Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
القصص
Al-Qasas
The Stories · Meccan · 88 ayahs
(p-٢٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبِهِ الإعانَةُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى أسْعَدِ مَخْلُوقاتِهِ وزَيْنِ عِبادِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ
سُورَةُ القَصَصِ
مَقْصُودُها التَّواضُعُ لِلَّهِ، المُسْتَلْزِمُ لَرَدِّ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ، النّاشِئِ عَنِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ، النّاشِئِ عَنِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، الثّابِتَةِ بِإعْجازِ القُرْآنِ، المُظْهِرِ لِلْخَفايا عَلى لِسانِ مَن لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا قَطُّ مِن أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، المُنْتِجِ لِعُلُوِّ المُتَّصِفِ بِهِ، وذَلِكَ هو المَأْخُوذُ مِن تَسْمِيَتِها بِالقَصَصِ الَّذِي حَكَمَ لِأجْلِهِ شُعَيْبٌ بِعُلُوِّ الكِلِيمِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى مَن ناواهُ، وقَمْعِهِ لِمَن عاداهُ، فَكانَ المَآلُ وفْقَ ما قالَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي اخْتَصَّ بِالكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، فَألْبَسُ خُدّامَهُ مِن مَلابِسِ هَيْبَتِهِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ البَيانِ، حَتّى أهْلَ الكُفْرانِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي (p-٢٣٣)خَصَّ بِنِعْمَةِ ما بَعْدَ البَعْثِ أهْلَ الإيمانِ.
لَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِالوَعْدِ المُؤَكَّدِ بِأنَّهُ يُظْهِرُ آياتِهِ فَتُعْرَفُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِغافِلٍ عَنْ شَيْءٍ، تَهْدِيدًا لِلظّالِمِ، وتَثْبِيتًا لِلْعالِمِ، وكانَ مِنَ الأوَّلِ ما يُوحِيهِ في هَذِهِ مِنَ الأسالِيبِ المُعْجِزَةِ مِن خَفايا عُلُومِ أهْلِ الكِتابِ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى رَدِّهِ، ومِنَ الثّانِي ما صَنَعَ بِفِرْعَوْنَ وآلِهِ، قالَ أوَّلَ هَذِهِ: ﴿طسم﴾ مُشِيرًا بِالطّاءِ المَلِيحَةِ بِالطُّهْرِ والطِّيبِ إلى خَلاصِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ طُولِ ابْتِلائِهِمُ المُطَهِّرِ لَهم عَظِيمٌ، وبِالسِّينِ الرّامِزَةِ إلى السُّمُوِّ والسَّنا والسِّيادَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِمَسْمُوعٍ مِنَ الوَحْيِ في ذِي طَوًى مِن طُورِ سَيْناءَ قَدِيمٍ، وبِالمِيمِ المُهَيِّئَةِ لِلْمُلْكِ والنِّعْمَةِ إلى قَضاءٍ مِنَ المَلِكِ الأعْلى بِذَلِكَ كُلِّهِ تامٍّ عَمِيمٍ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ إشاراتٍ عالِيَةً، وما بَعْدَها [لُزُومُ] نُظُومٍ لِأوْضَحِ الدَّلالاتِ حاوِيَةٌ، قالَ مُشِيرًا إلى عَظَمَتِها: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: الآياتُ العالِيَةُ الشَّأْنِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيْ: المُنَزَّلِ عَلى قَلْبِكَ، الجامِعِ لِجَمِيعِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ﴿المُبِينِ﴾ أيْ: الفاصِلِ الكاشِفِ المُوَضِّحِ المُظْهِرِ، لِأنَّهُ مِن عِنْدِنا مِن غَيْرِ شَكٍّ، ولِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ، عِنْدَ مَن يَجْعَلُهُ مِن شَأْنِهِ ويَتَلَقّاهُ بِقَبُولٍ، ويُلْقِي إلَيْهِ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
28:3Page 385
نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣
We recite to you from the news of Moses and Pharaoh in truth for a people who believe.
ثُمَّ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى إبانَتِهِ. وأنَّهُ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم يَخْتَلِفُونَ، بِما أوْرَدَ هُنا في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٢٣٤)مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي قَلَّ مَن يَعْلَمُها مِن حُذّاقِهِمْ، عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِما انْتَقَمَ بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ومَن لَحِقَ بِهِمْ كَقارُونَ، وأنْعَمَ بِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِ، ولِذَلِكَ بَسَطَ فِيها أُمُورَ القِصَّةِ ما لَمْ يَبْسُطْ في غَيْرِها فَقالَ: ﴿نَتْلُو﴾ أيْ: نَقُصُّ قَصًّا مُتَتابِعًا مُتَوالِيًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ المُرادُ إنَّما هو قَصُّ ما هو مِنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ بَيانًا لِلْآياتِ بِعِلْمِ الجَلِيّاتِ والخَفِيّاتِ، والمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، لا جَمِيعُ الأخْبارِ، قالَ: ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بَعْضِ خَبَرِهِما العَظِيمِ مُتَلَبِّسًا هَذا النَّبَأُ وكائِنًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، فَإنّا ما أخْبَرْنا فِيهِ بِمُسْتَقْبَلٍ إلّا طابَقَهُ الكائِنُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا البَيانَ كَما سَبَقَ إنَّما يَنْفَعُ أُولِي الإذْعانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في كُلِّ وقْتٍ عِنْدَ كُلِّ حادِثَةٍ لِثَباتِ إيمانِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنها هُنا الِاسْتِدْلالُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الأُمِّيِّ بِالِاطِّلاعِ عَلى المُغَيَّباتِ، والتَّهْدِيدِ بِعِلْمِهِ المُحِيطِ، وقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ ولا مَدْفَعَ لِقَضائِهِ، ولا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرِهِ، فَصَحَّ أنَّها دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى آخِرَ تِلْكَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] [الآيَةُ، ] ولِذَلِكَ لَخَّصَتْ رُؤُوسُ أخْبارِ القِصَّةِ، فَذُكِرَتْ فِيها أُمَّهاتُ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ ودَقائِقُ أعْمالِ مَن ذُكِرَ (p-٢٣٥)فِيها مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمِّهِ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ إلى ما تَراهُ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا عالِمٌ بِالتَّعَلُّمِ أوْ بِالوَحْيِ، ومَعْلُومٌ لِكُلِّ مُخاطَبٍ بِذَلِكَ انْتِفاءُ الأوَّلِ عَنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ ﷺ، فانْحَصَرَ الأمْرُ في الثّانِي، يُوَضِّحُ لَكَ هَذا المَرامَ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْتُها قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] وإتْباعُ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] فالمُرادُ بِهَذا السِّياقِ مِنها كَما تَرى غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقاتِها كَما مَضى، فَلا تَكْرِيرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ واللَّهُ الهادِي.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] إلى آخِرِ السُّورَةِ مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ والإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لَمّا انْجَرَّ مَعَهُ الإشْعارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَمْلِكُ مَكَّةَ البَلْدَةَ ويَفْتَحُها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويُذِلُّ عُتاةَ قُرَيْشٍ ومُتَمَرَّدِيهِمْ، ويُعِزُّ أتْباعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَنِ اسْتَضْعَفَتْهُ قُرَيْشٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِما قَصَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مِن تَطْهِيرِ ما أشارَ إلَيْهِ مِن قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وابْتِداءِ امْتِحانِهِمْ بِفِرْعَوْنَ، واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، وفَتْكِهِ بِهِمْ إلى [أنْ] (p-٢٣٦)أعَزَّهُمُ اللَّهُ وأظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم، ولِهَذا أشارَ تَعالى في كِلا القِصَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ [فِي الأُولى]: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ [النمل: ٩٣] وفي الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] ثُمَّ قَصَّ ابْتِداءً أمْرَ فِرْعَوْنَ وحَذَرَهُ واسْتِعْصامَهُ بِقَتْلِ ذُكُورِ الأوْلادِ ثُمَّ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ مِن قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا، فَفي حالِهِ عِبْرَةٌ لِمَن وُفِّقَ لِلِاعْتِبارِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَرِّدُ بِمُلْكِهِ، يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، ويَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشاءُ، لا يَزَعُهُ وازِعٌ، ولا يَمْنَعُهُ عَمّا يَشاءُ مانِعٌ،
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] وقَدْ أفْصَحَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] - الآيَةُ بِما أشارَ إلَيْهِ مُجْمَلُ ما أوْضَحْنا اتِّصالَهُ مِن خاتِمَةِ النَّمْلِ وفاتِحَةِ القَصَصِ، ونَحْنُ نَزِيدُهُ بَيانًا بِذِكْرِ لُمَعٍ مِن تَفْسِيرِ ما قُصِدَ التِحامُهُ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى مُعْلِمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وآمِرًا: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ﴾ [النمل: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] لا خَفاءَ بِما تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وشَدِيدِ الوَعِيدِ، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَفْتَحُها ويَمْلِكُها، لِأنَّهُ بَلَدُ رَبِّهِ ومُلْكُهُ، وهو عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وقَدِ اخْتَصَّهُ بِرِسالَتِهِ، ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فالعِبادُ والبِلادُ مِلْكُهُ، فَفي هَذا مِنَ الإشارَةِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٣٧)﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] أيْ: لِيَسْمَعُوهُ فَيَتَذَكَّرُوا ويَتَذَكَّرَ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، ويَلْحَظَ سُنَّةَ اللَّهِ في العِبادِ والبِلادِ، ويَسْمَعَ ما جَرى لِمَن عانَدَ وعَنى وكَذَّبَ واسْتَكْبَرَ، فَكَيْفَ وقِصَّةُ [اللَّهِ] وأخْذُهُ ولَمْ يُغْنِ عَنْهُ حَذَرُهُ، وأوْرَثَ مُسْتَضْعَفُ عِبادِهِ أرْضَهُ ودِيارَهُ، ومَكَّنَ لَهم في الأرْضِ وأعَزَّ رُسُلَهُ وأتْباعَهم ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُونَ ويَعْتَبِرُونَ ويَسْتَدِلُّونَ ويَسْتَوْضِحُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] يُشِيرُ إلى ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وإذْعانِ مَن لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ انْقِيادَهُ، وإهْلاكِ مَن طالَ تَمَرُّدُهُ وعِنادُهُ، وانْقِيادِ العَرَبِ بِجُمْلَتِها بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، وعِزَّةِ أقْوامٍ وذِلَّةِ آخَرِينَ، بِحاكِمِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلى الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ما وعَدَهم بِهِ نَبِيُّهم ﷺ، فَكانَ كَما وعَدَ، فَلَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِما هو في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ عُتُوُّكم بِأعْظَمَ مِن عُتُوِّ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، ولا حالَ مُسْتَضْعَفِي المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ قَصَدْتُمْ فِتْنَتَهُ في دِينِهِ بِدُونِ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ كانَ فِرْعَوْنُ يَمْتَحِنُهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ، فَهَلّا تَأمَّلْتُمْ عاقِبَةَ الفَرِيقَيْنِ، وسَلَكْتُمْ أنْهَجَ الطَّرِيقَيْنِ؟،
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٨٢] (p-٢٣٨)- إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ ذَلِكَ لَعَلِمْتُمْ أنَّ العاقِبَةَ لِلتَّقْوى، فَقالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ افْتِتاحِ السُّورَةِ إنَّ فِرْعَوْن عَلا في الأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن خَبَرِهِ ما فِيهِ عِبْرَةٌ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ آياتِهِ الباهِرَةَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحِفْظِهِ ورِعايَتِهِ وأخْذِ أمِّ عَدُوِّهُ إيّاهُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] فَلَمْ يَزَلْ يُذَبِّحُ الأبْناءَ خِيفَةً مِن مَوْلُودٍ يَهْتِكُ مُلْكَهُ حَتّى إذا كانَ ذَلِكَ المَوْلُودُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ تَرْبِيَتَهُ وحِفْظَهُ وخِدْمَتَهُ لِيَعْلَمَ لِمَنِ التَّدْبِيرُ والإمْضاءُ، وكَيْفَ نُفُوذُ سابِقِ الحُكْمِ والقَضاءِ، فَهَلّا سَألَتْ قُرَيْشٌ وسَمِعَتْ وفَكَّرَتْ واعْتَبَرَتْ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِخُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أرْضِهِ فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ، وما نالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الخُرُوجِ مِن عَظِيمِ السَّعادَةِ، وفي ذَلِكَ مَنبَهَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ وتَعْزِيَةٌ لَهُ وإعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى سَيُعِيدُهُ إلى بَلَدِهِ ويَفْتَحُهُ عَلَيْهِ، وبِهَذا المُسْتَشْعَرِ مِن هُنا صَرَّحَ آخِرَ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهَذا كافٍ فِيما قَصَدَ - انْتَهى.
28:4Page 385
إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤
Indeed, Pharaoh exalted himself in the land and made its people into factions, oppressing a sector among them, slaughtering their [newborn] sons and keeping their females alive. Indeed, he was of the corrupters.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا المَقْصُوصُ مِن هَذا النَّبَأِ؟ قالَ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ مَلِكَ مِصْرَ الَّذِي ادَّعى الإلَهِيَّةَ ﴿عَلا﴾ أيْ: بِادِّعائِهِ الإلَهِيَّةَ وتَجَبُّرِهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ وقَهْرِهِ لَهم ﴿فِي الأرْضِ﴾ [أيْ: لِأنّا جَمَعْنا عَلَيْهِ الجُنُودَ فَكانُوا مَعَهُ إلْبًا واحِدًا فَأنْفَذْنا بِذَلِكَ كَلِمَتَهُ]، (p-٢٣٩)وهِيَ [و] إنْ كانَ المُرادُ بِها أرْضَ مِصْرَ فَفي إطْلاقِها ما يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِها وأنَّها كَجَمِيعِ الأرْضِ في اشْتِمالِها عَلى ما قَلَّ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ غَيْرُها.
[ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العاطِفُ: فَكَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ] ﴿وجَعَلَ﴾ [بِما جَعَلْنا لَهُ مِن نُفُوذِ الكَلِمَةِ] ﴿أهْلَها﴾ أيْ: الأرْضَ المُرادَةَ ﴿شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا يُتْبِعُ كُلَّ فِرْقَةٍ شَيْئًا وتَنْصُرُهُ، والكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ وطَوْعَ أمْرِهِ، قَدْ صارُوا مَعَهُ كالشِّياعِ، وهو دَقُّ الحَطَبِ، فَرَّقَ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمالَؤُوا عَلَيْهِ، فَلا يَصِلُ إلى ما يُرِيدُهُ مِنهم، [فافْتَرَقَتْ كَلِمَتُهم فَلَمْ يَحْمِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فَتَخاذَلُوا فَسَفَلَ أمْرُهم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ العُلُوَّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى السُّفُولِ ثانِيًا، والِافْتِراقَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الِاجْتِماعِ أوَّلًا]، جَعَلَهم كَذَلِكَ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ ويُوجِدُ أنْ يَضْعُفَ، أوْ هو اسْتِئْنافٌ ﴿طائِفَةً مِنهُمْ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانَتْ حَياةُ جَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ عَلى يَدَيْ واحِدٍ مِنهم، وهو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفَعَلَ مَعَهم مِنَ الخَيْرِ ما لَمْ يَفْعَلْهُ والِدٌ مَعَ ولَدِهِ، ومَعَ ذَلِكَ كافَؤُوهُ في أوْلادِهِ وإخْوَتِهِ بِأنِ اسْتَعْبَدُوهم، ثُمَّ ما كَفاهم ذَلِكَ حَتّى سامُوهم عَلى يَدَيْ هَذا العَنِيدِ سُوءَ العَذابِ فَيا بِأبِي الغُرَباءِ بَيْنَهم قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الِاسْتِضْعافَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٤٠)﴿يُذَبِّحُ﴾ أيْ: تَذْبِيحًا كَثِيرًا ﴿أبْناءَهُمْ﴾ أيْ: عِنْدَ الوِلادَةِ، وكَّلَ بِذَلِكَ أُناسًا يَنْظُرُونَ كُلَّما ولَدَتِ امْرَأةٌ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ خَوْفًا عَلى مُلْكِهِ زَعْمٌ مِن مَوْلُودٍ مِنهم ﴿ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: يُرِيدُ حَياةَ الإناثِ فَلا يَذْبَحُهُنَّ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُتَناهِيًا في الشَّناعَةِ، لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مِن جِهَةِ شَرْعٍ ما، ولا لَهُ فائِدَةٌ أصْلًا، لِأنَّ القَدَرَ - عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ مَن أخْبَرَهُ - لا يَرُدُّهُ الحَذَرُ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِقُبْحِهِ، شارِحًا لِما أفْهَمَهُ ذَلِكَ مِن حالِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ لَهم عَراقَةٌ في هَذا الوَصْفِ، فَلا يَدَعُ أنْ يَقَعَ مِنهُ هَذا الجُزْئِيُّ المُنْدَرِجُ تَحْتَ ما هو قائِمٌ بِهِ مِنَ الأمْرِ الكُلِّيِّ.
28:5Page 385
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥
And We wanted to confer favor upon those who were oppressed in the land and make them leaders and make them inheritors
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ لِمَن يَسْألُ عَنْ سَبَبِ فِعْلِهِ هَذا العَجِيبِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ زَعْمَ دَوامِ مُلْكِهِ بِأنْ لا يَسْلُبَهُ إيّاهُ واحِدٌ مِنهم أخْبَرَهُ بَعْضُ عُلَمائِهِ أنَّهُ يَغْلِبُهُ عَلَيْهِ ويَسْتَنْقِذُ شَعْبَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ يَحْكِي تِلْكَ الحالَ الماضِيَةَ: ﴿ونُرِيدُ﴾ أوْ هي حالِيَّةٌ، أيْ: يَسْتَضْعِفُهم والحالُ أنّا نُرِيدُ في المُسْتَقْبَلِ أنْ نُقَوِّيَهم. أيْ: يُرِيدُ دَوامَ اسْتِضْعافِهِمْ حالَ إرادَتِنا ضِدَّهُ مِن أنّا نَقْطَعُ ذَلِكَ بِإرادَةِ ﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نُعْطِي بِقُدْرَتِنا وعِلْمِنا ما يَكُونُ جَدِيرًا بِأنْ نَمْتَنَّ بِهِ (p-٢٤١)﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ: حَصَلَ اسْتِضْعافُهم وهانَ هَذا الفِعْلُ الشَّنِيعُ ولَمْ يُراقِبْ فِيهِمْ مَوْلاهم ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ [فَذَلُّوا وأُهِينُوا، ونُرِيهِمْ في أنْفُسِهِمْ وأعْدائِهِمْ وفْقَ ما يُحِبُّونَ وفَوْقَ ما يَأْمُلُونَ] ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ: مُقَدَّمِينَ في الدِّينِ والدُّنْيا، عُلَماءَ يَدْعُونَ إلى الجَنَّةِ عَكْسَ ما يَأْتِي مِن عاقِبَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وذَلِكَ مَعَ تَصْيِيرِنا لَهم أيْضًا بِحَيْثُ يَصْلُحُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِأنْ يَقْصِدَ لِلْمَلِكِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْتَعْبَدِينَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ ﴿ونَجْعَلَهُمْ﴾ بِقُوَّتِنا وعَظَمَتِنا ﴿الوارِثِينَ﴾ أيْ: لِمُلْكِ مِصْرَ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ القِبْطِ، ولِكُلِّ بَلَدٍ أمَرْناهم بِقَصْدِها، وهَذا إيذانٌ بِإهْلاكِ الجَمِيعِ.
28:6Page 386
وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ ٦
And establish them in the land and show Pharaoh and [his minister] Hāmān and their soldiers through them1 that which they had feared.
ولَمّا بَشَّرَ بِتَمْلِيكِهِمْ في سِياقٍ دالٍّ عَلى مُكْنَتِهِمْ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ أيْ: نُوقِعَ التَّمْكِينَ ﴿لَهم في الأرْضِ﴾ أيْ: كُلِّها لا سِيَّما أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ وتَأْيِيدِهِمْ بِكَلِيمِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالأنْبِياءِ مِن بَعْدِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ نُسَلِّطُهم بِسَبَبِهِمْ عَلى مَن سِواهم بِما نُؤَيِّدُهم بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ ونُظْهِرُ لَهم مِنَ الخَوارِقِ.
ولَمّا ذَكَرَ التَّمْكِينَ، ذَكَرَ أنَّهُ مَعَ مُغالَبَةِ الجَبابِرَةِ إعْلامًا بِأنَّهُ أضْخَمُ تَمْكِينٍ فَقالَ [عاطِفًا عَلى نَحْوِ: ونُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ الَّذِينَ عَلَوْا في الأرْضِ وهم فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما]: ﴿ونُرِيَ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: الَّذِي كانَ [هَذا] الِاسْتِضْعافُ مِنهُ ﴿وهامانَ﴾ (p-٢٤٢)وزِيرُهُ ﴿وجُنُودَهُما﴾ الَّذِينَ كانا يَتَوَصَّلانِ بِهِمْ إلى ما يُرِيدانِهِ مِنَ الفَسادِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: المُسْتَضْعَفِينَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِدٍّ عَظِيمٍ مِنهم كَأنَّهُ غَرِيزَةٌ ﴿يَحْذَرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ حَذَرَهُ في كُلِّ حِينٍ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِغايَةِ الجِدِّ والنَّشاطِ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ بِمَوْلُودٍ مِنهم وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، قالَ البَغَوِيُّ: والحَذَرُ: التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ. [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِضْعافَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى القُوَّةِ ثانِيًا، وإرادَةَ المَحْذُورِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى إرادَةِ المَحْبُوبِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ المُسْلى والمُرْجى تَرْغِيبًا في الصَّبْرِ وانْتِظامِ الفَرَجِ ].
28:7Page 386
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧
And We inspired to the mother of Moses, "Suckle him; but when you fear for him, cast him into the river and do not fear and do not grieve. Indeed, We will return him to you and will make him [one] of the messengers."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ ما أرَدْناهُ، وطاحَ ما أرادَ غَيْرُنا، فَأوْلَدْنا مِن بَنِي إسْرائِيلَ الوَلَدَ الَّذِي كانَ يَحْذَرُهُ فِرْعَوْنُ عَلى مُلْكِهِ، وكانَ يُذَبِّحُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِهِ، وقَضَيْنا بِأنْ يُسَمّى مُوسى، بِسَبَبِ أنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ، ونُرَبِّيهِ في بَيْتِ الَّذِي يَحْذَرُهُ ويَحْتاطُ لِأجْلِهِ، عَطَفَ عَلى هَذا المَعْلُومِ التَّقْدِيرِ أوَّلَ نِعْمَةٍ مَنَّ بِها عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَقالَ: ﴿وأوْحَيْنا﴾ أيْ: أوْصَلْنا بِعَظَمَتِنا بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ هَلْ هو مَلَكٌ أوْ غَيْرُهُ، إذْ لا بِدَعَ في تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ الوَلِيَّ مِن غَيْرِ نُبُوَّةٍ ﴿إلى أُمِّ مُوسى﴾ أيْ: الَّذِي أمْضَيْنا في قَضائِنا أنَّهُ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وأنْ يَكُونَ هَلاكُ فِرْعَوْنَ (p-٢٤٣)وزَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ، بَعْدَ أنْ ولَدَتْهُ وخافَتْ أنْ يَذْبَحَهُ الذَّبّاحُونَ ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ ما كُنْتِ آمِنَةً عَلَيْهِ، وحَقَّقَ لَها طَلَبَهم لِذَبْحِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِنهم أنْ يَصِيحَ فَيُسْمَعَ فَيُذْبَحَ ﴿فَألْقِيهِ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ تَضَعِيهِ في شَيْءٍ يَحْفَظُهُ مِنَ الماءِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ [أيْ: النِّيلِ، واتْرُكِي رَضاعَهُ]، وعَرَّفَهُ وسَمّاهُ يَمًّا - واليَمُّ: البَحْرُ - لِعَظَمَتِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأنْهارِ بِكِبَرِهِ وكَوْنِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ المَنافِعِ، وعَدَلَ عَنْ لَفْظِ البَحْرِ إلى اليَمِّ لِأنَّ القَصْدَ فِيهِ أظْهَرُ مِنَ السَّعَةِ؛ قالالرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا إشارَةٌ إلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ، والثِّقَةُ سَوادُ عَيْنِ التَّوَكُّلِ، ونُقْطَةُ دائِرَةِ التَّفْوِيضِ، وسُوَيْداءُ قَلْبِ التَّسْلِيمِ، ولَها دَرَجاتٌ: الأُولى دَرَجَةُ الإياسِ، وهو إياسُ العَبْدِ مِن مُقاواةِ الأحْكامِ، لِيَقْعُدَ عَنْ مُنازَعَةِ الأقْسامِ، فَيَتَخَلَّصُ مِن صِحَّةِ الإقْدامِ؛ والثّانِيَةُ دَرَجَةُ الأمْنِ، وهو أمْنُ العَبْدِ مِن فَوْتِ المَقْدُورِ، وانْتِقاصِ المَسْطُورِ، فَيَظْفَرُ بِرُوحِ الرِّضى وإلّا فَبِعَيْنِ اليَقِينِ، وإلّا فَبِطَلَبِ الصَّبْرِ؛ والثّالِثَةُ مُعايَنَةُ أوَّلِيَّةِ الحَقِّ [جَلَّ جَلالُهُ، ] لِيَتَخَلَّصَ مِن مِحَنِ المَقْصُودِ، وتَكالِيفِ الحِماياتِ، والتَّعْرِيجِ عَلى مَدارِجِ الوَسائِلِ.
﴿ولا تَخافِي﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَكِ خَوْفٌ أصْلًا مِن أنْ يَغْرَقَ [أوْ يَمُوتَ مِن تَرْكِ الرَّضاعِ وإنْ طالَ المَدى] أوْ يُوصَلَ إلى أذاهُ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ أيْ: ولا يُوجَدْ لَكِ حُزْنٌ لِوُقُوعِ فِراقِهِ. (p-٢٤٤)ولَمّا كانَ الخَوْفُ عَمّا يَلْحَقُ المُتَوَقَّعَ، والحُزْنُ عَمّا يَلْحَقُ الواقِعَ، عَلَّلَ نَهْيَهُ عَنِ الأمْرَيْنِ، بِقَوْلِهِ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، مُؤَكِّدَةً لِاسْتِبْعادِ مَضْمُونِها: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ فَأزالَ مُقْتَضى الخَوْفِ والحُزْنِ؛ ثُمَّ زادَها بُشْرى لا تَقُومُ لَها بُشْرى بِقَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم خُلاصَةُ المَخْلُوقِينَ، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ الإرْضاعَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى تَرْكِهِ ثانِيًا، والخَوْفَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الأمْنِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ المَحْبُوبَ لَها تَقْوِيَةً لِقَلْبِها وتَسْكِينًا لِرُعْبِها].
28:8Page 386
فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨
And the family of Pharaoh picked him up [out of the river] so that he would become to them an enemy and a [cause of] grief. Indeed, Pharaoh and Hāmān and their soldiers were deliberate sinners.
ولَمّا كانَ الوَحْيُ إلَيْها بِهَذا سَبَبًا لِإلْقائِهِ في البَحْرِ. وإلْقاؤُهُ سَبَبًا لِالتِقاطِهِ، قالَ: ﴿فالتَقَطَهُ﴾ أيْ: فَأرْضَعَتْهُ فَلَمّا خافَتْ عَلَيْهِ صَنَعَتْ لَهُ صُنْدُوقًا وقَيَّرَتْهُ لِئَلّا يَدْخُلَ إلَيْهِ الماءُ وأحْكَمَتْهُ وأوْدَعَتْهُ فِيهِ وألْقَتْهُ في بَحْرِ النِّيلِ، وكَأنَّ بَيْتَها كانَ فَوْقَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَساقَهُ الماءُ إلى قُرْبِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَتَعَوَّقَ بِشَجَرٍ هُناكَ، فَتَكَلَّفَ جَماعَةُ فِرْعَوْنَ التِقاطَهُ، قالَ البَغَوِيُّ: والِالتِقاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ طَلَبٍ.
﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ بِأنْ أخَذُوا الصُّنْدُوقَ، فَلَمّا فَتَحُوهُ وجَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبُّوهُ لِما ألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن مَحَبَّتِهِ فاتَّخَذُوهُ ولَدًا وسَمَّوْهُ مُوسى، لِأنَّهم وجَدُوهُ (p-٢٤٥)فِي ماءٍ وشَجَرٍ، ومُو بِلِسانِهِمْ-: الماءُ، وسا: الشَّجَرُ.
ولَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِ إهْلاكَهم، وكانَ العاقِلُ لا سِيَّما المُتَحَذْلِقُ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ عاقِبَتَهُ فَكَيْفَ إذا كانَ يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ، عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِلامِ العاقِبَةِ الَّتِي مَعْناها التَّعْلِيلُ، تَهَكُّمًا بِفِرْعَوْنَ - كَما مَضى بَيانُ مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ - في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ أيْ: بِطُولِ خَوْفِهِمْ مِنهُ بِمُخالَفَتِهِ لَهم في دِينِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَقِّ ﴿وحَزَنًا﴾ أيْ: بِزَوالِ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ يُظْهِرُ فِيهِمُ الآياتِ الَّتِي يُهْلِكُ اللَّهُ بِها مَن يَشاءُ مِنهم، ثُمَّ يُهْلِكُ جَمِيعَ أبْكارِهِمْ فَيُخَلِّصُ [جَمِيعُ] بَنِي إسْرائِيلَ مِنهم، ثُمَّ يَظْفَرُ بِهِمْ كُلِّهِمْ. فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ عَلى يَدِهِ إهْلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَيَعُمُّ الحُزْنُ والنُّواحُ أهْلَ ذَلِكَ الإقْلِيمِ كُلِّهِ، فَهَذِهِ اللّامُ لِلْعِلَّةِ اسْتُعِيرَتْ لِما أنْتَجَتْهُ العِلَّةُ الَّتِي قَصَدُوها - وهي التَّبَنِّي وقُرَّةُ العَيْنِ - مِنَ الهَلاكِ، كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِلشُّجاعِ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: زَيْدٌ أسَدٌ. لِأنَّ فِعْلَهُ كانَ فْعْلَهُ، والمَعْنى عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ أنَّهم ما أخَذُوهُ إلّا لِهَذا الغَرَضِ، لِأنّا نُحاشِيهِمْ مِنَ الإقْدامِ عَلى ما يَعْلَمُونَ آخِرَ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ لا يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ إلّا أحْمَقُ مُهْتُورٌ أوْ مُغَفَّلٌ مَخْذُولٌ لا يَكادُ يُصِيبُ عَلى ذَلِكَ بِالأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ (p-٢٤٦)أيْ: كُلَّهم عَلى طَبْعٍ واحِدٍ ﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ أيْ: دَأْبُهم تَعَمُّدُ الذُّنُوبِ، والضَّلالُ عَنِ المَقاصِدِ، فَلا بِدَعَ في خَطائِهِمْ في أنْ يُرَبُّوا مَن لا يَذْبَحُونَ الأبْناءَ إلّا مِن أجْلِهِ، مَعَ القَرائِنِ الظّاهِرَةِ في أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ أبْناءَهُمْ؛ قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: أخْطَأ وخَطَأ - لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ- وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ: خَطَأ في دِينِهِ وأخْطَأ إذا سَلَكَ سَبِيلَ خَطَأٍ عامِدًا أوْ غَيْرَ عامِدٍ.
وقالَ الأُمَوِيُّ، المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، والخاطِئُ: مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي، وقالَ ابْنُ ظَرِيفٍ في الأفْعالِ: خَطِئَ الشَّيْءَ خَطَّأً وأخْطَأهُ: لَمْ يُصِبْهُ.
28:9Page 386
وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩
And the wife of Pharaoh said, "[He will be] a comfort of the eye [i.e., pleasure] for me and for you. Do not kill him; perhaps he may benefit us, or we may adopt him as a son." And they perceived not.1
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ آخِرِ أمْرِهِمْ مَعَهُ، تَخْفِيفًا عَلى السّامِعِ بِجَمْعِ طَرَفَيِ القِصَّةِ إجْمالًا وتَشْوِيقًا إلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ الإجْمالِ، وتَعْجِيلًا بِالتَّعْرِيفِ بِخَطائِهِمْ لِيَكُونَ جَهْلُهُمُ الَّذِي هو أصْلُ شَقائِهِمْ مُكْتَنِفًا لِأوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ، أخْبَرَ عَمّا قِيلَ عِنْدَ التِقاطِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿فالتَقَطَهُ﴾ [القصص: ٨] ﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ لَمّا أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ، وهي الَّتِي قَضى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لَها سَعادَةً، وهي آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ إحْدى نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾ أيْ: بِهِ ﴿ولَكَ﴾ أيْ: يا فِرْعَوْنُ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ أنَّهُ مِمَّنْ تَقَرُّ بِهِ العُيُونُ، أنْتَجَ ذَلِكَ اسْتِبْقاءَهُ، ولِذَلِكَ (p-٢٤٧)نَهَتْ عَنْ قَتْلِهِ وخافَتْ أنْ تَقُولَ: لا تَقْتُلْهُ، فَيُجِيبُها حامِلًا لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، ويَكُونُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الوُقُوعِ في إخْلافِ الوَعْدِ، فَجَمَعَتْ قائِلَةً: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ أيْ: أنْتَ بِنَفْسِكَ ولا أحَدٌ مِمَّنْ تَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّلَتْ ذَلِكَ أوِ اسْتَأْنَفَتْ فَقالَتْ: ﴿عَسى﴾ أيْ: يُمْكِنُ، وهو جَدِيرٌ وخَلِيقٌ ﴿أنْ يَنْفَعَنا﴾ أيْ: لِما أتَخَيَّلُ فِيهِ النَّجابَةَ ولَوْ كانَ لَهُ أبَوانِ مَعْرُوفانِ ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أبَوانِ، فَيَكُونُ نَفْعُهُ أكْثَرَ، فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَتَشَرَّفَ بِهِ المُلُوكُ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ فِعْلَ مَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَصِحُّ كَوْنُهُ إلَهًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ تَسْفِيهًا لِمَن أطاعَهُ في ادِّعاءِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: تَراجَعُوا هَذا القَوْلَ والحالُ أنَّهم ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا شُعُورَ لَهم أصْلًا، لِأنَّ مَن لا يَكُونُ لَهُ عِلْمٌ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَهو كَذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا كانَ لا يُهَذِّبُ نَفْسَهُ بِاكْتِسابِهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَلا شُعُورَ لَهم بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مَعَهُ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى هَلاكِ المُفْسِدِينَ لِيَعْمَلُوا لِذَلِكَ أعْمالَهُ مِنَ الِاحْتِرازِ مِنهُ بِما يُنْجِيهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences