Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:14–25
27:14Page 378
وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤
And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.
﴿وجَحَدُوا﴾ أيْ: أنْكَرُوا عالِمِينَ ﴿بِها﴾ أيْ: أنْكَرُوا كَوْنَها آياتٍ مُوجِباتٍ لِصِدْقِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِإبْطالِهِمْ لِأنَّ الجُحُودَ الإنْكارُ مَعَ العِلْمِ.
ولَمّا كانَ الجَحْدُ مَعْناهُ إنْكارُ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ طَلَبُوا الوُقُوفَ عَلى حَقائِقِ أمْرِها (p-١٣٨)حَتّى تَيَقَّنَتْها في كَوْنِها حَقًّا ﴿أنْفُسُهُمْ﴾ وتَخَلَّلَ عِلْمُها صَمِيمَ عِظامِهِمْ، فَكانَتْ ألْسِنَتُهم مُخالِفَةً لِما في قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الِاسْتِيقانَ إلى النَّفْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ جَحَدَهم ووَصْفَهم لَها بِخِلافِ وصْفِها فَقالَ: ﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ أيْ: إرادَةَ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ حَقِّهِ، والتَّكَبُّرِ عَلى الآتِي بِهِ، تَلْبِيسًا عَلى عِبادِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ بِأيْسَرِ سَعْيٍ وأهْوَنِ أمْرٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم غَيْرُ تَطَرُّفٍ، ولَمْ يَرْجِعْ مِنهم مُخْبِرٌ، عَلى كَثْرَتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا بِهِ مُسَبِّبًا عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ خَبَرَهم مِمّا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى السُّؤالِ عَنْهُ لِعَظَمَتِهِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾ وكانَ الأصْلُ: عاقِبَتُهم، أيْ: آخِرُ أمْرِهِمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ فَقالَ: ﴿عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ لِيَدُلَّ [عَلى] الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِأخْذِهِمْ تَهْدِيدًا لِكُلِّ مَنِ ارْتَكَبَ مِثْلَهُ.
27:15Page 378
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥
And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."
ولَمّا تَمَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ الدَّلِيلُ عَلى حِكْمَتِهِ، تَوَقَّعَ السّامِعُ الدَّلالَةَ عَلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا نَكِيرَ في فَضْلِ الآخِرِ عَلى الأوَّلِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِكْمَةً وهُدًى وعِلْمًا ونَصْرًا عَلى مَن (p-١٣٩)خالَفَهُما وعِزًّا: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: ابْنَ داوُدَ، وهُما مِن أتْباعِ مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْدَهُ بِأزْمانٍ مُتَطاوِلَةٍ ﴿عِلْمًا﴾ أيْ: جَزاءً مِنَ العِلْمِ عَظِيمًا مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ والدَّوابِّ وغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ نُؤْتِهِ لِأحَدٍ قَبْلَهُما.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَعَمَلًا بِمُقْتَضاهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالا﴾ شُكْرًا عَلَيْهِ، دَلالَةً عَلى شَرَفِ العِلْمِ وتَنْبِيهًا لِأهْلِهِ عَلى التَّواضُعِ: ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿الَّذِي فَضَّلَنا﴾ أيْ: بِما آتانا مِن ذَلِكَ ﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم خُلُقًا.
27:16Page 378
وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
And Solomon inherited David. He said, "O people, we have been taught the language of birds, and we have been given from all things. Indeed, this is evident bounty."
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ ما ذَكَرَ، أشارَ إلى فَضْلِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ جَمَعَ إلى ما آتاهُ ما كانَ مَنَحَ بِهِ أباهُ فَقالَ: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أيْ: أباهُ عَلَيْهِما السَّلامُ دُونَ إخْوَتِهِ في النُّبُوَّةِ والعِلْمِ والمُلْكِ الَّذِي كانَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ دُونَ قَوْمِهِ بِجَمْعِهِ لَهُ إلى النُّبُوَّةِ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ أوَّلًا وثانِيًا ﴿وقالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحَدِّثًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ ومُنَبِّهًا عَلى ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، لِيَكُونَ أجْدَرَ في قَبُولِ النّاسِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ (p-١٤٠)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا مُعَلِّمَ لَهُ إلّا اللَّهُ، فَإنَّ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿عُلِّمْنا﴾ أيْ: أنا وأبِي [بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى ما عَلِمْنا سَواءً ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هو وحْدَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعاظُمِ في شَيْءٍ، بَلْ هو كَلامُ الواحِدِ المُطاعِ، تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ بِما عَظَّمَهُ بِهِ مِمّا يَخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِالأمْرِ بِهِ كَما «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ إذا كانَ هُناكَ حالٌ يُحْوِجُ إلَيْهِ كَما قالَ في الزَّكاةِ: إنّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِهِ عَزْمَةً مِن عَزَماتِ رَبِّنا عَزَّ وجَلَّ،» وكَما كانَ يَكْتُبُ لِبَعْضِ الجَبابِرَةِ] ﴿مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ أيْ: فَهْمَ ما يُرِيدُ كُلُّ طائِرٍ إذا صَوَّتَ، والمَنطِقُ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ، ولا بِدَعَ في أنَّ الَّذِي آتى كُلَّ نَفْسٍ هُداها وعَلَّمَها تَمْيِيزَ مَنافِعَها ومَضارِّها يُؤْتِيها قُوَّةً تُدْرِكُ بِها تَخاطُبًا بَيْنَها يَتَفاهَمُ كُلُّ نَوْعٍ مِنها بِهِ فِيما يُرِيدُ، ويَكُونُ ذَلِكَ قاصِرًا عَنْ إدْراكِ الإنْسانِ لِخُصُوصِهِ بِالجُزْئِيّاتِ النّاشِئَةِ عَنِ الحِسِّيّاتِ ﴿وأُوتِينا﴾ مِمَّنْ لَهُ العَظَمَةُ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِن أمْرِهِ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: يُكْمِلُ بِهِ ذَلِكَ مِن أسْبابِ المِلْكِ والنُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِغْراقِ تَعْظِيمًا لِلنِّعْمَةِ كَما يُقالُ لِمَن يَكْثُرُ تَرَدُّدُ النّاسِ إلَيْهِ: فُلانٌ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ. (p-١٤١)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ وشاكِرًا حاثًّا لِنَفْسِهِ عَلى مَزِيدِ الشُّكْرِ وهازًّا لَها إلَيْهِ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: الَّذِي أُوتِيناهُ ﴿لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ﴾ أيْ: البَيِّنُ في نَفْسِهِ لِكُلِّ مَن يَنْظُرُهُ، المُوَضِّحُ لِعُلُوِّ قَدْرِ صاحِبِهِ ووَحْدانِيَّةٍ مُفِيضَةٍ مُؤْتِيَةٍ.
27:17Page 378
وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧
And gathered for Solomon were his soldiers of the jinn and men and birds, and they were [marching] in rows
ولَمّا كانَ هَذا مُجَرَّدَ خَبَرٍ، أتْبَعَهُ ما يُصَدِّقُهُ فَقالَ: ﴿وحُشِرَ﴾ أيْ: جُمِعَ جَمْعًا حَتْمًا بِقَهْرٍ وسَطْوَةٍ وإكْراهٍ بِأيْسَرِ سَعْيٍ ﴿لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾
ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى عِظَمِهِ، زادَ في الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ بَدَأ بِهِمْ لِعُسْرِ جَمْعِهِمْ ﴿والإنْسِ﴾ ثَنّى بِهِمْ لِشَرَفِهِمْ ومُشارَكَتِهِمْ لَهم في ذَلِكَ مِن حَيْثُ تَباعُدُ أغْراضِهِمْ وتَنائِي قُصُودِهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَعْقِلُ وبَدَأ بِهِ لِشَرَفِهِ، أتْبَعَهُ ما لا يَعْقِلُ فَقالَ: ﴿والطَّيْرِ﴾ ولَمّا كانَ الحَشْرُ مَعْناهُ الجَمْعُ بِكُرْهٍ، فَكانَ لا يَخْلُو عَنِ انْتِشارٍ، وكانَ التَّقْدِيرُ: وسارَ بِهِمْ في بَعْضِ الغَزَواتِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ تَعْظِيمًا لِلْجَيْشِ وصاحِبِهِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُكَفُّونَ بِجَيْشٍ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ بِأدْنى أمْرٍ وأسْهَلِهِ لِيَتَلاحَقُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ أجْدَرَ بِالهَيْبَةِ، وأعْوَنَ عَلى النُّصْرَةِ، وأقْرَبَ إلى السَّلامَةِ؛ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ كانَ عَلى كُلِّ صِنْفٍ مِن جُنُودِهِ وزَعَةٌ تَرُدُّ أُولاها عَلى أُخْراها لِئَلّا يَتَقَدَّمُوا في المَسِيرِ، قالَ: والوازِعُ: الحابِسُ وهو النَّقِيبُ. وأصْلُ الوَزْعِ الكَفُّ والمَنعُ.
27:18Page 378
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٨
Until, when they came upon the valley of the ants, an ant said, "O ants, enter your dwellings that you not be crushed by Solomon and his soldiers while they perceive not."
(p-١٤٢)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَسارُوا، لِأنَّ الوَزْعَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ سَيْرٍ، غَيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أتَوْا﴾ أيْ: أشْرَفُوا، ولَمّا كانَ عَلى بِساطِهِ فَوْقَ مَتْنِ الرِّيحِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ وهو وادٍ بِالطّائِفِ -كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنْ كَعْبٍ - وهو الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ إلى الآنِ عِنْدَهم بِهَذا الِاسْمِ، ويُسَمّى أيْضًا نَخِبٌ وزْنُ كَتِفٍ، وقَدْ رَأيْتُهُ لَمّا قَصَدْتُ تِلْكَ الدِّيارَ لِرُؤْيَةِ مَشاهِدِها، والتَّطْوافِ في مَعابِدِها ومَعاهِدِها، والتَّبَرُّكِ بِآثارِ الهادِي، في الِانْتِهاءِ والمَبادِئِ، ووَقَفْتُ بِمَسْجِدٍ فِيهِ قُرْبَ سِدْرَةٍ تُسَمّى الصّادِرَةَ مَشْهُورٌ عِنْدَهم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِهِ، وهَذِهِ السِّدْرَةُ مَذْكُورَةٌ في غَزْوَةِ الطّائِفِ مِنَ السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ واقْتَصَرَ في تَسْمِيَةِ الوادِي عَلى نَخِبٍ، وأنْشَدْتُ فِيهِ يَوْمَ وُقُوفِي بِبابِهِ، وتَضَرُّعِي في أعْتابِهِ:
؎مَرَرْتُ بِوادِي النَّمْلِ يا صاحِ بُكْرَةً فَصِحْتُ وأجْرَيْتُ الدُّمُوعَ عَلى خَدِّي
؎وتَمَّمْتُ مِنهُ مَوْقِفَ الهاشِمِيِّ الَّذِي ∗∗∗
؎مَلَأ الأرْضَ تَوْحِيدًا يَزِيدُ عَلى العَدِّ
؎وكَمْ مَوْقِفٍ أفَرَشْتُهُ حُرَّ جَبْهَتِي ∗∗∗ وأبْدَيْتُ في أرْجائِهِ ذِلَّةَ العَبْدِ
(p-١٤٣)فِي قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ.
ولَمّا كانُوا في أمْرٍ يَهُولُ مَنظَرُهُ، ويُوهِي القُوى مُخالَطَتُهُ ومَخْبَرُهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَتَبَدَّتْ طَلائِعُهم، وتَراءَتْ راياتُهم ولَوامِعُهم، وأحْمالُهم ووَضائِعُهم، [نَظَّمَ بِهِ قَوْلَهُ: ] ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ أيْ: مِنَ النَّمْلِ الَّذِي بِذَلِكَ الوادِي: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ﴾ ولَمّا حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ ما هو مِن شَأْنِ العُقَلاءِ، عَبَّرَ بِضَمائِرِهِمْ فَقالَ: ﴿ادْخُلُوا﴾ أيْ: قَبْلَ وُصُولِ ما أرى مِنَ الجَيْشِ ﴿مَساكِنَكُمْ﴾ ثُمَّ عَلَّلَتْ أمْرَها مُعَيِّنَةً لِصاحِبِهِ إذْ كانَتْ أماراتُهُ لا تَخْفى فَقالَتْ جَوابًا لِلْأمْرِ أوْ مُبْدَلًا مِنهُ: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: يَكْسِرَنَّكم ويَهْشِمَنَّكم أيْ: لا تَبْرُزُوا فَيَحْطِمَنَّكم، فَهو نَهْيٌ لَهم عَنِ البُرُوزِ في صُوَرِ نَهْيِهِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِنَهْيِهِمْ لِأنَّ مَن نَهى كَبِيرًا عَنْ شَيْءٍ كانَ لِغَيْرِهِ أشَدَّ نَهْيًا ﴿سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾ أيْ: فَإنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ إذا صارُوا في الوادِي اسْتَعْلَوْا عَلَيْهِ فَطَبَّقُوهُ فَلَمْ يَدْعُوا مِنهُ مَوْضِعَ شِبْرٍ خالِيًا ﴿وهُمْ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وجُنُودُهُ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِحَطْمِهِمْ لَكم لِاشْتِغالِهِمْ بِما هم فِيهِ مِن أحْوالِ السَّيْرِ، وتَعاطِي مَصالِحِهِ، مَعَ صِغَرِ أجْسامِكم، وخَفائِكم عَلى السّائِرِ في حالِ اضْطِرابِكم ومَقامِكم، وقَوْلُها هَذا يَدُلُّ عَلى (p-١٤٤)عِلْمِها بِأنَّهم لَوْ شَعَرُوا بِهِمْ ما آذَوْهم لِأنَّهم أتْباعُ نَبِيٍّ فَهم رُحَماءُ.
27:19Page 378
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩
So [Solomon] smiled, amused at her speech, and said, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to do righteousness of which You approve. And admit me by Your mercy into [the ranks of] Your righteous servants."2
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُعَجِّبًا لِما فِيهِ مِن جَزالَةِ الألْفاظِ وجَلالَةِ المَعانِي، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى الضَّحِكِ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِلْغَضَبِ، أكَّدَهُ وحَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ أيْ: لِما أُوتِيَتْهُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ، وسُرُورًا بِما وصَفَتْهُ بِهِ مِنَ العَدْلِ في أنَّهُ وجُنُودُهُ لا يُؤْذُونَ أحَدًا وهم يَعْلَمُونَ ﴿وقالَ﴾ مُتَذَكِّرًا ما أوْلاهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ مِن فَهْمِ كَلامِها إلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أوْزِعْنِي أنْ﴾ أيْ: اجْعَلْنِي مُطِيقًا لِأنَّ ﴿أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ أيْ: وازِعًا لَهُ كافًّا مُرْتَبِطًا حَتّى لا يَغْلِبَنِي، ولا يَتَفَلَّتَ مِنِّي، ولا يَشِذَّ عَنِّي وقْتًا ما.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ تَعَلُّقَ النِّعْمَةِ [بِهِ] حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ورُبَّما أفْهَمَ قَوْلُهُ: ﴿وعَلى والِدَيَّ﴾ أنَّ أُمَّهُ كانَتْ [أيْضًا] تَعْرِفُ مَنطِقَ الطَّيْرِ، وتَحْقِيقُ مَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ أنَّ مادَّةَ ”وزَعَ“ -بِأيِّ: تَرْتِيبٍ كانَ- يَدُورُ عَلى المِعْوَزِ -لِخِرْقَةٍ بالِيَةٍ يُلَفُّ بِها الصَّبِيُّ- ويَلْزَمُها التَّمْيِيزُ، فَإنَّ المَلْفُوفَ بِها يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ الأوْزاعُ (p-١٤٥)وهُمُ الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةِ، ويَلْزَمُها أيْضًا الإطاقَةُ فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَجِدُها، ومِنهُ العِزُونَ -لِعِصَبٍ مِنَ النّاسِ، فَإنَّهم يُطِيقُونَ ما يُرِيدُونَ ويُطِيقُهم مَن يُرِيدُهم، ومِنهُ الوَزْعُ وهو كَفُّ ما يُرادُ كَفُّهُ، والوَلُوعُ بِما يُزادُ، ومِنهُ الإيعازُ- لِلتَّقَدُّمِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، والزَّوْعُ لِلْجَذْبِ، ويُلْزِمُها أيْضًا الحاجَةُ فَإنَّهُ لا يَرْضى بِها دُونَ الجَدِيدِ إلّا مُحْتاجٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: اجْعَلْنِي وازِعًا -أيْ: مُطِيقًا- أنْ أشْكُرَها كَما يُطِيقُ الوازِعُ كَفَّ ما يُرِيدُ كَفَّهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَدارُ المادَّةِ الحاجَةَ لِأنَّ الأوْزاعَ -وهُمُ الجَماعاتُ- يَحْتاجُونَ إلى الِاجْتِماعِ جُمْلَةً، والكافُّ مُحْتاجٌ إلى امْتِثالِ ما يَكُفُّهُ لِأمْرِهِ، والجاذِبُ مُحْتاجٌ إلى الوَزْعِ أيْ: الجَذْبِ، والمُولَعُ بِالشَّيْءِ فَقِيرٌ إلَيْهِ، والمُوعِزُ مُحْتاجٌ إلى قَبُولِ وصِيَّتِهِ، فالمَعْنى: اجْعَلْنِي وازِعًا أيْ: فَقِيرًا إلى الشُّكْرِ، أيْ: مُلازِمًا لَهُ مُولَعًا بِهِ، لِأنَّ كُلَّ فَقِيرٍ إلى شَيْءٍ مُجْتَهِدٌ في تَحْصِيلِهِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَّخْرِيجِ احْتِقارُ العَمَلِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْأمْنِ مِنَ الإعْجابِ، [وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى بِرِّ الوالِدَيْنِ في سُؤالِ القِيامِ عَنْهم بِما لَمْ يَبْلُغاهُ مِنَ الشُّكْرِ] واللَّهُ المُوَفِّقُ. والشُّكْرُ في اللُّغَةِ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ المُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا كالثَّناءِ عَلى المُنْعِمِ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكِرَ قَدْ عَرَفَ نِعْمَتَهُ واعْتَرَفَ لَهُ بِها وحَسُنَ مَوْقِعُها عِنْدَهُ، وخَضَعَ قَلْبُهُ لَهُ لِذَلِكَ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَإنَّهُ إذا عَرَفَها تَسَبَّبَ في (p-١٤٦)التَّعَرُّفِ إلَيْهِ، فَسَلَكَ طَرِيقَ التَّعَرُّفِ وجَدَّ في الطَّلَبِ، ومَن جَدَّ وجَدَ، ويُرْوى عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ نِعْمَةٌ أُخْرى مِنكَ أحْتاجُ عَلَيْها إلى شُكْرٍ آخَرَ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا داوُدُ ! إذا عَلِمْتَ أنَّ ما بِكَ مِن نِعْمَةٍ فَمِنِّي فَقَدْ شَكَرْتَنِي. والشُّكْرُ ثَلاثَةُ أشْياءَ: الأوَّلُ: مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ بِمَعْنى إحْضارِها في الخاطِرِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عِنْدَكَ أنَّها نِعْمَةٌ، فَرُبَّ جاهِلٍ يُحْسِنُ إلَيْهِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ وهو لا يَدْرِي، فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ الشُّكْرُ. والثّانِي: قَبُولُ النِّعْمَةِ بِتَلَقِّيها مِنَ المُنْعِمِ بِإظْهارِ الفَقْرِ والفاقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ شاهِدٌ بِقَبُولِها حَقِيقَةً، والثّالِثُ: الثَّناءُ بِها بِأنْ تَصِفَ المُنْعِمَ بِالجُودِ والكَرَمِ ونَحْوِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى حُسْنِ تَلَقِّيكَ لَها واعْتِرافِكَ بِنُزُولِ مَقامِكَ في الرُّتْبَةِ عَنْ مَقامِهِ، فَإنَّ اليَدَ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى الشُّكْرُ عَلى المَحابِّ أيْ: الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ، وهَذا شُكْرٌ تُشارِكُ فِيهِ المُثْبِتُونَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، فَإنَّ الكُلَّ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإحْسانَ الواصِلَ مِنَ الرَّحْمَنِ واجِبٌ مَعْرِفَتُهُ عَلى الإنْسانِ، ومِن سَعَةِ بِرِّ البارِئِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ عَدَّهُ شُكْرًا مَعَ كَوْنِهِ واجِبًا عَلى الشّاكِرِ، ووَعَدَ عَلَيْهِ الزِّيادَةَ، وأوْجَبَ فِيهِ المَثُوبَةَ إحْسانًا ولُطْفًا. الثّانِيَةُ: الشُّكْرُ في المَكارِهِ، وهو إمّا مِن رَجُلٍ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الحالاتِ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ المَكْرُوهُ والمَحْبُوبُ، فَإذا نَزَلَ بِهِ المَكْرُوهُ شَكَرَ اللَّهَ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ الرِّضا بِنُزُولِهِ بِهِ، وهَذا مَقامُ الرِّضا، وإمّا مِن رَجُلٍ (p-١٤٧)يُمَيِّزُ بَيْنَ الأحْوالِ فَهو لا يُحِبُّ المَكْرُوهَ ولا يَرْضى بِنُزُولِهِ، فَإنْ نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ فَشُكْرُهُ عَلَيْهِ إنَّما هو كَظْمُ الغَيْظِ وسِتْرُ الشَّكْوى وإنْ كانَ باطِنُهُ شاكِيًا، والكَظْمُ إنَّما هو لِرِعايَةِ الأدَبِ بِالسُّلُوكِ في مَسْلَكِ العِلْمِ، فَإنَّهُ يَأْمُرُ العَبْدَ بِالشُّكْرِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والثّالِثَةُ: أنْ لا يَشْهَدَ العَبْدُ إلّا المُنْعِمَ بِاشْتِغالِهِ بِالِاسْتِغْراقِ في مُشاهَدَتِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ النِّعْمَةِ، وهَذا الشُّهُودُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَسْتَغْرِقَ فِيها عُبُودِيَّةً، فَيَكُونُ مُشاهِدًا لَهُ مُشاهَدَةَ العَبْدِ لِلسَّيِّدِ بِأدَبِ العَبِيدِ إذا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِمْ، فَإنَّهم يَنْسَوْنَ ما هم فِيهِ مِنَ الجاهِ والقُرْبِ الَّذِي ما حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ، بِاسْتِغْراقِهِمْ في الأدَبِ، ومُلاحَظَتِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ خَوْفًا مِن أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ في أمْرٍ فَيَجِدُهم غافِلِينَ، وهَذا أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَن صَحِبَ المُلُوكَ، فَصاحِبُ هَذا الحالِ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ في هَذِهِ الحالَةِ، مَعَ قِيامِهِ في حَقِيقَةِ العُبُودَةِ، اسْتَعْظَمَ الإحْسانَ، لِأنَّ العُبُودَةَ تُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَصْغِرَ نَفْسَهُ. ثانِيها: أنْ يَشْهَدَ سَيِّدُهُ شُهُودَ مَحَبَّةٍ غالِبَةٍ، فَهو يُسَبِّبُ هَذا الِاسْتِغْراقَ فِيهِ، يَسْتَحْلِي مِنهُ الشِّدَّةَ، وقَدْ قالَ بَعْضُ عُشّاقِ حُسْنِ الصُّورَةِ لا صُورَةِ الحُسْنِ فَأحْسَنَ:
؎مَن لَمْ يَذُقْ ظُلْمَ الحَبِيبِ كَظُلْمِهِ حُلْوًا فَقَدْ جَهِلَ المَحَبَّةَ وادَّعى
ثالِثُها: أنْ يَشْهَدَ شُهُودَ تَفْرِيدٍ يَرْفَعُ الثَّنَوِيَّةَ ويُفْنِي الرَّسْمَ ويُذْهِبُ الغَيْرِيَّةَ، (p-١٤٨)فَإذا ورَدَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ أوِ الشَّدَّةُ كانَ مُسْتَغْرِقًا في الفَناءِ فَلَمْ يُحِسَّ بِشَيْءٍ مِنهُما.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ الشّاكِرَ هو المُسْتَغْرِقُ في الثَّناءِ عَلى المُنْعِمِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ مِن فِناءٍ أوْ غَيْرِهِ بِحَسَبِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ عَمِلَ مِمّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ زَيْنٌ لِذَلِكَ العَبْدِ كَوْنَهُ حَسَنًا وهو لَيْسَ كَذَلِكَ، قالَ ﷺ مُشِيرًا إلى هَذا المَعْنى: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا﴾ أيْ: في نَفْسِ الأمْرِ. ولَمّا كانَ العَمَلُ الصّالِحُ قَدْ لا يُرْضِي المُنْعِمَ لِنَقْصٍ في العَمَلِ كَما قِيلَ في مَعْنى ذَلِكَ:
؎إذا كانَ المُحِبُّ قَلِيلَ حَظٍّ ∗∗∗ فَما حَسَناتُهُ إلّا ذُنُوبٌ
قالَ: ﴿تَرْضاهُ﴾
ولَمّا كانَ العَمَلُ الصّالِحُ المَرَضِيُّ قَدْ لا يُعْلى إلى دَرَجَةِ المَرْضِيِّ عَنْهم، لِكَوْنِ العامِلِ مَنظُورًا إلَيْهِ بِعَيْنِ السُّخْطِ، لِكَوْنِهِ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الكِتابُ بِالشَّقاءِ، لِأنَّ المَلِكَ المُنْعِمَ تامُّ المُلْكِ عَظِيمُ المِلْكِ فَهو بِحَيْثُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، قالَ مُعْرِضًا عَنْ عَمَلِهِ مُعْتَرِفًا بِعَجْزِهِ، مُعْلِمًا بِأنَّ المُنْعِمَ غَنِيٌّ عَنِ العَمَلِ وعَنْ غَيْرِهِ، لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ ولا يَنْفَعُهُ طاعَةٌ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ أيْ: لا بِعَمَلِي ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: [لِما] أرَدْتَهم لَهُ مِن تَمامِ النِّعْمَةِ بِالقُرْبِ والنَّظَرِ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ العَفْوِ (p-١٤٩)والرَّحْمَةِ والرِّضا.
27:20Page 378
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠
And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَوَصَلَ إلى المَنزِلِ الَّذِي قَصَدَهُ فَنَزَلَهُ وتَفَقَّدَ أحْوالَ جُنُودِهِ كَما يَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ، أيْ: تَجَنَّبَ فَقْدَهم بِأنْ تَعَرَّفَ مَن هو مِنهم مَوْجُودٌ ومَن هو مِنهم مَفْقُودٌ، الَّذِي يَلْزَمُهُ أنْ لا يَغِيبَ أحَدٌ مِنهم: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ إذْ كانَتْ أحَدَ أرْكانِ جُنْدِهِ فَفَقَدَ الهُدْهُدَ ﴿فَقالَ ما لِيَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لِي حالَ كَوْنِي ﴿لا أرى الهُدْهُدَ﴾ أيْ: أهُوَ حاضِرٌ، وسَتَرَهُ عَنِّي ساتِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ كَما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى ما قَدَّرْتُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَقَدَ جَماعَةً مِنَ الجُنْدِ، فَتَحَقَّقَ غَيْبَتَهم وشَكَّ في غَيْبَتِهِ، وذِكْرُهُ لَهُ دُونَهم يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ مَنزِلَةِ الهُدْهُدِ فِيما لَهُ عِنْدَهُ مِنَ النَّفْعِ، [وأنَّ غَيْبَةَ غَيْرِهِ كانَتْ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، .
27:21Page 378
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١
I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."1
ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ إقامَةً لِسِياسَةِ المُلْكِ ما يَدُلُّ أيْضًا عَلى عَظَمَتِهِ]، قالُوا: إنَّهُ يَرى الماءَ في الأرْضِ كَما يَرى الإنْسانُ الماءَ مِن داخِلِ الزُّجاجِ فَيَنْقُرُ الأرْضَ فَتَأْتِي الشَّياطِينُ فَتَسْتَخْرِجُهُ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ غَيْبَتِهِ فِيما لَمْ آذَنْ فِيهِ ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ أيْ: مَعَ إبْقاءِ رُوحِهِ تَأْدِيبًا لَهُ ورَدْعًا لِأمْثالِهِ ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ أيْ: تَأْدِيبًا لِغَيْرِهِ ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ أيْ: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأشْياءِ، أوْ تَكُونُ ”أوْ“ الثّانِيَةُ بِمَعْنى إلّا أنْ (p-١٥٠)فَيَكُونُ المَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ: التَّعْذِيبُ أوِ الذَّبْحُ: إلّا أنْ يَأْتِيَنِي ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ في عُذْرِهِ، .
27:22Page 378
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢
But he [i.e., the hoopoe] stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.
فَكَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَيُقِيمَنَّ عُذْرَهُ أوْ لَأفْعَلَنَّ مَعَهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ ﴿فَمَكَثَ﴾ أيْ: فَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ مَكَثَ بَعْدَ الحَلِفِ بِالتَّهْدِيدِ زَمانًا قَرِيبًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ مِن زَمانِ التَّهْدِيدِ، وأتى خَوْفًا مِن هَيْبَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيامًا بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الخِدْمَةِ، [قَرَأهُ عاصِمٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الكافِ عَلى الأغْلَبِ في الأفْعالِ الماضِيَةِ، وضَمَّهُ الجَماعَةُ إشارَةً إلى شِدَّةِ الغَيْبَةِ عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوافِقَ إفْهامَ حَرَكَةِ الكَلِمَةِ ما أفْهَمَهُ تَرْكِيبُ الكَلامِ] ﴿فَقالَ﴾ [عَقِبَ إتْيانِهِ مُفَخِّمًا لِلشَّأْنِ ومُعَظِّمًا لِرُتْبَةِ العِلْمِ ودافِعًا لِما عَلِمَ أنَّهُ أضْمَرَ مِن عُقُوبَتِهِ: ] ﴿أحَطْتُ﴾ أيْ: عِلْمًا ﴿بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أيْ: أنْتَ مِنِ اتِّساعِ عِلْمِكَ وامْتِدادِ مُلْكِكَ، والإحاطَةُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وفي هَذِهِ المُكافَحَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أضْعَفَ الخَلْقِ قَدْ يُؤْتى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ أقْواهم لِتَتَحاقَرَ إلى العُلَماءِ عُلُومُهم ويَرُدُّوا العِلْمَ في كُلِّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ، وفِيهِ إبْطالٌ لِقَوْلِ الرّافِضَةِ: إنَّ الإمامَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَكُونُ في زَمانِهِ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ولَمّا أبْهَمَهُ تَشْوِيقًا، وأخَذَ بِمَجامِعِ القَلْبِ إلى تَعَرُّفِهِ، ثَنّى بِمَدْحِ (p-١٥١)الخَبَرِ مُجَلِّيًا بَعْضَ إبْهامِهِ، هَزًّا لِلنَّفْسِ إلى طَلَبِ إتْمامِهِ، فَقالَ: ﴿وجِئْتُكَ﴾ أيْ: الآنَ ﴿مِن سَبَإٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ صارَ عَلَمًا لِقَبِيلَةٍ، وقِيلَ: أرْضٌ في بِلادِ اليَمَنِ، وحِكْمَةُ تَسْكِينِ قُنْبُلٍ لَهُ بِنِيَّةِ الوَقْفِ الإشارَةُ إلى تَحْقِيرِ أمْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم لَيْسَتْ لَهم مَعَهُ حَرَكَةٌ أصْلًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ والعِزِّ والبَأْسِ الشَّدِيدِ ﴿بِنَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ عَظِيمٍ ﴿يَقِينٍ﴾ وهو مِن أبْدَعِ الكَلامِ مُوازَنَةً في اللَّفْظِ ومُجانَسَةً في الخَطِّ مَعَ ما لَهُ مِنَ الِانْطِباعِ والرَّوْنَقِ، .
27:23Page 379
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟ فَقالَ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً﴾ وهي بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ [أيْ: أهْلَ سَبَأٍ ].
ولَمّا كانَتْ قَدْ أُوتِيَتْ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُلُوكُ أمْرًا كَبِيرًا قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ﴾ بَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إقْرارًا بِأنَّها مَعَ مُلْكِها مَرْبُوبَةٌ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَهْوِيلًا لِما رَأى مِن أمْرِها.
ولَمّا كانَ عَرْشُها - أيْ: السَّرِيرُ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ لِلْحُكْمِ - زائِدًا في العَظَمَةِ، خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَها عَرْشٌ﴾ أيْ: سَرِيرٌ تَجْلِسُ عَلَيْهِ لِلْحُكْمِ ﴿عَظِيمٌ﴾ أيْ: لَمْ أرَ لِأحَدٍ مِثْلَهُ.
27:24Page 379
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤
I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,
ولَمّا كانَ في الخِدْمَةِ أقْرَبَ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ إلى اللَّهِ فَحَصَلَ لَهُ مِنَ النُّورانِيَّةِ ما هالَهُ لِأجْلِهِ إعْراضُهم عَنِ اللَّهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا تَعْجِيبًا: (p-١٥٢)﴿وجَدْتُها وقَوْمَها﴾ أيْ: كُلَّهم عَلى ضَلالٍ كَبِيرٍ، وذَلِكَ أنَّهم ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ مُبْتَدِئِينَ ذَلِكَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: [مَن] أدْنى رُتْبَةً مِن رُتَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، وهي رُتْبَةُ الأفْعالِ لِأنَّها مَصْنُوعٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ تَعالى سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِقْلالِ أوِ الشِّرْكِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ القَبِيحَةَ حَتّى صارُوا يَظُنُّونَها حَسَنَةً.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ أعْماهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: الَّذِي لا سَبِيلَ إلى اللَّهِ غَيْرُهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ بِهِ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ضَلالُهم، قالَ: ”فَهُمْ“ أيْ: بِحَيْثُ ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: لا يُوجَدُ لَهم هُدًى، بَلْ هم في ضَلالٍ صِرْفٍ، وعَمًى مَحْضٍ.
27:25Page 379
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥
[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -
ولَمّا كانَ هَذا الضَّلالُ عَجَبًا في نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مِن قَوْمٍ يَجْمَعُهم جامِعُ مَلِكٍ مَبْناهُ السِّياسَةُ الَّتِي مَحَطُّها العَقْلُ الَّذِي هو نُورُ الهِدايَةِ، ودَواءُ الغَوايَةِ، عَلَّلَهُ بِانْتِفاءِ أعْظَمِ مُقَرَّبٍ إلى اللَّهِ: السُّجُودُ، تَعْظِيمًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِهِ فَقالَ: ﴿ألا﴾ [أيْ: لِأنْ لا] ﴿يَسْجُدُوا﴾ أيْ: حَصَلَ لَهم هَذا العَمى العَظِيمُ الَّذِي اسْتَوْلى بِهِ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ لِانْتِفاءِ سُجُودِهِمْ، ويَجُوزُ (p-١٥٣)أنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّزْيِينِ، أيْ: زَيَّنَّ لَهم لِئَلّا يَسْجُدُوا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: يَعْبُدُوا الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِالسُّجُودِ الَّذِي هو مَحَلُّ الأُنْسِ، ومَحَطُّ القُرْبِ، ودارَةُ المُناجاةِ، وآيَةُ المُعافاةِ، فَإنَّهم لَوْ سَجَدُوا لَهُ سُبْحانَهُ لاهْتَدَوْا، فَإنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرَ، فَفاتَ الشَّيْطانَ ما يَقْصِدُهُ مِنهم مَنِ الضَّلال، وعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ بِالتَّخْفِيفِ وإشْباعِ فَتْحِ الياءِ يَكُونُ اسْتِئْنافًا، بُدِئَ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى عِظَمِ المَقامِ لِئَلّا يَفُوتَ الوَعْظُ أحَدًا مِنهم بِمُصادَفَتِهِ غافِلًا، ثُمَّ نادى لِمِثْلِ ذَلِكَ وحَذَفَ المُنادى إيذانًا بِالِاكْتِفاءِ بِالإشارَةِ لِضِيقِ الحالِ، خَوْفًا مِنَ المُبادَرَةِ بِالنَّكالِ عَنِ اسْتِيفاءِ العِبارَةِ الَّتِي كانَ حَقُّها: ألا يا هَؤُلاءِ اسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: لِتَخْلُصُوا مِن أسْرِ الشَّيْطانِ، فَإنَّ السُّجُودَ مَرْضاةٌ لِلرَّحْمَنِ، ومَجْلاةٌ لِلْعِرْفانِ، ومَجْناةٌ لِتَمامِ الهُدى والإيمانِ.
ولَمّا كانَتْ [القِصَّةُ] في بَيانِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ السّابِقِ لِعِلْمِ الخَلائِقِ المُسْتَلْزِمِ لِلْحِكْمَةِ، وصَفَهُ بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾ وهو الشَّيْءُ المَخْبُوءُ بِالفِعْلِ المَخْفِيِّ في غَيْرِهِ، وهو ما وُجِدَ وغُيِّبَ عَنِ الخَلْقِ كالماءِ الَّذِي في بَطْنِ الأرْضِ، أوْ بِالقُوَّةِ وهو ما لَمْ يُوجَدْ أصْلًا، وخَصَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى مُشاهَدَتِنا، (p-١٥٤)فَنَنْظُرُ ما يَتَكَوَّنُ فِيهِما بَعْدَ أنْ لَمْ [يَكُنْ] مِن سَحابٍ ومَطَرٍ ونَباتٍ وتَوابِعِ ذَلِكَ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ وغَيْرِهِما، وما يَشْرُقُ مِنَ الكَواكِبِ ويَغْرُبُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّياحِ، والبَرْدِ والحَرِّ، والحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والنُّطْقِ والسُّكُوتِ -ِ وما [لا] يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى أنَّهُ يَخْرُجُ ما هو في عالَمِ الغَيْبِ فَيَجْعَلُهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ [يَخُصُّ بِما لَمْ يُضْمَرْ في القُلُوبِ كالماءِ الَّذِي كانَ يُخْرِجُهُ الهُدْهُدُ وكانَ ذَلِكَ قَدْ] يُعْرَفُ بِأماراتٍ، وكانَ ما تُضْمِرُهُ القُلُوبُ أخْفى، قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ﴾ ولَمّا كانَ هَذا مُسْتَلْزِمًا لِعِلْمِ الجَهْرِ، وكانَ لِلتَّصْرِيحِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ المُكْنَةِ والطُّمَأْنِينَةِ، مَعَ أنَّ الإعْلانَ رُبَّما كانَ فِيهِ مِنَ اللَّغَطِ واخْتِلاطِ الأصْواتِ ما يَمْنَعُ المُسْتَمِعَ مِنَ العِلْمِ، قالَ: ﴿وما تُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences