Al-Biqa'iAn‑Naml · 27:85–93

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:85–93

27:85Page 384

وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥

And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: فَأجابُوا بِما تَبَيَّنَ بِهِ أنَّهم ظالِمُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيْ: مَضْمُونُ الوَعِيدِ الَّذِي هو القَوْلُ حَقًّا، مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنهم مَنَ الظُّلْمِ مِن صَرِيحِ التَّكْذِيبِ وما نَشَأ عَنْهُ مِنَ الضَّلالِ، في الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما شَغَلَهم مِن وُقُوعِ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ مِمّا أحاطَ بِقُواهم، فَهَدَّ أرْكانَهم، وما انْكَشَفَ لَهم مِن أنَّهُ لا يُنْجِيهِمْ شَيْءٌ.

27:86Page 384

أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦

Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.

ولَمّا ذَكَرَ الحَشْرَ، اسْتَدَلَّ [عَلَيْهِ] بِحَشْرِهِمْ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى المَبِيتِ، والخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِمْ، وبَعْثِهِمْ مِنَ المَنامِ، وإظْهارِ الظَّلامِ الَّذِي هو كالمَوْتِ بَعْدَ النُّورِ، وبَعْثِ النُّورِ بَعْدَ إفْنائِهِ بِالظَّلامِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ مِمّا يَدُلُّهم عَلى قُدْرَتِنا عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ وعَلى كُلِّ ما أخْبَرْناهم بِهِ ﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَصِلُ أحَدٌ إلى مُماثَلَةِ شَيْءٍ مِنها (p-٢٢٠)[الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِنا وفِعْلِنا بِالِاخْتِيارِ] ﴿اللَّيْلَ﴾ أيْ: مُظْلِمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ عَنِ الِانْتِشارِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: بِإبْصارِ مَن يُلابِسُهُ، لِيَنْتَشِرُوا فِيهِ في مَعايِشِهِمْ بَعْدَ أنْ كانُوا ماتُوا المَوْتَةَ الصُّغْرى، وكَمْ [مِن] شَخْصٍ مِنهم باتَ سَوِيًّا لا قَلْبَةَ بِهِ فَماتَ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا الكُلَّ كَذَلِكَ لَمْ يَقُمْ مِنهم أحَدٌ، وعَدَلَ عَنْ ”لِيُبْصِرُوا فِيهِ“ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإبْصارِ، وعَلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ كالسُّكُونِ، بَلْ [وسِيلَةُ المَقْصُودِ الَّذِي هو جَلْبُ المَنافِعِ]، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ السُّكُونَ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى الِانْتِشارِ [ثانِيًا، ] وذِكْرُ الإبْصارِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى الإظْلامِ أوَّلًا، ثُمَّ عَظَّمَ هَذِهِ الآيَةَ حَثًّا عَلى تَأمُّلِ ما فِيها مِنَ القُدْرَةِ الهادِيَةِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الحَشْرِ والنَّشْرِ الأصْغَرَيْنِ مَعَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: مُتَعَدِّدَةً، بَيِّنَةً عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ الآخَرِ والنُّبُوَّةِ، لِأنَّ [مَن] قَلَبَ المَلَوَيْنِ لِمَنافِعِ النّاسِ [الدُّنْيَوِيَّةِ]، أرْسَلَ الرُّسُلَ لِمَنافِعِهِمْ في الدّارَيْنِ.

(p-٢٢١)ولَمّا كانَ مِن مَبانِي السُّورَةِ تَخْصِيصُ الهِدايَةِ بِالمُؤْمِنِينَ، خَصَّهم بِالآياتِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالِانْتِفاعِ بِها وإنْ كانَ الكُلُّ مُشْتَرِكِينَ في كَوْنِها دَلالَةً لَهم، فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: قَضَيْتُ بِأنَّ إيمانَهم لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ، فَهم كُلَّ يَوْمٍ في عُلُوٍّ وارْتِفاعٍ.

27:87Page 384

وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧

And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الحَشْرَ الخاصَّ، والدَّلِيلَ عَلى مُطْلَقِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ذَكَرَ الحَشْرَ العامَّ، لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ إنَّما يَحْشُرُ الكافِرَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى عُمُومِهِمْ بِالمَوْتِ كَما عَمَّهم بِالنَّوْمِ، وعُمُومِهِمْ بِالإحْياءِ كَما عَمَّهم بِالإيقاظِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ أيْ: القَرْنِ الَّذِي جُعِلَ صَوْتُهُ لِإماتَةِ الكُلِّ.

ولَمّا كانَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن فَزَعِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مُحَقَّقًا مَقْطُوعًا بِهِ كَأنَّهُ وُجِدَ ومَضى، يَكُونُ في آنٍ واحِدٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي فَقالَ: ﴿فَفَزِعَ﴾ أيْ: صَعِقَ بِسَبَبِ هَذا النَّفْخِ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾

ولَمّا كانَ الأمْرُ مَهُولًا، كانَ الإطْنابُ أوْلى، فَقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً وعِزَّةً وعَظَمَةً، أنْ لا يَفْزَعَ؛ ثُمَّ أشارَ إلى النَّفْخِ لِإحْياءِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ: مَن فَزِعَ ومَن لَمْ يَفْزَعْ ﴿أتَوْهُ﴾ أيْ (p-٢٢٢)بَعْدَ ذَلِكَ لِلْحِسابِ بِنَفْخَةٍ أُخْرى يُقِيمُهم بِها، دَلِيلًا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ في كَوْنِهِ أقامَهم بِما بِهِ أنامَهم ﴿داخِرِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ مُنْكَسِرِينَ؛ واسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ بِما يُعْلَمُ بِالبَدِيهَةِ مِن أنَّهُ لا يُمْكِنُ إتْيانُهم في حالِ فَزَعِهِمُ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ إحْساسِهِمْ، هَذا مَعْنى ما قالَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والَّذِي يُناسِبُ سِياقَ الآياتِ الماضِيَةِ - مِن كَوْنِ الكَلامِ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو ظَرْفٌ لِما بَيْنَ البَعْثِ ودُخُولِ الفَرِيقَيْنِ إلى دارَيْهِما - أنْ يَكُونَ هَذا النَّفْخُ بَعْدَ البَعْثِ وبِمُجَرَّدِ صَعْقٍ هو كالغَشْيِ كَما أنَّ حَشْرَ الأفْواجِ كَذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِالفَزَعِ، ويَكُونُ الإتْيانُ بَعْدَهُ بِنَفْخَةٍ أُخْرى تَكُونُ بِها الإقامَةُ، فَهاتانِ النَّفْخَتانِ حِينَئِذٍ هُما المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «يُصْعَقُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ» - الحَدِيثُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَفْظًا ومَعْنًى، ويَحِلُّ ما فِيهِ مِن إشْكالٍ في آخِرِ سُورَةِ الزُّمَرِ.

27:88Page 384

وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨

And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.

ولَمّا ذَكَرَ دُخُورَهم، تَلاهُ بِدُخُورِ ما هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا، وأهْوَلُ أمْرًا، فَقالَ: [عاطِفًا عَلى ناصِبِ الظَّرْفِ مِمّا تَقْدِيرُهُ: كانَتْ أُمُورٌ مَحْلُولَةٌ]، مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ شارَكَ الفَزَعَ في (p-٢٢٣)التَّحَقُّقِ قَدْ فارَقَهُ في الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ أيْ: عِنْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ، والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَدُلَّ ذَلِكَ - لِكَوْنِهِ ﷺ أنْفَذَ النّاسِ بَصَرًا وأنْوَرَهم بَصِيرَةً - عَلى عِظَمِ الأمْرِ، وإمّا لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ الكُلَّ صارُوا بَعْدَ قِيامِهِمْ أهْلًا لِلْخِطابِ بَعْدَ غَيْبَتِهِمْ في التُّرابِ ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ أيْ: قائِمَةً ثابِتَةً في مَكانِها لا تَتَحَرَّكُ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ مُتَباعِدِ الأقْطارِ لا يُدْرَكُ مِشْيَتُهُ إلّا تَخَرُّصًا ﴿وهِيَ تَمُرُّ﴾ أيْ: تَسِيرُ حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ فَيَنْسِفُها اللَّهُ فَتَقَعُ حَيْثُ شاءَ كَأنَّها الهَباءُ المَنثُورُ، فَتَسْتَوِي الأرْضُ كُلُّها بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيها عِوَجٌ، وأشارَ إلى أنَّ سَيْرَها خَفِيٌّ وإنْ كانَ حَثِيثًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَرَّ السَّحابِ﴾ أيْ: مَرًّا سَرِيعًا لا يُدْرَكُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا طَبَّقَ الجَوَّ لا يُدْرَكُ سَيْرُهُ مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ وإنْ لَمْ تَنْكَشِفِ الشَّمْسُ بِلا لَبْسٍ، وكَذا كُلُّ كَبِيرِ الجِرْمِ أوْ كَثِيرِ العَدِّ يَقْصُرُ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ لِبُعْدِ ما بَيْنَ أطْرافِهِ بِكَثْرَتِهِ البَصَرُ، يَكُونُ سائِرًا، والنّاظِرُ الحاذِقُ يَظُنُّهُ واقِفًا.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا هائِلًا، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا (p-٢٢٤)لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ أيْ: صُنْعَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ذَلِكَ الَّذِي أخْبَرَ أنَّهُ كائِنٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ صُنْعًا، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ إذا جاءَ عَقِبَ كَلامٍ جاءَ كالشّاهِدِ بِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، والصّارِخِ بِعُلُوِّ مِقْدارِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا هَكَذا، ثُمَّ زادَ في التَّعْظِيمِ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى تَمامِ الإحْكامِ في ذَلِكَ الصُّنْعِ: ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

ولَمّا ثَبَتَ هَذا عَلى [هَذا] الوَجْهِ المُتْقَنِ، والنِّظامِ الأمْكَنِ، أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي أحْكَمَ هَذِهِ الأُمُورَ كُلَّها ﴿خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لِأنَّ الإتْقانَ نَتِيجَةُ القُدْرَةِ، وهي نَتِيجَةُ العِلْمِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ شامِلَ العِلْمِ لَمْ يَكُنْ تامَّ القُدْرَةِ، وعَبَّرَ بِالفِعْلِ الَّذِي هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِعِلْمٍ أوْ لا، لِأنَّهُ في سِياقِ البَيانِ لِعَماهم، ونَفْيِ العِلْمِ عَنْهم، وقُرِئَ بِالخِطابِ المُؤْذِنِ بِالقُرْبِ المُرْجَيْ لِلرِّضا، المُرْهِبِ مِنَ الإبْعادِ، المَقْرُونِ بِالسُّخْطِ، وبِالغَيْبَةِ المُؤْذِنَةِ بِالإعْراضِ المُوقِعِ في الخَيْبَةِ، وما أبْدَعَ ما لاءَمَ ذَلِكَ ولاحَمَهُ ما بَعْدَهُ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يَكُونُ حالُ أهْلِ الحَشْرِ مَعَ الدُّخُورِ عِنْدَ النّاقِدِ البَصِيرِ؟ فَقالَ: مِن إتْقانِهِ لِلْأشْياءِ أنَّهُ رَتَّبَ الجَزاءَ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ.

27:89Page 385

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩

Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: الكامِلَةِ وهي الإيمانُ ﴿فَلَهُ﴾ وهو مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: أفْضَلُ ﴿مِنها﴾ مُضاعَفًا، أقَلُّ ما يَكُونُ عَشْرَةُ أضْعافٍ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، [وأُكْرِمَتْ وُجُوهُهم عَنِ النّارِ]، وهَؤُلاءِ أهْلُ القُرْبِ (p-٢٢٥)الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، العَظِيمَةُ الأهْوالِ ﴿آمِنُونَ﴾ أيْ: حَتّى لا يُحْزِنَهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ، فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْزِعَ إفْزاعًا واحِدًا، ولِأمْرٍ ما أعْجَزَ القَوِيَّ، وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ والِادِّعاءَ.

27:90Page 385

وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠

And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"

﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: الَّتِي لا سَيِّئَةَ مِثْلُها، وهي الشِّرْكُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُبَّتْ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿وُجُوهُهم في النّارِ﴾ مَعَ أنَّهُ ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ مَواضِعَ السُّجُودِ - الَّتِي أشْرَفُها الوُجُوهُ - لا سَبِيلَ لِلنّارِ عَلَيْها»، والوَجْهُ أشْرَفُ ما في الإنْسانِ، فَإذا هانَ كانَ ما سِواهُ أوْلى بِالهَوانِ، والمَكْبُوبُ عَلَيْهِ مَنكُوسٌ.

ولَمّا كانُوا قَدْ نَكَّسُوا أعْمالَهم وعَكَسُوها بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَوَضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَعَظَّمُوا ما حَقُّهُ التَّحْقِيرُ، واسْتَهانُوا أمْرَ العَلِيِّ الكَبِيرِ. وكانَ الوَجْهُ مَحَلَّ [ظُهُورِ] الحَياءِ والِانْكِسارِ، لِظُهُورِ الحُجَّةِ، وكانُوا قَدْ حَدَّقُوا الأعْيُنَ جَلادَةً وجَفاءً عِنْدَ العِنادِ، وأظْهَرُوا في الوُجُوهِ التَّجَهُّمَ والعُبُوسَ والِارْتِدادَ، بِدَعِ قَوْلَهُ [بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاحْتِباكُ: وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ خائِفُونَ، ولَيْسَ لَهم إلّا مِثْلُ سَيِّئَتِهِمْ]: ﴿هَلْ﴾ أيْ: مَقُولًا لَهم: هَلْ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ أيْ: بِغَمْسِ الوُجُوهِ (p-٢٢٦)فِي النّارِ؛ وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُرَغَّبَ المُرَهَّبَ الجَزاءُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ يَكُونُ بِأيْسَرِ أمْرٍ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُجازِيَ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿إلا ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: تُكَرِّرُونَ عَمَلَهُ وأنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ العِلْمِ [بِحَيْثُ] يَشْهَدُ كُلُّ [مَن] رَآهُ أنَّهُ مُماثِلٌ لِأعْمالِكم سَواءً بِسَواءٍ، وهو شامِلٌ أيْضًا لِأهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الخَيْرِيَّةَ والأمْنَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المِثْلِ والخَوْفِ ثانِيًا، والكَبَّ في النّارِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الإكْرامِ عَنْهُ أوَّلًا].

27:91Page 385

إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١

[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]

ولَمّا أتَمَّ الدِّينَ بِذِكْرِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ: المَبْدَأِ والمَعادِ والنُّبُوَّةِ، ومُقَدِّماتِ القِيامَةِ وأحْوالِها، [وبَعْضِ صِفَتِها وما يَكُونُ مِن أهْوالِها]، وذَلِكَ كَمالُ ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ عَلى وُجُوهٍ مُرَغِّبَةٍ أتَمَّ تَرْغِيبٍ، مُرْهِبَةٍ أعْظَمَ تَرْهِيبٍ، أوْجَبَ هَذا التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ لِكُلِّ سامِعٍ أنْ يَقُولَ: فَما الَّذِي نَعْمَلُ [ومَن نَعْبُدُ]؟ فَأجابَهُ المُخاطَبُ بِهَذا الوَحْيِ. المَأْمُورِ بِإبْلاغِ هَذِهِ الجَوامِعِ، الدّاعِي لِمَن سَمِعَهُ، الهادِي لِمَنِ اتَّبَعَهُ، بِأنَّهُ لا يَرْضى لَهُ ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وهو ما أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، فَقالَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾ [أيْ: بِأمْرِ مِن لا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ]، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] فَيَكُونُ مَحَلُّهُ نَصْبًا بِقُلْ، (p-٢٢٧)[وعَظَّمَ المَأْمُورَ بِهِ بِإحْلالِهِ مَحَلَّ العُمْدَةِ فَقالَ]: ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ ﴿رَبَّ﴾ أيْ: مُوجِبَ ومُدَبِّرَ ومَلِكَ؛ وعَيَّنَ المُرادَ وشَخَصَّهُ [وقَرَّبَهُ] تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ أيْ: مَكَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنها فَيَفْزَعُ كُلُّ مَن يَراها، ثُمَّ تُؤَمِّنُ أهْلَ السَّعادَةِ، أخُصُّهُ بِذَلِكَ لا أعْبُدُ شَيْئًا مِمّا عَدَلْتُمُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ وادَّعَيْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ، وهم مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَ؛ ثُمَّ وصَفَ المَعْبُودَ الَّذِي ما أمَرَ بِعِبادَةِ أحَدٍ غَيْرِهِ بِما يَقْتَضِيهِ وصْفُ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَعَيُّنُ البَلْدَةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها بِأداةِ القُرْبِ لِحُضُورِها في الأذْهانِ لِعَظْمَتِها وشَدَّةِ الإلْفِ بِها وإرادَتِها بِالأرْضِ الَّتِي تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِنها، فَصارَتْ لِذَلِكَ بِحَيْثُ إذا أُطْلِقَتِ البَلْدَةُ انْصَرَفَتْ إلَيْها وعُرِفَ أنَّها مَكَّةُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وتَرْبِيَتِهِ لَهم بِأنْ أسْكَنَهم خَيْرَ بِلادِهِ، وجَعَلَهم بِذَلِكَ مَهابَةً في قُلُوبِ عِبادِهِ، بِما ألْقى في القُلُوبِ مِن أنَّها حَرَمٌ، [لا يُسْفَكُ بِها دَمٌ، ] ولا يُظْلَمُ أحَدٌ، ولا يُباحُ بِها صَيْدٌ، ولا يُعَضَّدُ شَجَرُها، وخَصَّها بِذَلِكَ مِن بَيْنِ سائِرِ بِلادِهِ والنّاسُ يُتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِهِمْ وهم آمِنُونَ لا يَنالُهم شَيْءٌ مِن فَزَعِهِمْ وهَوْلِهِمْ. (p-٢٢٨)ولَمّا كانَتْ إضافَتُها إلَيْهِ إنَّما هي لِمَحْضِ التَّشْرِيفِ، قالَ احْتِراسًا عَمّا لَعَلَّهُ يُتَوَهَّمُ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِها مِمّا أشْرَكْتُمُوهُ بِهِ وغَيْرِهِ خَلْقًا ومُلْكًا ومِلْكًا، ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم إلّا ما حَمَوْهُ عَلى غَيْرِهِمْ.

ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ونَحْنُ نَعْبُدُهُ بِعِبادَةِ مَن نَرْجُوهُ يُقَرِّبُنا إلَيْهِ زُلْفى، عُيِّنَ الدِّينُ الَّذِي تَكُونُ بِهِ العِبادَةُ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ: مَعَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، [وعَظَّمَ المَفْعُولَ المَأْمُورَ بِهِ بِجَعْلِهِ عُمْدَةَ الكَلامِ بِوَضْعِهِ مَوْضِعَ الفاعِلِ فَقالَ]: ﴿أنْ أكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الرُّسُوخِ ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: المُنْقادِينَ لِجَمِيعِ ما يَأْمُرُ بِهِ كِتابَهُ أتَمَّ انْقِيادٍ، ثابِتًا عَلى ذَلِكَ غايَةَ الثَّباتِ.

27:92Page 385

وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢

And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."

ولَمّا بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ في نَفْسِهِ، أتْبَعَهُ ما تَعُمُّ فائِدَتُهُ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ أيْ: أُواظِبُ عَلى تِلاوَتِهِ وتَلْوِهِ -أيْ: اتِّباعَهُ- عِبادَةً لِرَبِّي، وإبْلاغًا لِلنّاسِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْهِمْ مِمّا لا يُلِمُّ بِهِ رَيْبٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِهِ، [ولِأكُونَ] مُسْتَحْضِرًا لِأوامِرِهِ فَأعْمَلَ بِها، ولِنَواهِيهِ فَأجْتَنِبَها، ولِيَرْجِعَ النّاسُ إلَيْهِ ويُعَوِّلُوا في كُلِّ أمْرٍ عَلَيْهِ. لِأنَّهُ جامِعٌ لِكُلِّ عِلْمٍ.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [أنَّ] مَنِ انْقادَ لَهُ نَجّى نَفْسَهُ، ومِن (p-٢٢٩)اسْتَعْصى عَلَيْهِ أهْلَكَها، قالَ لَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ مُسَلِّيًا ومُؤَسِّيًا ومُرَغِّبًا ومُرَهِّبًا: ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ الدّاعِي إلى الجِنانِ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّهُ يُحْيِيها بِحَوْزَةِ الثَّوابِ، ونَجاتِهِ مِنَ العِقابِ، [فَإنَّما أنا مِنَ المُبَشِّرِينَ، أُبَشِّرُهُ أنَّهُ مِنَ النّاجِينَ] ﴿ومَن ضَلَّ﴾ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي نَهَجَ وبَيَّنَها مِن غَيْرِ مَيْلٍ ولا عِوَجٍ ﴿فَقُلْ﴾ لَهُ كَما تَقُولُ لِغَيْرِهِ: ﴿إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: المُخَوِّفِينَ لَهُ عَواقِبَ صُنْعِهِ، وإنَّما فَسَّرَهُ ورَدَّهُ فَلَمْ أُومَرْ بِهِ الآنَ

27:93Page 385

وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣

And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."

﴿وقُلِ﴾ أيْ: إنْذارًا لَهم وتَرْغِيبًا وتَرْجِيَةً وتَرْهِيبًا: ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها سَواءٌ اهْتَدى الكُلُّ وضَلَّ الكُلُّ، أوِ انْقَسَمُوا إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، لِأنَّهُ لا يَخْرَجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ.

ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِوَعْدٍ مُحَقَّقٍ لا شَكَّ في وُقُوعِهِ ﴿آياتِهِ﴾ أيْ: الرّادَّةَ لَكم عَمّا أنْتُمْ فِيهِ يَوْمَ يُحِلُّ لِي هَذِهِ البَلْدَةُ الَّذِي حَرَّمَها بِما أشارَ إلَيْهِ جَعْلِي مِنَ المُنْذِرِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ ما يَظْهَرُ مِن وقائِعِهِ ويَشْتَهِرُ مِن أيّامِهِ الَّتِي صَرَّحَ أوْ لَوَّحَ بِها القُرْآنُ، فَيَأْتِيكم تَأْوِيلُهُ فَتَرَوْنَهُ عِيانًا، وهو مَعْنى ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ أيْ: بِتَذَكُّرِكم ما أتَوَعَّدُكُمُ الآنَ [بِهِ] وأصِفُهُ لَكم (p-٢٣٠)مِنها، لا تَشُكُّونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلى ما وصَفْتُهُ ولا تَرْتابُونَ، فَتَظْهَرُ لَكم عَظَمَةُ القُرْآنِ، وإبانَةُ آياتِ الكِتابِ الَّذِي هو الفُرْقانُ، وتَرَوْنَ ذَلِكَ حَقَّ اليَقِينِ ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]

ولَمّا كانَ قَدْ نَفَّسَ لَهم بِالسِّينِ في الآجالِ، وكانَ التَّقْدِيرُ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ: وما رَبُّكَ بِتارِكِهِمْ عَلى هَذا الحالِ مِنَ العِنادِ لِأنَّ رَبَّكَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِجَمِيعِ ما أقامَكَ فِيهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ والأحْوالِ [الجَلِيلَةِ] الجَسِيمَةِ ﴿بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ، ومُفارَقَةِ زَواجِرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ ”يَرى“ أيْ: يُرِيكم غَيْرَ غافِلٍ، ومَن قَرَأ بِالخِطابِ كانَ المَعْنى: عَمّا تَعْمَلُ أنْتُ وأتْباعُكَ مِنَ الطّاعَةِ. وهو مِنَ المَعْصِيَةِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِما يَسْتَحِقُّ [فَيُعْلِي أمْرَكَ، ويَشُدُّ أزْرَكَ، ويُوهِنُ أيْدَهم، ويُضْعِفُ كَيْدَهم، بِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ، والعِلْمِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ، فَلا يَظُنُّ ظانٌّ أنَّ تَرْكَهُ لِلْمُعالَجَةِ بِعِقابِهِمْ لِغَفْلَةٍ عَنْ شَيْءٍ مِن أعْمالِهِمْ، إنَّما ذَلِكَ لِأنَّهُ حَدَّ لَهم حَدًّا هم بالِغُوهُ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها كَما تَرى بِإبانَةِ الكِتابِ وتَفْخِيمِ القُرْآنِ وتَقْسِيمِ النّاسِ فِيهِ إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ إلى أوَّلِها، وعانَقَ خِتامُها ابْتِداءَها بِحِكْمَةِ مُنْزِلِها، وعِلْمِ مُجْمَلِها ومُفْصِلِها، ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ (p-٢٣١)مِمّا يَظْهَرُ عِنْدَ تَدَبُّرِها وتَأمُّلِها - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

نَجُزَ الجُزْءُ المُبارَكُ مِن مُناسَباتِ البُقاعِيُّ بِحَمْدِ اللَّهِ وعَوْنِهِ ويَتْلُوهُ القَصَصُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وتَجاوَزْ عَنْ سَيِّئاتِنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском