَنْهم ∗∗∗ حَفِيٌّ بِهِمْ أوْ غافِلٌ غَيْرُ باحِثِ
؎فَأبْلِغَ أبا بَكْرِ لَدَيْكَ رِسالَةً ∗∗∗ فَما أنْتَ عَنْ أعْراضِ فِهْرٍ بِماكِثِ
؎ولَمّا تَجِبْ مِنِّي يَمِينٌ غَلِيظَةٌ ∗∗∗ تُجَدِّدْ حَرْبًا حِلْفُهُ غَيْرُ حانِثِ
ورَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزّاقِ مِن حَدِيثِ «كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ في الشِّعْرِ ما أنْزَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ المُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ ولِسانِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَكَأنَّما تَرْمُونَهم بِهِ نَضَحَ النَّبْلِ“» وقَدْ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يُنْشِدُ الشِّعْرَ ويَسْتَنْشِدُهُ في المَسْجِدِ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ حَدِيثَ كَعْبٍ هَذا، ورَوى النُّسائِيُّ بِرِجالٍ احْتَجَّ بِهِمْ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم وألْسِنَتِكُمْ» قالَ البَغَوِيُّ: ورُوِيَ أنَّهُ -أيْ: ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- دَعا عُمَرَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ (p-١١٩)فاسْتَنْشَدَهُ القَصِيدَةَ الَّتِي قالَها:
؎أمِن آلِ نُعْمى أنْتَ غادٍ فَمُبَكِّرُ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ أمْ رائِحُ فَمُهَجِّرُ
وهِيَ قَرِيبٌ مِن تِسْعِينَ بَيْتًا، فَلَمّا فَرَّغَها أعادَها ابْنُ عَبّاسٍ وكانَ حَفِظَها بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، ويَكْفِي الشّاعِرَ في التَّفَصِّي عَنْ ذَمِّ هَذِهِ الآيَةِ لَهُ أنْ لا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ فَيَشْغَلَهُ عَنِ الذِّكْرِ حَتّى يَكُونَ مِنَ الغاوِينَ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ لا يَكُونَ في شِعْرِهِ هَزْلٌ أصْلًا، فَقَدْ كانَ حَسّانٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَنْشُدُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ في قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ مَدَحَهُ ﷺ فِيها:
؎كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ ∗∗∗ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ
؎إذا ما الأشْرِباتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا ∗∗∗ فَهُنَّ لِطِيبِ الرّاحِ الفِداءُ
؎نُوَلِّيها المُلامَةَ إنْ ألَمْنا ∗∗∗ إذا ما كانَ مَغْثٌ أوْ لِحاءُ
؎ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا ∗∗∗ وأُسُدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ
(p-١٢٠)وقَدْ كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ أوْ سَنَةَ أرْبَعٍ، وهَذِهِ القَصِيدَةُ قالَها حَسّانٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الفَتْحِ سَنَةَ ثَمانٍ أوْ في عُمْرَةِ القَضاءِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَهي مِمّا يَقُولُ الشّاعِرُ ما لا يَفْعَلُ.
ولَمّا عَرَّفَ سُبْحانَهُ بِحالِ المُسْتَثْنِينَ في الذِّكْرِ الَّذِي هو أساسُ كُلِّ أمْرٍ، أتْبَعَهُ ما حَمَلَهم عَلى الشِّعْرِ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي رَجّاهُمُ النَّصْرَ فَقالَ: ﴿وانْتَصَرُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم أسْبابَ النَّصْرِ بِشِعْرِهِمْ فِيمَن آذاهم ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أيْ: وقَعَ ظُلْمُ الظّالِمِ لَهم بِهَجْوٍ ونَحْوِهِ.
ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ الِانْتِصارَ مِنَ الظّالِمِ، وكانَ البادِئُ -إذا اقْتَصَرَ المُجِيبَ عَلى جَوابِهِ- أظْلَمَ، كانَ -إذا تَجاوَزَ- جَدِيرًا بِأنْ يَعْتَدِيَ فَيَنْدَمَ، حَذَّرَ اللَّهُ الِاثْنَيْنِ مُؤَكِّدًا لِلْوَعِيدِ بِالسِّينِ في قَوْلِهِ الَّذِي كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَتَواعَظُونَ بِهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أهْيَبَ مِنهُ، ولا أهْوَلُ ولا أوْجَعُ لِقُلُوبِ المُتَأمِّلِينَ، ولا أصْدَعُ لِأكْبادِ المُتَدَبِّرِينَ: ﴿وسَيَعْلَمُ﴾ وبِالتَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: كُلَّهم مَن كانُوا، [و] بِالتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ وقَدِ انْعَطَفَ آخِرُها كَما تَرى بِوَصْفِ الكِتابِ المُبِينِ بِما وصَفَ بِهِ مِنَ (p-١٢١)الجَلالَةِ والعِظَمِ بِأنَّهُ مِن [عِنْدِ] اللَّهِ مَتَنَزِّلًا بِهِ خَيْرُ مَلِيكَتِهِ، عَلى أشْرَفِ خَلِيقَتِهِ، مُزِيلًا لِكُلِّ لَبْسٍ، مُنْفِيًا عَنْهُ كُلَّ باطِلٍ، وبِالخِتامِ بِالوَعِيدِ عَلى الظُّلْمِ عَلى أوَّلِها في تَعْظِيمِ الكِتابِ المُبِينِ، وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ الكَرِيمِ، ﷺ ووَعِيدِ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، واتَّصَلَ بَعْدَها في وصْفِ القُرْآنِ المُبِينِ، وبُشْرى المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِ الكافِرِينَ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ عَلى النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الأمِينِ، هُدًى لِلْعالَمِينَ، وآيَةً بَيِّنَةً بِإعْجازِهِ لِلْخَلائِقِ أجْمَعِينَ، باقِيَةً إلى يَوْمِ الدِّينِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences