Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:54–61
28:54Page 392
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ الإيتاءُ، والمُؤْتِي مَعْرُوفٌ ﴿أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ لِإيمانِهِمْ بِهِ غَيْبًا وشَهادَةً، أوْ بِالكِتابِ الأوَّلِ ثُمَّ الكِتابِ الثّانِي ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عَلى ما كانَ مِنَ الإيمانِ قَبْلَ العِيانِ، بَعْدَما هَزَّهم إلى النُّزُوعِ عَنْهُ إلْفَ دِينِهِمُ الَّذِي كانَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ امْتِحانِ المَلِكِ الدَّيّانِ.
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاتِّصافِ بِالمَحاسِنِ والِانْخِلاعِ مِنَ المَساوِئِ، قالَ عاطِفًا عَلى ”يُؤْمِنُونَ“ مُشِيرًا إلى تَجْدِيدِ هَذِهِ الأفْعالِ كُلَّ حِينٍ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ﴾ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَيَمْحُونَها بِها.
(p-٣١٦)ولَمّا كانَ بَعْضُ هَذا الدَّرْءِ لا يَتِمُّ إلّا بِالجُودِ قالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، لا بِحَوْلٍ مِنهم ولا قُوَّةٍ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مُعْتَمَدِينَ في الخَلْقِ عَلى الَّذِي رَزَقَهُ؛ قالَ البَغَوِيُّ: «قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الحَبَشَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَعْنِي: فَأسْلَمُوا، فَلَمّا رَأوْا ما بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الخَصاصَةِ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ في أمْوالِهِمْ، فَأتَوْا بِها فَواسَوْا بِها المُسْلِمِينَ» .
28:55Page 392
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."
ولَمّا ذَكَرَ أنَّ السَّماحَ بِما تَضِنُّ النُّفُوسُ بِهِ مِن فُضُولِ الأمْوالِ مِن أماراتِ الإيمانِ، أتْبَعَهُ أنَّ حُزْنَ ما تَبْذُلُهُ الألْسُنُ مِن فُضُولِ الأقْوالِ مِن عَلاماتِ العِرْفانِ، فَقالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ أيْ: ما لا يَنْفَعُ في دِينٍ ولا دُنْيا مِن شَتْمٍ وتَكْذِيبٍ وتَعْيِيرٍ ونَحْوِهِ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تَكَرُّمًا عَنِ الخَنا ﴿وقالُوا﴾ أيْ: وعْظًا وتَسْمِيعًا لِقائِلِهِ: ﴿لَنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أعْمالُنا﴾ لا تُثابُونَ عَلى شَيْءٍ مِنها ولا تُعاقَبُونَ ﴿ولَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أعْمالُكُمْ﴾ لا نُطالَبُ بِشَيْءٍ مِنها، فَنَحْنُ لا نَشْتَغِلُ بِالرَّدِّ عَلَيْكم لِأنَّ ذَمَّكم لَنا لا يَنْقُصُنا شَيْئًا مِن أجْرِنا ولا الِاشْتِغالِ بِرَدِّهِ يَنْقُصُنا.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم سالِمُونَ مِنهم، صَرَّحُوا لَهم بِهِ فَقالُوا: (p-٣١٧)﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِنّا. ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ مِثْلَ هَذا يَكْسِرُ اللّاغِيَ، ويَرُدُّ الباغِيَ، أشارُوا لَهم إلى قُبْحِ حالِهِمْ، رَدًّا عَلى ضَلالِهِمْ، بِقَوْلِهِمْ تَعْلِيلًا لِما مَضى مِن مَقالِهِمْ: ﴿لا نَبْتَغِي﴾ أيْ: لا نُكَلِّفُ أنْفُسَنا أنْ نَطْلُبَ ﴿الجاهِلِينَ﴾ أيْ: نُرِيدُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ أوْ أقْوالِهِمْ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن خِلالِهِمْ.
28:56Page 392
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْسَ النَّبِيِّ ﷺ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ لِنَفْعِ جَمِيعِ العِبادِ، لا سِيَّما العَرَبُ، لِقُرْبِهِمْ مِنهُ ﷺ، لاسِيَّما أقْرَبُهم مِنهُ صِلَةً لِلرَّحِمِ تَتَأثَّرُ بِسَبْقِ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْمِهِ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ عَدَمَ هِدايَتِهِمْ لِتَقْصِيرٍ في دُعائِهِ أوْ إرادَتِهِ لِذَلِكَ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ هِدايَتَهم وأحَبَّها، وعَلَّقَ هِمَّتَهُ العَلِيَّةَ بِها لاهْتَدَوْا، أُجِيبَ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سِياقِ التَّأْكِيدِ إظْهارًا لِصِفَةِ القُدْرَةِ والكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ: نَفْسَهُ أوْ هِدايَتَهُ بِخَلْقِ الإيمانِ في قَلْبِهِ، وإنَّما في يَدِكَ الهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ والبَيانُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ مِن أجْلِ الإخْبارِ بِتَوْصِيلِ القَوْلِ وتَعْلِيلِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أشْباهِهِ أنَّ شَيْئًا مِن أفْعالِهِمْ يَخْرُجُ عَنِ القُدْرَةِ، قالَ نافِيًا لِهَذا الظَّنِّ مُشِيرًا إلى الغَلَطِ في اعْتِقادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ المُتَرَدِّي بِرِداءِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ ولَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ (p-٣١٨)بِالتَّوْفِيقِ إلى ما يُرْضِيهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هَيَّأهم لِتَطْلُبَ الهُدى عِنْدَ خَلْقِهِ لَهم، فَيَكُونُوا عَرِيقَيْنِ فِيهِ سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أوِ العَرَبِ، أقارِبَ كانُوا أوْ أباعِدَ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «”قالَ لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ جاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أبا جَهْلٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقالَ: أيْ عَمِّ! قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ ويُعِيدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ حَتّى قالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واللَّهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن (p-٣١٩)أحْبَبْتَ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ» .
وفِي مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَقالَ: لَوْلا أنْ تُعَيِّرَنِي نِساءُ قُرَيْشٍ لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
28:57Page 392
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
ولَمّا عَجِبَ مِن حالِ قُرَيْشٍ في طَلَبِهِمْ مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِهِ وبِما هو أعْظَمُ مِنهُ، وخَتَمَ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِأهْلِ الخَيْرِ وأهْلِ الشَّرِّ، إشارَةً إلى الإعْراضِ عَنِ الأسَفِ عَلى أحَدٍ، والإقْبالِ عَلى عُمُومِ الدُّعاءِ لِلْقَرِيبِ والبَعِيدِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، قالَ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، عاطِفًا عَلى قالُوا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ [القصص: ٤٨] ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ﴾ أيْ: غايَةَ الِاتِّباعِ ﴿الهُدى﴾ أيْ: الإسْلامَ فَنُوَحِّدُ اللَّهَ مِن غَيْرِ إشْراكٍ ﴿مَعَكَ﴾ أيْ: وأنْتَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ النّاسِ ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ أيْ: مِن أيِّ خاطِفٍ أرادَنا، لِأنّا نَصِيرُ قَلِيلًا في كَثِيرٍ مِن غَيْرِ نَصِيرٍ ﴿مِن أرْضِنا﴾ كَما تُتَخَطَّفُ العَصافِيرُ لِمُخالَفَةِ كافَّةِ العَرَبِ لَنا، ولَيْسَ لَنا نِسْبَةٌ إلى كَثْرَتِهِمْ ولا قُوَّتِهِمْ فَيُسْرِعُوا إلَيْنا فَيَتَخَطَّفُونا، أيْ: يَتَقَصَّدُونَ خَطْفنا واحِدًا واحِدًا، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا عَلى إدامَةِ الِاجْتِماعِ وأنْ لا يَشِذَّ بَعْضُنا عَنْ بَعْضٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: (p-٣٢٠)والِاخْتِطافُ: الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ في الرَّدِّ عَلى هَذا الكَلامِ الواهِي: ألَمْ نَحْمِكَ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنهم وقَدْ جِئْتُمُوهم مِنَ الخِلافِ بِمِثْلِ ما يُخالِفُونَ هم بِهِ العَرَبَ أوْ أشَدَّ، ولا نِسْبَةَ لَكم إلى عَدَدِهِمْ ولا جَلَدِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ أيْ: غايَةَ التَّمْكِينِ ﴿لَهُمْ﴾ في أوْطانِهِمْ ومَحَلِّ سُكْناهم بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ كُلُّ خائِفٍ حَتّى الطَّيْرُ مِن كَواسِرِها والوَحْشُ مِن جَوارِحِها، حَتّى أنَّ سَيْلَ الحِلِّ لا يَدْخُلُ الحَرَمَ، بَلْ إذا وصَلَ إلَيْهِ عَدَلَ عَنْهُ؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ في اسْتِيلاءِ كِنانَةَ وخُزاعَةَ عَلى البَيْتِ: وكانَتْ مَكَّةُ في الجاهِلِيَّةِ لا تُقِرُّ فِيها ظُلْمًا ولا بَغْيًا، لا يَبْغِي فِيها أحَدٌ إلّا أخْرَجَتْهُ - انْتَهى.
وكانَ الرَّجُلُ يَلْقى قاتِلَ أبِيهِ وابْنِهِ فِيها فَلا يُهَيِّجُهُ ولا يَعْرِضُ لَهُ بِسُوءٍ؛ ورَوى [الأزْرَقِيُّ] في تارِيخِ مَكَّةَ بِسَنَدِهِ عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ في الكَعْبَةِ حِلَقٌ يُدْخِلُ الخائِفُ يَدَهُ فِيها فَلا يُرِيبُهُ أحَدٌ، فَجاءَ خائِفٌ لِيُدْخِلَ يَدَهُ فاجْتَذَبَهُ رَجُلٌ فَشُلَّتْ يَدُهُ، (p-٣٢١)فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في الإسْلامِ [وإنَّهُ] لَأشَلُّ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قِصَّةُ العَرَبِ مِن غَيْرِ قُرَيْشٍ في أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً إلّا إنْ أعارَتْهم قُرَيْشٌ ثِيابًا، فَجاءَتِ امْرَأةٌ فَطافَتْ عُرْيانَةً وكانَ لَها جَمالٌ فَرَآها رَجُلٌ فَأعْجَبَتْهُ فَدَخَلَ فَطافَ إلى جَنْبِها، فَأدْنى عَضُدَهُ مِن عَضُدِها، فالتَزَقَتْ عَضُدُهُ بِعَضُدِها، فَخَرَجا مِنَ المَسْجِدِ هارِبَيْنِ عَلى وُجُوهِهِما فَزِعَيْنِ لَما أصابَهُما مِنَ العُقُوبَةِ، فَلَقِيَهُما شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ فَأفْتاهُما أنْ يَعُودا إلى المَكانِ الَّذِي أصابا فِيهِ الذَّنْبَ، فَيَدْعُوانِ ويُخْلِصانِ أنْ لا يَعُودا، فَدَعَوا وأخْلَصا النِّيَّةَ، فافْتَرَقَتْ أعَضادُهُما فَذَهَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في ناحِيَةٍ.
وبِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: أخَذَ رَجُلٌ ذَوْدَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَأصابَهُ في الحَرَمِ فَقالَ: ذَوْدِي: فَقالَ اللِّصُّ: كَذَبْتَ، قالَ: فاحْلِفْ، فَحَلَفَ عِنْدَ المَقامِ، فَقامَ رَبُّ الذَّوْدِ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ باسِطًا يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما بَرِحَ مَقامَهُ يَدْعُو حَتّى ذَهَبَ عَقْلُ اللِّصِّ وجَعَلَ يَصِيحُ بِمَكَّةَ: ما لِي، ولِلزَّوْدِ، ما لِي، ولِفُلانٍ رَبِّ الزَّوْدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ المُطَّلِبِ فَجَمَعَ الزَّوْدَ فَدَفَعَهُ إلى المَظْلُومِ، فَخَرَجَ بِهِ وبَقِيَ الآخَرُ مُتَوَلِّهًا حَتّى وقَعَ مِن جَبَلٍ فَتَرَدّى فَأكَلَتْهُ السِّباعُ.
وعَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسى أنَّ امْرَأةً في الجاهِلِيَّةِ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها صَغِيرٌ فَقالَتْ لَهُ: يا بُنَيَّ: إنِّي (p-٣٢٢)أغِيبُ عَنْكَ وإنِّي أخافُ أنْ يَظْلِمَكَ أحَدٌ، فَإنْ جاءَكَ ظالِمٌ بَعْدِي فَإنَّ لِلَّهِ بِمَكَّةَ بَيْتًا لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ البُيُوتِ، وعَلَيْهِ ثِيابٌ ولا يُقارِبُهُ مُفْسِدٌ، فَإنْ ظَلَمَكَ ظالِمٌ يَوْمًا فَعُذْ بِهِ، فَإنَّ لَهُ رَبًّا سَيَمْنَعُكَ، فَجاءَهُ رَجُلٌ فَذَهَبَ بِهِ فاسْتَرَقَهُ، قالَ: وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعْمِرُونَ أنْعامَهم فَأعْمَرَ سَيِّدُهُ ظَهْرَهُ، فَلَمّا رَأى الغُلامُ البَيْتَ عَرَفَ الصِّفَةَ فَنَزَلَ يَشْتَدُّ حَتّى تَعَلَّقَ بِالبَيْتِ، وجاءَهُ سَيِّدُهُ فَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَيَبِسَتْ يَدُهُ، فَمَدَّ الأُخْرى فَيَبِسَتْ، [فاسْتَفْتى] فَأفْتى أنْ يَنْحَرَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن يَدَيْهِ بَدَنَةً، فَفَعَلَ فَأُطْلِقَتْ يَداهُ، وتَرَكَ الغُلامَ وخَلّى سَبِيلَهُ.
وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رُوادٍ أنَّ قَوْمًا انْتَهَوْا إلى ذِي طُوًى، فَإذا ظَبْيٌ قَدْ دَنا مِنهم، فَأخَذَ رَجُلٌ مِنهم بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِهِ فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ! أرْسِلْهُ، فَجَعَلَ يَضْحَكُ ويَأْبى أنْ يُرْسِلَهُ، فَبَعَرَ الظَّبْيُ وبالَ؛ ثُمَّ أرْسَلَهُ، فَنامُوا في القائِلَةِ فانْتَبَهُوا، فَإذا بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلى بَطْنِ الرَّجُلِ الَّذِي أخَذَ الظَّبْيَ، فَلَمْ تَنْزِلِ الحَيَّةُ عَنْهُ حَتّى كانَ مِنهُ مِنَ الحَدِيثِ مِثْلُ ما كانَ مِنَ الظَّبْيِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: دَخَلَ قَوْمٌ مَكَّةَ تُجّارًا مِنَ الشّامِ في الجاهِلِيَّةِ فَنَزَلُوا ذا طُوًى فاخْتَبَزُوا مَلَّةً لَهم ولَمْ يَكُنْ مَعَهم إدامٌ، فَرَمى رَجُلٌ مِنهم ظَبْيَةً مِن ظِباءِ الحَرَمِ (p-٣٢٣)وهِيَ حَوْلَهم تَرْعى فَقامُوا إلَيْها فَسَلَخُوها وطَبَخُوا [لَحْمَها] لِيَأْتَدِمُوا بِهِ، فَبَيْنَما قِدْرُهم عَلى النّارِ تَغْلِي بِلَحْمَةٍ إذْ خَرَجَتْ مِن تَحْتِ القِدْرِ عُنُقٌ مِنَ النّارِ عَظِيمَةٌ فَأحْرَقَتِ القَوْمَ جَمِيعًا ولَمْ تَحْتَرِقْ ثِيابُهم ولا أمْتِعَتُهم ولا السَّمُراتُ الَّتِي كانُوا تَحْتَها.
وفِي سِيرَةِ أبِي رَبِيعِ بْنِ سالِمٍ الكُلاعِيِّ أنَّ رَجُلًا مِن كِنانَةَ بْنِ هُذَيْلٍ ظَلَمَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ فَخَوَّفَهُ بِالدُّعاءِ في الحَرَمِ، فَقالَ: هَذِهِ ناقَتِي فُلانَةُ ارْكَبْها فاذْهَبْ إلَيْهِ فاجْتَهِدْ في الدُّعاءِ، فَجاءَ الحَرَمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أدْعُوكَ جاهِدًا مُضْطَرًّا عَلى ابْنِ عَمِّي فُلانٍ تَرْمِيهِ بِداءٍ لا دَواءَ لَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ ابْنَ عَمِّهِ قَدْ رُمِيَ في بَطْنِهِ فَصارَ مِثْلَ الزَقِّ، فَما زالَ يَنْتَفِخُ حَتّى انْشَقَّ.
وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَألَ رَجُلًا مِن بَنِي سَلِيمٍ عَنْ ذَهابِ بَصَرِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! كُنّا بَنِي ضَبْعاءَ عَشْرَةً، وكانَ لَنا ابْنُ عَمٍّ فَكُنّا نَظْلِمُهُ فَكانَ يُذَكِّرُنا بِاللَّهِ، وبِالرَّحِمِ، فَلَمّا رَأى أنّا لا نَكُفُّ عَنْهُ انْتَهى إلى الحَرَمِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ يَقُولُ:
؎لا هُمَّ أدْعُوكَ دُعاءً جاهِدا اقْتُلْ بَنِي الضَّبْعاءِ إلّا واحِدا
؎(p-٣٢٤)ثُمَّ اضْرِبِ الرَّجُلَ ودَعْهُ قاعِدا ∗∗∗ أعْمى إذا قُيِّدَ يُعْيِي القائِدا
قالَ: فَماتَ إخْوَتِي التِّسْعَةُ في تِسْعَةِ أشْهُرٍ في كُلِّ شَهْرٍ واحِدٌ، وبَقِيتُ أنا فَعَمِيتُ، ورَمانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في رِجْلِي، فَلَيْسَ يُلائِمُنِي قائِدٌ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [سُبْحانَ اللَّهِ إنَّ هَذا لَهو العَجَبُ] .
جَعَلَ اللَّهُ هَذا في الجاهِلِيَّةِ إذْ لا دِينَ حُرْمَةَ حَرَمِها وشَرَفَها، لِيَنْتَكِبَ النّاسُ عَنِ انْتِهاكِ ما حَرَّمَ مَخافَةَ تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، فَلَمّا جاءَ الدِّينُ، صارَ المَوْعِدُ السّاعَةَ، ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ، فاتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ - انْتَهى.
وكَأنَّهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّمْكِينِ ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ كَما يَأْتِي تَأْكِيدُهُ في الَّتِي بَعْدَها، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ بُقْعَةً مِن بِقاعِ الأرْضِ لا مَزِيَّةَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ بِنَوْعِ مَزِيَّةٍ، فالتَّقْدِيرُ: إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ بَعْدَ سُكْنى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَوْطِئَةً لِما أرَدْنا مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ، أوَ لَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وفَعَلَهُ لِمَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ بِقادِرٍ عَلى حِمايَةِ مَن يَدْخُلُ في دِينِهِ، وقَدْ صارَ مِن حِزْبِهِ بِأنْواعِ الحِماياتِ، وإعْلائِهِ عَلى كُلِّ مَن يُناوِيهِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، كَما فَعَلَ في حِمايَتِكم مِنهم ومَن غَيْرِهِمْ مِن سائِرِ المُخالِفِينَ أعْداءِ الدِّينِ.
ولَمّا وصَفَهُ بِالأمْنِ، أتْبَعَهُ ما تَطْلُبُهُ النَّفْسُ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿يُجْبى﴾ أيْ: يُجْمَعُ ويُجْلَبُ مِمّا لا يَرْجُونَهُ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى اسْتِجْلابِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ (p-٣٢٥)أيْ: خاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ النَّباتِ الَّذِي بِأرْضِ العَرَبِ مِن ثَمَرِ البِلادِ الحارَّةِ كالبُسْرِ والرُّطَبِ والمَوْزِ والنَّبْقِ، والبارِدَةِ كالعِنَبِ والتُّفّاحِ والرُّمّانِ والخَوْخِ، وفي تَعْبِيرِهِ بِالمُضارِعِ وما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى الِاسْتِمْرارِ وأنَّهُ يَأْتِي إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما في الأرْضِ مِنَ المالِ، ما لَمْ يَخْطُرْ لِأحَدٍ مِنهم في بالٍ، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ فِيما قالَ كَما تَراهُ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.
ولَمّا كانَ مَجْمُوعَ ما رَزَقَهم في هَذا الحَرَمِ مِنَ الأمْنِ بِأسْبابِهِ مِنَ الإسْراعِ بِإصابَةِ مَن آذى فِيهِ بِأنْواعِ العُقُوباتِ، وجِبايَةِ هَذِهِ الثَّمَراتِ، في غايَةِ الغَرابَةِ في تِلْكَ الأراضِي اليابِسَةِ الشَّدِيدَةِ الحَرِّ، المَحْفُوفَةِ مِنَ النّاسِ بِمَن لا يَدِينُ دِينًا، ولا يَخْشى عاقِبَةً، ولا لَهُ مُلْكٌ قاهِرٌ مِنَ النّاسِ يَرُدُّهُ، ولا نِظامٌ مِن سِياسَةِ العِبادِ يَمْنَعُهُ، عَبَّرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ مَعَ مَظْهَرِ العَظَمَةِ بِلَدُنْ فَقالَ: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ: مِن أبْطَنِ ما عِنْدَنا وأغْرَبِهِ، لا صُنْعَ لِأحَدٍ فِيهِ كَما تَعْلَمُ ذَلِكَ أنْتَ ومَنِ اتَّبَعَكَ ومَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الهِدايَةِ مِنهم، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأجْلِكَ [بِحُلُولِكَ] في [هَذا] الحَرَمِ مُضْمَرًا في الأصْلابِ، ومُظْهَرًا في تِلْكَ الشِّعابِ، تَوْطِئَةً لِنُبُوَّتِكَ، وتَمْهِيدًا لِرِسالَتِكَ، ومَتى غِبْتَ عَنْهم غابَ عَنْهم ذَلِكَ كُلُّهُ وسَيَنْظُرُونَ.
(p-٣٢٦)ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أبْدَوْهُ عُذْرًا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الهُدى يَظُنُّونَهُ مِن نَفائِسِ العِلْمِ، رَدَّهُ تَعالى نافِيًا عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن مِنهم جَمِيعَ [العِلْمِ] الَّذِي بِنَفْيِهِ يَنْتَفِي أنْ يَكُونَ هَذا الفَرْدُ عِلْمًا، فَقالَ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لا هِدايَةَ لَهُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم قابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ حَتّى يَعْلَمُوا أنّا نَحْنُ الفاعِلُونَ لِذَلِكَ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ حَتّى تَمَكَّنَ ذَلِكَ وتَمَّ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَغْيِيرِهِ، وإنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَمْنَعَهم - إذا تابَعُوا أمْرَنا - مِمَّنْ يُرِيدُهم، بَلْ نُسَلِّطُهم عَلى كُلِّ مَن ناواهم، كَقُدْرَتِنا عَلى ما مَكَّنا لَهم وهو خارِجٌ عَنِ القِياسِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ عُقُولُ النّاسِ، وإنّا قادِرُونَ عَلى سَلْبِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا بُدَّ أنْ نُذِيقَهم ذَلِكَ أجْمَعَ بَعْدَ هِجْرَتِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما نالَهم ذَلِكَ بِبَرَكَتِكَ، ولَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَشَكَرُوا، ولَكِنَّهم جَهِلُوا فَكَفَرُوا، ولِذَلِكَ أُنْذِرُوا﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
28:58Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّأْمِينِ والإنْجاءِ والتَّمْكِينِ مَعَ الضَّعْفَةِ، أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِقُدْرَتِهِ عَلى الإخافَةِ والإهْلاكِ مَعَ القُوَّةِ، تَرْغِيبًا لَهم - إنْ آمَنُوا - بِإهْلاكِ أضْدادِهِمْ، وتَرْهِيبًا - إنْ أصَرُّوا - مِنَ المُعامَلَةِ بِعَكْسِ مُرادِهِمْ، فَقالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ عاطِفًا عَلى مَعْنى (p-٣٢٧)الكَلامِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُمَكِّنْ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ ما ذَكَرْنا مِنَ النِّعْمَةِ مَعَ ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ، والحالُ أنّا كَثِيرًا ما أهْلَكْنا الأقْوِياءَ، وأشارَ إلى تَأْكِيدِ التَّكْثِيرِ مَعَ تَمْيِيزِ المُبْهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ وأشارَ إلى سَبَبِ الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ: وقَعَ مِنها البَطَرُ في زَمانِ عَيْشِها الرَّخِيِّ الواسِعِ، فَكانَ حالُهم كَحالِكم في الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، فَلَمّا بَطَرُوا مَعِيشَتَهم أهْلَكْناهم، ومَعْنى بَطَرِهِمْ لَها أنَّهم شَقُّوها بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ في المَرَحِ، والأشَرِ والفَرَحِ، إلى أنْ تَعَدَّوْها فَأفْسَدُوها وكَفَرُوها فَلَمْ يَشْكُرُوها، بَلْ فَعَلُوا في تَلَقِّيها فِعْلَ الحائِرِ المَدْهُوشِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا رِعايَتَها، وقَلَّ احْتِمالُهم لِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيها، فَطَغَوْا في التَّقَلُّبِ عِنْدَ مُصاحَبَتِها وتَكَبَّرُوا بِها، وتَمادَوْا في الغَيِّ قَوْلًا وفِعْلًا، مِن أجْلِ ما عَمَّهم مِنَ الرَّفاهِيَةِ عَنْ تَقْيِيدِها وساءَ احْتِمالُهم لِلْغِنى بِها، وطِيبِ العَيْشِ فِيها، فَأبْطَلُوها بِهَذِهِ الخَصائِلِ، وأذْهَبُوها هَدَرًا مِن غَيْرِ مُقابِلٍ، وذَلِكَ مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ: البَطَرُ: الأشَرُ، وقِلَّةُ احْتِمالِ النِّعْمَةِ، والدَّهَشُ والحَيْرَةُ والطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ، والفِعْلُ مِنَ الكُلِّ كَفَرِحَ، وبَطَرُ الحَقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَنْهُ فَلا يَقْبَلُهُ، وبَطَرَهُ كَنَصَرَهُ وضَرَبَهُ: شَقَّهُ، والبُطُورُ: الصِّخابُ الطَّوِيلُ (p-٣٢٨)اللِّسانُ، والمُتَمادِي في الغَيِّ، وأبْطَرَهُ ذَرَعَهُ: حَمَّلَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ، وذَهَبَ دَمُهُ بَطِرًا بِالكَسْرِ- أيْ: هَدَرًا وبَطَرَهم لَها أنَّهم عَصَوْا مَن خَوَّلَهم فِيها، فَخالَفُوا أمْرَهُ، وأنْساهُمُ الكِبْرُ بِما أعْطاهم ذِكْرَهُ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ تَشَوَّفَ النَّفْسُ إلى آثارِ هَذِهِ الدِّيارِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإشارَةَ بِأداةِ البُعْدِ إلى مَنازِلِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَتِها وسُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْها في كُلِّ مَكانٍ، لِكَوْنِها بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها وعَلى بُعْدِ رُتْبَتِها في الهَلاكِ دَلِيلًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَقالَ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ تُسْكَنْ﴾ أيْ: مِن ساكِنٍ ما مُخْتارٍ أوْ مُضْطَرٍّ. ولَمّا كانَ المُرادُ إفْهامَ نَفْيِ قَلِيلِ الزَّمانِ وكَثِيرِهِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بَعْدَ أنْ طالَ ما تَغالَوْا فِيها ونَمَّقُوها، وزَخْرَفُوها وزَوَّقُوها، وزَفُّوا فِيها الأبْكارَ، وفَرِحُوا بِالأعْمالِ الكِبارِ،
﴿إلا﴾ سُكَوْنًا ﴿قَلِيلا﴾ بِالمارَّةِ عَلَيْها ساعَةً مِن لَيْلٍ أوْ مِن نَهارٍ، ثُمَّ يَصِيرُ تَبابًا مُوحِشَةً كالقِفارِ، بَعْدَ أنْ كانَتْ مُتَمَنِّعَةَ القِبا، بِبِيضِ الصِّفاحِ وسُمْرِ القَنا.
ولَمّا صارَتْ هَذِهِ الأماكِنُ بَعْدَ الخَرابِ لا مُتَصَرِّفَ فِيها ظاهِرًا إلّا اللَّهُ، ولا حاكِمَ عَلَيْها فِيما تَنْظُرُهُ العُيُونُ سِواهُ، وكانَ هَذا أمْرًا (p-٣٢٩)عَظِيمًا، وخَطْبًا جَسِيمًا، لِأنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وسُلْطانٍ ووَزِيرٍ، دَلَّ عَلى ضَخامَتِهِ بِقَوْلِهِ مُكَرِّرًا لِمَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وكُنّا﴾ [أيْ: ] أزَلًا وأبَدًا ﴿نَحْنُ﴾ لا غَيْرُنا ﴿الوارِثِينَ﴾ لَمْ يَسْتَعْصِ عَلَيْنا أحَدٌ وإنْ عَظُمَ، ولا تَأخُّرَ عَنْ مُرادِنا لَحْظَةً وإنْ ضَخُمَ، فَلَيْتَ شِعْرِي! أيْنَ أُولَئِكَ الجَبّارُونَ وكَيْفَ خَلا دُورُهم، وعَطَّلَ قُصُورَهُمْ؟ المُتَكَبِّرُونَ أفْنَتْهم واللَّهِ كُؤُوسُ الحِمامِ مُنَوَّعَةً أشْرِبَةُ المَصائِبِ العِظامِ، وأذَلَّتْهم مَصارِعُ الأيّامِ، بِقُوَّةِ العَزِيزِ العَلّامِ، فَيا ويْحَ مَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِأيّامِهِمْ، ولَمْ يُزْدَجَرْ عَنْ مِثْلِ آثامِهِمْ.
28:59Page 392
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
ولَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ سَوْطَ العَذابِ بِيَدِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى وطْأِ العَدْلِ بِثَمَرَةِ الغِنى، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ الرَّحْمَةِ بِالإرْسالِ عَبَّرَ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾ [أيْ: ] كَوْنًا ما ﴿رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالإحْسانِ بِإرْسالِكَ إلى النّاسِ ﴿مُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: هَذا الجِنْسَ كُلَّهُ بِجُرْمٍ وإنْ عَظُمَ ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ: أعْظَمِها وأشْرَفِها، لِأنَّ غَيْرَها تَبَعٌ لَها، ولَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ مِن أُمِّها فَقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ النّاصِرَةِ، وبُعِثَ في بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: أهْلِ القُرى كُلِّهِمْ ﴿آياتِنا﴾ الدّالَّةَ -بِما لَها مِنَ الجَرْيِ عَلى مَناهِيجِ العُقُولِ- عَلى ما يَنْبَغِي لَنا مِنَ الحِكْمَةِ، وبِما لَها مِنَ الإعْجازِ - عَلى تَفَرُّدِ الكَلِمَةِ- وباهِرِ العَظَمَةِ، إلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وقَطَعًا لِلْمَعْذِرَةِ، لِئَلّا يَقُولُوا ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ (p-٣٣٠)إلَيْنا رَسُولا﴾ [القصص: ٤٧] ولِذَلِكَ لَمّا أرَدْنا عُمُومَ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ جَعَلْنا الرَّسُولَ مِن أُمِّ القُرى كُلِّها، وهي مَكَّةُ البَلَدُ الحَرامُ، وفِيها لِأنَّها مَعَ كَوْنِها مَدِينَةً تَجْرِي فِيها الأُمُورُ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ [هِيَ] في بِلادِ البَوادِي تَظْهَرُ فِيها الكَلِمَةُ، فَجَمَعْتُ الأمْرَيْنِ لِأنَّ المُرْسَلَ إلَيْها جامِعٌ، وجازَتِ الأثَرَيْنِ لِأنَّ الخِتامَ بِهِ واقِعٌ، وكانَ السِّرُّ في جَعْلِ المُؤَيِّدِ لِدِينِهِ عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البادِيَةِ كَثْرَةَ ظُهُورِ الكَلِمَةِ عَلى يَدَيْهِ.
ولَمّا غيّا الإهْلاكَ بِالإرْسالِ تَخْوِيفًا، ضَرَبَ لَهُ غايَةً أُخْرى تَحِرِيرًا لِلْأمْرِ وتَعْرِيفًا، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ التَّجَرُّؤِ مِن أهْلِ الضَّلالِ، عَلى مَقامِهِ العالِ، بِانْتِهاكِ الحُرُماتِ، عَبَّرَ بِأداةِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وما كُنّا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا وغِنانا ﴿مُهْلِكِي القُرى﴾ أيْ: كُلَّها، بَعْدَ الإرْسالِ ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ بِالعِصْيانِ، بِتَرْكِ ثَمَراتِ الإيمانِ.
28:60Page 393
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
ولَمّا اعْتَلُّوا في الوُقُوفِ عَنِ الإيمانِ بِخَوْفِ التَّخَطُّفِ، فَذَكَّرَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإقامَةِ أسْبابِ الأمْنِ وإدْرارِ الرِّزْقِ، وعَرَّفَهم أنَّهُ هو وحْدَهُ الَّذِي تَخْشى سَطَواتِهِ، ويَتَّقِي أخْذَهُ لِمَن خالَفَهُ وبَطَشاتِهِ، وكانَ خَوْفُهم مِن عَواقِبِ المُتابِعَةِ إمّا عَلى أنْفُسِهِمْ وإمّا عَلى ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ المَتاعِ، عُلِمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ بِما سَبَّبَ التَّخْوِيفَ مِن عَواقِبِ الظُّلْمِ بِمِثْلِ مَصارِعِ الأوَّلِينَ: فَأنْفُسُكم في خَطَرٍ مِن خَوْفِ الهَلاكِ مِنَ القادِرِ عَلَيْكم كَقُدْرَتِهِ عَلى مَن قَبِلَكم بِسَبَبِ التَّوَقُّفِ عَنِ المُتابَعَةِ أشَدُّ مَن خَطَرَ (p-٣٣١)الخَوْفِ مِنَ التَّخَطُّفِ بِسَبَبِ المُتابَعَةِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَما خِفْتُمْ مِنهُ التَّخَطُّفَ غَيْرُ ضائِرِكم، وكَفَّكم عَنِ المُتابَعَةِ لِأجْلِهِ غَيْرُ مُخْلِدِكم، فَما إهْلاكُكم عَلى اللَّهِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ بِعَزِيزٍ- فَعَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ: مِن [أيِّ] مُؤْتٍ كانَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي بِأيْدِيكم وغَيْرِها ﴿فَمَتاعُ﴾ أيْ: فَهو مَتاعٌ ﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولَيْسَ يَعُودُ نَفْعُهُ إلى غَيْرِها، فَهو إلى نَفادٍ وإنْ طالَ زَمَنُ التَّمَتُّعِ بِهِ ﴿وزِينَتُها﴾ أيْ: وهو زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا [الَّتِي] هي كُلُّها - فَضْلًا عَنْ زِينَتِها - إلى فَناءٍ، فَلَيْسَتْ هي ولا شَيْءَ مِنها بِأزَلِيٍّ ولا أبَدِيٍّ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى مِمّا تُثْمِرُهُ لَكُمُ المُتابَعَةُ مِنَ الثَّوابِ الَّذِي وعَدَكُمُوهُ في الدّارِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً إطْباقَكم عَلى وصْفِ هَذِهِ بِالدُّنْيا، ومَن أصْدَقُ وعْدًا مِنهُ ﴿خَيْرٌ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُشارَكَةِ ما في الدُّنْيا لَهُ في الخَيْرِيَّةِ في ظَنِّكم، لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ أكْثَرُ وأطْيَبُ وأظْهَرُ، وأحْسَنُ وأشْهى، وأبْهَجُ وأزْهى، ”و“ هو مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿أبْقى﴾ [النجم: ٥١] لِأنَّهُ وإنْ شارَكَ مَتاعَ الدُّنْيا في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أزَلِيًّا فَهو أبَدِيٌّ.
فَلَمّا بانَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى خَطَرِ المُخالَفَةِ المَذْكُورِ خَوْفًا مِن خَطَرِ المُتابَعَةِ المَوْصُوفِ عاقِلٍ، تُوَجِّهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
28:61Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
ولَمّا كانَ هَذا سَبَبًا لِأنْ ظَهَرَ كالشَّمْسِ بَوْنٌ عَظِيمٌ بَيْنَ حالِ المُخالِفِ والمُؤالِفِ، سَبَّبَ عَنْهُ وأنْتَجَ قَوْلَهُ، مُقَرِّرًا لِما ذَكَرَ مِنَ الأمْرَيْنِ (p-٣٣٢)مُوَضِّحًا لِما لَهُما مِنَ المُبايَنَةِ، مُنْكِرًا عَلى مَن سِوى بَيْنِهِما، فَكَيْفَ بِمَن ظَنَّ أنَّ حالَ المُخالِفِ أوْلى: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ﴾ عَلى عَظَمَتِنا في الغِنى والقُدْرَةِ والصِّدْقِ ﴿وعْدًا﴾ وهو الإثابَةُ والثَّوابُ ﴿حَسَنًا﴾ لا شَيْءَ أحْسَنُ مِنهُ في مُوافَقَتِهِ لِأُمْنِيَّتِهِ وبَقائِهِ ﴿فَهُوَ﴾ بِسَبَبِ وعْدِنا الَّذِي لا يُخْلِفُ ﴿لاقِيهِ﴾ أيْ: مُدْرِكُهُ ومُصِيبُهُ لا مَحالَةَ ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُنا عَلى سَلْبِهِ مِنهُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنّا، ولا يَصِلُ أحَدٌ إلى جَعْلِهِ باقِيًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ فانِيًا وإنْ طالَ زَمَنُهُ مَشُوبٌ بِالأكْدارِ، مُخالِطٌ بِالأقْذارِ والأوْزارِ ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو يَوْمُ التَّغابُنِ، مَن خَسِرَ فِيهِ لا يَرْبَحُ أصْلًا، ومَن هَلَكَ لا يُمْكِنُ عَيْشُهُ بِوَجْهٍ ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أيْ: المَقْهُورِينَ عَلى الحُضُورِ إلى مَكانٍ يَوَدُّ لَوِ افْتَدى مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهْبًا، فَإنَّ كُلَّ مَن يُوكَلُ بِهِ لِحُضُورِ أمْرٍ يَتَنَكَّدُ عَلى حَسَبِ مَراتِبِ التَّوْكِيلِ كائِنًا مَن كانَ في أيِّ أمْرٍ كانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences