Al-Biqa'iAn‑Naml · 27:26–43

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:26–43

27:26Page 379

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مُوجِبًا لِأنْ يُعْبَدَ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، صَرَّحَ بِما يَقْتَضِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ [ولَمّا كانَ هَذا إشارَةً إلى أنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ، أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ] فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ولَمّا [كانَ] وصْفُ عَرْشِها بِعِظَمٍ ما، قالَ: ﴿رَبُّ﴾ أيْ: مُبْدِعُ ومُدَبِّرُ ﴿العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أيْ: الكامِلِ في (p-١٥٥)العِظَمِ الَّذِي لا عَظِيمَ يُدانِيهِ، وهو مُحْتَوٍ عَلى جَمِيعِ الأكْوانِ، [وقَدْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَهُ أعْظَمُ مِنهُ ومِن كُلِّ عَظِيمٍ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ وبِغَيْرِها، فَقَطَعَ ذَلِكَ لِسانَ التَّعَنُّتِ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَعَ مَزِيدِ اقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ لِأنَّهُ لِلِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقَهْرِ والكِبْرِ بِخِلافِ آيَةِ المُؤْمِنُونَ]، وهَذِهِ آيَةُ سَجْدَةٍ عَلى كُلِّ القِراءَتَيْنِ، لِأنَّ مَواضِعَ السُّجُودِ إمّا مَدْحٌ لِمَن أتى بِها، أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، كَقِراءَةِ التَّشْدِيدِ، أوْ أمْرٍ بِالسُّجُودِ كَقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، [والكُلُّ ناظِرٌ إلى العَظَمَةِ].

27:27Page 379

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

ولَمّا صَحَّ قَوْلُهُ في كَوْنِ هَذا خَبَرًا عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، حَصَلَ التَّشَوُّقُ إلى جَوابِهِ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْهُدْهُدِ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ أيْ: نَخْتَبِرُ ما قُلْتَهُ ﴿أصَدَقْتَ﴾ أيْ: فِيهِ فَنَعْذُرُكَ، ولَمّا كانَ الكَذِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ - لَما أُوتِيَهُ مِنَ العَظْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْكِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ بَعْدَهُ - يَدُلُّ عَلى رُسُوخِ القَدَمِ فِيهِ، قالَ: ﴿أمْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: مَعْرُوفًا بِالِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، [فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكَذِبِ عِنْدِي إلّا مَن كانَ عَرِيقًا في الكَذِبِ] دُونَ ”أمْ كَذَبْتَ“ لِأنَّ هَذا يُصَدَّقُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، .

27:28Page 379

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

ثُمَّ شَرَعَ فِيما يَخْتَبِرُهُ بِهِ، فَكَتَبَ لَهُ كِتابًا عَلى الفَوْرِ في غايَةِ الوَجازَةِ قَصْدًا لِلْإسْراعِ في إزالَةِ المُنْكَرِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ الهُدْهُدِ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ، ودَلَّ عَلى إسْراعِهِ في كِتابَتِهِ بِقَوْلِهِ جَوابًا لَهُ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا﴾ قَوْلُ مَن (p-١٥٦)كانَ مُهَيَّئًا عِنْدَهُ ودَفَعَهُ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ زادَ قَلَقُهُ بِسُجُودِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، أمَرَهُ بِغايَةِ الإسْراعِ، وكَأنَّهُ كانَ أسْرَعَ الطَّيْرِ طَيَرانًا وأمَدَّهُ اللَّهُ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ مِنهُ إكْرامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ فَصارَ كَأنَّهُ البَرْقُ، فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقِهْ﴾ ولَمّا [لَمْ] يَخُصَّها في الكِتابِ دُونَهم بِكَلامٍ لِتَصْغُرَ إلَيْهِمْ أنْفُسُهم بِخِطابِهِ مَعَ ما يَدُلُّهم عَلى عَظَمَتِهِ، جَمَعَ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ ذَكَرْتَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، وذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الدِّينِ.

ولَمّا كانَ لَوْ تَأخَّرَ عَنْهم بَعْدَ إلْقائِهِ إلى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ عَلى نَفْسِهِ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ السُّرْعَةِ لَداخَلَهم شَكٌّ في أنَّهُ هو المُلْقِي لَهُ، أمَرَهُ بِأنْ يَمْكُثَ بَعْدَ إلْقائِهِ يُرَفْرِفُ عَلى رُؤُوسِهِمْ حَتّى يَتَحَقَّقُوا أمْرَهُ، فَأشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ وُصُولِكَ وإلْقائِكَ ﴿تَوَلَّ﴾ أيْ: تَنَحَّ ﴿عَنْهُمْ﴾ إلى مَكانٍ تَسْمَعُ فِيهِ كَلامَهم ولا يَصِلُونَ مَعَهُ إلَيْكَ ﴿فانْظُرْ﴾ عَقِبَ تَوَلِّيكَ ﴿ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَوْلِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ بِسَبَبِ الكِتابِ.

27:29Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

ولَمّا كانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّهُ يَفْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ لا يَدْفَعُهُ (p-١٥٧)إلّا إلى المَلِكَةِ الَّتِي بالَغَ في وصْفِها، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى قَوْلِها عِنْدَ ذَلِكَ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأخَذَ الكِتابَ وذَهَبَ بِهِ، فَلَمّا ألْقاهُ إلَيْها وقَرَأتْهُ، وكانَتْ قارِئَةً كاتِبَةً مِن قَوْمِ تُبَّعٍ ﴿قالَتْ﴾ لِقَوْمِها بَعْدَ أنْ جَمَعَتْهم مُعَظِّمَةً لَهم، أوْ لِأشْرافِهِمْ فَقَطْ: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ المُلُوكِ أنْ لا يَصِلَ إلَيْهِمْ أحَدٌ بِكِتابٍ ولا غَيْرِهِ إلّا عَلى أيْدِي جَماعَتِهِمْ، عَظَّمَتْ هَذا الكِتابَ بِأنَّهُ وصَلَ إلَيْها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ المِنهاجِ فَبَنَتْ لِلْمَفْعُولِ قَوْلَها: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ﴾ أيْ: بِإلْقاءِ مُلْقٍ عَلى وجْهٍ غَرِيبٍ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: صَحِيفَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها كَلامٌ وجِيزٌ جامِعٌ.

ولَمّا كانَ الكَرِيمُ -كَما تَقَدَّمَ في الرَّعْدِ- مَن سَتَرَ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها لِأنَّهُ ضِدُّ اللَّئِيمِ، وكانَ هَذا الكِتابُ قَدْ حَوى مِنَ الشَّرَفِ أمْرًا باهِرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مِن جِهَةِ المُرْسَلِ والرَّسُولِ والِافْتِتاحِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ إلى ما لَهُ مِن وجازَةِ اللَّفْظِ وبُلُوغِ المَعْنى، قالَتْ: ﴿كَرِيمٌ﴾

27:30Page 379

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

ثُمَّ بَيَّنَتْ كَرَمَهُ أوِ اسْتَأْنَفَتْ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: مِمَّنْ هو وما هُوَ؟ فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: الكِتابَ ﴿مِن سُلَيْمانَ﴾ وفِيهِ [دَلالَةٌ] عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِاسْمِ صاحِبِ الكِتابِ لا يَقْدَحُ في الِابْتِداءِ بِالحَمْدِ ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: المَكْتُوبُ فِيهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَحَمَدَ المُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ وهو المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ عِظَمُهُ بِدائِرَتَيِ الجَلالِ والإكْرامِ، العامُّ الرَّحْمَةِ (p-١٥٨)بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَمَلِكُ المُلُوكِ مِن فائِضِ ما لَهُ مِنَ الإنْعامِ الَّذِي يَخُصُّ بَعْدَ العُمُومِ مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مِمّا تَرْضاهُ أُلُوهِيَّتُهُ مِن إنْعامِهِ العامِّ، بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِاسْمِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ لِلْعِبادَةِ بِما وجَبَ لَهُ لِذاتِهِ وما اسْتَحَقَّهُ بِصِفاتِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِصاحِبِ الكِتابِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أجْدَرَ بِقَبُولِهِ، لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ إنَّما يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ، ولِما في كِتابِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَسَّرَ مُرادَهُ بِأمْرٍ قاهِرٍ فَقالَ.

27:31Page 379

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَمْتَنِعُوا مِنَ الإجابَةِ لِي، والإذْعانِ لِأمْرِي، كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ، بَلِ اتْرُكُوا عُلُوَّهم، لِكَوْنِي داعِيًا إلى اللَّهِ الَّذِي أعْلَمْتُ في باءِ البَسْمَلَةِ بِأنَّهُ لا تَكُونُ حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ إلّا بِهِ، فَيَجِبُ الخُضُوعُ لَهُ لِكَوْنِهِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ خاضِعِينَ بِما رَأيْتُمْ مِن مُعْجِزَتِي في أمْرِ الكِتابِ.

27:32Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَوابِهِمْ، أعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّهم بُهِتُوا فَقالَ: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَتْ ما داخَلَها مِنَ الرُّعْبِ مِن صاحِبِ هَذا الكِتابِ بِقَوْلِها: ﴿أفْتُونِي﴾ أيْ: تَكَرَّمُوا عَلَيَّ بِالإبانَةِ عَمّا أفْعَلُهُ ﴿فِي أمْرِي﴾ هَذا الَّذِي أُجِيبُ بِهِ عَنْ هَذا الكِتابِ، جَعَلَتِ المَشُورَةَ فَتْوى تَوَسُّعًا، لِأنَّ الفَتْوى الجَوابُ في الحادِثَةِ، والحُكْمُ بِما هو صَوابٌ مُسْتَعارٌ مِن (p-١٥٩)الفِتاءِ في السِّنِّ الَّذِي صَفْوَةُ العُمْرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَتْ أمْرَها لَهم بِذَلِكَ بِأنَّها شَأْنُها دائِمًا مُشاوَرَتُهم في كُلِّ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، فَكَيْفَ بِهَذا الأمْرِ الخَطِيرِ، وفي ذَلِكَ اسْتِعْطافُهم بِتَعْظِيمِهِمْ وإجْلالِهِمْ وتَكْرِيمِهِمْ، فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ﴾ أيْ: كَوْنًا ما ﴿قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ: فاعِلَتَهُ وفاصِلَتَهُ غَيْرَ مُتَرَدِّدَةٍ فِيهِ ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ وقَدْ دَلَّ عَلى غَزارَةِ عَقْلِها وحَسُنِ أدَبِها، ولِذَلِكَ جَنَتْ ثَمَرَةَ أمْثالِ ذَلِكَ طاعَتَهم لَها في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، فاسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ.

27:33Page 379

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

﴿قالُوا﴾ أيْ: المَلَأُ مائِلِينَ إلى الحَرْبِ: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ أيْ: بِالمالِ والرِّجالِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ﴾ أيْ: عَزْمٍ في الحَرْبِ ﴿شَدِيدٍ﴾ ﴿والأمْرُ﴾ راجِعٌ [و] مَوْكُولٌ ﴿إلَيْكِ﴾ أيْ: كُلٌّ مِنَ المُسالَمَةِ والمُصادَمَةِ ﴿فانْظُرِي﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا نِزاعَ مَعَكَ ﴿ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: بِهِ فَإنَّهُ مَسْمُوعٌ.

27:34Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

ولَمّا عَلِمَتْ أنَّ مَن سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ، ولا أحَدٌ يَكِيدُهُ، مالَتْ إلى المُسالَمَةِ، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى الإخْبارَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَتْ﴾ جَوابًا لِما أحَسَّتْ في جَوابِهِمْ مِن مَيْلِهِمْ إلى الحَرْبِ أنَّ الصَّوابَ مِن غَيْرِ ارْتِيابٍ أنْ نَحْتالَ في عَدَمِ قَصْدِ هَذا المَلِكِ المُطاعِ؛ ثُمَّ عَلَّلَتْ هَذا الَّذِي أفْهَمَهُ سِياقُ كَلامِها بِقَوْلِها: (p-١٦٠)﴿إنَّ المُلُوكَ﴾ أيْ: مُطْلَقًا، فَكَيْفَ بِهَذا النّافِذِ الأمْرِ، العَظِيمِ القَدْرِ ﴿إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ أيْ: عَنْوَةً بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ ﴿أفْسَدُوها﴾ أيْ: بِالنَّهْبِ والتَّخْرِيبِ ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: بِما يُرُونَهم مِنَ البَأْسِ، ويُحِلُّونَ بِهِمْ مِنَ السَّطْوَةِ، ثُمَّ أكَّدَتْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، الوَعْرِ المَسْلَكِ البَعِيدِ الشَّأْوِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ دائِمًا، هو خُلُقٌ لَهم مُسْتَمِرٌّ جَمِيعُهم عَلى هَذا، فَكَيْفَ بِمَن تُطِيعُهُ الطُّيُورُ، ذَواتُ الوُكُورِ، فِيما يُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ.

27:35Page 379

وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥

But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."

ولَمّا بَيَّنَتْ ما في المُصادَمَةِ مِنَ الخَطَرِ، أتْبَعَتْهُ ما عَزَمَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُسالَمَةِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ﴾ وأشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظِيمِ ما تُرْسِلُ بِهِ بِالجَمْعِ في قَوْلِها: ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلَيْهِ وإلى جُنُودِهِ ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: تَقَعُ مِنهم مَوْقِعًا. قالَ البَغَوِيُّ: وهي العَطِيَّةُ عَلى طَرِيقِ المُلاطَفَةِ.

﴿فَناظِرَةٌ﴾ عَقِبَ ذَلِكَ وبِسَبَبِهِ ﴿بِمَ﴾ أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ ﴿يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ بِتِلْكَ الهَدِيَّةِ عَنْهُ مِنَ المَقالِ أوِ الحالِ، فَنَعْمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما نَراهُ مِن أمْرِهِ، فَنَكُونُ قَدْ سَلِمْنا مِن خَطَرِ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ نَعْرِفْ عاقِبَتُهُ، ولَمْ يَضُرَّنا ما فَعَلْنا شَيْئًا.

27:36Page 380

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦

So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأرْسَلَتْ بِالهَدِيَّةِ، وهي فِيما يُقالُ خَمْسُمِائَةِ (p-١٦١)غُلامٍ مُرْدٍ، زَيَّنَتْهم بِزِيِّ الجَوارِي، وأمَرَتْهم بِتَأْنِيثِ الكَلامِ، وخَمْسُمِائَةِ جارِيَةٍ في زِيٍّ الغِلْمانِ، وأمَرَتْهم بِتَغْلِيظِ الكَلامِ، وجَزْعَةٍ مُعْوَجَّةِ الثُّقْبِ، ودُرَّةٍ غَيْرِ مَثْقُوبَةٍ [وغَيْرِ ذَلِكَ]، وسَألَتْهُ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، وأنْ يَثْقُبَ الدُّرَّةَ، وأنْ يَدْخُلَ في الجَزْعَةِ خَيْطًا، فَأمَرَهم بِغَسْلِ الوُجُوهِ والأيْدِي، فَكانَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِإحْدى يَدَيْها ثُمَّ تَنْقُلُهُ إلى الأُخْرى ثُمَّ تَضْرِبُ الوَجْهَ وتَصُبُّ الماءَ عَلى باطِنِ ساعِدِها صَبًّا، وكانَ الغُلامُ كَما يَأْخُذُ الماءَ يَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ ويَصُبُّ الماءَ عَلى ظَهْرِ السّاعِدِ ويَحْدُرُهُ عَلى يَدَيْهِ حَدْرًا، وأمَرَ الأرَضَةَ فَثَقَبَتِ الدُّرَّةُ، والدُّودَةُ فَأدْخَلَتِ السِّلْكَ في الثُّقْبِ المُعْوَجِّ، رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى سُرْعَةِ الإرْسالِ: ﴿فَلَمّا جاءَ﴾ أيْ: الرَّسُولُ الَّذِي بَعَثَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو يَقَعُ عَلى الجَمْعِ والمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.

﴿سُلَيْمانَ﴾ فَدَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلرَّسُولِ ولِمَن في خِدْمَتِهِ اسْتِصْغارًا لِما مَعَهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن مَعَكَ ومَن أرْسَلَكَ ﴿بِمالٍ﴾ [وإنَّما قَصْدِي لَكم لِأجْلِ الدِّينِ]، تَحْقِيرًا لِأمْرِ الدُّنْيا وإعْلامًا بِأنَّهُ لا التِفاتَ (p-١٦٢)لَهُ نَحْوَها بِوَجْهٍ، ولا يُرْضِيهِ شَيْءٌ دُونَ طاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ ما أوْجَبَ لَهُ اسْتِصْغارَ ما مَعَهُ فَقالَ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ مِنَ المالِ والجَلالِ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْكِ والقُرْبِ مِنهُ سُبْحانَهُ، وهو الَّذِي يُغْنِي مُطِيعَهُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَمَهْما سَألَهُ أعْطاهُ، وذَلِكَ أنَّهُ صَفَّ الشَّياطِينَ والإنْسَ والسِّباعَ والوَحْشَ والطَّيْرَ والهَوامَّ صُفُوفًا فَراسِخَ عِدَّةً، وبَسَطَ المَكانَ كُلَّهُ بِلِينِ الذَّهَبِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: مِنَ [المُلْكِ] الَّذِي لا نُبُوَّةَ فِيهِ، ولا تَأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ أنَّ هَدِيَّتَكم مِمّا يَزْهَدُ فِيهِ لِتَقَيُّدِكم بِظاهِرٍ [مِنَ] الحَياةِ الدُّنْيا، نَسَقَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾ أيْ: بِجَهْلِكم لِذَلِكَ تَسْتَعْظِمُونَ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَأنْتُمْ ﴿بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ بِتَجْوِيزِكم أنَّ الدُّنْيا تَرُدُّنِي عَنْكم لِأنَّها غايَةُ قَصْدِي، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّكم تَفْرَحُونَ بِما يَهْدِي إلَيْكم فَتَتْرُكُونَ مَن كُنْتُمْ تُرِيدُونَ غَزْوَهُ لِأجْلِ ما آتاكم [مِنهُ] مِنَ الدُّنْيا، فَحالِي خِلافُ حالِكم، فَإنَّهُ لا يُرْضِينِي إلّا الدِّينُ، .

27:37Page 380

ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧

Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."

ثُمَّ أفْرَدَ الرَّسُولَ إرادَةً لِكَبِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ﴾ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ إكْرامًا لِنَفْسِهِ، وصِيانَةً لِاسْمِها عَنِ التَّصْرِيحِ بِضَمِيرِها، وتَعْمِيمًا لِكُلِّ مَن يَهْتَمُّ بِأمْرِها ويُطِيعُها ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ﴾ أيْ: طاقَةَ ﴿لَهم بِها﴾ أيْ: بِمُقابَلَتِها لِمُقاوَمَتِها وقَلْبِها عَنْ قَصْدِها، أيْ: لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوها (p-١٦٣)﴿ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها﴾ أيْ: مِن بِلادِهِمْ ﴿أذِلَّةً﴾

ولَمّا كانَ الذُّلُّ قَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الِانْقِيادِ، لا عَلى سَبِيلِ الهَوانِ، حَقَّقَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ المَنَعَةِ إنْ لَمْ يُقِرُّوا بِالإسْلامِ.

27:38Page 380

قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨

[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"

ولَمّا ذَهَبَ الرُّسُلُ، وعَلِمَ ﷺ مِمّا رَأى مِن تَصاغُرِهِمْ لِما رَأوْا مِن هَيْبَتِهِ وجَلالِهِ الَّذِي حَباهُ بِهِ رَبُّهُ وعَظْمَتُهُ أنَّهم يَأْتُونَ بِها مُذْعِنَةً ﴿قالَ﴾ لِجَماعَتِهِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] لِإعْلامِهِ بِأنَّها اسْتَوْثَقَتْ مِن عَرْشِها: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ لِتَرى بَعْضَ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ الخَوارِقِ، فَيَكُونُ أعْوَنَ عَلى مُتابَعَتِها في الدِّينِ، ولِآخُذَهُ قَبْلَ أنْ يَحْرُمَ أخْذُهُ بِإسْلامِها، وأخْتَبِرُ بِهِ عَقْلَها ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي﴾ [أيْ: ] هي وجَماعَتُها ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ لِسُلْطانِي، تارِكِينَ لِعِزِّ سُلْطانِهِمْ، مُنْخَلِعِينَ مِن عَظِيمِ شَأْنِهِمْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أمْكَنَ في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْها في نُبُوَّتِي وأعْوَنَ عَلى رُسُوخِ الإيمانِ في قَلْبِها وإخْلاصِها فِيهِ.

27:39Page 380

قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩

A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."

﴿قالَ عِفْرِيتٌ﴾ ولَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلى الأسَدِ، وعَلى المارِدِ القَوِيِّ، وعَلى الرَّجُلِ النّافِذِ في الأمْرِ المُبالِغِ فِيهِ مَعَ دَهاءٍ وقُوَّةٍ، وقالَ الرّازِي: (p-١٦٤)مَعَ خُبْثٍ ومَكْرٍ، وعَلى غَيْرِهِ، بَيَّنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿مِنَ الجِنِّ أنا﴾ الدّاهِيَةُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ ﴿آتِيكَ بِهِ﴾ ولَمّا عَلِمَ أنَّ غَرَضَهُ الإسْراعُ قالَ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ أيْ: مَجْلِسِكَ هَذا، ثُمَّ أوْثَقَ الأمْرَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي عَلَيْهِ﴾ أيْ: الإتْيانِ بِهِ سالِمًا ﴿لَقَوِيٌّ﴾ لا يُخْشى عَجْزِي عَنْهُ ﴿أمِينٌ﴾ لا يُخافُ انْتِقاصِي شَيْئًا مِنهُ.

27:40Page 380

قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠

Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."

ولَمّا كانَتِ القِصَّةُ لِإظْهارِ فَضْلِ العِلْمِ المُسْتَلْزِمِ لِلْحِكْمَةِ، دَلالَةً عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ عَلِيمٌ، تَرْغِيبًا في القُرْآنِ، وحَثًّا عَلى ما أفادَهُ مِنَ البَيانِ، قالَ حاكِيًا لِذَلِكَ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِاسْتِشْرافِهِ ﷺ لِأقْرَبَ مِن ذَلِكَ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ﴾ .

ولَمّا كانَ لِكُتُبِ اللَّهِ مِنَ العَظَمَةِ ما لا يُحِيطُهُ إلّا اللَّهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَنْكِيرِ ما لِهَذا الَّذِي يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا الخارِقِ العَظِيمِ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿عِلْمٌ﴾ [تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ اقْتَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِقُوَّةِ العِلْمِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ العِلْمِ والحَثَّ عَلى تَعَلُّمِهِ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا الفَضْلَ إنَّما هو لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَقالَ]: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: الَّذِي [لا كِتابَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وهو المَنسُوبُ إلَيْنا، وكَأنَّهُ الَّذِي] كانَ شَهِيرًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَعَلَّهُ التَّوْراةُ والزَّبُورُ، إشارَةً إلى أنَّ مَن خَدَمَ كِتابًا حَقَّ الخِدْمَةِ (p-١٦٥)كانَ اللَّهُ - تَعالى كَما ورَدَ في شَرْعِنا - سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، أيْ: إنَّهُ يَفْعَلُ لَهُ ما يَشاءُ، وقِيلَ في تَعْيِينِهِ إنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا وكانَ صِدِّيقًا عالِمًا: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ﴾ وهَذا أظْهَرُ في كَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ لِأنَّ الفِعْلَ قارَنَ الكَلامَ؛ وبَيَّنَ فَضْلَهُ عَلى العِفْرِيتِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ﴾ [أيْ: يَرْجِعَ] ﴿إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أيْ: بَصَرُكَ إذا طَرَفْتَ بِأجْفانِكَ فَأرْسَلْتَهُ إلى مُنْتَهاهُ ثُمَّ رَدَدْتَهُ؛ قالَ القَزّازُ: طَرْفُ العَيْنِ: امْتِدادُ بَصَرِها حَيْثُ أدْرَكَ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ ما ارْتَدَّ إلَيَّ طَرْفِي، أيْ: ما دُمْتُ أُبْصِرُ، ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ يَطْرِفُ إذا حَرَكَ جُفُونَهُ، وقِيلَ: الطَّرْفُ اسْمٌ لِجامِعِ البَصَرِ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وبَيَّنَ تَصْدِيقَ فِعْلِهِ لِقَوْلِهِ أنَّهُ اسْتَوْلى عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَتَحَكَّمَ مِنهُ العِفْرِيتُ فَبادَرَ الطَّرْفُ إحْضارَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ﴾ أيْ: العَرْشَ.

ولَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ بُعْدٍ ومَجازِيَّةٍ، وكَذَلِكَ العِنْدِيَّةُ، بَيَّنَ أنَّها حَقِيقِيَّةٌ بِإظْهارِ العامِلِ في الظَّرْفِ ومِن حَقِّهِ في غَيْرِ هَذا السِّياقِ الحَذْفُ فَقالَ: ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أيْ: ثابِتًا ثَباتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، ما هو بِسِحْرٍ ولا مَنامٍ ولا مِثالٍ؛ قالَ الإمامُ جَمالُ الدِّينِ بْنُ هِشامٍ في البابِ (p-١٦٦)الثّالِثِ مِن كِتابِهِ المُغْنِي: زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ”مُسْتَقِرًّا“ هو المُتَعَلِّقُ الَّذِي يُقَدَّرُ في أمْثالِهِ قَدْ ظَهَرَ، والصَّوابُ ما قالَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ مِن أنَّ هَذا الِاسْتِقْرارَ مَعْناهُ عَدَمُ التَّحَرُّكِ لا مُطْلَقُ الوُجُودِ والحُصُولِ، فَهو كَوْنٌ خاصٌّ.

﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ شُكْرًا لِما آتاهُ اللَّهُ مِن هَذِهِ الخَوارِقِ: ﴿هَذا﴾ أيْ: الإتْيانُ المُحَقَّقُ ﴿مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ، لا بِعَمَلٍ أسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا، فَإنَّهُ أحْسَنَ إلَيَّ بِإخْراجِي مِنَ العَدَمِ وتَطْوِيقِي لِلْعَمَلِ، فَكُلُّ عَمَلٍ نِعْمَةٌ مِنهُ يَسْتَوْجِبُ عَلَيَّ بِهِ الشُّكْرَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أيْ: يَفْعَلَ مَعِي فِعْلَ المُبْتَلِي النّاظِرِ ﴿أأشْكُرُ﴾ فَأعْتَرِفُ بِكَوْنِهِ فَضْلًا ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ بِظَنِّ أنِّي أُوتِيتُهُ بِاسْتِحْقاقٍ، ثُمَّ زادَ في حَثِّ نَفْسِهِ عَلى الشُّكْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن شَكَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ الشُّكْرَ لِرَبِّهِ ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ فَإنَّ نَفْعَهُ لَها، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو أعْلى مِن أنْ يَكُونَ لَهُ في شَيْءٍ نَفْعٌ أوْ عَلَيْهِ فِيهِ ضُرٌّ ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيَّ بِتَوْفِيقِي لِما أنا فِيهِ مِنَ الشُّكْرِ ﴿غَنِيٌّ﴾ أيْ: عَنْ شُكْرٍ، لا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ شَيْئًا ﴿كَرِيمٌ﴾ يَفْعَلُ مَعَهُ بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِ فِعْلَ مَن أظْهَرَ مَحاسِنَهُ وسَتَرَ مَساوِئَهُ، [ثُمَّ هو جَدِيرٌ بِأنْ يَقْطَعَ إحْسانَهُ إنِ اسْتَمَرَّ عَلى إجْرامِهِ كَما (p-١٦٧)يَفْعَلُ الغَنِيُّ بِمَن أصَرَّ عَلى كُفْرِ إحْسانِهِ فَإذا هو قَدْ هَلَكَ].

27:41Page 380

قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١

He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."

ولَمّا قَدَّمَ - كَما هو دَأْبُ الصّالِحِينَ - الشُّكْرَ، وعَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُ في العَرْشِ ما لِأجْلِهِ أحْضَرَهُ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلَيْهِ فَأُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ [أيْ: ] سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أيْ: بِتَغْيِيرِ بَعْضِ مَعالِمِهِ وهَيْئَتِهِ اخْتِبارًا لِعَقْلِها كَما اخْتَبَرَتْنا هي بِالوُصَفاءِ والوَصائِفِ والدُّرَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ أيْ: إلى مَعْرِفَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهِدايَتِها في الدِّينِ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ﴾ شَأْنُهم أنَّهم ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ بَلْ هم في غايَةِ الغَباوَةِ، لا يَتَجَدَّدُ لَهُمُ اهْتِداءٌ، بَلْ لَوْ هُدُوا لَوَقَفُوا عِنْدَ الشُّبَهِ، وجادَلُوا بِالباطِلِ وما حَلُّوا، .

27:42Page 380

فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢

So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].

وأشارَ إلى سُرْعَةِ مَجِيئِها إشارَةً إلى خُضُوعِها بِالتَّعْبِيرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ وكانَ مَجِيئُها - عَلى ما قِيلَ - في اثَّنىْ عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ مِن وُجُوهِ اليَمَنِ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، وكانَتْ قَدْ وضَعَتْ عَرْشَها داخِلَ بَيْتٍ مَنِيعٍ، ووَكَّلَتْ بِهِ حُرّاسًا أشِدّاءَ ﴿قِيلَ﴾ أيْ: لَها وقَدْ رَأتْ عَرْشَها بَعْدَ تَنْكِيرِهِ بِتَقْلِيبِ نَصْبِهِ وتَغْيِيرِهِ، مِن قائِلٍ لا يَقْدِرُ عَلى السُّكُوتِ عَنْ جَوابِهِ لِما نالَها مِنَ الهَيْبَةِ وخالَطَها مِنَ الرُّعْبِ مِن عَظِيمِ ما رَأتْ، فَقَرَّعَها بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ عَلى أرْبَعِ كَلِماتٍ: هاءُ التَّنْبِيهِ، وكافُ التَّشْبِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ، (p-١٦٨)مُصَدَّرَةً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ: تَنَبَّهِي،

﴿أهَكَذا﴾ أمِثْلُ ذا العَرْشِ ﴿عَرْشُكِ قالَتْ﴾ عادِلَةً عَنْ حَقِّ الجَوابِ مِن ”نَعَمْ“ أوْ ”لا“ إشارَةً إلى أنَّها غَلَبَ عَلى ظَنِّها أنَّهُ هو بِعَيْنِهِ كَما قالُوا في ”كَأنَّ زَيْدًا قائِمٌ“: ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثَباتٍ كَبِيرٍ، وفِكْرٍ ثاقِبٍ، ونَظَرٍ ثابِتٍ، وطَبْعٍ مُنْقادٍ، لِتَجْوِيزِ المُعْجِزاتِ والإذْعانِ لَها مَعَ دَهْشَةِ القُدُومِ، واشْتِغالِ الفِكْرِ بِما دَهَمَها مِن هَيْبَتِهِ وعَظِيمِ أمْرِهِ، فَعَلِمَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ [رَجاحَةَ عَقْلِها وبَطَلانَ ما قالَ الشَّياطِينُ مِن نَقْصِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَتَزَوَّجَها فَتُفْشِي عَلَيْهِ أسْرارَ الجِنِّ لِأنَّ أُمَّها كانَتْ جِنِّيَّةً] عَلى ما قِيلَ، وقالُوا: إنَّ رِجْلَها كَحافِرِ الحِمارِ، وإنَّها كَثِيرَةُ الشَّعْرِ جِدًّا.

ولَمّا كانَتْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ شُبِّهَ عَلَيْها ولَمْ تَصِلْ إلى حاقِ الِانْكِشافِ مَعَ أنَّها غُلِبَتْ عَلى عَرْشِها مَعَ الِاحْتِفاظِ عَلَيْهِ، اسْتَحْضَرَ ﷺ ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العِلْمِ زِيادَةً في حَثِّهِ عَلى الشُّكْرِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأُوتِيَتْ مِن أمْرِ عَرْشِها عِلْمًا، ولَكِنَّهُ يُخالِجُهُ شَكٌّ، فَدَلَّ عَلى أنَّها في الجُمْلَةِ مِن أهْلِ العِلْمِ المُهَيِّئِ لِلْهِدايَةِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ (p-١٦٩)بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَلْزَمُ مِن قَوْلِها ”كَأنَّهُ“: فَجَهِلَتْ أمْرَ عَرْشِها عَلى كَثْرَةِ مُلابَسَتِها لَهُ: ﴿وأُوتِينا﴾ مُعَبِّرًا بِنُونِ الواحِدِ المُطاعِ، لاسِيَّما والمُؤْتى سَبَبٌ لِعَظَمَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وهو العِلْمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى إيتائِهِ غَيْرُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ فاعِلَهُ مَعْلُومٌ ﴿العِلْمَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ ما آتانا اللَّهُ عِلْمَهُ، ومِنهُ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْها ﴿مِن قَبْلِها﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إتْيانِها، بِأنَّ عَرْشَها يَشْتَبِهُ عَلَيْها، أوْ مِن قَبْلِ عِلْمِها بِما ظَنَّتْ مِن أمْرِ عَرْشِها، أوْ أنا وأسْلافِي مِن قَبْلِ وُجُودِها، فَنَحْنُ عَرِيقُونَ في العِلْمِ، فَلِذَلِكَ نَحْنُ عَلى حَقِيقَةٍ مِن جَمِيعِ أُمُورِنا، وإنَّما قالَ: ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١] بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في وُجُودِ العِلْمِ واتِّساعِهِ وثَباتِهِ فَقالَ: ﴿وكُنّا﴾ أيْ: مَعَ العِلْمِ الَّذِي هَيَّأنا اللَّهُ لَهُ بِما جَعَلَ في غَرائِزِنا مِنَ النُّورانِيَّةِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: خاضِعِينَ لِلَّهِ تَعالى عَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ مُقْبِلِينَ عَلى جَمِيعِ أوامِرِهِ بِالفِعْلِ عَلى حَسَبِ أمْرِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]

27:43Page 380

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣

And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."

ولَمّا كانَ المَعْنى: وأمّا هي فَإنَّها وإنْ أُوتِيَتْ عِلْمًا فَلَمْ يَكُنْ ثابِتًا، ولا كانَ مَعَهُ دِينٌ، تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وصَدَّها﴾ أيْ: هي عَنْ كَمالِ العِلْمِ (p-١٧٠)كَما صَدَّها عَنِ الدِّينِ ”ما“ أيْ: المَعْبُودُ الَّذِي ﴿كانَتْ﴾ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا في الزَّمَنِ الماضِي ﴿تَعْبُدُ﴾ أيْ: عِبادَةً مُبْتَدِئَةً ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ أوْ أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِهِ، وهي عِبادَةُ الشَّمْسِ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حِزْبِ اللَّهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ وحِزْبِ إبْلِيسَ السَّفِيهِ الجَهُولِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى عَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ عَلى أسْلافِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّها﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَلى البَدَلِ مِن فاعِلِ ”صَدَّ“ ﴿كانَتْ مِن قَوْمٍ﴾ أيْ: ذَوِي بَطْشٍ وقِيامٍ ﴿كافِرِينَ﴾ أيْ: فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا -وإنْ كانَتْ في غايَةٍ مِن وُفُورِ العَقْلِ وصَفاءِ الذِّهْنِ وقَبُولِ العِلْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ظَنُّها في عَرْشِها، ما يَهْتَدِي لَهُ إلّا مَن عِنْدَهُ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ- في اقْتِفائِها لِآثارِهِمْ في الدِّينِ، فَصَدِيَتْ مِرْآةُ فِكْرِها ونَبَتْ صَوارِمُ عَقْلِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском