Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:32–40
28:32Page 389
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
ثُمَّ زادَ طُمَأْنِينَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ﴾ أيْ: أدْخِلْ عَلى الِاسْتِقامَةِ مَعَ الخِفَّةِ والرَّشاقَةِ ﴿يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: القَطْعِ الَّذِي في ثَوْبِكَ وهو الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ الرَّأْسُ، أوْ هو الكُمُّ، كَما يَدْخُلُ السِّلْكَ وهو الخَيْطُ الَّذِي يُنْظَمُ فِيهِ الدُّرَرُ، تَنْسَلِكُ عَلى لَوْنِها وما هي عَلَيْهِ مِن (p-٢٨١)أثَرَ الحَرِيقِ الَّذِي عَجَزَ فِرْعَوْنُ عَنْ مُداواتِهِ، وأخْرَجَها ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ أيْ: بَياضًا عَظِيمًا يَكُونُ لَهُ شَأْنٌ خارِقٌ لِلْعاداتِ ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: عَيْبٍ مِن حَرِيقٍ أوْ غَيْرِهِ، فَخَرَجَتْ ولَها شُعاعٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ آيَةً مُحَقَّقَةً لِعَدَمِ العَيْبِ إلّا بِعَوْدِها بَعْدَ ذَلِكَ إلى لَوْنِ الجَسَدِ قالَ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ﴾ أيْ: إلى جَسَدِكَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّأْمِينِ مِنَ الخَوْفِ، عَبَّرَ بِالجَناحِ، لِأنَّ الطّائِرَ يَكُونُ آمِنًا عِنْدَ ضَمِّ جَناحِهِ فَقالَ: ﴿جَناحَكَ﴾ أيْ: يَدَيْكَ الَّتِي صارَتْ بَيْضاءَ، والمُرادُ بِالجَناحِ في آيَةِ طَهَ الإبِطُ والجانِبُ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ: مِن خَشْيَةِ أنْ تَظُنَّها مَعِيبَةً تَخْرُجُ كَما كانَتْ قَبْلَ بَياضِها في لَوْنِ جَسَدِكَ - هَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّهْبِ الخَوْفُ الَّذِي بَهَرَهُ فَأوْجَبَ لَهُ الهَرَبَ- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّهْبِ الكُمَّ، فَيَكُونُ إدْخالُها في الفَتى - الَّتِي لَيْسَتْ مَوْضِعَها بَلِ الرَّأْسُ - لِلْبَياضِ، وإدْخالُها في الكُمِّ - الَّذِي هو لَها - لِرُجُوعِها إلى عادَتِها، وفي البَغَوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَضُمَّ يَدَهُ إلى صَدْرِهِ فَذَهَبَ عَنْهُ ما نالَهُ مِنَ الخَوْفِ عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَيَّةِ، وقالَ: وما مِن خائِفٍ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ زالَ خَوْفُهُ. وأظْهَرَ بِلَفْظِ الجَناحِ مِن (p-٢٨٢)غَيْرِ إضْمارٍ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَوْدَها إلى حالِها الأوَّلِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الجَناحِ تَنْبِيهًا عَلى الشُّكْرِ بِتَعْظِيمِ نَفْعِها.
ولَمّا تَمَّ كَوْنُها آيَةً بِانْقِلابِها إلى البَياضِ ثُمَّ رُجُوعِها إلى لَوْنِها قالَ: ﴿فَذانِكَ﴾ أيْ: العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ورُوَيْسٌ تَقْوِيَةً لَها لِتُعادِلَ الأسْماءَ المُتَمَكِّنَةَ، وذَكَّرَ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ ﴿بُرْهانانِ﴾ أيْ: سُلْطانانِ وحُجَّتانِ قاهِرَتانِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِما غَيْرُهُ ﴿إلى﴾ أيْ: واصِلانِ، أوْ أنْتَ مُرْسَلٌ بِهِما إلى ﴿فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ كُلَّما أرَدْتَ ذَلِكَ وجَدْتَهُ، لا أنَّهُما يَكُونانِ لَكَ هُنا في هَذِهِ الحُفْرَةِ فَقَطْ، ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ إظْهارِ الآياتِ لَهم واسْتِمْرارِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى [أنَّ] إقْدامَهُ عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَن يَظُنُّ أنَّهم رَجَعُوا عَنْ غَيِّهِمْ، وإعْلامًا بِمَنِّهِ عَلَيْهِ بِالحِمايَةِ مِنهم بِهَذِهِ البَراهِينِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أقْوِياءَ ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ: خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، فَإذا رَأوْا ذَلِكَ هابُوكَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الوُصُولِ إلَيْكَ بِسُوءٍ، وكُنْتَ في مَقامِ أنْ تَرُدَّهم عَنْ فِسْقِهِمْ.
28:33Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
(p-٢٨٣)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الخَوارِقِ؟ قِيلَ: ثَبَتَ، عِلْمًا مِنهُ بِصُعُوبَةِ المَقامِ وخَطَرِ الأمْرِ، فاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ حَتّى رَضِيَ، وتِلْكَ كانَتْ عادَتُهُ ثَباتًا وحَزْمًا، وحِلْمًا وعِلْمًا، ألا تَرى إلى ما فَعَلَ مَعَنا عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ مِنَ الخَيْرِ لَيْلَةَ الإسْراءِ في السُّؤالِ في تَخْفِيفِ الصَّلاةِ، ولِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿إنِّي﴾ أكَّدَهُ لِأنَّ إرْسالَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ فِعْلُ مَن لا يَعْتَبِرُ أنَّ لَهم عَلَيْهِ تِرَةً، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ وجْهَ عَدَمِ اعْتِبارِهِ ﴿قَتَلْتُ مِنهُمْ﴾ أيْ: آلِ فِرْعَوْنَ ﴿نَفْسًا﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ ما خَرَجْتُ إلّا هارِبًا مِنهم مِن أجْلِها ﴿فَأخافُ﴾ إنْ بادَيْتُهم، بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ لِذَنْبِي إلَيْهِمْ ووَحْدَتِي وغُرْبَتِي وثِقَلِ لِسانِي في إقامَةِ الحُجَجِ.
28:34Page 389
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ طَلَبُ الإعانَةِ بِشَخْصٍ فِيهِ كِفايَةٌ ولَهُ عَلَيْهِ شَفَقَةٌ، وكانَ أخُوهُ هارُونُ أحَقَّ النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلْ مَعِي أخِي هارُونَ إلى آخِرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَهُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿وأخِي هارُونُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ واوَهُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عاطِفَةٌ عَلى مَقُولِ القَوْلِ، والمَعْنى أنَّهُ يَخافُ أنْ يَفُوتَ مَقْصُودُ الرِّسالَةِ إمّا بِقَتْلِهِ أوْ لِعَدَمِ بَيانِهِ، فاكْتَفى بِالتَّلْوِيحِ في الكِفايَةِ (p-٢٨٤)مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا طاقَةَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ بِها، وصَرَّحَ بِما يَكْفِي مِنَ الثّانِي، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ: إنِّي أخافُ أنْ يَقْتُلُونِ فَيَفُوتُ المَقْصُودُ، ولا يَحْمِينِي مِن ذَلِكَ إلّا أنْتَ، وإنَّ لِسانِي فِيهِ عُقْدَةٌ، وأخِي إلى آخِرِهِ؛ وزادَ في تَعْظِيمِهِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ اللِّسانِ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ حَصَلَتْ لَهُ مِن وضْعِ الجَمْرَةِ في فِيهِ وهو طِفْلٌ في كَفالَةِ فِرْعَوْنَ ﴿فَأرْسِلْهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ: مُعِينًا، مِن رَدَأْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ: جَعَلْتَهُ لَهُ قُوَّةً وعاضِدًا، ورَدَأْتُ الحائِطَ - إذا دَعَّمْتَهُ بِخَشَبٍ أوْ كَبْشٍ يَدْفَعُهُ أنْ يَسْقُطَ- وقِراءَةُ نافِعٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ الزِّيادَةِ.
ولَمّا كانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنَ العَطْفِ والشَّفَقَةِ ما يَقْصُرُ الوَصْفُ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِإجابَةِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أيْ: بِأنْ يُلَخِّصَ بِفَصاحَتِهِ ما قَلْتُهُ وبَيَّنْتُهُ، ويُقِيمَ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ كالشَّمْسِ وُضُوحًا، فَيَكُونَ - مَعَ تَصْدِيقِهِ لِي بِنَفْسِهِ - سَبَبًا في تَصْدِيقِ غَيْرِهِ لِي؛ ورَفَعَهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ صِفَةً لِرِدْءٍ ثُمَّ عَلَّلَ سُؤالَهُ هَذا، وبَيَّنَ أنَّهُ هو المُرادُ، لا أنْ يَقُولَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَإنَّ قَوْلَهُ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالفَصاحَةِ حَتّى يَكُونَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ فِيهِ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ أنَّ مَن كانَ رَسُولًا عَنِ اللَّهِ لا يُظَنُّ بِهِ أنْ يَخافَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾
28:35Page 389
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
ولَمّا كانَ ما رَأى مِنَ الأفْعالِ، وسَمِعَ مِنَ الأقْوالِ، مُقْتَضِيًا لِلْأمْنِ (p-٢٨٥)مِن أنْ يُكَذِّبُوهُ، وكانَ عالِمًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ والكِبْرِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ، أيْ: وإذا كَذَّبُونِي عَسُرَتْ عَلَيَّ المُحاجَجَةُ عَلى ما هو عادَةُ أهْلِ الهِمَمِ عِنْدَ تَمالُؤِ الخُصُومِ عَلى العِنادِ، والإرْسالُ مُوجِبٌ لِكَلامٍ كَثِيرٍ وحِجاجٍ طَوِيلٍ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا أمَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإنْذارِ قَوْمِهِ: «إذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَجْعَلُوهُ خُبْزَةً» وكَأنَّ مُرادَ السّادَةِ القادَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ الِاسْتِعْلامُ عَنِ الأمْرِ هَلْ يَجْرِي عَلى العادَةِ أوْ لا؟ فَإنْ كانَ يَجْرِي عَلى العادَةِ وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى المَوْتِ، وإلّا ذَكَرَ لَهُمُ الأمْرَ الخارِقَ فَيَكُونُ بِشارَةً لَهم، لِيَمْضُوا في الأمْرِ عَلى بَصِيرَةٍ، ويَسِيرُوا فِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السِّيرَةِ.
ولَمّا أكَّدَ أمْرَ الطَّلَبِ بِهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أكَّدَ لَهُ سُبْحانَهُ أمْرَ الإجابَةِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ سَنَشُدُّ﴾ وذَكَرَ أوْلى الأعْضاءِ بِمُزاوَلَةِ المَكارِهِ فَقالَ: ﴿عَضُدَكَ﴾ أيْ: أمْرَكَ ﴿بِأخِيكَ﴾ أيْ: سَنُقَوِّيكَ ونُعِينُكَ بِهِ إجابَةً لِسُؤالِكَ صِلَةً مِنكَ لِأخِيكَ، وعَوْنًا مِنهُ لَكَ ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ: ظُهُورًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ، وغَلَبَةً لَهم بِالحُجَجِ (p-٢٨٦)والهَيْبَةِ لِأجْلِ ما ذَكَرْتَ مِنَ الخَوْفِ ﴿فَلا﴾ [أيْ: ] فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم لا ﴿يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الغَلَبَةِ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: نَجْعَلُ ذَلِكَ بِسَبَبِ ما يَظْهَرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ المُعَظَّمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا، ولِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما﴾ أيْ: مِن قَوْمِكُما وغَيْرِهِمْ ﴿الغالِبُونَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَصِلْ إلى السَّحَرَةِ بِشَيْءٍ مِمّا هَدَّدَهم بِهِ، لِأنَّهم مِن أكْبَرِ الأتْباعِ الباذِلِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اللَّهِ، وكَأنَّهُ حَذَفَ أمْرَهم هُنا لِأنَّهُ في بَيانِ أمْرِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ بِدَلِيلِ ما كَرَّرَ مِن ذِكْرِهِمْ، وقَدْ كَشَفَتِ العاقِبَةُ عَنْ أنَّ السَّحَرَةَ لَيْسُوا مِن جُنُودِهِ، بَلْ مِن حِزْبِ اللَّهِ وجُنْدِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أشارَ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وسَيَأْتِي في آخِرِ سُورَةِ الحَدِيدِ عَنْ تارِيخِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهم خَلَصُوا ورَجَعَ بَعْضُهم إلى مِصْرَ فَكانُوا أوَّلَ مَن تَرَهَّبَ.
شَرَحَ ما مَضى مِنَ التَّوْراةِ، قالَ بَعْدَما تَقَدَّمَ: وكانَ مِن بَعْدِ (p-٢٨٧)أيّامٍ كَثِيرَةٍ ماتَ فِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ فاسْتَراحَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن شِدَّةِ تَعَبُّدِهِمْ، فَصَّلَوْا فَسَمِعَ اللَّهُ صَلاتَهم، وعَرَفَ تَعَبُّدَهم، وسَمِعَ ضَجَّتَهم، وذَكَرَ عَهْدَهُ لِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَأبْصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وعَرَفَ ذُلَّهم، فَكانَ مُوسى يَرْعى غَنَمَ يَثْرُو خَتْنِهِ حَبْرِ مَدِينَ، فَساقَ بِالشّاءِ إلى طَرَفِ البَرِّيَّةِ وأتى إلى حُورِيبٍ جَبَلِ اللَّهِ، فَتَراءى لَهُ مُلْكُ اللَّهِ بِلَهَبِ النّارِ مِن جَوْفِ العَوْسَجِ، تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ، ولَمْ يَكُنِ العَوْسَجُ يَحْتَرِقُ، فَقالَ مُوسى: لِأعْدِلَنَّ فَأنْظُرُ إلى هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ؛ ما بالُ هَذِهِ العَوْسَجَةِ لَمْ تَحْتَرِقْ؟ فَرَأى الرَّبُّ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ لِيَنْظُرَ، فَدَعاهُ اللَّهُ مِن جَوْفِ العَوْسَجِ وقالَ لَهُ: يا مُوسى يا مُوسى ! فَقالَ: هَأنَذا! قالَ: لا تَدْنُ إلى هَهُنا، اطْرَحْ خُفَّيْكَ عَنْ قَدَمَيْكَ، لِأنَّ المَكانَ الَّذِي أنْتَ واقِفٌ عَلَيْهِ مَكانٌ طاهِرٌ، وفي نُسْخَةٍ: مُقَدَّسٌ، وقالَ اللَّهُ: أنا إلَهُ أبِيكَ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ، فَغَطّى مُوسى وجْهَهُ لِأنَّهُ فَرَقَ أنْ يَمُدَّ بَصَرَهُ نَحْوَ الرَّبِّ، وقالَ الرَّبُّ: إنِّي قَدْ رَأيْتُ ذُلَّ شَعْبِي بِمِصْرَ، وسَمِعْتُ ضَجَّتَهُمُ الَّتِي ضَجُّوا مِن تَعَبُّدِهِمْ، لِأنِّي عارِفُ بَراءَتِهِمْ، فَنَزَلْتُ لِأُخَلِّصَهم مِن أيْدِي المِصْرِيِّينَ، وأنْ أصَعَدَهم (p-٢٨٨)مِن تِلْكَ الأرْضِ إلى أرْضٍ صالِحَةٍ واسِعَةٍ، تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ: أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ والحاثانِيِّينَ والأمُورانِيِّينَ والفِرَزانِيِّينَ والحاوانِيِّينَ واليابَسانِيِّينَ، والآنَ هو ذا ضَجِيجُ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ ارْتَفَعَ إلَيَّ، ورَأيْتُ ضُرَّ المِصْرِيِّينَ لَهم، فَهَبَطَتِ الآنَ حَتّى أرْسَلَكَ إلى فِرْعَوْنَ، وأخْرَجَ شَعْبِي بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، فَقالَ مُوسى لِلَّهِ: مَن أنا حَتّى أنْطَلِقَ إلى فِرْعَوْنَ وأُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، فَقالَ اللَّهُ: أنا [أكُونُ] مَعَكَ وهَذِهِ الآيَةُ لَكَ أنِّي أرْسَلْتُكَ: إنَّكَ إذا أخْرَجْتَ الشَّعْبَ مِن مِصْرَ تَعْبُدُونَ اللَّهَ في هَذا الجَبَلِ، فَقالَ مُوسى: ها أنَذا مُنْطَلِقٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وأقُولُ لَهم: الرَّبُّ إلَهُ آبائِكم أرْسَلَنِي إلَيْكم، فَإنْ قالُوا [لِي]: ما اسْمُهُ؟ ما الَّذِي أقُولُ؟ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: قُلْ لَهم: الأزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، وفي نُسْخَةٍ: لا يَزُولُ، وقالَ: هَكَذا قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أهَيا شَرَّ أهَيا أرْسَلَنِي إلَيْكم، وقالَ الرَّبُّ أيْضًا لِمُوسى هَكَذا قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: (p-٢٨٩)اللَّهُ رَبُّكم إلَهُ آبائِكم إلَهُ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ أرْسَلَنِي إلَيْكم هَذا اسْمِي إلى الأبَدِ، وهَذا ذِكْرِي إلى حِقَبِ الأحْقابِ، انْطَلِقْ فاجْمَعْ أشْياخَ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: الرَّبُّ إلَهُ آبائِكُمُ اعْتَلَنَ لِي، وإلَهُ إبْراهِيمَ [وإسْحاقَ] ويَعْقُوبَ يَقُولُ لَكم: قَدْ ذَكَّرَتْكم وذَكَرَتْ ما صَنَعَ بِكم بِمِصْرَ، ورَأيْتُ إخْراجَكم مَن تَعْبُدُ أهْلِ مِصْرَ إلى أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ - ومَن تَقَدَّمَ مَعَهم - إلى الأرْضِ الَّتِي تَغُلُّ السَّمْنَ والعَسَلَ، فَإذا قَبِلُوا مِنكَ فادْخُلْ أنْتَ وأشْياخُ بَنِي إسْرائِيلَ [إلى] مَلِكَ مِصْرَ فَقُولُوا لَهُ: الرَّبُّ إلَهُ العِبْرانِيِّينَ ظَهَرَ عَلَيْنا فَنَنْطَلِقُ الآنَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ في البَرِّيَّةِ ونَذْبَحُ الذَّبائِحَ لِلَّهِ رَبِّنا، وأنا أعْلَمُ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ لا يَدْعُكم تَخْرُجُونَ، ولا بِيَدٍ واحِدَةٍ شَدِيدَةٍ، حَتّى أبْعَثَ بِآفَتِي وأضْرِبَ المِصْرِيِّينَ بِجَمِيعِ العَجائِبِ [الَّتِي] أُحْدِثُها فِيهِمْ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ يُرْسِلُكم [فَأجْعَلُ] لِلشَّعْبِ في أعْيُنِ المِصْرِيِّينَ رَأْفَةً ورَحْمَةً، فَإذا انْطَلَقْتُمْ فَلا تَنْطَلِقُوا عُطْلًا صُفْرًا، بَلْ تَسْتَعِيرُ المَرْأةُ مِنكم مِن جاراتِها وساكِنَةِ بَيْتِها حُلِيَّ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وكُسْوَةٍ، وألْبِسُوها بَنِيكم وبَناتِكم، وأخْرِبُوا أهْلَ مِصْرَ، فَأجابَ مُوسى وقالَ: إنَّهم لا يُصَدِّقُونَنِي، ولا يَقْبَلُونَ قَوْلِي، لِأنَّهُ يَقُولُونَ: (p-٢٩٠)لِمَ يَتَراءى لَكَ الرَّبُّ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: [ما هَذِهِ الَّتِي في يَدِكَ؟ فَقالَ: هي عَصايَ، فَقالَ: ألْقِها في الأرْضِ، فَألْقاها في الأرْضِ، فَصارَتْ ثُعْبانًا، فَهَرَبَ مِنهُ مُوسى، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ]: يا مُوسى ! مُدَّ يَدَكَ، فَخُذْ بِذَنْبِها، [فَمَدَّ يَدَهُ] فَأمْسَكَهُ فَتَحَوَّلُ في يَدِهِ عَصا، فَقالَ: لِكَيْ يُصَدِّقُوا أنَّ اللَّهَ إلَهُ آبائِهِمْ قَدْ تَراءى لَكَ، إلَهُ إبْراهِيمَ إلَهُ إسْحاقَ إلَهُ يَعْقُوبَ، وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: ارْدُدْ يَدَكَ في رَدْنِكَ، وفي نُسْخَةٍ: في كُمِّكَ، فَأُدْخِلُها ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا بِيَدِهِ بَيْضاءُ كالثَّلْجِ، فَقالَ لَهُ: ارْدُدْ يَدَكَ في حُضْنِكَ، وفي نُسْخَةٍ: في كُمِّكَ، فَرَدَّها ثُمَّ أخْرَجَها فَإذا هي مِثْلُ جَسَدِهِ، فَإنْ هم لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَسْمَعُوا بِالآيَةِ الأوْلى فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ ويَسْمِعُونَ بِالآيَةِ الأُخْرى، فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآيَتَيْنِ، ولَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَكَ فَخُذْ ماءً مِنَ الأرْضِ، وفي نُسْخَةٍ: النِّيلُ، فاصْبُبْهُ عَلى الأرْضِ، فَإنَّهُ يَنْقَلِبُ ويَصِيرُ دَمًا في اليُبْسِ، فَقالَ مُوسى لِلرَّبِّ: أطْلُبُ إلَيْكَ يا رَبِّ لَسْتُ رَجُلًا ناطِقًا مُنْذُ أمْسِ ولا قَبْلِهِ ولا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي كَلَّمْتَ عَبْدَكَ فِيهِ، [لِأنِّي] ألْثَغُ المَنطِقِ عَسِرُ (p-٢٩١)اللِّسانِ، فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: مَنِ الَّذِي خَلَقَ المَنطِقَ لِلْإنْسانِ؟ ومَنِ الَّذِي خَلَقَ الأخْرَسَ والأصَمَّ والمُبْصِرَ والمَكْفُوفَ؟ ألَيْسَ أنا الرَّبُّ الَّذِي أصْنَعُ ذَلِكَ؟ فانْطَلَقَ الآنَ وأنا أكُونُ مَعَكَ، وراقِبًا لِلِسانِكَ وأُلَقِّنُكَ ما تَنْطِقُ بِهِ، فَقالَ:مُوسى أطْلُبُ إلَيْكَ يا رَبِّ! أرْسَلَ في هَذِهِ الرِّسالَةِ غَيْرِي، فَقالَ: هَذا أخُوكَ هارُونُ اللّاوِي، قَدْ عَلِمَتْ أنَّهُ ناطِقٌ لِسَنٌ، وهو أيْضًا سَيَلْقاكَ، ويَشْتَدُّ فَرَحُهُ بِكَ، وأخْبَرَهُ بِالأمْرِ، ولَقَّنَهُ كَلامِي، وأنا أكُونُ راقِبًا عَلى فِيكَ وفِيهِ وأعْلَمُكُما ما تَصْنَعانِ، وهو يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ؛ فَيَكُونُ لَكَ مُتَرْجِمًا، وأنْتَ تَكُونُ لَهُ إلْهًا، وفي نُسْخَةٍ: أُسْتاذًا ومُدَبِّرًا، وخُذْ في يَدَيْكَ هَذِهِ العَصا لِتَعْمَلَ بِها الآياتِ، فَرَجَعَ مُوسى مُنْطَلِقًا إلى ثِيرُو خَتْنَهُ وقالَ لَهُ: إنِّي راجِعٌ إلى إخْوَتِي بِمِصْرَ، وناظِرٌ هَلْ هم أحْياءٌ بَعْدُ؟ فَقالَ: ثِيرُو لِمُوسى: انْطَلَقَ راشِدًا سالِمًا، وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى في مَدْيَنَ: انْطَلِقْ راجِعًا إلى مِصْرَ لِأنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ كانُوا مَعَكَ يَطْلُبُونَ نَفْسَكَ قَدْ هَلَكُوا جَمِيعًا - إلى آخَرَ ما مَضى في الأعْرافِ- وفي هَذا الفَصْلِ ما لا يَسُوغُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا عَلى مَخْلُوقٍ، [وهُوَ] الإلَهُ، وهو في لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العالِمِ والحاكِمِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ماتَ قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى فَإنْ [كانَ] المُرادُ الَّذِي (p-٢٩٢)رَبّى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَيْتِهِ فَهو مِمّا بَدَّلُوهُ.
28:36Page 390
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأتاهم كَما أمَرَ اللَّهُ، وعاضَدَهُ أخُوهُ كَما أخْبَرَ اللَّهُ، ودَعَواهم إلى اللَّهِ تَعالى، وأظْهَرا ما أمِرا بِهِ مِنَ الآياتِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا بِالفاءِ سُرْعَةَ امْتِثالِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
ولَمّا كانَتْ رِسالَةُ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هي تَأْيِيدٌ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِ الجائِي، فَقالَ: ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيْ: الَّتِي أمَرْناهُ بِها، الدّالَّةِ عَلى جَمِيعِ الآياتِ لِلتَّساوِي في خَرْقِ العادَةِ حالَ كَوْنِها ﴿بَيِّناتٍ﴾ أيْ: في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴿ما هَذا﴾ [أيْ: ] الَّذِي أظْهَرُهُ مِنَ الآياتِ ﴿إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: هو خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَجَمِيعِ أنْواعِ السِّحْرِ، مُتَعَمِّدًا التَّخْيِيلَ بِهِ، لا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ: الَّذِي تَقَوَّلَهُ مِنَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ ﴿فِي آبائِنا﴾ وأشارُوا إلى البِدْعَةِ الَّتِي قَدْ أضَلَّتْ أكْثَرَ الخَلْقِ، وهي تَحْكِيمُ عَوائِدِ التَّقْلِيدِ، ولا سِيَّما عِنْدَ تَقادُمِها عَلى القَواطِعِ [فِي قَوْلِهِ: ] ﴿الأوَّلِينَ﴾ وقَدْ كَذَّبُوا وافْتَرَوْا لَقَدْ سَمِعُوا بِذَلِكَ في أيّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ“ فَقَدْ قالَ لَهُمُ الَّذِي آمَنَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ (p-٢٩٣)الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤]
28:37Page 390
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِقَوْلِهِمْ عَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُوازِنَ السّامِعُ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، ويَتَبَصَّرَ بِعَقْلِهِ ما الفاسِدُ مِنهُما ”فَبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ“ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالواوِ، واسْتَأْنَفَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ جَوابِهِ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِحَذْفِها، فَإنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ بَحْثٍ عَمّا أجابَهم بِهِ عِنْدَ تَسْمِيَتِهِمُ الآياتِ الباهِراتِ سِحْرًا، اسْتِعْظامًا لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لَمّا كَذَّبُوهُ وهُمُ الكاذِبُونَ، مُشِيرًا لِذِي البَصَرِ إلى طَرِيقٍ يُمَيِّزُونَ بِهِ الأمْرَيْنِ في سِياقٍ مُهَدِّدٍ لَهم: ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِما تَرَوْنَ مِن تَصْدِيقِي في كُلِّ ما ادَّعَيْتُهُ بِإظْهارِ ما لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ عَلى قُوَّتِكم مِنَ الخَوارِقِ، ومَنعِ هَذا الظّالِمِ العاتِي المُسْتَكْبِرِ مِنَ الوُصُولِ إلَيَّ بِسُوءٍ ﴿أعْلَمُ بِمَن جاءَ﴾ بِالضَّلالِ ظُلْمًا وعُدْوانًا، فَيَكُونُ مَخْذُولًا لِكَوْنِهِ ساحِرًا فَمُحْرَقًا مُفْتَرِيًا عَلى اللَّهِ، ويَكُونُ لَهُ سُوءُ الدّارِ، وأعْلَمُ بِحالِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿بِمَن جاءَ بِالهُدى﴾ أيْ: الَّذِي أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، وهو حَقٌّ في نَفْسِهِ ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ تَصْوِيرًا لِحالِهِ، وتَشْوِيقًا إلى أتْباعِهِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ﴾ لِكَوْنِهِ مَنصُورًا مُؤَيَّدًا ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: الرّاحَةُ والسَّكَنُ والِاسْتِقْرارُ مَعَ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ والسُّرُورِ والظَّفَرِ (p-٢٩٤)بِجَمِيعِ المَطالِبِ في الحالَةِ الَّتِي تَكُونُ آخِرَ الحالاتِ مِنِّي ومِنكم، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أتى بِما يُرْضِي اللَّهَ وهي وإنْ كانَتْ حَقِيقَتُها ما يَتَعَقَّبُ الشَّيْءَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، لَكِنَّها لا يُرادُ بِها إلّا ما يَقْصِدُ لِلْعاقِلِ حَتّى تَكُونَ لَهُ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَهي عَلَيْهِ لا لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أجْرى اللَّهُ بِهِ عادَتَهُ؛ فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ المَخْذُولَ هو الكاذِبُ، إشارَةً إلى أنَّهُ الغالِبُ لِكَوْنِ اللَّهِ مَعَهُ، مُؤَكِّدًا لِما اسْتَقَرَّ في الأنْفُسِ مِن أنَّ التَّقْوى لا يَغْلِبُهُ الضَّعِيفُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ: يَظْفَرُ ويَفُوزُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَمْشُونَ كَما يَمْشِي مَن هو في الظَّلامِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَهم لا يَضَعُونَ قَدَمًا في مَوْضِعٍ يَثِقُونَ بِأنَّهُ صالِحٌ لِلْمَشْيِ فِيهِ، لا تَبِعَةَ فِيهِ ”فَسَتَنْظُرُونَ ولِتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ“ .
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ جَوابًا لِهَذا التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بَعْدَ الإعْذارِ، بِبَيانِ الآياتِ الكِبارِ، قانِعًا في مُدافَعَةِ ما رَأى أنَّهُ اجْتَذَبَ قَوْمَهُ الأغْمارَ الأغْبِياءَ عَنِ الجَهْلِ مِن ظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ البَيِّناتِ بِأنْ يُوقِفَهم عَنِ الإيمانِ إلى وقْتٍ ما، وكَذا كانَتْ عادَتُهُ كُلَّما أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُرْهانًا، لِأنَّ قَوْمَهُ في غايَةِ الغَباوَةِ والعَراقَةِ في المَيْلِ إلى الباطِلِ والنَّفْرَةِ مِنَ الحَقِّ وتَرْجِيحِ المَظِنَّةِ عَلى المَئِنَّةِ: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيْ: الأشْرافُ، مُعَظَّمًا لَهُمُ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ نَفى عِلْمَهُ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلنَّصَفَةِ، وأنَّهُ ما قَصَدَ غِشَّهم، وذَلِكَ مِنهُ واضِحٌ [فِي] أنَّهُ قَصَدَ تَشْكِيكَهم، (p-٢٩٥)إشارَةً مِنهُ إلى أنَّ انْتِقاءَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ ما هو إلّا لِانْتِفاءِ وجُودِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّ الحَقَّ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أنْهى ما قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِباهِرِ الآياتِ، وظاهِرِ الدَّلالاتِ؛ ثُمَّ زادَ في إيقافِهِمْ عَنِ المُتابَعَةِ بِأنْ سَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِ قَوْلَهُ لِوَزِيرِهِ مُعَلِّمًا لَهُ صَنْعَةَ الآجُرِّ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن عَمِلَهُ، مَعَ أنَّهُ هَذِهِ العِبارَةَ أشْبَهُ بِهِمَمِ الجَبابِرَةِ مِن أنْ يَقُولَ: اصْنَعْ لِي آجُرًّا: ﴿فَأوْقِدْ لِي﴾ أضافَ الإيقادَ إلَيْهِ إعْلامًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ﴿يا هامانُ﴾ [و]هُوَ وزِيرُهُ ﴿عَلى الطِّينِ﴾ أيْ: المُتَّخَذِ لَبِنًا لِيَصِيرَ آجُرًّا؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الإيقادِ قَوْلَهُ: ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ أيْ: مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ: بِناءً عالِيًا يُتاخِمُ السَّماءَ، قالَ الطَّبَرِيُّ: وكُلُّ بِناءٍ مُسَطَّحٍ فَهو صَرْحٌ كالقَصْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ بِناءٍ [مُتَّسِعٍ] مُرْتَفِعٍ ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ: أتَكَلَّفُ الطُّلُوعَ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ [أيْ: ] الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَأنا أطْلُبُهُ في السَّماءِ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الدَّعْوى بِأنَّهُ مَوْجُودٌ، وهو قاطِعٌ بِخِلافِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَقْصِدُ المُدافَعَةَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، لِعِلْمِهِ أنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ أكْثَرَ (p-٢٩٦)النّاسِ يَظُنُّونَ بِالمُلُوكِ القُدْرَةَ عَلى كُلِّ ما يَقُولُونَهُ؛ ثُمَّ زادَهم شَكًّا بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ دَفْعِ ما اسْتَقَرَّ في الأنْفُسِ مِن صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: دَأْبُهُ ذَلِكَ، وقَدْ كَذَبَ هو ولَبِسَ لَعْنَةَ اللَّهِ ووَصَفَ أصْدَقَ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ بِالصِّفَةِ العَرِيقَةِ في العُدْوانِ، وإنْ كانَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَلا شَيْءَ أثْبَتُ شَهادَةً عَلى إفْراطِ جَهْلِهِ وغَباوَتِهِ مِنهُ حَيْثُ ظَنَّ أنَّهُ يَصِلُ السَّماءَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ عَلى تَقْدِيرِ الوُصُولِ يَقْدِرُ عَلى الِارْتِقاءِ عَلى ظَهْرِها، [ثُمَّ] عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى مُنازَعَةِ بانِيها وسامِكِها ومُعْلِيها.
28:39Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
ولَمّا قالَ هَذا مُرِيدًا بِهِ - كَما تَقَدَّمَ - إيقافَ قَوْمِهِ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ تَعالى الإشارَةَ إلى أنَّهم فَعَلُوا ما أرادَ، [وإنْ] كانَ ذَلِكَ هو الكِبْرَ عَنِ الحَقِّ فَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ أيْ: وأوْجَدَ الكِبْرَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ ﴿هُوَ﴾ بِقَوْلِهِ هَذا الَّذِي صَدَّهم بِهِ عَنِ السَّبِيلِ ﴿وجُنُودُهُ﴾ بِانْصِدادِهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ في الكِبْرِ عَلى الحَقِّ والِاتِّباعِ لِلْباطِلِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ، ولَعَلَّهُ عَرَّفَها إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في غَيْرِها فَعَلَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: اسْتِكْبارًا مَصْحُوبًا بِغَيْرِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، والتَّعْبِيرُ (p-٢٩٧)بِالتَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ بِنَوْعٍ مِنَ الحَقِّ لَيْسَ كِبْرًا وإنْ كانَتْ صُورَتُهُ كَذَلِكَ، وأمّا تَكَبُّرُهُ سُبْحانَهُ فَهو بِالحَقِّ كُلِّهِ، وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنِ الغَباوَةِ أيْضًا ولِذا لَمْ يَعْطِفْهُ بِالفاءِ، فَقالَ: ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ظَنًّا بَنَوْا عَلَيْهِ اعْتِقادَهم في أصْلِ الدِّينِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا بِقاطِعِ ﴿أنَّهم إلَيْنا﴾ أيْ: إلى حُكْمِنا خاصَّةً الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَهُ انْقِطاعُ الأسْبابِ ﴿لا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ اجْتَرَؤُوا عَلى ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الفَسادِ.
28:40Page 390
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إهْلاكُهم قالَ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا أخْذَ قَهْرٍ ونِقْمَةٍ ﴿وجُنُودَهُ﴾ أيْ: كُلَّهم، وذَلِكَ عَلَيْنا هَيِّنٌ، وأشارَ إلى احْتِقارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى صِغَرِهِمْ وعَظَمَتِنا ﴿فِي اليَمِّ﴾ فَكانُوا عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ كَحَصَياتٍ صِغارٍ قَذَفَها الرّامِي الشَّدِيدُ الذِّراعِ مِن يَدِهِ في البَحْرِ، فَغابُوا في الحالِ، وما آبُوا ولا أحَدٌ مِنهم إلى أهْلٍ ولا مالٍ. ولَمّا سَبَّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ العُلُومِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ الفُهُومُ، قالَ: ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ: أيُّها المُتَعَرِّفُ لِلْآياتِ النّاظِرُ فِيها نَظَرَ الِاعْتِبارِ؛ وزادَ في تَعْظِيمِ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو الكَوْنُ ﴿عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ وإنْ زادَ ظُلْمُهم، وأعْيا أمْرُهم، ذَهَبُوا في طَرْفَةِ عَيْنٍ، كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وغابُوا عَنِ العُيُونِ كَأنَّهم قَطُّ لَمْ يُبَيِّنُوا، وسَكَتُوا بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ والنَّهْيِ (p-٢٩٨)فَصارُوا بِحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنُوا، فَلْيُحَذِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى ظُلْمِهِمْ أنْ يَنْقَطِعُوا ويُبَيِّنُوا، وهَذا إشارَةٌ عَظِيمَةٌ بِأعْظَمِ بِشارَةٍ بِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَكُونُ عاقِبَتُهُ هَكَذا إنْ صابَرَهُ المَظْلُومُ المُحِقُّ، ورابَطَهُ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences