Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:60–65
27:60Page 382
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].
ولَمّا كانَ مَعَ هَذا البَيانِ مِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ زِيادَةٌ في تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وتَقْرِيرِ المُنْكِرِينَ: مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ البالِغَةَ في الحِكْمَةِ المُتَناهِيَةِ في العِلْمِ أمْ مَن سَمَّيْتُمُوهُ إلَهًا، ولا أثَرَ لَهُ أصْلًا، عادَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ﴾ وكانَ الأصْلُ: أمْ هو، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ باسِمٍ مَوْصُولٍ أصْلُ وضْعِهِ لِذِي العِلْمِ، ووَصَلَهُ بِما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ لِيَكُونَ كالدَّعْوى المَقْرُونَةِ بِالدَّلِيلِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ تَنْبِيهًا بِالقُدْرَةِ عَلى بَدْءِ الخَلْقِ عَلى القُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِ، بَلْ مِن بابِ الأوْلى، دَلالَةً عَلى الإيمانِ بِالآخِرَةِ تَخَلُّقًا بِأخْلاقِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَضى أوَّلُ السُّورَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ المُبِينَ بُشْرى لَهم.
ولَمّا كانَ الإنْباتُ مِن أدَلِّ الآياتِ، عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، قالَ: ﴿وأنْـزَلَ﴾ وزادَ في تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِكم خاصَّةً وأنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِهِ وتَنْسِبُونَ ما تَفَرَّدَ بِهِ مِن ذَلِكَ لِغَيْرِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو لِلْأرْضِ كالماءِ الدّافِقِ لِلْأرْحامِ كالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ آخِرَ الدُّهُورِ عَلى القُبُورِ. (p-١٨٧)فِي وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ لِفِعْلِ المُتَبايِناتِ في الطَّعْمِ واللَّوْنِ والرِّيحِ والطَّبْعِ والشَّكْلِ بِماءٍ واحِدٍ في أرْضٍ واحِدَةٍ واخْتِصاصُهُ بِفِعْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُشارَكَةِ شَيْءٍ لَهُ شَيْءٌ مِنهُ أصْلًا، وهو آيَتُهُ العُظْمى عَلى أمْرِ البَعْثِ، عَدَلَ إلى التَّكَلُّمِ [و] عَلى وجْهِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِهِ حَدائِقَ﴾ أيْ: بَساتِينَ مُحْدِقَةً - أيْ: مُحِيطَةً - بِها أشْجارُها وجُدْرانُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ ما كانَ هَكَذا، فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُدارَ عَلَيْهِ الجِدارُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِدارٌ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ البُسْتانَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
ولَمّا كانَ الأوْلى بِجَمْعِ الكَثْرَةِ لِما لا يَعْقِلُ الوَصْفَ بِالمُفْرَدِ قالَ مُفِيدًا أنَّها كالشَّيْءِ الواحِدِ في ذَلِكَ الوَصْفِ:﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: بَهاءٍ وحُسْنٍ ورَوْنَقٍ، وبِشْرٍ بِها وسُرُورٍ عَلى تَقارُبِ أُصُولِها مَعَ اخْتِلافِ أنْواعِها، وتَبايُنِ طَعُومِها وأشْكالِها، ومَقادِيرِها وألْوانِها.
ولَمّا أثْبَتَ الإنْباتَ لَهُ، نَفاهُ عَنْ غَيْرِهِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ تَنْبِيهًا عَلى تَأكُّدِ اخْتِصاصِهِ بِفِعْلِهِ، وعَلى أنَّهُ إنْ أسْنَدَ إلى غَيْرِهِ فَهو مَجازٌ عَنِ التَّسَبُّبِ وأنَّ الحَقِيقَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما تَصَوَّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لَكُمْ﴾ وأنْتُمْ أحْياءٌ فَضْلًا عَنْ شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ هم أمْواتٌ بَلْ مَواتٌ ﴿أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: شَجَرَ (p-١٨٨)تِلْكَ الحَدائِقِ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ، حَسُنَ مَوْقِعُ الإنْكارِ والتَّقْرِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ﴾ أيْ كائِنٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ: لا وعِزَّتِهِ! قالَ مُعْرِضًا عَنْهم لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ أيْ: في دُعائِهِمْ مَعَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا ﴿قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ إلى غَيْرِهِ، مَعَ العِلْمِ بِالحَقِّ، فَيَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ.
27:61Page 382
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.
ولَمّا فَرَغَ مِن آيَةٍ اشْتَرَكَ فِيها الخافِقانِ، ذَكَرَ ما تَتَفَرَّدُ بِهِ الأرْضُ، لِأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِمْ وهم بِحَقِيقَتِها وما بِسِواهُ مِن أحْوالِها أعْلَمُ مِنهم بِالأُمُورِ السَّماوِيَّةِ، تَعْدِيدًا لِلْبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ﴿أمَّنْ خَلَقَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ﴾ أيْ: أمْ فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي ﴿جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةً في نَفْسِها لِيُقِرَّ عَلَيْها غَيْرَها، وكانَ القِياسُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاوِيَةً أوْ مُضْطَرِبَةً كَما يَضْطَرِبُ ما هو مُعَلَّقٌ في الهَواءِ.
ولَمّا ذَكَرَ قَرارَها، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ فَقالَ: (p-١٨٩)﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ: في الأماكِنِ المُنْفَرِجَةِ بَيْنَ جِبالِها ﴿أنْهارًا﴾ أيْ: جارِيَةً عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَلَوِ اضْطَرَبَتِ الأرْضُ أدْنى اضْطِرابٍ، لَتَغَيَّرَتْ مَجارِي المِياهِ بِلا ارْتِيابٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ، ذَكَرَ سَبَبَ القَرارِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: كَمِراسِي السُّفُنِ، كانَتْ أسْبابًا في ثَباتِها عَلى مِيزانٍ دَبَّرَهُ سُبْحانَهُ في مَواضِعَ مِن أرْجائِها بِحَيْثُ اعْتَدَلَتْ جَمِيعُ جَوانِبِها فامْتَنَعَتْ مِنَ الِاضْطِرابِ.
ولَمّا أثْبَتَ القَرارَ وسَبَّبَهُ، وكانَ قَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأنْهارِ طُرُقًا تَتَصَرَّفُ [فِيها] ولَوْ حَبَسَها عَنِ الجَرْيِ شَيْءٌ لَأوْشَكَ أنْ تَسْتَبْحِرَ، فَيَصِيرُ أكْثَرُ الأرْضِ لا يَنْتَفِعُ بِهِ في سَيْرٍ ولا نَباتٍ، أوْ أنْ تَخْرُقَ ذَلِكَ الحابِسُ بِما لَها مِن قُوَّةِ الجَرْيِ وشِدَّةِ النُّفُوذِ بِلَطافَةِ السَّرَيانِ، لِأنَّ مِن عادَةِ المِياهِ التَّخَلُّلَ بَيْنَ أطْباقِ التُّرابِ والتَّغَلْغُلَ بِما لَها مِنَ اللَّطافَةِ والرِّقَّةِ، والثِّقَلِ في الأعْماقِ ولَوْ قَلِيلًا قَلِيلًا، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ سَدَّ ما بَيْنَ البَحْرِينِ: الرُّومِيِّ والفارِسِيِّ، وكانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ إنَّما هو يَسِيرٌ جِدًّا في بَعْضِ المَواضِعِ، وكانَ بَعْضُ مِياهِ الأرْضِ عَذْبًا، وبَعْضُهُ مِلْحًا، مَعَ (p-١٩٠)القُرْبِ جِدًّا مِن ذَلِكَ العَذْبِ، سَألَهم - تَنْبِيهًا لَهم عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ - عَنِ المُمْسِكِ لِعُدْوانِ أحَدِهِما عَلى آخَرَ، ولِعُدْوانِ كُلٍّ مِن خَلِيجَيِ المِلْحِ عَلى ما بَيْنَهُما لِئَلّا يَخْرُقاهُ فَيَتَّصِلا فَقالَ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ أيْ: يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ يَصِلَ إلى الآخَرِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ اللَّهُ وحْدَهُ لَيْسَ عِنْدَ عاقِلٍ شَكٌّ في ذَلِكَ، كَرَّرَ الإنْكارَ في قَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا كانَ الجَوابُ الحَقُّ قَطْعًا: لا، وكانَ قَدْ أثْبَتَ لَهم في الإضْرابِ الأوَّلِ عِلْمًا مِن حَيْثُ الحُكْمُ عَلى المَجْمُوعِ، وكانَ كُلٌّ مِنهم يَدَّعِي رُجْحانَ العَقْلِ، وصَفاءَ الفِكْرِ، ورُسُوخَ القَدَمِ في العِلْمِ بِما يَدَّعِيهِ [العَرَبُ]، قالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: الخَلْقُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَذِهِ المَنافِعِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، بَلْ هم كالبَهائِمِ لِإعْراضِهِمْ عَنْ هَذا الدَّلِيلِ الواضِحِ.
27:62Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
ولَمّا دَلَّهم بِآياتِ الآفاقِ، وكانَتْ كُلُّها مِن أحْوالِ السَّرّاءِ، وكانَتْ بِمَعْرِضِ الغَفْلَةِ عَنِ الإلَهِ، ذَكَّرَهم بِما في أنْفُسِهِمْ مِمّا يُوجِبُهُ تَغَيُّرُ الأحْوالِ الدّالَّةِ بِمُجَرَّدِها عَلى الإلَهِ، ويَقْتَضِي لِكُلِّ عاقِلٍ [صِدْقُ] التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، (p-١٩١)وإخْلاصُ النِّيَّةِ لَدَيْهِ، والإقْبالُ عَلَيْهِ، عَلى ذَلِكَ رَكَزَتِ الطِّباعُ، وانْعَقَدَ الإجْماعُ، فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ نِزاعٌ، فَقالَ:﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ﴾ أيْ: جِنْسَ المَلْجَأِ إلى ما لا قِبَلَ لَهُ بِهِ، الصّادِقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ إذا أرادَ إجابَتَهُ كَما تُشاهِدُونَ، وعَبَّرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ مِمّا يَتَجَدَّدُ، بِخِلافِ ما مَضى مِن خَلْقِ السَّماواتِ وما بَعْدَهُ ﴿إذا دَعاهُ﴾ أيْ: حِينَ يُنْسِيكُمُ الضُّرُّ شُرَكاءَكم، ويُلْجِئُكم إلى مَن خَلَقَكم ويُذْهِلُ المُعَطِّلَ عَنْ مَذْهَبِهِ ويُغْفِلُهُ عَنْ سُوءِ أدَبِهِ عَظِيمُ إقْبالِهِ عَلى قَضاءِ أرَبِهِ.
ولَمّا كانَتِ الإجابَةُ ذاتَ شِقَّيْنِ، جَلَبَ السُّرُورَ، ودَفَعَ الشُّرُورَ، وكانَ النَّظَرُ إلى الثّانِي أشَدَّ، خَصَّهُ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ الأوَّلَ عَلى وجْهٍ أعَمَّ، فَقالَ مُشِيرًا إلى عَظِيمِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِهِمْ مُسَلَّطِينَ عالِينَ عَلى جَمِيعِ مَن في الأرْضِ وما في الأرْضِ مُشْرِفِينَ بِخِلافَتِهِ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ،
﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: فِيما يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا، لا يَزالُ يُجَدِّدُ ذَلِكَ بِإهْلاكِ قَرْنٍ وإنْشاءِ آخَرَ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولَمّا كانَ هَذا أبْيَنَ، كَرَّرَ الإنْكارَ فِيهِ مُبَكِّتًا لَهم بِالنِّسْيانِ فَقالَ: ﴿أإلَهٌ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ مَوْجُودٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ.
(p-١٩٢)ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّبْكِيتَ تَفْظِيعًا لَهُ ومُواجِهًا بِهِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ كَشْفُ هَذِهِ الأزَماتِ مِنَ القُرْبِ المُقْتَضِي لِلْخِطابِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ بِزِيادَةِ ”ما“ فَقالَ: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: بِأنَّ مَن أنْجاكم مِن ذَلِكَ وحْدَهُ حِينَ أخْلَصْتُمْ لَهُ التَّوَجُّهَ عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ هو المالِكُ لِجَمِيعِ أُمُورِكم في الرَّخاءِ كَما كانَ مالِكًا لَهُ في الشِّدَّةِ، وأنَّ الأصْنامَ لا تَمْلِكُ شَيْئًا بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها كَما لَمْ تَمْلِكْ شَيْئًا في اعْتِقادِكم عِنْدَ الأزَماتِ، واشْتِدادِ الكُرُباتِ، في الأُمُورِ المُهِمّاتِ، فَإنَّ هَذا قِياسٌ ظاهِرٌ، ودَلِيلٌ باهِرٌ، ولَكِنْ مِن طَبْعِ الإنْسانِ نِسْيانُ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّيْرِ، عِنْدَ مَجِيءِ الخَيْرِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتانِيَّةِ وهم أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ورَوْحٌ، فَلِلْإيذانِ بِالغَضَبِ الألْيَقِ بِالكُفْرانِ، مَعَ عَظِيمِ الإحْسانِ.
27:63Page 382
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
ولَمّا ذَكَرَ آياتِ الأرْضِ، وخَتَمَ بِالمُضْطَرِّ، وكانَ المُضْطَرُّ قَدْ لا يَهْتَدِي لِوَجْهِ حِيلَةٍ، أتْبَعَها آياتِ السَّماءِ ذاكِرًا ما هو [مِن] أعْظَمِ صُوَرِ الِاضْطِرارِ فَقالَ: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ أيْ: إذا سافَرْتُمْ بِما رَسَمَ لَكم مِنَ المَعالِمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ﴾ أيْ: بِالنُّجُومِ والجِبالِ والرِّياحِ، وهي وإنْ كانَتْ أضْعَفَها فَقَدْ يُضْطَرُّ إلَيْهِ [حَيْثُ] لا يَبْدُو (p-١٩٣)شَيْءٌ مِن ذَيْنِكَ ﴿والبَحْرِ﴾ بِالنُّجُومِ والرِّياحِ.
ولَمّا كانَتِ الرِّياحُ كَما كانَتْ مِن أدِلَّةِ السَّيْرِ، كانَ بَعْضُها مِن أدِلَّةِ المَطَرِ، قالَ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ أيْ: الَّتِي هي مِن دَلائِلِ السَّيْرِ ﴿نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣] أيْ: تَنْشُرُ السَّحابَ وتَجْمَعُها ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: الَّتِي هي المَطَرُ تَسْمِيَةً لِلْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ؛ والرِّياحُ الَّتِي يَهْتَدِي بِها في المَقاصِدِ أرْبَعٌ: الصَّبا، والدَّبُورُ، والشَّمالُ، والجَنُوبُ، وهي أضْعَفُ الدَّلائِلِ؛ قالَ الإمامُ أبُو هِلالٍ الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ العَسْكَرِيُّ في كِتابِ أسْماءِ الأشْياءِ وصِفاتِها: الرِّياحُ أرْبَعٌ: الشَّمالُ، وهي الَّتِي تَجِيءُ عَنْ يَمِينِكَ إذا اسْتَقْبَلْتَ قِبْلَةَ العِراقِ يَعْنِي: وذَلِكَ ما بَيْنَ مَطالِعِ الشَّمْسِ الصَّيْفِيَّةِ وبَناتِ نَعْشٍ، وهي في الصَّيْفِ حارَّةٌ، واسْمُها البارِحُ، والجَنُوبُ تُقابِلُها، [والصَّبا مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ وهي القَبُولُ، والدَّبُورُ تُقابِلُها، ] ويُقالُ الجَنُوبُ: النُّعامى والأرْنَبُ - انْتَهى.
وهَذِهِ العِبارَةُ أبْيَنُ العِباراتِ في تَعْيِينِ هَذِهِ الرِّياحِ، وقالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ أبِي أحْمَدَ بْنِ القاصِ (p-١٩٤)الطَّبَرِيُّ الشّافِعِيُّ في كِتابِهِ أدِلَّةِ القِبْلَةِ: إنَّ قِبْلَةَ العِراقِيِّينَ إلى بابِ الكَعْبَةِ كُلِّهِ إلى الرُّكْنِ الشّامِيِّ الَّذِي عِنْدَ الحَجَرِ، وقالَ: وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ بِهَذا الشَّأْنِ - أيْ: في التَّعْبِيرِ عَنْ مَواطِنِ الرِّياحِ - اخْتِلافًا مُتَبايِنًا، وأقْرَبُ ذَلِكَ - عَلى ما جَرَّبْتُهُ وتَعاهَدْتُهُ بِمَكَّةَ - أنَّ الصَّبا تَهُبُّ ما بَيْنَ مَطالِعِ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وسُهَيْلٌ يَمانُ مَسْقَطِهِ في رَأْيِ العَيْنِ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ إذا ارْتَفَعَ، وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: والصَّبا رِيحٌ مَهَبُّها مِن مَطْلَعِ الثُّرَيّا إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَ: والقَبُولُ كَصَبُورٍ: رِيحُ الصَّبا، لِأنَّها تُقابِلُ الدَّبُورَ، أوْ لِأنَّها تُقابِلُ بابَ الكَعْبَةِ، أوْ لِأنَّ النَّفْسَ تَقْلِبُها.
وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: الصَّبا: [الرِّيحُ] الَّتِي تَهُبُّ مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ، والقَبُولُ: الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَسْتَقْبِلُ الدَّبُورَ، وقِيلَ: لِأنَّها تَسْتَقْبِلُ بابَ الكَعْبَةِ وهي الصَّبا، فَقَدِ اتَّفَقَتْ أقَوْالُهم كَما تَرى عَلى خِلافِ ابْنِ القاصِ، وقالَ ابْنُ القاصِ: وهي - أيْ: الصَّبا - رِيحٌ مَعَها رَوْحٌ وخِفَّةٌ، ونَسِيمٌ تَهَبُّ مِمّا بَيْنَ مَشْرِقِ الشِّتاءِ ومَطْلَعِ سُهَيْلٍ، (p-١٩٥)ولَها بَرْدٌ يَقْرُصُ أشَدَّ مِن هُبُوبِها، وتُلَقِّحِ الأشْجارَ، ولا تَهُبُّ إلّا بِلَيْلٍ، سُلْطانُها إذا أظْلَمَ اللَّيْلُ، إلى أنْ يُسْفِرَ النَّهارُ وتَطْلُعَ الشَّمْسُ، وأشَدُّ ما يَكُونُ في وقْتِ الأسْحارِ [و] ما بَيْنَ الفَجْرَيْنِ، والجَنُوبُ تَهُبُّ ما بَيْنَ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَغارِبِ الشَّمْسِ في الصَّيْفِ.
وقالَ في القامُوسِ: والجَنُوبُ: رِيحٌ تُخالِفُ الشَّمالَ، مَهَبُّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، وعَنِ ابْنِ هِشامٍ اللَّخَمِيِّ أنَّ الجَنُوبَ هي الرِّيحُ القِبْلِيَّةُ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: والجَنُوبُ رِيحٌ تُخالِفُ الشَّمالَ تَأْتِي عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ، وقِيلَ: هي مِنَ الرِّياحِ ما اسْتَقْبَلَكَ عَنْ شِمالِكَ إذا وقَفْتُ في القِبْلَةِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ومَهَبُّ الجَنُوبِ مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، وقالَ الأصْمَعِيُّ: إذا جاءَتِ الجَنُوبُ جاءَ مَعَها خَيْرٌ وتَلْقِيحٌ، وإذا جاءَتِ الشَّمالُ نَشَفَتْ، ويُقالُ لِلْمُتَصافِيَيْنِ: رِيحُهُما جَنُوبٌ، وإذا تَفَرَّقا قِيلَ: شَمِلَتْ رِيحُهُما، وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الجَنُوبُ في كُلِّ مَوْضِعِ حارَّةٌ (p-١٩٦)إلّا بِنَجْدٍ فَإنَّها بارِدَةٌ؛ وقالَ ابْنُ القاصِ: وإذا هَبَّتْ فَقُوَّتُها في العُلُوِّ والهَواءِ أكْثَرُ لِأنَّها مُوكَلَةٌ بِالسَّحابِ، وتَحَرُّكِ الأغْصانِ ورُؤُوسِ الأشْجارِ، ومَعَ ذَلِكَ فَتَراها تُؤَلِّفُ الغَيْمَ في السَّماءِ، فَتَراهُ مُتَراكِمًا مَشْحُونًا، قالَ: وسَمِعْتُ مَن يَقُولُ: [ما] اشْتَدَّ هُبُوبُها إلّا خِيفَ المَطَرُ، ولا هَبَّتْ جَنُوبٌ قَطُّ ثُمَّ يَتْبَعُها دَبُورٌ إلّا وقَعَ مَطَرٌ، وهي تُهَيِّجُ البَحْرَ وتَظْهَرُ بِكُلِّ نَدًى كامِلٍ في الأرْضِ، وهي مِن رِيحِ الجَنَّةِ. والدَّبُورُ قالَ في القامُوسِ: رِيحٌ تُقابِلَ الصَّبا، وقالَ القَزّازُ: هي الَّتِي تَأْتِي مِن دُبُرِ الكَعْبَةِ وهي الَّتِي تُقابِلُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ.
وقالَ ابْنُ القاصِ: تَهُبُّ ما بَيْنَ مَغارِبِ الشَّمْسِ في الصَّيْفِ إلى مَطْلَعِ بَناتِ نَعْشٍ، وقُوَّتُها في الأرْضِ أشَدُّ مِن قُوَّتِها في الهَواءِ، وهي إذا هَبَّتْ تُثِيرُ الغُبارَ، وتَكْسَحُ الأرْضَ. وتَرْفَعُ الذُّيُولَ، وتَضْرِبُ الأقْدامَ، وأشَدُّ ما تُثِيرُ الغُبارَ إذا تَنَكَّبَتْ، تَراها كَأنَّها تُعَلَّبُ بِالتُّرابِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وتَرى الأشْجارَ في البَوادِي والرِّمالِ لَها دَوِيٌّ مِن ناحِيَةِ الدَّبُورِ، وقَدِ اجْتَمَعَ في أصْلِها التُّرابُ وما يَلِي الجَنُوبَ عارِيًا مَكْشُوفًا مُتَحَفِّزًا وقُوَّتُها في الأرْضِ - واللَّهُ أعْلَمُ، لِأنَّ عادًا أُوعِدَتْ بِالتَّدْمِيرِ بِالرِّياحِ، فَحَفَرْتِ الآبارَ واسْتَكَنَتْ فِيها، فَبَعَثَ اللَّهُ الدَّبُورَ فَدَخَلَتِ الآبارَ وقَذَفَتْهم مُتَدَمِّرِينَ حَتّى أهْلَكَتْهم.
والشَّمالُ قالَ في القامُوسِ: الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ مِن قَبْلِ الحَجَرِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ ما مَهَبُّهُ ما بَيْنَ مَطْلِهِ الشَّمْسُ وبَناتُ نَعْشٍ، أوْ مِن مَطْلَعِ النَّعْشِ إلى (p-١٩٧)مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ، ولا تَكادُ تَهَبُّ لَيْلًا.
وقالَ القَزّازُ: هي الرِّيحُ الَّتِي تَأْتِي عَنْ شِمالِكَ إذا اسْتَقْبَلْتُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّ الجَنُوبَ قالَتْ لِلشَّمالِ: إنَّ لِي عَلَيْكِ فَضْلًا، أنا أسْرِي وأنْتِ لا تَسْرِينَ، فَقالَتِ الشَّمالُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِينَ، وقالَ الصَّغانِيُّ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: والشَّمالُ: [الرِّيحُ] الَّتِي تَهُبُّ مِن ناحِيَةِ القُطْبِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: هي الَّتِي تَهَبُّ مِن جِهَةِ القُطْبِ الشَّمالِيِّ وهي الجِرْبِياءُ وهي الشّامِيَّةُ لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن شَقِّ الشّامِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ، والبَوارِحُ: شِدَّةُ الرِّياحِ [مِنَ الشَّمالِ في الصَّيْفِ دُونَ الشِّتاءِ كَأنَّهُ جَمْعُ بارِحَةٍ، وقِيلَ: البَوارِحُ: الرِّياحُ] الشَّدائِدُ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ، واحِدَتُها بارِحٌ، والجِرْبِياءُ: الرِّيحُ الَّتِي بَيْنَ الجَنُوبِ والصَّبا، وقِيلَ: [هِيَ] النَّكْباءُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الشَّمالِ والدَّبُورِ، وهي رِيحٌ تَقَشَعُ السَّحابَ، وقِيلَ: هي الشَّمالُ، وجِرْبِياؤُها بَرْدُها -قالَهُ الأصْمَعِيُّ - وقالَ اللَّيْثُ: هي الشَّمالُ البارِدَةُ، وقالَ ابْنُ القاصِ: والشَّمالُ تَهُبُّ ما بَيْنَ مَطْلَعِ [بَناتِ نَعْشٍ إلى مَطْلَعِ] الشَّمْسِ في الشِّتاءِ، وهي تَقْطَعُ الغَيْمَ وتَمْحُوها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الشَّمالَ المَحْوَةُ، قالَ: وهَذا بِأرْضِ الحِجازِ، وأمّا أرْضُ العِراقِ والمَشْرِقِ فَرُبَّما ساقَ الجَنُوبُ غَيْمًا واسْتَدارَهُ ولَمْ يَحْلِبْهُ حَتّى تَهُبَّ الشَّمالُ فَتَحْلِبُهُ، والجَنُوبُ والشَّمالُ مُتَماثِلَتانِ، لِأنَّهُما مُوَكَّلَتانِ بِالسَّحابِ، فالجَنُوبُ تَطْرُدُها (p-١٩٨)وهِيَ مَشْحُونَةٌ، والشَّمالُ تَرُدُّها وتَمْحُوها إذا أفْرَغَتْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّمالُ عِنْدَ العَرَبِ لِلرَّوْحِ، والجَنُوبُ لِلْأمْطارِ والنَّدى، والدَّبُورُ لِلْبَلاءِ، وأهْوَنُهُ أنْ يَكُونَ غُبارًا عاصِفًا يَقْذِي العُيُونَ، والصَّبا لِإلْقاحِ الشَّجَرِ، وكُلُّ رِيحٍ مِن هَذِهِ الرِّياحِ انْحَرَفَتْ فَوَقَعَتْ بَيْنَ رِيحَيْنِ فَهي نَكْباءُ، وسُمِّيَتْ لِعُدُولِها عَنْ مَهَبِّ الأرْبَعِ اللَّواتِي وُصِفْنَ قَبْلُ - انْتَهى.
[وقالَ المَسْعُودِيُّ في مُرُوجِ الذَّهَبِ في ذِكْرِ البَوادِي مِنَ النّاسِ وسَبَبِ اخْتِيارِ البَدْوِ: إنَّ شَخْصًا مِن خُطَباءِ العَرَبِ وفَدَ عَلى كِسْرى فَسَألَهُ عَنْ أشْياءَ مِنها الرِّياحُ فَقالَ: ما بَيْنَ سُهَيْلٍ إلى طَرَفِ بَياضِ الفَجْرِ جَنُوبٌ، وما بِإزائِهِما مِمّا يَسْتَقْبِلُهُما مِنَ المَغْرِبِ شَمالٌ، وما جاءَ مِن وراءِ الكَعْبَةِ فَهي دَبُورٌ، وما جاءَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ فَهي صَبا، ] .
ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ في سُورَةِ النُّورِ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أنَّهُ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُثِيرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ النّاشِئَةَ فَتُنْشِئُ السَّحابَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُ السَّحابَ
ولَمّا انْكَشَفَ بِما مَضى مِنَ الآياتِ ما كانُوا في ظَلامِهِ مِن واهِي الشُّبَهاتِ، واتَّضَحَتِ الأدِلَّةُ، ولَمْ تَبْقَ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِلَّةٌ، كَرَّرَ سُبْحانَهُ الإنْكارَ في قَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ فَشَمِلَتْ قُدْرَتُهُ.
(p-١٩٩)ولَمّا ذَكَرَ حالَةَ الِاضْطِرارِ، وأتْبَعَها مَن صُوَرِها ما مِنهُ ظُلْمَةُ البَحْرِ، وكانُوا في البَحْرِ يُخْلِصُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ويَتْرُكُونَ شُرَكاءَهم، نَبَّهَهم عَلى أنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاعْتِقادِ كَوْنِ الإخْلاصِ [لَهُ] واجِبًا دائِمًا، فَأتْبَعَهُ قَوْلَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ، مُعْرِضًا عَنْهم بِإجْماعِ العَشْرَةِ إعْراضَ مَن بَلَغَ بِهِ الغَضَبُ: ﴿تَعالى اللَّهُ﴾ أيْ: الفاعِلُ القادِرُ المُخْتارُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فَإنَّ شَيْئًا مِنها لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأيْنَ رُتْبَةُ العَجْزِ مِن رُتْبَةِ القُدْرَةِ.
27:64Page 383
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأدِلَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ تَرَقِّيًا مِن أعَمَّ إلى أخَصَّ، ومِن أرْضٍ إلى سَماءٍ، خَتَمَها بِما يَعُمُّها وغَيْرَها، إرْشادًا إلى قِياسِ ما غابَ مِنها عَلى ما شُوهِدَ، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ قَطْعًا القُدْرَةُ عَلى الإعادَةِ، فَساقَها لِذَلِكَ سِياقَ المُشاهَدِ المُسَلَّمِ، وعَدَّ مَن أنْكَرَهُ في عِدادِ مَن لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ [فَقالَ: ] ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ كُلَّهُ: ما عَلِمْتُمْ مِنهُ وما لَمْ تَعْلَمُوا، ثُمَّ بِيَدِهِ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، لَهُ هَذا الوَصْفُ بِاعْتِرافِكم يَتَجَدَّدُ أبَدًا تَعَلُّقُهُ. ولَمّا كانَ مِنَ اللّازِمِ البَيِّنِ لَهُمُ الإقْرارُ بِالإعادَةِ لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ كُلَّ مَن أبْدى شَيْئًا قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ، لِأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ، قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: بَعْدَ ما يُبِيدُهُ.
ولَمّا كانَ الإمْطارُ والإنْباتُ مِن أدَلِّ ما يَكُونُ عَلى الإعادَةِ، قالَ (p-٢٠٠)مُشِيرًا إلَيْهِما عَلى وجْهِ عَمَّ جَمِيعَ ما مَضى: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِمّا لَهُ سَبَبٌ في التَّكْوِينِ أوِ التَّلْوِينِ ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ والمَعادِنِ والحَيَوانِ وغَيْرِهِما مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وعَبَّرَ عَنْهُما بِالرِّزْقِ لِأنَّ بِهِ تَمامَ النِّعْمَةِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الجَلالِ والإكْرامِ، كائِنٌ، أوْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ كُلُّها بَراهِينَ ساطِعَةً، ودَلائِلَ قاطِعَةً، وأنْوارًا لامِعَةً، وحُجَجًا باهِرَةً، وبَيِّناتٍ ظاهِرَةً، وسَلاطِينَ قاهِرَةً، عَلى التَّوْحِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ، أمَرَهُ ﷺ إعْراضًا عَنْهم، إيذانًا بِالغَضَبِ في آخِرِها [بِأمْرِهِمْ] بِالإتْيانِ بِبُرْهانٍ واحِدٍ عَلى صِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُدَّعِينَ لِلْعُقُولِ ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: عَلى نَفْيِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى إثْباتِ شَيْءٍ مِنهُ لِغَيْرِهِ، لِتَثْبُتَ دَعْوى الشَّرِكَةِ في الخَلْقِ فَتَسْمَعُ دَعْوى الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ، ولِيَكُنْ إتْيانُكم بِذَلِكَ ناجِزًا مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ، لِأنَّ مَن يَدَّعِي العَقْلَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إلّا بِبُرْهانٍ حاضِرٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّكم عَلى حَقٍّ في أنَّ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وأضافَ البُرْهانَ إلَيْهِمْ إضافَةً ما كَأنَّهُ عَنِيدٌ، لا كَلامَ في وُجُودِهِ وتَحَقُّقِهِ، وإنَّما المُرادُ الإتْيانُ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم أبْعَدُوا في الضَّلالِ، وأعْرَقُوا في (p-٢٠١)المُحالِ، حَيْثُ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِتَدَيُّنٍ لا يَصِيرُ إلَيْهِ عاقِلٌ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ القَطْعِ بِصِحَّتِهِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِنهُ.
27:65Page 383
قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥
Say, "None in the heavens and earth knows the unseen except Allāh, and they do not perceive when they will be resurrected."
ولَمّا كانَتْ مَضْمُوناتُ هَذِهِ البَراهِينِ مُتَوَقِّفَةً عَلى عِلْمِ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَخْرُجُ الخَبْءُ بِاخْتِراعِ الخَلْقِ وكَشْفِ الضُّرِّ وإحْكامِ التَّدْبِيرِ إلّا بِهِ، لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ أصْلًا لِمَن لا عِلْمَ لَهُ ولا تَمامَ لِقُدْرَةِ مَن لا تَمامَ لِعِلْمِهِ - كَما مَضى بَيانُهُ في طَهَ، وطالَبَهم سُبْحانَهُ آخِرَ هَذِهِ البَراهِينِ بِالبُرْهانِ عَلى الشِّرْكِ، وكانُوا رُبَّما قالُوا: سَنَأْتِي بِهِ، أمَرَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا بُرْهانَ لَهم عَلَيْهِ، بَلِ البُرْهانُ قائِمٌ عَلى خِلافِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم أوْ لِكُلِّ مَن يَدَّعِي دَعْواهم: ﴿لا يَعْلَمُ﴾ أحَدٌ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿مَن﴾ لِئَلّا يَخُصَّها مُتَعَنِّتٌ بِما لا يَعْقِلُ، عَبَّرَ بِالظَّرْفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَظْرُوفَ مَحْجُوبٌ، وكُلُّ ظَرْفٍ حاجِبٌ لِمَظْرُوفِهِ عَنْ عِلْمِ ما وراءَهُ، فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ﴾ أيْ: الكامِلَ في الغَيْبَةِ، وهو الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أصْلًا، ولا دَلَّتْ عَلَيْهِ أمارَةٌ، لِيَقْدِرَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الأُمُورِ فَيَعْلَمُهُ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يَحْوِيَهُ مَكانٌ جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ هُنا مُنْقَطِعًا، ومِن حَقِّ المُنْقَطِعِ النَّصْبُ [كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ شاذًّا]، لَكِنَّهُ رَفَعَ [بِإجْماعِ العَشْرَةِ] بَدَلًا عَلى لُغَةِ [بَنِي] تَمِيمٍ، فَقِيلَ: (p-٢٠٢)﴿إلا اللَّهُ﴾ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ كَما قِيلَ في الشِّعْرِ:
؎وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
بِمَعْنى: إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا فَفِيها أنِيسٌ، بَتًّا لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها مِنَ الأنِيسِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: إنْ [كانَ] اللَّهُ جَلَّ وعَلا مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ فَفِيهِمْ مَن يَعْلَمُ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَ أحَدِهِمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم، ويَصِحُّ كَوْنُهُ مُتَّصِلًا، والظَّرْفِيَّةُ في [حَقِّهِ] سُبْحانَهُ مَجازٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ وإنْ كانَ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وعَلى هَذا فَيَرْتَفِعُ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ، لِأنَّهُ مِن مَنفِيٍّ، وقَدْ عُرِفَ بِهَذا سِرُّ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ ”لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلّا هُوَ“ وهو التَّنْبِيهُ عَلى المَظْرُوفِيَّةِ والحاجَةِ، وأنَّ الظَّرْفَ حِجابٌ، لا يَرْتابُ فِيهِ مُرْتابٌ، وجَعَلَ ابْنُ مالِكٍ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ خاصًّا تَقْدِيرُهُ: يُذْكَرُ، وجَعَلَ غَيْرُهُ ”مَن“ مَفْعُولًا والغَيْبَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، والِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغًا، فالتَّقْدِيرُ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ المَذْكُورِينَ - أيْ: ما غابَ عَنْهم - كُلَّهم غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ الخَبَرُ - الَّذِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ - قَدْ يُخْبِرُ بِهِ الكُهّانَ، أوْ أحَدٌ مِنَ الجانِّ، مِن أجْوافِ الأوْثانِ، وكانُوا يُسَمُّونَ هَذا غَيْبًا وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِهِ لِسَماعِهِمْ لَهُ مِنَ السَّماءِ بَعْدَ ما أبْرَزَهُ اللَّهُ إلى عالَمِ (p-٢٠٣)الشَّهادَةِ لِلْمَلائِكَةِ ومَن يُرِيدُ مِن عِبادِهِ، وكانُوا رُبَّما تَعَنَّتُوا بِهِ عَنِ العِبارَةِ، وكانَتِ السّاعَةُ قَدْ ثَبَتَ أمْرُها، وشاعَ في القُرْآنِ وعَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذِكْرُها، بِحَيْثُ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما لا نِزاعَ فِيهِ، وكانَ عِلْمُ وقْتِها مِنَ الغَيْبِ المَحْضِ، قالَ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أحَدٌ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وإنِ اجْتَمَعُوا وتَعاوَنُوا ﴿أيّانَ﴾ [أيْ: ] أيَّ وقْتٍ ﴿يُبْعَثُونَ﴾ فَمَن أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ بانَ صِدْقُهُ، ومَن تَخَرَّصَ ظَهَرَ كَذِبُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences