Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:10–22
28:10Page 386
وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠
And the heart of Moses' mother became empty [of all else]. She was about to disclose [the matter concerning] him had We not bound fast her heart that she would be of the believers.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ مَن لَقِيَهُ، أخْبَرَ عَنْ حالِ مَن فارَقَهُ، فَقالَ: ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ: عَقِبَ اللَّيْلَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيها فِراقُهُ ﴿فُؤادُ أُمِّ مُوسى﴾ أيْ: قَلْبُها الَّذِي زادَ احْتِراقَهُ شَوْقًا وخَوْفًا وحُزْنًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها ألْقَتْهُ لَيْلًا ﴿فارِغًا﴾ أيْ: في غايَةِ الذُّعْرِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن أخْلاقِ البَشَرِ، (p-٢٤٨)قَدْ ذَهَبَ مِنهُ كُلُّ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي المَقْصُودَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَرْبُطَ عَلَيْها الجَأْشَ؛ ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ: إنَّهُ ﴿كادَتْ﴾ أيْ: قارَبَتْ ﴿لَتُبْدِي﴾ أيْ: يَقَعُ مِنها الإظْهارُ لِكُلِّ ما كانَ مِن أمْرِهِ، مُصَرِّحَةً ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهُ ولَدُها ونَحْوُ ذَلِكَ بِسَبَبِ فَراغِ فُؤادِها مِنَ الأُمُورِ المُسْتَكِنَّةِ، وتَوَزُّعِ فِكْرِها في كُلِّ وادٍ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿عَلى قَلْبِها﴾ بَعْدَ أنْ رَدَدْنا إلَيْهِ المَعانِيَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْدَعْناها فِيهِ، فَلَمْ تُعْلِنْ بِهِ لِأجْلِ رَبْطِنا عَلَيْهِ حَتّى صارَ كالجِرابِ الَّذِي رُبِطَ فَمُهُ حَتّى لا يَخْرُجَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الرَّبْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالغَرِيزَةِ لَها ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: المُصَدِّقِينَ بِما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَجاتِهِ ورِسالَتِهِ، الواثِقِينَ بِذَلِكَ.
28:11Page 386
وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١
And she said to his sister, "Follow him"; so she watched him from a distance while they perceived not.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ كَتْمِها، أتْبَعَهُ الخَبَرَ عَنْ فِعْلِها في تَعَرُّفِ خَبَرِهِ الَّذِي أطارَ خَفاؤُهُ [عَلَيْها] عَقْلَها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأصْبَحَ﴾ [القصص: ١٠] ﴿وقالَتْ﴾ أيْ: أمُّهُ ﴿لأُخْتِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ أصْبَحَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، قَدْ خَفِيَ عَلَيْها أمْرُهُ: ﴿قُصِّيهِ﴾ أيْ: اتْبَعِي أثَرَهُ وتَشَمَّمِي خَبَرَهُ بَرًّا وبَحْرًا، (p-٢٤٩)فَفَعَلَتْ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ: بُعْدٍ مِن غَيْرِ مُواجَهَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم شُعُورٌ لا بِنَظَرِها ولا بِأنَّها أُخْتُهُ، بَلْ هم في صِفَةِ الغَفْلَةِ الَّتِي هي في غايَةِ البُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ.
28:12Page 386
۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢
And We had prevented from him [all] wet nurses before,1 so she said, "Shall I direct you to a household that will be responsible for him for you while they are to him [for his upbringing] sincere?"
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أحَدَ الأسْبابِ في [رَدِّهِ، ] ذَكَرَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ سَبَبًا آخَرَ قَرِيبًا مِنهُ فَقالَ: ﴿وحَرَّمْنا﴾ أيْ: مَنَعْنا بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَتَخَلَّفُ أمْرُها، ويَتَضاءَلُ كُلُّ شَيْءٍ دُونَها ﴿عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ جَمْعُ مُرْضِعَةٍ، وهي مَن تُكْتَرى لِلرَّضاعِ مِنَ الأجانِبِ، أيْ: حَكَمْنا بِمَنعِهِ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنهُنَّ، اسْتَعارَ التَّحْرِيمَ لِلْمَنعِ لِأنَّهُ مَنعٌ فِيهِ رَحْمَةٌ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ.
ولَمّا كانَ قَدِ ارْتَضَعَ مِن أُمِّهِ مِن حِينِ ولَدَتْهُ إلى حِينِ إلْقائِهِ في اليَمِّ، فَلَمْ يَسْتَغْرِقِ التَّحْرِيمُ الزَّمانَ الماضِيَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْمُرَ أُمُّهُ أُخْتَهُ بِما أمَرَتْها بِهِ وبَعْدَ إلْقائِها لَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَدِّهِ إلَيْها، فَلَمْ يَرْضَعْ مِن غَيْرِها فَأشْفَقُوا عَلَيْهِ فَأتَتْهم أُخْتُهُ فَقالُوا لَها: هَلْ عِنْدَكِ مُرْضِعَةٍ تَدُلِّينا عَلَيْها لَعَلَّهُ يَقْبَلُ ثَدْيَها؟ ﴿فَقالَتْ﴾ أيْ: فَدَنَتْ أُخْتُهُ مِنهُ بَعْدَ نَظَرِها لَهُ فَقالَتْ لَهم لَمّا رَأتْهم في غايَةِ الِاهْتِمامِ بِرِضاعِهِ لَمّا عَرَضُوا عَلَيْهِ المَراضِعَ فَأبى أنْ يَرْتَضِعَ مِن واحِدَةٍ مِنهُنَّ: ﴿هَلْ﴾ لَكم حاجَةٍ في أنِّي ﴿أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ﴾ ولَمْ تَقُلْ: (p-٢٥٠)عَلى امْرَأةٍ، لِتُوَسِّعَ دائِرَةَ الظَّنِّ ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَهُ ويَعُولُونَهُ ويَقُومُونَ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِ مِنَ الرَّضاعِ وغَيْرِهِ لِأجْلِكم، وزادَتْهم رَغْبَةً بِقَوْلِها: ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ نُصْحُهم لَهُ، لا يَغُشُّونَهُ نَوْعًا مِنَ الغِشِّ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والنُّصْحُ ضِدُّ الغِشِّ، وهو تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِن شَوائِبِ الفَسادِ فَكادَتْ بِهَذا الكَلامِ تُصَرِّحُ بِأنَّ المَدْلُولَ عَلَيْها أُمُّهُ، فارْتابُوا مِن كَلامِها فاعْتَذَرَتْ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى [المَلِكِ] وتَحَبُّبًا إلَيْهِ تَعَزُّزًا بِهِ، فَظَنُّوا ذَلِكَ، وهَذا وأمْثالُهُ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا هو سُبْحانَهُ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا.
28:13Page 386
فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣
So We restored him to his mother that she might be content and not grieve and that she would know that the promise of Allāh is true. But most of them [i.e., the people] do not know.
فَلَمّا سَكَنُوا إلَيْها طَلَبُوا أنْ تَدُلَّهم، فَأتَتْ بِأُمِّها [فَأحْلَلْنا لَهُ رَضاعَها] فَأخَذَ ثَدْيَها فَقالُوا: أقِيمِي عِنْدَنا، فَقالَتْ: لا أقْدِرُ عَلى فِراقِ بَيْتِي. إنْ رَضِيتُمْ أنْ أكْفُلَهُ في بَيْتِي وإلّا فَلا حاجَةَ لِي، وأظْهَرَتِ التَّزَهُّدَ فِيهِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ، فَرَضُوا بِذَلِكَ فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّحْرِيمَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الإحْلالِ ثانِيًا، واسْتِفْهامَ أُخْتِهِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى اسْتِفْهامِهِمْ لَها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ ذِكْرَ الأغْرَبِ مِن أمْرِهِ الأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، ] (p-٢٥١)ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ﴿فَرَدَدْناهُ﴾ أيْ: مَعَ هَذا الظّاهِرِ في الكَشْفِ لِسِرِّهِ المُوجِبِ لِلرِّيبَةِ في أمْرِهِ، ومَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي يَكادُ يَقْطَعُ بِها بِأنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِنها إلْقاؤُهُ في البَحْرِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ومِنها [أنَّ] المَدْلُولَ عَلَيْها لِإرْضاعِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ومِنها أنَّهُ قَبِلَ ثَدْيَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القِبْطِ وغَيْرِهِمْ، بِأيْدِينا الَّذِي لا يُقاوِيهِ أيْدٍ، ولا يُدانِي ساحَتَهُ شَيْءٌ مِن مَكْرٍ ولا كَيْدٍ، مِن يَدِ العَدُوِّ الَّذِي ما ذَبَحَ طِفْلًا إلّا رَجاءَ الوُقُوعِ عَلَيْهِ، والخَلاصِ مِمّا جُعِلَ في سابِقِ العِلْمِ إلَيْهِ ﴿إلى أُمِّهِ﴾ وكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ - واللَّهُ هو غالِبٌ عَلى أمْرِهِ - أنَّهُ اسْتَخْدَمَ لِمُوسى - كَما قالَ الرّازِي - عَدُوَّهُ في كَفالَتِهِ وهو يَقْتُلُ العالَمَ لِأجْلِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أيْ: تَبْرُدَ وتَسْتَقِرَّ عَنِ الطَّرْفِ في تَطَلُّبِهِ إلى كُلِّ جِهَةٍ وتَنامَ بِإرْضاعِهِ وكَفالَتِهِ في بَيْتِها، آمِنَةً لا تَخافُ، وقُرَّةُ العَيْنِ بِرَدِّها ونَوْمِها خِلافُ سُخْنَتِها وسَهَرِها بِإدامَةِ تَقْلِيبِها، قَرَّتْ عَيْنُهُ تَقِرُّ - بِالكَسْرِ والفَتْحِ - قُرَّةً، وتُضَمُّ، وقُرُورًا: بَرُدَتْ سُرُورًا وانْقَطَعَ بُكاؤُها، أوْ رَأتْ ما كانَتْ مُتَشَوِّقَةً إلَيْهِ، وأقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وبِعَيْنِهِ، وعَيْنٌ قَرِيرَةٌ وقارَّةٌ، (p-٢٥٢)وقَّرَتْها ما قَرَّتْ بِهِ، وقَرَّ بِالمَكانِ يَقَرُّ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ - قَرارًا وقُرُورًا وقَرًّا وتَقِرَّةً: ثَبَتَ واسْتَكَنَّ، وأصْلُ قُرَّةِ العَيْنِ مِنَ القُرِّ وهو البَرْدُ، أيْ: بَرُدَتْ فَصَحَّتْ ونامَتْ خِلافَ سُخْنَةِ عَيْنِهِ، وقِيلَ: مِنَ القَرارِ، أيْ: اسْتَقَرَّتْ عَيْنِي، وقالُوا: دَمْعَةُ الفَرَحِ بارِدَةٌ، ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ، فَمَعْنى أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ مِنَ الفَرَحِ وأسَخَنَها مِنَ الحُزْنِ، وهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ أبُو عَبّاسٍ: لَيْسَ كَما ذَكَرَ الأصْمَعِيُّ بَلْ كُلُّ دَمْعٍ حارٌّ، فَمَعْنى أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ: صادَفَتْ سُرُورًا فَنامَتْ وذَهَبَ سَهَرُها، وصادَفَتْ ما يُرْضِيكَ، أيْ: بَلَّغَكَ اللَّهُ أقْصى أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ النَّظَرِ إلى غَيْرِهِ اسْتِغْناءً ورِضًا بِما في يَدَيْكَ، قالُوا: ومَعْنى قَوْلِهِمْ: هو قُرَّةُ عَيْنِي: هو رِضى نَفْسِي، فَهي تَقَرُّ وتَسْكُنُ بِقُرْبِهِ فَلا تَسْتَشْرِفُ إلى غَيْرِهِ ﴿ولا﴾ أيْ: وكَيْلا ﴿تَحْزَنَ﴾ أيْ: بِفِراقِهِ ﴿ولِتَعْلَمَ﴾ أيْ: عِلْمًا هو عَيْنُ اليَقِينِ، كَما كانَتْ عالِمَةً بِهِ عِلْمَ اليَقِينِ، وعِلْمَ شَهادَةٍ كَما كانَتْ عالِمَةً عِلْمَ الغَيْبِ ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الأمْرَ الَّذِي وعَدَها بِهِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في حِفْظِهِ وإرْسالِهِ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: هو في غايَةِ الثَّباتِ في مُطابَقَةِ الواقِعِ إيّاهُ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ هو النُّورُ الَّذِي (p-٢٥٣)مِن فَقْدِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنهُ عَمَلٌ، ولَمْ يَنْتَظِمْ لَهُ قَصْدٌ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلِمَتْ ذَلِكَ بِرَدِّهِ عَيْنَ اليَقِينِ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرَ آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم أصْلًا، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ ما يَدَّعُونَ مِنَ الإلَهِيَّةِ والكِبْرِياءِ عَلى مَن يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ.
28:14Page 387
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤
And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.
ولَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ، عَلى هَذا المِنوالِ، عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا الخَيْرُ والإقْبالُ، والعِزُّ بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ لَهُ والجَلالُ، فَتَرَكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّنِّ الصّالِحِ لِلْإرْسالِ، [و] قالَ مُخْبِرًا عَمّا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: مَجامِعَ قُواهُ وكَمالاتِهِ ﴿واسْتَوى﴾ أيْ: اعْتَدَلَ في السِّنِّ وتَمَّ اسْتِحْكامُهُ بِانْتِهاءِ الشَّبابِ، وهو مِنَ العُمْرِ ما بَيْنَ إحْدى وعِشْرِينَ سَنَةً إلى اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ، فَتَمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ في الخِلالِ الصّالِحَةِ الَّتِي طَبَعْناهُ عَلَيْها؛ وقالَ الرّازِي: قالَ الجُنَيْدُ: لَمّا تَكامَلَ عَقْلُهُ، وصَحَّتْ بَصِيرَتُهُ، وصَلَحَتْ نَحِيرَتُهُ، وآنَ أوانُ خِطابِهِ انْتَهى.
أيْ: وصارَ إلى الحَدِّ الَّذِي لا يُزادُ الإنْسانُ بَعْدَهُ غَرِيزَةً مِنَ الغَرائِزِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أيّامَ الشَّبابِ، بَلْ لا يَبْقى بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الوُقُوفُ ثُمَّ النُّقْصانُ ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ: خَرْقًا لِلْعادَةِ أُسْوَةَ إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ ابْتِداءَ غَرائِزَ مَنَحْناهُ إيّاها مِن غَيْرِ اكْتِسابٍ أصْلًا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ: عَمَلًا مُحْكَمًا بِالعِلْمِ ﴿وعِلْمًا﴾ أيْ: (p-٢٥٤)مُؤَيَّدًا بِالحِكْمَةِ، تَهْيِئَةً لِنُبُوَّتِهِ، وإرْهاصًا لِرِسالَتِهِ، جَزَيْناهُ بِذَلِكَ عَلى ما طَبَعْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ، فَضْلًا مِنّا ومِنَّةً، واخْتارَ [اللَّهُ] سُبْحانَهُ هَذا السِّنَّ لِلْإرْسالِ لِيَكُونَ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِن جُمْلَةِ الخَوارِقِ، لِأنَّهُ يَكُونُ بِهِ ابْتِداءُ الِانْتِكاسِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ [يس: ٦٨] - أيْ: إلى اكْتِمالِ سِنِّ الشَّبابِ - ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] أيْ: نُوقِفْهُ، فَلا يُزادُ [بَعْدَ ذَلِكَ] في قُواهُ الظّاهِرَةِ ولا الباطِنَةِ شَيْءٌ، ولا تُوجَدُ فِيهِ غَرِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً أصْلًا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ يَأْخُذُ في النُّقْصانِ - هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ في [جَمِيعِ] بَنِي آدَمَ [إلّا] الأنْبِياءَ، فَإنَّهم في حَدِّ الوُقُوفِ يُؤْتَوْنَ مِن بِحارِ العُلُومِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ بِغَيْرِ اكْتِسابٍ، بَلْ غَرِيزَةٌ يَغْرِزُها اللَّهُ فِيهِمْ حِينَئِذٍ، ويُؤْتَوْنَ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ أيْضًا بِمِقْدارِ ذَلِكَ، فَفي وقْتِ انْتِكاسِ غَيْرِهِمْ يَكُونُ نُمُوُّهم، وكَذا مَن ألْحَقَهُ اللَّهُ بِهِمْ مِن صالِحِي أتْباعِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يَسْ مِن تَمامِ هَذا المَعْنى ما يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِ لِمَن تَأمَّلَهُ أبْوابًا مِنَ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ [اللَّهُ] تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِ ذَلِكَ وبِأُمِّهِ جَزاءً لَهُما عَلى إحْسانِهِما في إخْلاصِهِما فِيما يَفْعَلانِهِ اعْتِمادًا عَلى اللَّهِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أدْنى التِفاتٍ إلى ما سِواهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ (p-٢٥٥)﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم.
28:15Page 387
وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥
And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."
ولَمّا أخْبَرَ بِتَهَيُّئِهِ لِنُبُوَّتِهِ، أخْبَرَ بِما هو سَبَبٌ لِهِجْرَتِهِ، وكَأنَّها سُنَّتْ بَعْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ آتِيًا مِن قَصْرِهِ، لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ الوَلَدِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي مَدِينَةُ مَنفٍ مِن مِصْرَ، وقالَ البَغَوِيُّ: وقِيلَ: عَيْنُ الشَّمْسِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ قِيلَ بَعِيدٍ: وقِيلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مِن أهْلِها﴾ أيْ: إحْكامًا لِما جَعَلْناهُ سَبَبًا لِنَقْلَتِهِ مِنها طَهارَةً مِن عِشْرَةِ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴿فَوَجَدَ فِيها﴾ أيْ: المَدِينَةِ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أيْ: يَفْعَلانِ مُقَدِّماتِ القَتْلِ مِنَ المُلازَمَةِ مَعَ الخَنْقِ والضَّرْبِ، وهُما إسْرائِيلِيٌّ وقِبْطِيٌّ، ولِذا قالَ مُجِيبًا لِمَن كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْهُما وهو يَنْظُرُ إلَيْهِما: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمِهِ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: القِبْطِ، وكانَ قَدْ حَصَلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهِ عِزٌّ لِكَوْنِهِ رَبِيبَ المَلِكِ، مَعَ أنَّ مُرْضِعَتَهُ مِنهم، لا يَظُنُّونَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الرَّضاعُ (p-٢٥٦)﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ ﴿الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أنْ يُغِيثَهُ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ﴾ أيْ: فَأجابَهُ ﴿مُوسى﴾ فَوَكَزَ أيْ: فَطَعَنَ ودَفَعَ بِيَدِهِ العَدُوَّ أوْ ضَرَبَهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ، وكَأنَّهُ كالَّكْمِ، أوْ دَفَعَهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ، وهو رَجُلٌ أيْدٍ لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِثْلَ ما أُعْطِيَ مِنَ القُوى الذّاتِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿فَقَضى﴾ أيْ: فَأوْقَعَ القَضاءَ الَّذِي هو القَضاءُ عَلى الحَقِيقَةِ، وهو المَوْتُ الَّذِي لا يَنْجُو مِنهُ بَشَرٌ ﴿عَلَيْهِ﴾ فَقَتَلَهُ وفَرَغَ مِنهُ وكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتُ مِنهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وقَضَيْتَ عَلَيْهِ وخَفِيَ هَذا عَلى النّاسِ لِما هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنهم.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ عَظِيمٌ، فَما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِ مَن أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا؟ أُجِيبَ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ نَدِمَ عَلَيْهِ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَذا﴾ أيْ: الفِعْلُ الَّذِي جَرَّكَ إلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: لِأنِّي لَمْ أُومَرْ بِهِ عَلى الخُصُوصِ، ولَمْ يَكُنْ مِن قَصْدِي وإنْ كانَ المَقْتُولُ كافِرًا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِ الشَّيْطانِ بِما هو عالِمٌ بِهِ، مُؤَكِّدًا لَهُ حَمْلًا لِنَفْسِهِ عَلى شِدَّةِ الِاحْتِراسِ (p-٢٥٧)والحَذَرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ﴾ ومَعَ كَوْنِهِ عَدُوًّا يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنهُ فَهو ﴿مُضِلٌّ﴾ لا يَقُودُ إلى خَيْرٍ أصْلًا، ومَعَ ذَلِكَ فَهو ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: عَداوَتُهُ وإضْلالُهُ في غايَةِ البَيانِ، ما في شَيْءٍ مِنهُما خَفاءٌ.
28:16Page 387
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦
He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.
ولَمّا كانَ هَذا الكافِرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ النَّدَمِ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَأْتِهِ في قَتْلِهِ إذْنٌ خاصٌّ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِالنَّدَمِ، تَشَوَّفَتْ أنْفُسُ البُصَراءِ إلى الِاسْتِغْفارِ عَنْهُ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ وأهْلِ الدَّرَجاتِ العَلِيَّةِ اسْتِعْظامَ الهَفَواتِ، فَأُجِيبُوا بِالإخْبارِ عَنْ مُبادَرَتِهِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ وأسْقَطَ أداةَ النِّداءِ، عَلى عادَةِ أهْلِ الِاصْطِفاءِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.
ولَمّا كانَ حالُ المُقْدِمِ عَلى شَيْءِ دالَّةً عَلى إرادَتِهِ فاسْتِحْسانُهُ إيّاهُ، أكَّدَ قَوْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ باطِنَهُ عَلى غَيْرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ فَقالَ: ﴿إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِالإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيَّ فِيهِ [إذْنٌ] بِالخُصُوصِ وإنْ كانَ مُباحًا.
ولَمّا كانَ المُقَرَّبُ قَدْ يَعُدُّ حَسَنَةَ غَيْرِهِ سَيِّئَتَهُ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فاغْفِرْ﴾ أيْ: امْحُ هَذِهِ الهَفْوَةَ عَيْنَها وأثَرَها ﴿لِي﴾ أيْ: لِأجْلِي لا تُؤاخِذْنِي ﴿فَغَفَرَ﴾ أيْ: أوْقَعَ المَحْوَ لِذَلِكَ كَما سَألَ إكْرامًا ﴿لَهُ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ (p-٢٥٨)بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أنَّ صِفَةَ غَيْرِهِ عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفَتِهِ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ: البالِغُ في صِفَةِ السِّتْرِ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: العَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِالإحْسانِ بِالتَّوْفِيقِ إلى الأفْعالِ المُرْضِيَةِ لِمَقامِ الإلَهِيَّةِ، ولِأجْلِ أنَّ هَذِهِ صِفَتُهُ، رَدَّهُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ حِينَ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُؤاخَذَتِهِ بِذَلِكَ بِقَصاصٍ ولا غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ نَجّاهُ مِنهم قَبْلَ الرِّسالَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
28:17Page 387
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧
He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."
ولَمّا أنْعَمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالإجابَةِ إلى سُؤْلِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى شُكْرِهِ عَلَيْها فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ جَمِيلٍ. ولَمّا كانَ جَعْلُ الشَّيْءِ عِوَضًا لِشَيْءٍ أثْبَتَ لَهُ وأجْدَرَ بِإمْضاءِ العَزْمِ عَلَيْهِ قالَ: ﴿بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ وغَيْرِها. ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّعْظِيمِ لِلنِّعْمَةِ، كَرَّرَ حَرْفَ السَّبَبِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، وتَعْرِيفًا أنَّ المَقْرُونَ بِهِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإنْعامِ، وقَرَنَهُ بِأداةِ النَّفْيِ الدّالَّةِ عَلى التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ أيْ: عَشِيرًا أوْ خَلِيطًا أوْ مُعِينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، أيْ: لا أكُونُ بَيْنَ ظَهَرانَيِ القِبْطِ، فَإنَّ فَسادَهم كَثِيرٌ، وظُلْمَهم لِعِبادِكَ أبْناءِ أوْلِيائِكَ مُتَواصِلٌ وكَبِيرٌ، لا قُدْرَةَ لِي عَلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وذَلِكَ يَجُرُّ إلى أمْثالِ هَذِهِ الفِعْلَةِ، فَلا أصْلُحُ مِنَ المُهاجَرَةِ لَهم، وهَذا (p-٢٥٩)مِن قَوْلِ العَرَبِ: جاءَنا في ظُهْرَتِهِ - بِالضَّمِّ وبِالكَسْرِ وبِالتَّحْرِيكِ- وظاهِرَتُهُ، أيْ: عَشِيرَتُهُ.
28:18Page 387
فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨
And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."
ولَمّا ذَكَرَ القَتْلَ وأتْبَعَهُ ما هو الأهَمُّ مِن أمْرِهِ بِالنَّظَرِ إلى الآخِرَةِ، ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْهُ مِن أحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿فَأصْبَحَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيْ: الَّتِي قَتَلَ القَتِيلَ فِيها ﴿خائِفًا﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِهِ لَهُ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: لازِمَ الخَوْفِ كَثِيرَ الِالتِفاتِ بِرُقْبَتِهِ ذُعْرًا مِن طارِقَةٍ تَطْرُقُهُ في ذَلِكَ، قالَ البَغَوِيُّ: والتَّرَقُّبُ: انْتِظارُ المَكْرُوهِ.
﴿فَإذا﴾ أيْ: فَفَجِئَهُ ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾ أيْ: طَلَبَ نُصْرَتَهُ مِن شِيعَتِهِ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ: اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَ الِاسْتِصْراخِ مِن قَبْلِهِ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ ما يُزِيلُ ما يَصْرُخُ بِسَبَبِهِ مِنَ الضُّرِّ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ كانَ يَظْلِمُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُ مُوسى بَعْدَما أوْقَعَهُ فِيما يَكْرَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ لَهُ﴾ أيْ: لِهَذا المُسْتَصْرِخِ ﴿مُوسى﴾
ولَمّا كانَ الحالُ مُتَقَضِّيًا أنَّ ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يَمْكُثُ مُدَّةً لا يُخاصِمُ أحَدًا خَوْفًا مِن جَرِيرَةِ ذَلِكَ القَتِيلِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أيْ: صاحِبُ ضَلالٍ بالِغٍ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحُ الضَّلالِ غَيْرُ خَفِيِّهِ، لِكَوْنِ ما وقَعَ بِالأمْسِ لَمْ يَكْفِكَ عَنِ الخُصُومَةِ لِمَن لا تُطِيقُهُ وإنْ كُنْتَ مَظْلُومًا؛ ثُمَّ دَنا مِنهُما لِيَنْصُرَهُ.
28:19Page 387
فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩
And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."
[ثُمَّ قالَ] مُشِيرًا بِالفاءِ إلى المُبادَرَةِ إلى إصْراخِهِ: ﴿فَلَمّا﴾ (p-٢٦٠)وأثْبَتَ الحَرْفَ الَّذِي أصْلُهُ المَصْدَرُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإرادَةِ فَقالَ: ﴿أنْ أرادَ﴾ أيْ: شاءَ، وطَلَبَ وقَصَدَ مُصَدِّقًا ذَلِكَ بِالمَشْيِ ﴿أنْ يَبْطِشَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: مِنَ القِبْطِ بِأخْذِهِ بِعُنْفٍ وسَطْوَةٍ لِخَلاصِ الإسْرائِيلِيِّ مِنهُ ﴿قالَ﴾ أيْ: الإسْرائِيلِيُّ الغَوِيُّ لِأجْلِ ما رَأى مِن غَضَبِهِ وكَلَّمَهُ بِهِ مِنَ الكَلامِ الغَصِّ ظانًّا أنَّهُ ما دَنا إلّا يُرِيدُ البَطْشَ بِهِ هو، لِما أوْقَعَهُ فِيهِ لا بِعَدُوِّهِ: ﴿يا مُوسى﴾ ناصًّا عَلَيْهِ بِاسْمِهِ العَلَمِ دَفْعًا لِكُلِّ لَبْسٍ مُنْكِرِ الفِعْلَةِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ لَمّا رَآهُ مِن دُنُوِّهِ إلَيْهِما غَضْبانَ وهو يَذُمُّهُ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي﴾ أيْ: اليَوْمَ وأنا مِن شِيعَتِكَ ﴿كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ أيْ: مِن شِيعَةِ أعْدائِنا، والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ الإسْرائِيلِيَّ هو الَّذِي قالَ لَهُ هَذا الكَلامَ السِّياقُ بِكَوْنِ الكَلامِ مَعَهُ - بِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِدُخُولِ المَدِينَةِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أنَّهم لَمْ يَرَهُ أحَدٌ غَيْرُ الإسْرائِيلِيِّ- وبِقَوْلِهِ ﴿عَدُوٌّ لَهُما﴾ مِن ذَمِّ الإسْرائِيلِيِّ كَما صَرَّحَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا نَمَّ عَلَيْهِ وأفْشى ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، خافَ غائِلَتَهُ فَزادَ في (p-٢٦١)الإغْراءِ بِهِ. مُؤَكِّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿جَبّارًا﴾ أيْ: قاهِرًا غالِبًا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: الَّتِي تَكُونُ بِها فَلا يَكُونُ فَوْقَكَ أحَدٌ ﴿وما تُرِيدُ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَكَ إرادَةٌ ﴿أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: بِما هو [لَكَ] كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الصَّلاحِ، فَإنَّ المُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ لا يَصِلُ إلى القَتْلِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلَمّا سَمِعَ الفِرْعَوْنِيُّ هَذا تَرَكَ الإسْرائِيلِيَّ، وكانُوا - لَمّا قُتِلَ ذَلِكَ القِبْطِيُّ - ظَنُّوا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَأغْرَوْا فِرْعَوْنَ بِهِمْ فَقالَ: هَلْ مِن بَيِّنَةٍ، فَإنَّ المَلِكَ وإنْ كانَ صَفْوَةً مَعَ قَوْمِهِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُقَيِّدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبْتٍ - كَما ذُكِرَ ذَلِكَ في حَدِيثِ المَفْتُونِ الَّذِي رَواهُ أبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- فَلَمّا قالَ هَذا الغَوِيُّ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَقَّقَ الأمْرُ في مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
28:20Page 387
وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠
And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."
ولَمّا كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: فَلَمّا سَمِعَ الفِرْعَوْنِيُّ قَوْلَ الإسْرائِيلِيِّ تَرَكَهُ. ثُمَّ رَقِيَ الكَلامُ إلى أنْ بَلَغَ فِرْعَوْنَ فَوَقَعَ الكَلامُ في الأمْرِ بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ﴾ أيْ: مِمَّنْ يُحِبُّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا (p-٢٦٢)كانَ الأمْرُ مُهِمًّا، يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ عَزْمٍ وعِظَمِ قُوَّةٍ، قَدَّمَ فاعِلَ المَجِيءِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ يَسْ.
ولَمّا كانَ في بَيانِ الِاقْتِدارِ عَلى الأُمُورِ الهائِلَةِ مِنَ الأخْذِ بِالخِناقِ حَتّى يَقُولَ القائِلُ: لا خَلاصَ، ثُمَّ الإسْعافُ بِالفَرَجِ حَتّى يَقُولَ: لا هَلاكَ، قالَ واصِفًا لِلرَّجُلِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: أبْعَدِها مَكانًا، وبَيَّنَ أنَّهُ كانَ ماشِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْعى﴾ [و]لَكِنَّهُ اخْتَصَرَ طَرِيقًا وأسْرَعَ في مَشْيِهِ بِحَيْثُ كانَ يَعْدُو فَسَبَقَهم بِإعْظامِهِ لِلسَّعْيِ وتَجْدِيدِ العَزْمِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ سَعْيِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُنادِيًا لَهُ بِاسْمِهِ تَعَطُّفًا وإزالَةً لِلَّبْسِ: ﴿يا مُوسى﴾ وأكَّدَ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ قَدْ دَهَمَ فَلا يَسَعُ الوَقْتُ الِاسْتِفْصالَ فَقالَ: ﴿إنَّ المَلأ﴾ أيْ: أشْرافَ القِبْطِ الَّذِينَ في أيْدِيهِمُ الحَلُّ والعَقْدُ، لِأنَّ لَهُمُ القُدْرَةَ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ، حَتّى وصَلَ حالُهم في تَشاوُرِهِمْ إلى أنَّ كُلًّا مِنهم يَأْمُرُ الآخَرَ ويَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ لِأنَّهم سَمِعُوا أنَّكَ قَتَلْتَ صاحِبَهم ﴿فاخْرُجْ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ المَدِينَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِيُزِيلَ ما يَطْرُقُ مِنِ احْتِمالِ عَدَمِ القَتْلِ لِكَوْنِهِ عَزِيزًا عِنْدَ المَلِكِ: ﴿إنِّي لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في نُصْحِكَ.
28:21Page 387
فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١
So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."
﴿فَخَرَجَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبادِرًا ﴿مِنها﴾ أيْ: المَدِينَةِ لِما عَلِمَ مِن (p-٢٦٣)صِدْقِ قَوْلِهِ مِمّا حَفَّهُ مِنَ القَرائِنِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿خائِفًا﴾ عَلى نَفْسِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: يُكْثِرُ الِالتِفاتَ بِإدارَةِ رَقَبَتِهِ في الجِهاتِ يَنْظُرُ هَلْ يَتْبَعُهُ أحَدٌ؛ ثُمَّ وصَلَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبِّ﴾ [أيْ: ] أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البِرِّ ﴿نَجِّنِي﴾ أيْ: خَلِّصْنِي، مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو المَكانُ العالِي الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ ﴿مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَيَقْتُلُونَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ مَعَ قُوَّتِهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَوَفَّقَهُ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ نَحْوَ مَدِينَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ نَجاتِهِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ انْتَدَبُوا إلَيْهِ قَطَعُوا بِأنَّهُ لا يَسْلُكُ الطَّرِيقَ الأكْبَرَ، جَرْيًا عَلى عادَةِ الخائِفِينَ الهارِبِينَ في المَشْيِ عُسافًا، أوْ سُلُوكَ ثَنِيّاتِ الطَّرِيقِ فانْثَنَوْا فِيما ظَنُّوهُ يَمِينًا وشِمالًا فَفاتَهم.
28:22Page 388
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢
And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."
ولَمّا دَعا بِهَذا الدُّعاءِ، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِجابَتِهِ مِنهُ مُخْبِرًا بِجِهَةِ قَصْدِهِ زِيادَةً في الإفادَةِ فَقالَ: ﴿ولَمّا﴾ أيْ: فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَنَجّاهُ مِنهم ووَجَّهَهُ إلى مَدْيَنَ ولَمّا ﴿تَوَجَّهَ﴾ أيْ: أقْبَلَ بِوَجْهِهِ قاصِدًا ﴿تِلْقاءَ﴾ [أيْ: ] الطَّرِيقَ الَّذِي يُلاقِي سالِكُهُ أرْضَ ﴿مَدْيَنَ﴾ مَدِينَةِ نَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوَجِّهًا بِقَلْبِهِ إلى رَبِّهِ ﴿قالَ﴾ أيْ: لِكَوْنِهِ (p-٢٦٤)لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ: ﴿عَسى﴾ أيْ: خَلِيقٌ وجَدِيرٌ وحَقِيقٌ.
ولَمّا كانَتْ عِنايَتُهُ بِاللَّهِ أتَمَّ لِمّا لَهُ مِن عَظِيمِ المُراقَبَةِ، قالَ مُقَدِّمًا لَهُ: ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِعَظِيمِ التَّرْبِيَةِ في الأُمُورِ المُهْلِكَةِ ﴿أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ﴾ أيْ: عَدْلَ ووَسَطَ ﴿السَّبِيلِ﴾ وهو الطَّرِيقُ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَيْها مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences