Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:66–84
27:66Page 383
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦
Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ [قَدْ] بُعِثَ والكُفْرُ قَدْ عَمَّ الأرْضَ، وكانُوا قَدْ أكْثَرُوا في التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ والقَطْعِ بِالإنْكارِ [لَها] بَعْضُهم صَرِيحًا، وبَعْضُهم لُزُومًا، لِضَلالِهِ عَنْ مِنهاجِ الرُّسُلِ وكانَ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْعالِمِ الحَكِيمِ أنْ لا يَقْطَعَ بِالشَّيْءِ إلّا بَعْدَ إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِ، قالَ مُتَهَكِّمًا بِهِمْ كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ! اسْتِهْزاءً بِهِ مُسْتَدْرِكًا لِنَفْيِ شُعُورِهِمْ بِها بَيانًا لِكَذِبِهِمْ بِاضْطِرابِ قَوْلِهِمْ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أيْ: بَلَغَ وتَناهى ﴿عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ: أمْرِها مُطْلَقًا: عِلْمُ وقْتِها ومِقْدارُ عَظَمَتِها في هو لَها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن نَعْتِها لِقَطْعِهِمْ بِإنْكارِها وتَمالُؤُهم (p-٢٠٤)عَلَيْهِ، وتَنْوِيعُ العِباراتِ فِيهِ، وتَفْرِيعُ القَوْلِ في أمْرِهِ هَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، وكَذا في قِراءَةِ الباقِينَ: ادّارَكَ بِمَعْنى تَدارَكَ يَعْنِي تَتابَعَ واسْتَحْكَمَ.
ولَمّا كانُوا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالقَطْعِ في إنْكارِها كاذِبِينَ في قَطْعِهِمْ، مُرْتَبِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَدْ يُعَبِّرُونَ - دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ مِن ذَلِكَ عِنْدَهم - بِالشَّكِّ، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ ولَمّا كانَتْ لِشِدَّةِ ظُهُورِها لِقُوَّةِ أدِلَّتِها كَأنَّها مَوْجُودَةٌ، عَبَّرَ بِمَن، أيْ: مُبْتَدِئٌ ﴿مِنها﴾ ولَمّا [كانُوا يَجْزِمُونَ بِنَفْيِها تارَةً ويَتَرَدَّدُونَ أُخْرى]، كانَتْ حَقِيقَةُ حالِ مَن يُنْكِرُ الشَّيْءَ تارَةً عَلى سَبِيلِ القَطْعِ وأُخْرى وجْهُ الشَّكِّ الوَصْفُ بِالجَهْلِ البالِغِ بِهِ قالَ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ [ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى نَقائِصَ مُوجِبَةٍ لِطُغْيانِهِ، ومُبالَغَتِهِ في العُلُوِّ في جَمِيعِ شَأْنِهِ، ولا يُوهِنُ تِلْكَ النَّقائِصَ مِنهُ إلّا الخَوْفُ مِن عَرْضِهِ عَلى دِيانِهِ، المُوجِبِ لِجَهْلِهِ. وتَمادِيهِ عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِ، فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ]: ﴿مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: ابْتَدَأ عَماهُمُ البالِغُ [الثّابِتُ] مِنِ اضْطِرابِهِمْ في أمْرِها، فَضَّلُوا فَأعْماهم ضَلالُهم عَنْ جَمِيعِ ما يَنْفَعُهم، فَصارُوا لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ، بَلِ انْعَكَسَ نَفْعُها ضُرًّا، وخَيْرُها [شَرًّا]، ونَسَبَ ما ذَكَرَ لِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ فِعْلَ البَعْضِ قَدْ يُسْنَدُ إلى الكُلِّ لِغَرَضٍ، وهو هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ، وتَناهِي وصْفِهِ، وأنَّهُ (p-٢٠٥)يَجِبُ عَلى الكُلِّ الِاعْتِناءُ بِهِ، والوُقُوفُ عَلى حَقِّهِ، والتَّناهِي عَنْ باطِلِهِ، [أوْ لِشَكِّ البَعْضِ وسُكُوتِ الباقِي لِقَصْدِ تَهْوِيلِهِ، أوْ أنَّ إدْراكَ العِلْمِ مِن حَيْثُ التَّهْوِيلُ بِقِيامِ الأدِلَّةِ الَّتِي هي أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهم بِها في قُوَّةِ مَن أدْرَكَ عِلْمَهُ بِالشَّيْءِ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ، فَقَدْ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ ما لا يَدْرِي كُنْهَهُ، ثُمَّ نَزَلَ دَرَجَةً أُخْرى بِالشَّكِّ ثُمَّ أهْلَكَها بِالكُلِّيَّةِ، وأنْزَلَها العَمى عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ الَّتِي لا هَمَّ لَها إلّا لَذَّةُ البَطْنِ والفَرْجِ، وهَذا كَمَن يَسْمَعُ بِاخْتِلافِ المَذاهِبِ وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَيُضَلِّلُ بَعْضَهم مِن غَيْرِ نَظَرٍ في قَوْلِهِ فَيَصِيرُ خابِطًا خَبْطَ عَشْواءَ، ويَكُونُ أمْرُهُ عَلى خَصْمِهِ هَيِّنًا] أوِ الشَّكِّ لِأجْلِ أنَّ أعْمالَهم أعْمالُ الشّاكِّ، أوْ أنَّهم لِعَدَمِ عِلْمِ الوَقْتِ بِعَيْنِهِ كَأنَّهم في شَكٍّ بَلْ عَمًى، ولِأنَّ العُقُولَ والعُلُومَ لا تَسْتَقِلُّ بِإدْراكِ شَيْءٍ مِن أمْرِها، وإنَّما يُؤْخَذُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ مِنَ المَلِكِ والبَشَرِ، ومَن أخَذَ شَيْئًا مِن عِلْمِها عَنْ غَيْرِهِمْ [ضَلَّ].
27:67Page 383
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧
And those who disbelieve say, "When we have become dust as well as our forefathers, will we indeed be brought out [of the graves]?
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِحِكايَةِ كَلامِهِمُ الَّذِي يُشْعِرُ بِبُلُوغِ العِلْمِ، فَقالُوا مُقْسِمِينَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ: لا تَأْتِينا السّاعَةُ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى الشَّكِّ والعَمى، وكانَ الأصْلُ: وقالُوا، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [أيْ: سَتَرُوا دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والآخِرَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وأوْضَحُ مِنَ الضِّياءِ، ] تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، مُسْتَفْهِمِينَ اسْتِفْهامَ المُسْتَبْعِدِ المُنْكِرِ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾ وكَرَّرُوا الِاسْتِفْهامَ (p-٢٠٦)إشارَةً إلى تَناهِي الِاسْتِبْعادِ والجُحُودِ وعَدَّ ما اسْتَبْعَدُوهُ مُحالًا، فَقالُوا: ﴿أإنّا﴾ أيْ: نَحْنُ وآباؤُنا الَّذِينَ طالَ العَهْدُ بِهِمْ، وتَمَكَّنَ البِلى فِيهِمْ ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ أيْ: مِنَ الحالَةِ الَّتِي صِرْنا إلَيْها مِنَ المَوْتِ والبِلى إلى ما كُنّا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الحَياةِ والقُوَّةِ، .
27:68Page 383
لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
We have been promised this, we and our forefathers, before. This is not but legends of the former peoples."
ثُمَّ أقامُوا الدَّلِيلَ في زَعْمِهِمْ عَلى ذَلِكَ فَقالُوا تَعْلِيلًا لِاسْتِبْعادِهِمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾
ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالإيقانِ بِالآخِرَةِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿هَذا﴾ أيْ: الإخْراجُ مِنَ القُبُورِ كَما كُنّا أوَّلَ مَرَّةٍ - عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ وآباؤُنا﴾ بِخِلافِ ما سَبَقَ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، وقالُوا: ﴿مِن قَبْلُ﴾ زِيادَةً في الِاسْتِبْعادِ، أيْ: أنَّهُ قَدْ مَرَّتِ الدُّهُورُ عَلى هَذا الوَعْدِ، ولَمْ يَقَعْ مِنهُ شَيْءٌ، فَلِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما المُرادُ بِهِ؟ فَقالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما سَطَّرُوهُ كَذِبًا لِأمْرٍ لا نَعْرِفُ مُرادَهم مِنهُ. ولا حَقِيقَةَ لِمَعْناهُ، فَقَدَ [حَطَّ] كَلامَهم هَذا كَما تَرى عَلى أنَّهم [تارَةً] في غايَةِ الإنْكارِ دَأْبَ المُحِيطِ العِلْمِ، وتارَةً يَسْتَبْعِدُونَ دَأْبَ الشّاكِّ، المُرَكَّبِ الجَهْلِ، الجَدِيرِ بِالتَّهَكُّمِ كَما مَضى أنَّهُ مَعْنى الإضْراباتِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
27:69Page 383
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩
Say, [O Muḥammad], "Proceed [i.e., travel] through the land and observe how was the end of the criminals."
(p-٢٠٧)ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا الَّذِي أقامَهُ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عُمُومًا، وعَلى البَعْثِ خُصُوصًا، مَقالٌ، يَرُدُّ عَنِ الغَيِّ إلّا التَّهْدِيدُ بِالنَّكالِ، وكانَ كَلامُهم هَذا مُوجِبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ سُبْحانَهُ مُلَقِّنًا لَهُ ومُرْشِدًا لَهم في صُورَةِ التَّهْدِيدِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: أيُّها المُعانِدُونَ أوِ العُمْيُ الجاهِلُونَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِرْشادَ لِلِاعْتِقادِ، والرُّجُوعَ عَنِ الغَيِّ والعِنادِ، لِكَوْنِ السِّياقِ لَهُ، لا مُجَرَّدُ التَّهْدِيدِ، قالَ ﴿فانْظُرُوا﴾ بِالفاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإسْراعِ، وعَظَّمَ المَأْمُورَ بِنَظَرِهِ بِجَعْلِهِ أهْلًا لِلْعِنايَةِ بِهِ، والسُّؤالِ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا [هُوَ] في غايَةِ المُكْنَةِ ﴿عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي هي الوُصْلَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، والزَّكاةِ الَّتِي هي وُصْلَةٌ بَيْنَ بَعْضِ العِبادِ وبَعْضٍ، لِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ هُمُ الهُداةُ إلى ما [لا] تَسْتَقِلُّ بِهِ العُقُولُ، فَكَذَّبُوا بِالآخِرَةِ الَّتِي يُنْتِجُ التَّصْدِيقُ بِها كُلَّ هُدًى، ويُورِثُ التَّكْذِيبُ بِها كُلَّ عَمًى - كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في افْتِتاحِ السُّورَةِ- فَإنَّكم إنْ نَظَرْتُمْ دِيارَهم، وتَأمَّلْتُمْ أخْبارَهم، حَقَّ التَّأمُّلِ، أسْرَعَ بِكم ذَلِكَ إلى التَّصْدِيقِ فَنَجَوْتُمْ وإلّا هَلَكْتُمْ، فَلَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكم، وقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ (p-٢٠٨)فِي النَّحْلِ.
27:70Page 383
وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠
And grieve not over them or be in distress from what they conspire.
ولَمّا دَهَمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الأسَفِ عَلى جَلافَتِهِمْ في عَماهم عَنِ السَّبِيلِ، الَّذِي هَدى إلَيْهِ الدَّلِيلُ، ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في عَدَمِ إيمانِهِمْ.
ولَمّا كانُوا لا يَقْتَصِرُونَ عَلى التَّكْذِيبِ، بَلْ يَبْغُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الغَوائِلَ، ويَنْصِبُونَ الحَبائِلَ، قالَ: ﴿ولا تَكُنْ﴾ مُثْبِتًا لِلنُّونِ لِأنَّهُ في سِياقِ الإخْبارِ عَنْ عِنادِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ مَعَ كِفايَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمَكْرِهِمْ بِما أعَدَّ لَهم مِن سُوءِ العَذابِ في الدّارَيْنِ، فَلا مُقْتَضى لِلتَّناهِي في الإيجازِ والإبْلاغِ في نَفْيِ الضِّيقِ، [فَيُفْهِمُ إثْباتُ النُّونِ الرُّسُوخَ، فَلا يَكُونُ مَنهِيًّا عَمّا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ العُسْرُ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] وإنَّما يَنْهى عَنِ التَّمادِي مَعَهُ في الذِّكْرِ] بِخِلافِ ما مَضى في النَّحْلِ، فَإنَّ السِّياقَ هُناكَ لِلْعَدْلِ في العُقُوبَةِ لِما وقَعَ مِنَ المُصِيبَةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ المُقْتَضِي لِتَعْظِيمِ التَّسْلِيَةِ بِالحَمْلِ عَلى الصَّبْرِ، ونَفْيِ [جَمِيعِ] الضِّيقِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وازِعًا عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ، بَلْ حامِلًا عَلى العَفْوِ ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ أيْ: في الصَّدْرِ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ جاعِلُ تَدْمِيرِهِمْ في تَدْبِيرِهِمْ كَطُغاةِ قَوْمِ صالِحٍ.
27:71Page 383
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
(p-٢٠٩)ولَمّا أشارَ إلى أنَّهم لَمْ يُبْقُوا في المُبالَغَةِ في التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ وجْهًا، أشارَ إلى أنَّهم بِالوَعِيدِ بِالسّاعَةِ وغَيْرِها مِن عَذابِ اللَّهِ أشَدُّ مُبالَغَةً، فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ بِالمُضارِعِ المُؤْذِنِ بِالتَّجَدُّدِ كُلَّ حِينٍ لِلِاسْتِمْرارِ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وسُمَّوْهُ وعْدًا إظْهارًا لِلْمَحَبَّةِ تَهَكُّمًا بِهِ، وهو العَذابُ والبَعْثُ والمُجازاةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن تابَعَكَ، كَوْنًا هو في غايَةِ الرُّسُوخِ، كَما تَزْعُمُونَ ﴿صادِقِينَ﴾
27:72Page 383
قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢
Say, "Perhaps it is close behind you [i.e., very near] - some of that for which you are impatient.
فَأجابَهم عَلى هَذا الجَوابِ الغَصِّ بِجَوابِ الواسِعِ القادِرِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ ضِيقٌ، ولا تَنْوِيهُ عَجَلَةٌ، مُشِيرًا إلى الِاسْتِعْدادِ لِلدِّفاعِ أوِ الِاسْتِسْلامِ لِذِي الجَلالِ والإكْرامِ، كَما فَعَلَتْ بِلْقِيسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَقالَ مُخاطِبًا الرَّأْسَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ التُّؤَدَةِ حَقَّ القُدْرَةِ غَيْرُهُ: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَسى﴾ أيْ: يُمْكِنُ ﴿أنْ يَكُونَ﴾ وجَدِيرٌ وخَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ ﴿رَدِفَ﴾ أيْ: تَبِعَ رَدْفًا حَتّى صارَ كالرَّدِيفِ ولَحِقَ.
ولَمّا قَصَرَ الفِعْلُ وضَمَّنَهُ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِاللّامِ لِأجْلِ الِاخْتِصاصِ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِكم خاصَّةً ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ إتْيانَهُ مِنَ الوَعِيدِ، فَتَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ، فَعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ ماذا أعْدَدْتُمْ لِدِفاعِهِ؟ فَإنَّ العاقِلَ مَن يَنْظُرُ في عَواقِبِ أُمُورِهِ، ويَبْنِيها عَلى أسْوَأِ التَّقادِيرِ، فَيُعَدُّ لِما يَتَوَهَّمُهُ مِنَ البَلاءِ ما يَكُونُ فِيهِ (p-٢١٠)الخَلاصُ كَما فَعَلَتْ بِلْقِيسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِنَ الِانْقِيادِ المُوجِبِ لِلْأمانِ لِما غَلَبَ عَلى ظَنِّها أنَّ الإباءَ يُوجِبُ الهَوانَ، لا كَما فَعَلَ قَوْمُ صالِحٍ مِنَ الآبارِ، الَّتِي أعانَتْ عَلى الدَّمارِ، وغَيْرُهم مِنَ الفَراعِنَةِ.
27:73Page 383
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And indeed, your Lord is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا: فَإنَّ رَبَّكَ لا يَعْجَلُ عَلى أهْلِ المَعاصِي بِالِانْتِقامِ مَعَ القَطْعِ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالحِلْمِ عَنْ أُمَّتِكَ وتَرْكِ المُعاجَلَةِ لَهم بِالعَذابِ عَلى المَعاصِي ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: تَفَضُّلٍ وإنْعامٍ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: كافَّةً ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لا يُوقِعُونَ الشُّكْرَ لَهُ بِما أنْعَمَ [عَلَيْهِمْ، ويَزِيدُونَ في الجَهْلِ بِالِاسْتِعْجالِ].
27:74Page 383
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤
And indeed, your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
ولَمّا كانَ الإمْهالُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الجَهْلِ بِذُنُوبِ الأعْداءِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ أشارَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى إمْهالِهِمْ إحْسانًا إلَيْهِ وتَشْرِيفًا لَهُ ﴿لَيَعْلَمُ﴾ أيْ: عِلْمًا لا يُشْبِهُ عِلْمَكم بَلْ هو في غايَةِ الكَشْفِ لَدَيْهِ دَقِيقِهِ وجَلِيلِهِ ﴿ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُضْمِرُ وتَسْتُرُ وتُخْفِي ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: النّاسِ كُلِّهِمْ فَضْلًا عَنْ قَوْمِكَ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ مِن عَداوَتِكَ فَلا تَخْشَهم، وذَكَرَ هَذا القِسْمَ لِأنَّ التَّصْرِيحَ أقَرَّ لِلنَّفْسِ والمَقامِ لِلْأطْنابِ، عَلى أنَّهُ رُبَّما (p-٢١١)كانَ في الإعْلانِ لَغَطٌ واخْتِلاطُ أصْواتٍ يَكُونُ سَبَبًا لِلْخَفاءِ.
27:75Page 383
وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥
And there is nothing concealed1 within the heaven and the earth except that it is in a clear Register.2
ولَمّا كانَ ثَباتُ عِلَّةِ النّاسِ في الغالِبِ مُقَيَّدًا بِالكِتابِ، قالَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ [أيْ: مِن هَنَةٍ مِنَ الهِناتِ] في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ ﴿فِي السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ مِنهُما، وأفْرَدَهُما دَلالَةً عَلى إرادَةِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِكُلِّ فَرْدٍ ﴿إلا في كِتابٍ﴾ كَتَبَهُ قَبْلَ إيجادِها لِأنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِعِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ ﴿مُبِينٍ﴾ لا يَخْفى شَيْءٌ فِيهِ عَلى مَن تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهُ كَيْفَما كانَ؛ .
27:76Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ﴾ أيْ: الآتِيَ بِهِ هَذا النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ قَبْلَهُ عِلْمًا ولا خالَطَ عالِمًا ﴿يَقُصُّ﴾ أيْ: يُتابِعُ الإخْبارَ ويَتْلُو شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى سَبِيلِ القَطْعِ الَّذِي لا تَرَدُّدَ فِيهِ، مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: الَّذِي أخْبارُهم مَضْبُوطَةٌ في كُتُبِهِمْ لا يَعْرِفُ بَعْضَها إلّا قَلِيلٌ مِن حُذّاقِ أخْبارِهِمْ ﴿أكْثَرَ الَّذِي هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً لِكَوْنِهِ مِن خاصِّ أخْبارِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لِغَيْرِهِمْ بِها ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ وإنْ بالَغُوا في كَتْمِهِ، كَقِصَّةِ الزّانِي المُحَصْنِ في إخْفائِهِمْ أنَّ حَدَّهُ الرَّجْمُ، وقِصَّةُ عُزَيْرٍ والمَسِيحُ، وإخْراجُ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ مِن تَوْراتِهِمْ، فَصَحَّ بِتَحْقِيقِهِ عَلى لِسانِ مَن لَمْ يُلِمَّ بِعِلْمٍ قَطُّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وصَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِهَذا دُونَ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ.
27:77Page 384
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
(p-٢١٢)ولَمّا بانَ بِهَذا دَلِيلُ عِلْمِهِ، أتْبَعَهُ دَلِيلَ فَضْلِهِ وحِلْمِهِ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: القُرْآنَ ﴿لَهُدًى﴾ أيْ: مُوصِلٌ إلى المَقْصُودِ لِمَن وُفِّقَ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ وإكْرامٌ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ طَبَعَتْهم عَلى الإيمانِ، فَهو صِفَةٌ لَهم راسِخَةٌ كَما أنَّهُ لِلْكافِرِينَ وقْرٌ في أذانِهِمْ وعَمًى في قُلُوبِهِمْ.
27:78Page 384
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
ولَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ فَضْلِهِ، أتْبَعَهُ دَلِيلَ عَدْلِهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا لِجَوابِ مَن ظَنَّ أنَّ فَضْلَهُ دائِمُ العُمُومِ عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿إنَّ﴾ وقالَ: ﴿رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِجَمْعِهِ لِكُلٍّ بَيْنَ العِلْمِ والبَلاغَةِ والدِّينِ والبَراعَةِ والدُّنْيا والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ جَمِيعِ المُخَلَّفِينَ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو أعْدَلُ حُكْمٍ وأتْقَنَهُ وأنْفَذَهُ وأحْسَنُهُ مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِرُسُلِهِ، لا بِحُكْمِ غَيْرِهِ ولا بِنائِبٍ يَسْتَنِيبُهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ هو ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ ﴿العَلِيمُ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ ولا جَهْرٌ، .
27:79Page 384
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
فَلَمّا ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ والحِكْمَةُ، والعَظْمَةُ والقُدْرَةُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ بِما ثَبَتَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ الَّتِي أثْبَتَ بِها أنَّكَ أعْظَمُ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى في اسْتِهْزاءِ الأعْداءِ وغَيْرِهِ مِن مُصادَمَتِهِمْ ومُسالَمَتِهِمْ لِتَدَعَ الأُمُورَ كُلَّها إلَيْهِ، وتَسْتَرِيحَ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وُثُوقًا بِنَصْرِهِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ وهو جاهِلِيٌّ: (p-٢١٣)
؎مَتى ما تَقُدْ بِالباطِلِ الحَقَّ يَأْبَهُ وإنْ تَقُدِ الأطْوارَ بِالحَقِّ تَنْقُدِ
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى التَّحَرِّي في الأعْمالِ، وفَطْمًا لِأهْلِ الإبْطالِ، عَنْ تَمَنِّي المُحالِ، فَقالَ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيْ: البَيِّنِ في نَفْسِهِ المُوَضِّحِ لِغَيْرِهِ، فَحَقُّكَ لا يَبْطُلُ ووُضُوحُهُ لا يَخْفى، ونُكُوصُهم لَيْسَ عَنْ خَلَلٍ في دُعائِكَ لَهم، وإنَّما الخَلَلُ في مَدارِكِهِمْ، فَثِقْ بِاللَّهِ في تَدْبِيرِ أمْرِكَ فِيهِمْ؛
27:80Page 384
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الَّذِي أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ، أوِ اسْتَأْنَفَ لِمَن يَسْألُ مُتَعَجِّبًا عَنْ وُقُوفِهِمْ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ أيْ: لا تُوجِدُ سَمْعًا لِلَّذِينِ هم كالمَوْتى في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِمَشاعِرِهِمُ الَّتِي هي في غايَةِ الصِّحَّةِ، وهم إذا سَمِعُوا الآياتِ أعْرَضُوا عَنْها.
ولَمّا كانَ تَشْبِيهُهم بِالمَوْتى مُؤْيِسًا، قالَ مُرَجِّيًا: ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ أيْ: لا تُجَدِّدُ ذَلِكَ لَهم، فَشَبَّهَهم بِما في أصْلِ خَلْقِهِمْ مِمّا جُبِلُوا عَلَيْهِ [مِن] الشَّكاسَةِ وسُوءِ الطَّبْعِ بِالصُّمِّ.
ولَمّا كانُوا قَدْ ضَمُّوا إلى ذَلِكَ الإعْراضَ والنَّفْرَةَ فَصارُوا كالأصَمِّ المُدْبِرِ، وكانَ الأصَمُّ إذا أقْبَلَ رُبَّما بِمُساعَدَةِ بَصَرِهِ وفَهْمِهِ، قالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فَرَّجاهُ في إيجادِ الإسْماعِ إذا حَصَلَتْ لَهم حالَةٌ مِنَ اللَّهِ تُقْبَلُ بِقُلُوبِهِمْ.
27:81Page 384
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
ولَمّا شَبَّهَهم بِالصُّمِّ في كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ إلّا مَعَ الإقْبالِ، مَثَّلَهم (p-٢١٤)بِالعَمى في أنَّهم لا يَهْتَدُونَ في غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا إلّا بِراعٍ لا تَشْغَلُهُ عَنْهم فَتْرَةٌ ولا مِلالٌ، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي﴾ أيْ: بِمُوجِدٍ الهِدايَةَ عَلى الدَّوامِ في قُلُوبِ ﴿العُمْيِ﴾ [أيْ: في أبْصارِهِمْ وبَصائِرِهِمْ مُزِيلًا لَهم وناقِلًا ومُبْعِدًا] ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ تَحْفَظُهم عَنْ أنْ يُزالُوا عَنْها أصْلًا، فَإنَّ هَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا الحَيُّ القَيُّومُ، والسِّياقُ كَما تَرى يُشْعِرُ بِتَنْزِيلِ كُفْرِهِمْ في ثَلاثِ رُتَبٍ: عُلْيا كَكُفْرِ أبِي جَهْلٍ، ووُسْطى كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ودُنْيا كَأبِي طالِبٍ وبَعْضِ المُنافِقِينَ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ الرُّومِ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ.
ولَمّا كانَ رُبَّما أوْقَفَ عَنْ دُعائِهِمْ، رَجّاهُ في انْقِيادِهِمْ وارْعِوائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿تُسْمِعُ﴾ أيْ: سَماعَ انْتِفاعٍ عَلى وجْهِ الكَمالِ، في كُلِّ حالٍ ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ: مَن عَلِمْناهُ أنَّهُ يُصَدِّقُ ﴿بِآياتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْنا فِيهِ قابِلِيَّةَ السَّمْعِ. ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ دَلِيلًا عَلى إيمانِهِ: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: في غايَةِ الطَّواعِيَةِ لَكَ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، لا خِيَرَةَ لَهم ولا إرادَةَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
27:82Page 384
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
ولَمّا فَرَغَ مِن عَظِيمِ زَجْرِهِمْ بِتَسْلِيَتِهِ ﷺ في أمْرِهِمْ وخَتَمَ بِالإسْلامِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ذِكْرَ ما يُوعَدُونَ مِمّا تَقَدَّمَ اسْتِعْجالَهم لَهُ اسْتِهْزاءً (p-٢١٥)بِهِ، وبَدَأ مِنهُ بِالدّابَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ المُسْلِمَ مِن غَيْرِهِ، فَقالَ مُحَقِّقًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: حانَ حِينَ وُقُوعِ الوَعِيدِ الَّذِي هو مَعْنى القَوْلِ، وكَأنَّهُ لِعِظَمِهِ لا قَوْلَ غَيْرِهِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بَعْضُهُ بِالإتْيانِ حَقِيقَةً وبَعْضُهُ بِالقُرْبِ جِدًّا ﴿أخْرَجْنا﴾ [أيْ: ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُمْ﴾ مِن أشْراطِ السّاعَةِ ﴿دابَّةً﴾ وأيُّ دابَّةٍ في هَوْلِها وعِظَمِها خَلْقًا وخُلُقًا ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مَكَّةَ الَّتِي هي أمُّ الأرْضِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إرْسالِ أكْمَلِ الخَلْقِ بِأعْلى الكُتُبِ إلّا كَشْفُ الغِطاءِ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالدّابَّةِ يُفْهِمُ أنَّها كالحَيَواناتِ العُجْمِ لا كَلامَ لَها قالَ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أيْ: بِكَلامٍ يَفْهَمُونَهُ، رَوى البَغَوِيُّ مِن طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى، وأيَّتَهُما كانَتْ قَبْلَ صاحِبَتِها فالأُخْرى عَلى أثَرِها قَرِيبًا»، ومِن طَرِيقِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أبِي شُرَيْحَةَ الغِفارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يَكُونُ لِلدّابَّةِ ثَلاثُ خُرُجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ، فَتَخْرُجُ خُرُوجًا بِأقْصى اليَمَنِ فَيَفْشُو ذِكْرُها بِالبادِيَةِ، ولا يَدْخُلُ ذِكْرُها القَرْيَةَ - يَعْنِي مَكَّةَ - ثُمَّ تَمَكَّنَ زَمانًا طَوِيلًا، ثُمَّ تَخْرُجُ خُرْجَةً أُخْرى [قَرِيبًا] مِن مَكَّةَ فَيَفْشُو ذِكْرُها بِالبادِيَةِ ويَدْخُلُ ذِكْرُها القَرْيَةَ، ثُمَّ بَيْنَما (p-٢١٦)النّاسُ يَوْمًا في أعْظَمِ المَساجِدِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ - يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ - لَمْ يَرُعْهم إلّا وهي في ناحِيَةِ المَسْجِدِ تَدْنُو وتَدْنُو -كَذا قالَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ العَبْقَرِيَّ أحَدَ رُواةِ الحَدِيثِ ما بَيْنَ الرُّكْنِ الأسْوَدِ إلى بابِ بَنِي مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ في وسَطِ ذَلِكَ، فارْفَضَّ النّاسُ عَنْها وثَبَتَ لَها عِصابَةٌ عَرَفُوا أنَّهم لَنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ تَنْفُضُ رَأْسَها مِنَ التُّرابِ، فَمَرَّتْ بِهِمْ فَجَلَتْ عَنْ وُجُوهِهِمْ حَتّى تَرَكَتْها كَأنَّها الكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ، ثُمَّ ولَّتْ في الأرْضِ لا يُدْرِكُها طالِبٌ، ولا يُعْجِزُها هارِبٌ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لَيَقُومُ فَيَتَعَوَّذُ مِنها بِالصَّلاةِ، فَتَأْتِيهِ مِن خَلْفِهِ فَتَقُولُ: يا فُلانُ! الآنَ تُصَلِّي، فَيُقْبِلُ عَلَيْها بِوَجْهِهِ فَتَسِمُهُ في وجْهِهِ، فَيَتَجاوَرُ النّاسُ في دِيارِهِمْ، ويَصْطَحِبُونَ في أسْفارِهِمْ، ويَشْتَرِكُونَ في الأمْوالِ، يُعْرَفُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ، فَيُقالُ لِلْمُؤْمِنِ: يا مُؤْمِنُ، ويُقالُ لِلْكافِرِ: يا كافِرُ»؛ ومِن طَرِيقِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ ومَعَها عَصا مُوسى، وخاتَمُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالعَصا، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالخاتَمِ، حَتّى أنَّ أهْلَ الخِوانِ (p-٢١٧)لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذا: يا مُؤْمِنُ، وهَذا: يا كافِرُ» .
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ إخْراجَهُ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ النّاسَ﴾ أيْ: بِما هم ناسٌ لَمْ يَصِلُوا إلى أوَّلِ أسْنانِ الإيمانِ، وهو سِنُّ الَّذِينَ آمَنُوا بَلْ هم نائِسُونَ مُتَرَدِّدُونَ مُذَبْذَبُونَ تارَةً، وتارَةً ﴿كانُوا﴾ أيْ: [كَوْنًا] هو لَهم كالجِبِلَّةِ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: المَرْئِيّاتِ الَّتِي كَتَبْناها بِعَظَمَتِنا في ذَواتِ العالَمِ، والمَسْمُوعاتِ المَتْلُوّاتِ، الَّتِي أتَيْناهم بِها عَلى ألْسِنَةِ أكْمَلِ [الخَلْقِ: ] الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، حَتّى خَتَمْناهم بِإمامِهِمُ الَّذِي هو أكْمَلُ العالَمِينَ، قَطْعًا لِحِجاجِهِمْ، ورَدّا عَنْ لَجاجِهِمْ، ولِذا عَمَّمْنا بِرِسالَتِهِ وأوْجَبْنا عَلى جَمِيعِ العَقْلِ اتِّباعَهُ ﴿لا يُوقِنُونَ﴾ مِنَ اليَقِينِ، وهو إتْقانُ العِلْمِ بِنَفْيِ الشُّبَهِ بَلْ هم فِيها مُزَلْزَلُونَ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ ﷺ إلّا كَشْفُ الغِطاءِ عَمّا لَيْسَ مِن جِنْسِ البَشَرِ بِما لا تَثْبُتُ لَهُ عُقُولُهم.
27:83Page 384
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
ولَمّا كانَ مِن فِعْلِ الدّابَّةِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ، تَلاهُ بِتَمْيِيزِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ يَجْمَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ في ناحِيَةٍ، وسَوْقِهِمْ مِن غَيْرِ اخْتِلاطٍ بِالفَرِيقِ الآخَرِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى العامِلِ في ”وإذا وقَعَ القَوْلُ“: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ﴾ أيْ: نَجْمَعُ - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - عَلى وجْهِ الإكْراهِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: الحَشْرُ: الجَمْعُ (p-٢١٨)عَلى عُنْفٍ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أيْ: جَماعَةً كَثِيرَةً ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ أيْ: [يُوقِعُ التَّكْذِيبَ لِلْهُداةِ] عَلى الِاسْتِمْرارِ، [مُسْتَهِينًا] ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: المَرْئِيَّةِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ بِها، والمَسْمُوعَةِ بِرَدِّها والطَّعْنِ فِيهِ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا؛ وأشارَ إلى كَثْرَتِهِمْ بِقَوْلِهِ [مُتَسَبِّبًا عَنِ العامِلِ في الظَّرْفِ مِن نَحْوِ: يَكُونُونَ في ذُلٍّ عَظِيمٍ: ] ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يَكُفُّ بِأدْنى إشارَةٍ [مِنهُ] أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ، وأطْرافَهم عَلى أوْساطِهِمْ، لِيَتَلاحَقُوا، ولا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ، ولا يَزالُونَ كَذَلِكَ.
27:84Page 384
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ: المَكانَ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ لِتَبْكِيتِهِمْ ﴿قالَ﴾ لَهم مَلِكُ المُلُوكِ غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُمُ الجَزْمَ بِما يَعْلَمُهُ مِن أحْوالِهِمْ، في عِنادِهِمْ وضَلالِهِمْ، بَلْ سائِلًا لَهم إظْهارًا لِلْعَدْلِ بِإلْزامِهِمْ بِما يُقِرُّونَ بِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وتَبْكِيتٌ وتَقْرِيعٌ: ﴿أكَذَّبْتُمْ﴾ أيْ: [أيُّها] الجاهِلُونَ ﴿بِآياتِي﴾ عَلى ما لَها مِنَ العِظَمِ في أنْفُسِها، وبِإتْيانِها إلَيْكم عَلى أيْدِي أشْرَفِ عِبادِي ”و“ الحالُ أنَّكم ”لَمْ تُحِيطُوا بِها علمًا“ أيْ: مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى الإحاطَةِ بِها في مَعانِيها وما أُظْهِرَتْ لِأجْلِهِ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَسْتَحِقُّهُ ويَلِيقُ بِها بِدَلِيلٍ لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿أمّاذا كُنْتُمْ﴾ أيْ: في تِلْكَ الأزْمانِ بِما هو لَكم كالجِبِلّاتِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فِيها هَلْ صَدَّقْتُمْ [بِها] أوْ كَذَّبْتُمْ بَعْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِها؟ أخْبِرُونِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ! ما دَهاكم حَيْثُ لَمْ تَشْتَغِلُوا بِهَذا العَمَلِ المُهِمِّ؟ فَإنَّ هَذا - وعِزَّتِي - مَقامُ العَدْلِ (p-٢١٩)والتَّحْرِيرِ، ولا يُتْرَكُ فِيهِ قِطْمِيرٌ ولا نَقِيرٌ، ولا ظُلْمَ فِيهِ عَلى أحَدٍ في جَلِيلٍ ولا حَقِيرٍ، ولا قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ، والسُّؤالُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُنَبِّهٌ عَلى الِاضْطِرارِ إلى التَّصْدِيقِ أوِ الِاعْتِرافِ بِالإبْطالِ، لِأنَّهم إنْ قالُوا: كَذَّبْنا، فَإنْ قالُوا مَعَ عَدَمِ الإحاطَةِ كانَ في غايَةِ الوُضُوحِ في الإبْطالِ، وإنْ قالُوا مَعَ الإحاطَةِ كانَ أكْذَبَ الكَذِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences