Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:68–104
26:68Page 370
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإعْلاءِ أمْرِكَ، واسْتِنْقاذِ النّاسِ مِن ظَلامِ الجَهْلِ عَلى يَدِكَ ﴿لَهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ: القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِن كُلِّ فاجِرٍ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: الفاعِلُ فِعْلَ البَلِيغِ الرَّحْمَةِ، فَهو يُمْهِلُ ويُدِرُّ النِّعَمَ، ويَحُوطُ مِنَ النِّقَمِ، ولا يُمْهِلُ، بَلْ يُرْسِلُ رُسَلًا، ويَنْزِلُ مَعَهم ما بَيْنَ بِهِ ما يُرْضِيهِ وما يُسْخِطُهُ، فَلا يَهْلَكُ إلّا بَعْدَ الإعْذارِ، فَلا تَسْتَوْحِشُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنُ، ولا يُهِمَّنَّكَ ذَلِكَ.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أتْبَعَهُ دَلالَةً عَلى رَحِيمِيَّتِهِ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما تَقَدَّمَ أنَّهُ شارَكَهُ فِيهِ مِمّا يُسَلِّي عَمّا وقَعَ ذِكْرُهُ عَنْهم مِنَ التَّعَنُّتاتِ في الفُرْقانِ، ولَمّا اخْتَصَّ بِهِ مِن مُقارَعَةِ أبِيهِ وقَوْمِهِ في الأوْثانِ، وهو أعْظَمُ آباءِ العَرَبِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم (p-٤٧)عَلى تَقْلِيدِهِ في التَّوْحِيدِ إنْ كانُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّقْلِيدِ، وزاجِرًا عَنِ اسْتِعْظامِ تَسْفِيهِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، وتَعْبِيرِهِ سُبْحانَهُ لِلسِّياقِ قَبْلُ وبَعْدُ، وتَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ﴾ أيْ: اقْرَأْ قِراءَةً مُتَتابِعَةً مُرَجِّحٌ لِلتَّقْدِيرِ الأوَّلِ في ”وإذْ“ مِن جَعْلِهِ ”اذْكُرْ“ وتَغْيِيرُهُ في التَّعْبِيرِ بِها لِسِياقِ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ لِتَنْبِيهِ العَرَبِ عَلى اتِّباعِهِ لِما لَهم بِهِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأوْثانِ، المُنْكِرِينَ لِرِسالَةِ البَشَرِ ﴿نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: خَبَرَهُ العَظِيمَ في مِثْلِ ذَلِكَ.
26:70Page 370
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ مُنَبِّهًا لَهم عَلى ضَلالِهِمْ، لا مُسْتَعْلِمًا لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ حالِهِمْ: ﴿ما﴾ [أيْ: ] أيُّ شَيْءٍ، [وصَوَّرَ لَهم حالُهم تَنْبِيهًا لَهم عَلى قَباحَتِها فَعَبَّرَ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ] ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِهِ.
26:71Page 370
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
﴿قالُوا﴾ مُبْتَهِجِينَ بِسُؤالِهِ، مُظْهِرِينَ الِافْتِخارَ في جَوابِهِمْ بِإطالَةِ الكَلامِ: ﴿نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ عِبادَتِنا لَها أنّا نُوفِي حَقَّ العِبادَةِ بِأنْ نَدُومَ ﴿لَها عاكِفِينَ﴾ أيْ: مَطِيفِينَ بِها عَلى سَبِيلِ المُواظَبَةِ مُتَراكِمَيْنِ بَعْضُنا خَلْفَ بَعْضٍ حابِسِينَ أنْفُسَنا تَعْظِيمًا (p-٤٨)لَها، فَجَرَوْا عَلى مِنوالِ هَؤُلاءِ في [داءِ] التَّقْلِيدِ النّاشِئِ عَنِ الجَهْلِ بِنَفْسِ العِبادَةِ [و]بِظَنِّهِمْ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى طائِلٍ كَبِيرٍ، وأمْرٍ عَظِيمٍ، ظَفِرُوا بِهِ، مَعَ غَفْلَةِ الخَلْقِ عَنْهُ -كَما دَلَّ عَلَيْهِ خِطابُهم في هَذا الكَلامِ الَّذِي كانَ يُغْنِي عَنْهُ كَلِمَةً واحِدَةً- وهَذا [هُوَ] الَّذِي أوْجَبَ تَفْسِيرَ الظُّلُولِ بِمُطْلَقِ الدَّوامِ وإنْ كانَ مَعْناهُ الدَّوامَ بِقَيْدِ النَّهارِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا بِما يَدُلُّ عَلى النَّهارِ -الَّذِي هو مَوْضِعُ الِاشْتِغالِ والسَّهْرَةِ- الدَّلالَةَ عَلى اللَّيْلِ مِن بابِ الأوْلى، مَعَ شُيُوعِ اسْتِعْمالِهِ أيْضًا مُطْلَقًا نَحْوُ ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] [وزادَ قَوْمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اسْتَمِرُّوا عَلى ضَلالِهِمْ وأبَوْهُ مَعَهم فَكانُوا حَطَبَ النّارِ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إنْقاذِهِمْ مِن ذَلِكَ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حِيلَةٌ إلّا دُعاؤُهم، فَهو أجْدَرُ بِشَدِيدِ الحُزْنِ وبِبَخْعِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ وهو مَوْضِعُ التَّسْلِيَةِ].
26:72Page 370
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
ولَمّا فُهِمَ عَنْهم هَذِهِ الرَّغْبَةُ، أخَذَ يُزَهِّدُهم فِيها بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي لا أنْصَفُ مِنهُ عَنْ أوْصافٍ يُلْجِئُهُمُ السُّؤالُ إلى الِاعْتِرافِ بِسَلْبِها عَنْهم، مَعَ عِلْمِ كُلِّ عاقِلٍ إذا تَعَقَّلَ أنَّهُ لا تَصِحُّ رُتْبَةُ الإلَهِيَّةِ مَعَ فَقْدِ واحِدَةٍ مِنها، فَكَيْفَ مَعَ فَقْدِها كُلِّها؟ فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُ: ﴿قالَ﴾ مُعَبِّرًا عَنْها إنْصافًا بِما يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِهِمْ إيّاها مَنزِلَتَهم: (p-٤٩)﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أيْ: دُعاءَكم مُجَرَّدَ سَماعٍ؛ ثُمَّ صَوَّرَ لَهم حالَهم لِيَمْنَعُوا الفِكْرَ فِيهِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِظَرْفٍ ماضٍ وفِعْلٍ مُضارِعٍ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ الزَّمانِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في التَّبْكِيتِ: ﴿إذْ تَدْعُونَ﴾ أيْ: اسْتَحْضِرُوا أحْوالَكم مَعَهم مِن أوَّلِ عِبادَتِكم لَهم وإلى الآنِ: هَلْ سَمِعُوكم وقْتًا ما؟ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُرَجِّيًا لَكم لِحُصُولِ نَفْعٍ مِنهم في وقْتٍ ما.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَعْكُفُ عَلى الشَّيْءِ -وهُوَ غَيْرُ سامِعٍ- لَكِنْ لِنَفْعِهِ لَهُ في نَفْسِهِ أوْ ضُرِّهِ لِعَدُوِّهِ كالنّارِ مَثَلًا، وكانَ مَحَطُّ حالِ العابِدِ والدّاعِي بِالقَصْدِ الأوَّلِ بِالذّاتِ جَلْبَ النَّفْعِ، قالَ: ﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ أيْ: عَلى العِبادَةِ كَما يَنْفَعُ أقَلُّ شَيْءٍ تَقْتَنُونَهُ ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ عَلى التَّرْكِ.
26:74Page 370
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
﴿قالُوا﴾: لا واللَّهِ! لَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ﴿بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ فِعْلِنا هَذا العالِي الشَّأْنِ، ثُمَّ صَوَّرُوا حالَةَ آبائِهِمْ في نُفُوسِهِمْ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِمْ فَقالُوا: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: فَنَحْنُ نَفْعَلُ كَما فَعَلُوا لِأنَّهم حَقِيقُونَ مِنّا بِأنْ لا نُخالِفَهم، مَعَ سَبْقِهِمْ لَنا إلى الوُجُودِ، فَهم أرْصَنُ مِنّا عُقُولًا، وأعْظَمُ تَجْرِبَةٍ، فَلَوْلا أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ حَسَنًا، ما واظَبُوا عَلَيْهِ، (p-٥٠)[هَذا] مَعَ أنَّهم لَوْ سَلَكُوا طَرِيقًا حِسِّيَّةً حَصَلَ لَهم مِنها ضَرَرٌ حِسِّيٌّ ما سَلَكُوها قَطُّ، ولَكِنَّ هَذا الدِّينَ يُهَوِّنُ عَلى النّاسِ فِيهِ التَّقْلِيدَ بِالباطِلِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
26:75Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
ولَمّا وصَلُوا إلى التَّقْلِيدِ المَحْضِ الخالِي عَنْ أدْنى نَظَرٍ كَما تَفْعَلُ البَهائِمُ والطَّيْرُ في تَبَعِها لِأوَّلِها ﴿قالَ﴾ مُعْرِضًا عَنْ جَوابِ كَلامِهِمْ بِنَقْصٍ، إشارَةً إلى أنَّهُ ساقِطٌ لا يَرْتَضِيهِ مَن شَمَّ رائِحَةَ الرُّجُولِيَّةِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِكم هَذا أنِّي أقُولُ لَكم: أرَأيْتُمْ، أيْ: إنْ لَمْ تَكُونُوا رَأيْتُمُوهم رُؤْيَةً مُوجِبَةً لِتَحَقُّقِ أمْرِهِمْ فانْظُرُوهم نَظَرًا شافِيًا ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَكم ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِمْ.
﴿أنْتُمْ﴾ .
ولَمّا أجابُوهُ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ لَهم ما مَعْناهُ، رَقُّوا تَقْلِيدَكم هَذا إلى أقْصى غاياتِهِ، فَإنَّ التَّقَدُّمَ والأوْلَوِيَّةَ لا تَكُونُ بُرْهانًا عَلى الصِّحَّةِ، والباطِلُ لا يَنْقَلِبُ حَقًّا بِالقِدَمِ، وذَلِكَ مُرادُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أقْدَمُ ما يَكُونُونَ: هَلْ لَهم وصْفٌ غَيْرُ ما أقْرَرْتُمْ بِهِ (p-٥١)مِن عَدَمِ السَّماعِ والنَّفْعِ والضُّرِّ؟ .
26:77Page 370
فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧
Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1
﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ رُؤْيَتِكم ووَصْفِكم لَهم بِما ذَكَرْتُمْ أنِّي أُخْبِرُكم إخْبارًا مُؤَكِّدًا أنَّهم.
ولَمّا كانَتْ صِيغَةُ فَعُولٍ لِلْمُبالِغَةِ، أغْنَتْ في العَدُوِّ والصَّدِيقِ عَنْ صِيغَةِ الجَمْعِ ولا سِيَّما وهي شَبِيهَةٌ بِالمَصادِرِ كالقَبُولِ والصَّهِيلِ، فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ: ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ أيْ: أُناصِفُهم بِالسُّوءِ وأُعامِلُهم في إبْطالِهِمْ ومَحْقِهِمْ مُعامَلَةَ الأعْداءِ وكُلِّ مَن عَبَدَهم كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤] ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] و﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]
ولَمّا كانُوا هم مُشْرِكِينَ، وكانَ في آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ مَن عَبَدَ اللَّهَ وحْدَهُ، قالَ: ﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُدَبِّرُ هَذِهِ الأكْوانِ كُلِّها -كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ- لِأنَّ ذَلِكَ أشْهَرُ الأوْصافِ وأظْهَرُها، فَإنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوِّي، بَلْ هو ولِيِّي ومَعْبُودِي؛ .
ثُمَّ شَرَعَ يَصِفُهُ بِما [هُمْ] بِهِ عالِمُونَ مِن أنَّهُ عَلى الضِّدِّ الأقْصى مِن كُلِّ ما عَلَيْهِ أصْنامُهم فَقالَ: ﴿الَّذِي﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَدَّعِي الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى ما يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ فَقالَ: ﴿خَلَقَنِي﴾ أيْ: أوَجَدَنِي عَلى هَيْئَةِ التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ (p-٥٢)﴿فَهُوَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَفَرُّدِهِ بِخَلْقِي أنَّهُ هو لا غَيْرُهُ ﴿يَهْدِينِ﴾ أيْ: إلى الرَّشادِ، ولِأنَّهُ لا يَعْلَمُ باطِنَ المَخْلُوقِ ويَقْدِرُ عَلى كَمالِ التَّصَرُّفِ فِيهِ غَيْرُ خالِقِهِ، [ولا يَكُونُ خالِقُهُ إلّا سَمِيعًا بَصِيرًا ضارًّا نافِعًا، لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ولا شَكَّ أنَّ الخَلْقَ لِلْجَسَدِ، والهِدايَةَ لِلرُّوحِ، وبِالخَلْقِ والهِدايَةِ يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ، والإنْسانُ لَهُ قالَبٌ مِن عالَمِ الخَلْقِ، وقالَبٌ مِن عالَمِ الأمْرِ، وتَرْكِيبُ القالَبِ مُقَدَّمٌ] كَما ظَهَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، [ولِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وأمْثالِ ذَلِكَ، وذَكَرَ الخَلْقَ بِالماضِي لِأنَّهُ لا يَتَجَدَّدُ في الدُّنْيا، والهِدايَةَ بِالمُضارِعِ لِتُجَدِّدِها وتُكَرِّرِها دِينًا ودُنْيا] .
﴿والَّذِي هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ولَوْ أرادَ لَأعْدَمَ ما آكُلُ وما أشْرَبُ أوْ أصابَنِي بِآفَةٍ لا أسْتَطِيعُ مَعَها أكْلًا ولا شُرْبًا.
ولَمّا كانَ المَرَضُ ضَرَرًا، نَزَّهَهُ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ أدَبًا وإنْ كانَتْ نِسْبَةُ الكُلِّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعْلُومَةً، بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ بِاسْتِيلاءِ بَعْضِ الأخْلاطِ عَلى بَعْضٍ لِما بَيْنَها مِنَ التَّنافُرِ الطَّبِيعِيِّ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يَشْفِينِ﴾ بِسَبَبِ تَعْدِيلِ المِزاجِ بِتَعْدِيلِ الأخْلاطِ وقَسْرِها عَلى الِاجْتِماعِ والِاعْتِدالِ، لا طَبِيبٌ ولا غَيْرُهُ وإنْ تَسَبَّبْتُ أنا في أمْراضِ نَفْسِي بِبَرْدٍ أوْ حَرٍّ أوْ طَعامٍ أتَناوَلُهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ. .
26:81Page 370
وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١
And who will cause me to die and then bring me to life
(p-٥٣)ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى الِاجْتِهادِ في حِفْظِ حَياتِهِ وبَقاءِ مُهْجَتِهِ، نَسَبَ فِعْلِ المَوْتِ إلَيْهِ إعْظامًا لِلْقُدْرَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي﴾ أيْ: حِسًّا وإنِ اجْتَهَدْتُ في دَفْعِ المَوْتِ، ومَعْنًى وإنِ اجْتَهَدْتُ في دَفْعِ الجَهْلِ.
ولَمّا كانَ الإحْياءُ حِسًّا بِالرُّوحِ ومَعْنًى بِالهِدايَةِ عَظِيمًا، أتى بِأداةِ التَّراخِي لِذَلِكَ ولِطُولِ المُكْثِ في البَرْزَخِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِلْمُجازاةِ في الآخِرَةِ كَما شَفانِي مِنَ المَرَضِ وإنْ وصَلْتُ إلى حَدٍّ لا أُرْجى فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ هُنا بِما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ لِأنَّهُ [لا] مُدَّعِي لِلْإحْياءِ والإماتَةِ إلّا ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ عَنْ نُمْرُودَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْهَتَهُ بِبَيانِ عَجْزِهِ في إظْهارِ صُورَةٍ مِن مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ بِلا شَرْطٍ مِن رُوحٍ ولا غَيْرِها، وإذا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كانَ عَجْزُهُ عَنْ إيجادِ صُورَةٍ أبْيَنَ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ إفادَتُها رُوحًا أوْ سَلْبُها مِنها، فَعُدَّ ادِّعاؤُهُ لِذَلِكَ -مَعَ القاطِعِ المَحْسُوسِ الَّذِي أبْهَتَهُ- عَدَمًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
26:82Page 370
وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢
And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."
ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ، ذَكَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ هَضْمًا لِنَفْسِهِ واطِّراحًا لِأعْمالِهِ وإشارَةً إلى أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَضْرَةِ الأعْظَمِيَّةِ غَيْرُ قادِرَةٍ لَها حَقَّ قَدْرِها، فَإنَّ الطَّمَعَ كَما قالَ الحِرالِيُّ في البَقَرَةِ (p-٥٤)تَعَلُّقُ البالِ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ - انْتَهى. فَلِذَلِكَ لَمْ يُعِدَّ لَهُ عَمَلًا ﴿أنْ يَغْفِرَ﴾ أيْ: يَمْحُوَ ويَسْتُرَ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَرَضِ، فَكانَتِ المَغْفِرَةُ لِحَظِّ العَبْدِ لَيْسَ غَيْرُ، قالَ: ﴿لِي﴾ وأسْنَدَ الخَطِيئَةَ إلَيْهِ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وتَواضُعًا [لِرَبِّهِ فَقالَ]: ﴿خَطِيئَتِي﴾ أيْ: تَقْصِيرِي عَنْ أنْ أُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، فَإنَّ الضَّعِيفَ العاجِزَ لا يَبْلُغُ كُلَّ ما يَنْبَغِي مِن خِدْمَةِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، وما فَعَلَهُ فَهو بِإقْدارِهِ سُبْحانَهُ فَلا صُنْعَ لَهُ في الحَقِيقَةِ أصْلًا ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ: الجَزاءِ.
26:83Page 370
رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣
[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.
ولَمّا أثْنى [عَلى] اللَّهِ تَعالى بِما [هُوَ] أهْلُهُ، وخَتَمَ بِذِكْرِ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ، دَعا بِما يُنَحِّي عَنْ هَوْلِهِ، فَدَلَّ صَنِيعُهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى السُّؤالِ أمْرٌ مُهِمٌّ، ولَهُ في الإجابَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ، فَقالَ مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ مَهُولٌ، وأنَّهُ لا يُنْقِذُ مِن خَطَرِهِ إلّا عَظِيمُ القُدْرَةِ، لِما طُبِعَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مِنَ النَّقائِصِ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: [أيُّها] المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أيْ: عَمَلًا مُتْقَنًا بِالعِلْمِ، وأصْلُهُ بِناءُ الشَّيْءِ عَلى ما تُوجِبُهُ الحِكْمَةُ، ولَمّا كانَ الِاعْتِمادُ إنَّما هو عَلى مَحْضِ الكَرَمِ، فَإنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، قالَ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ جَعَلْتَهم أئِمَّةً لِلْمُتَّقِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهم مَن كانَ قَوْلُهُ (p-٥٥)وفِعْلُهُ صافِيًا عَنْ شَوْبِ فَسادٍ.
26:84Page 371
وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤
And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.
ولَمّا كانَ الصّالِحُ قَدْ لا يَظْهَرُ عَمَلُهُ، وكانَ إظْهارُ اللَّهِ لَهُ مَجْلَبَةً لِلدُّعاءِ وزِيادَةً في الأجْرِ، قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ﴾ أيْ: ذِكْرًا جَمِيلًا، وقَبُولًا عامًّا، وثَناءً حَسَنًا، بِما أظْهَرْتَ مِنِّي مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿فِي الآخِرِينَ﴾ أيْ: النّاسِ الَّذِينَ يُوجَدُونَ بَعْدِي إلى يَوْمِ الدِّينِ، لِأكُونَ لِلْمُتَّقِينَ إمامًا، فَيَكُونُ لِي مِثْلُ أُجُورِهِمْ، فَإنَّ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقَدْ كانَ ذَلِكَ إجابَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِدُعائِهِ، ومِن أعْظَمِهِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ شَجَرَةً مُبارَكَةً فَرَّعَ مِنها الأنْبِياءَ الَّذِينَ أُحْيِيَ بِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذِكْرُهُ الَّذِي مِن أعْظَمِهِ ما كانَ عَلى لِسانِ أعْظَمِهِمُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ» إلى آخِرِهِ.
26:85Page 371
وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥
And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.
ولَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا، وكانَتْ لا نَفْعَ لَها إلّا بِاتِّصالِها بِسَعادَةِ الآخِرَةِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وكانَتِ الجَنَّةُ لا تُنالُ إلّا بِمَنِّهِ، لا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ شَبَّهَ إدْخالَها بِالإرْثِ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ مِنَ الوارِثِ وهو أقْوى أسْبابِ المُلْكِ، قالَ: ﴿واجْعَلْنِي﴾ أيْ: مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ (p-٥٦)بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ ﴿مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾
26:86Page 371
وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦
And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.
ولَمّا دَعا لِنَفْسِهِ، ثَنّى بِأحَقِّ الخَلْقِ بِبِرِّهِ فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ ثُمَّ عَلَّلَ دُعاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ في أيّامِ حَياتِهِ ﴿مِنَ الضّالِّينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ بِتَأْبِيدِ شَقائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ.
26:87Page 371
وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧
And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -
﴿ولا تُخْزِنِي﴾ أيْ: تُهِنِّي بِمَوْتِهِ عَلى ما يُوجِبُ دُخُولَهُ النّارَ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بِحُضُورِهِمْ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ، والظّاهِرُ أنَّ تَخْصِيصَ الدُّعاءِ بِأبِيهِ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ آمَنَتْ كَما ورَدَ عَنْ. . .، «فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبِّ! إنَّكَ وعَدْتِنِي ألّا تُخْزِنِي، أيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ، فَيُبَدِّلُ اللَّهُ صُورَةَ أبِيهِ صُورَةَ ذِيخٍ ثُمَّ يُلْقِي بِهِ في النّارِ كَما رَواهُ البُخارِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ، ولَوْ كانَتْ أُمَّةً كافِرَةً لَسَألَهُ فِيها» .
26:88Page 371
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨
The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children
ولَمّا نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ هو الآخِرَةُ، صَرَّحَ بِالتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا بِتَحْقِيرِ أجَلِّ ما فِيها فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ أيْ: أحَدًا ﴿مالٌ﴾ أيْ (p-٥٧)يَفْتَدِي [بِهِ] أوْ يَبْذُلُهُ لِشافِعٍ أوْ ناصِرٍ مُقاهِرٍ ﴿ولا بَنُونَ﴾ يَنْتَصِرُ بِهِمْ أوْ يَعْتَضِدُ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ.
26:89Page 371
إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩
But only one who comes to Allāh with a sound heart."
﴿إلا مَن أتى اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ في هَذا المَوْطِنِ ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ: عَنْ مَرَضٍ غَيَّرَهُ عَنِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، وهي الإسْلامُ الَّذِي رَأْسُهُ التَّوْحِيدُ، والِاسْتِقامَةُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ، وحِفْظُ طَرِيقِ السُّنَّةِ كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ لَيْسَ فِيها مِن جَدْعاءَ فَإنَّ ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ [الكهف: ٤٦] يَنْفَعانِهِ بِما تَصَرَّفَ فِيهِما مِن خَيْرٍ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ.
26:90Page 371
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠
And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.
﴿وأُزْلِفَتِ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ بِأيْسَرِ [وجْهٍ] حال مِن واوِ ”يُبْعَثُونَ“ ﴿الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وعَرَّفَ أهْلَ المَوْقِفِ أنَّها لَهم خاصَّةً تَعْجِيلًا لِسُرُورِهِمْ وزِيادَةً في شَرَفِهِمْ.
26:91Page 371
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١
And Hellfire will be brought forth for the deviators,
﴿وبُرِّزَتِ﴾ أيْ: كُشِفَتْ كَشْفًا عَظِيمًا سَهْلًا ﴿الجَحِيمُ﴾ أيْ: النّارُ الشَّدِيدَةُ التَّأجُّجِ، وأصْلُها نارٌ عَظِيمَةٌ في مَهْواةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴿لِلْغاوِينَ﴾ أيْ: الضّالِّينَ الهالِكِينَ بِحَيْثُ عَرَفَ أهْلُ المَوْقِفِ أنَّها لَهم.
26:92Page 371
وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢
And it will be said to them, "Where are those you used to worship
﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ تَبْكِيتًا وتَنْدِيمًا وتَوْبِيخًا، وأبْهَمَ القائِلَ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ أحَدٍ، تَحْقِيرًا لَهم، ولِأنَّ المُنَكِّئَ نَفْسُ القَوْلِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ بِتَسَلُّكِ الأخْلاقِ الَّتِي هي كالجِبِلّاتِ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أيْ (p-٥٨)فِي الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.
26:93Page 371
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣
Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"
وحَقَّرَ مَعْبُوداتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ﴾ [أيْ: مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ] ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وكُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَكم ويَقُونَكم شَرَّ هَذا اليَوْمِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فَيَمْنَعُونَ عَنْكم ما بَرَزَ لَكم ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: هم بِالدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
26:94Page 371
فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤
So they will be overturned into it [i.e., Hellfire], they and the deviators
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّبْرِيزِ والقَوْلِ إظْهارُ قُدْرَتِهِ تَعالى [و]عَجْزُهم بِقَذْفِهِمْ فِيها قالَ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ أيْ: الأصْنامُ ونَحْوُها، قُلِبُوا وصُرِعُوا ورُمُوا، قَلْبًا عَظِيمًا مُكَرِّرًا سَرِيعًا [مِن كُلِّ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِقَلْبِهِمْ] بَعْدَ هَذا السُّؤالِ، إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ بِالفِعْلِ حَتّى عَنِ الجَوابِ قَبْلَ الجَوابِ ﴿فِيها﴾ أيْ: في مَهْواةِ الجَحِيمِ قَلْبًا عَنِيفًا مُضاعَفًا كَثِيرًا بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ ﴿هُمْ﴾ أيْ: الأصْنامُ وما شابَهَها مِمّا عُبِدَ مِنَ الشَّياطِينِ ونَحْوِهِمْ ﴿والغاوُونَ﴾ أيْ: الَّذِي ضَلُّوا بِهِمْ.
﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ﴾ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿أجْمَعُونَ﴾
ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن قَوْلٍ في جَوابِ اسْتِفْهامِهِمْ تَوْبِيخًا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى أنْ يَقُولَ في كُلِّ شَيْءٍ يَنُوبُهُ ما يُثِيرُهُ لَهُ إدْراكُهُ مِمّا يَرى أنَّهُ يُبْرِدُ مِن غَلَّتِهِ، ويَنْفَعُ مِن عِلَّتِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ [إلى مَعْرِفَةِ] قَوْلِهِمْ بَعْدَ الكَبْكَبَةِ، فَأُشِيرَ إلى ذَلِكَ (p-٥٩)بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: العَبَدَةُ ﴿وهم فِيها﴾ أيْ: الجَحِيمِ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: مَعَ المَعْبُوداتِ.
26:97Page 371
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧
"By Allāh, we were indeed in manifest error
﴿تاللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ جِدًّا لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ.
26:98Page 371
إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨
When we equated you with the Lord of the worlds.
﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾ في الرُّتْبَةِ ﴿بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ فَطَرَهم ودَبَّرَهم حَتّى عَبَدْناكم.
26:99Page 371
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩
And no one misguided us except the criminals.
﴿وما أضَلَّنا﴾ أيْ: ذَلِكَ الضَّلالَ المُبِينَ عَنِ الطَّرِيقِ البَيِّنِ ﴿إلا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: العَرِيقُونَ في صِفَةِ الإجْرامِ، المُقْتَضِي لِقَطْعِ كُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ.
﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ما ﴿لَنا﴾ اليَوْمَ؛ وزادُوا في تَعْمِيمِ النَّفْيِ بِزِيادَةِ الجارِّ فَقالُوا: ﴿مِن شافِعِينَ﴾ يَكُونُونَ سَبَبًا لِإدْخالِنا الجَنَّةَ، لِأنّا صَرَفْنا ما كانَ يَجِبُ عَلَيْنا لِذِي الأمْرِ إلى مَن لا أمْرَ لَهُ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يُفْرَدِ الشّافِعُ لِأنَّهم دَخَلُوا في الشَّفاعَةِ العُظْمى.
ولَمّا كانَ الصَّدِيقُ قَدْ لا يَكُونُ أهْلًا لِأنْ يَشْفَعَ، قالُوا تَأسُّفًا عَلى أقَلِّ ما يُمْكِنُ: ﴿ولا صَدِيقٍ﴾ أيْ: يَصْدُقُ في وُدِّنا لِيَفْعَلَ ما يَنْفَعُنا، ولَمّا كانَ أصْدَقُ الصَّداقَةِ ما كانَ مِنَ القَرِيبِ قالَ: ﴿حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ، وأصْلُهُ المَصافِي الَّذِي يَحْرِقُهُ ما يَحْرِقُكَ، لِأنّا قاطَعْنا بِذَلِكَ كُلَّ مَن لَهُ أمْرٌ في هَذا اليَوْمِ؛ وأفْرَدَ تَعْمِيمًا لِلنَّفْيِ وإشارَةً إلى قِلَّتِهِ في حَدِّ ذاتِهِ أوْ عَدَمِهِ.
26:102Page 371
فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢
Then if we only had a return [to the world] and could be of the believers..."1
(p-٦٠)ولَمّا وقَعُوا في هَذا الهَلاكِ، وانْتَفى عَنْهُمُ الخَلاصُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ تَمَنِّيَهِمُ المُحالَ فَقالُوا: ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا لازِمًا، فَأُزْلِفَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ.
26:103Page 371
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٠٣
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
ولَمّا كانَ في هَذِهِ القِصَّةِ أعْظَمُ زاجِرٍ عَنِ الشِّرْكِ، وأمَرَ بِالإيمانِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي قَصَصْتُهُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في إقامَةِ البُرْهانِ عَلى إبْطالِ الأوْثانِ، ونَصْبِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ لا حَقَّ إلّا المَلِكُ الجَلِيلُ الدَّيّانُ، وتَرْغِيبُهُ وتَرْهِيبُهُ وإرْشادُهُ إلى التَّزَوُّدِ في أيّامِ المُهْلَةِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً عَلى بُطْلانِ الباطِلِ وحُقُوقِ الحَقِّ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا مِنهُ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ والَّذِينَ سَمِعُوهُ عَنْهُ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِحَيْثُ صارَ الإيمانُ صِفَةً لَهم ثابِتَةً، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأعْظَمِ آبائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
26:104Page 371
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وهِدايَةِ الأُمَّةِ بِكَ ﴿لَهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ: القادِرُ عَلى إيقاعِ النِّقْمَةِ بِكُلِّ مَن خالَفَهُ حِينَ يُخالِفُهُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: الفاعِلُ فِعْلَ الرّاحِمِ في إمْهالِهِ العُصاةَ مَعَ إدْرارِ النِّعَمِ، ودَفْعِ النِّقَمِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، ونَصْبِ الشَّرائِعِ، لِبَيانِ ما يَرْضاهُ لِيُتَّبَعَ، وما يُسْخِطُهُ لِيُتَجَنَّبَ، (p-٦١)فَلا يُهْلِكُ إلّا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ بِإيضاحِ المَحَجَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences