Al-Biqa'iAl‑Qasas · 28:76–81

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:76–81

28:76Page 394

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦

Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.

ولَمّا دَلَّ عَلى عَجْزِهِمْ في تِلْكَ الدّارِ، وعِلْمِهِمْ أنَّ المُتَصَرِّفَ في جَمِيعِ الأقْدارِ، إنَّما هو الواحِدُ القَهّارُ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَهُ أيْضًا في هَذِهِ الدّارِ وُقُوعُ العِلْمِ بِهِ بِإهْلاكِ أُولِي البَطَرِ، والمَرَحِ والأثَرِ، مِن غَيْرِ أنْ يُغْنُوا عَمَّنْ أضَلُّوا، أوْ يُغْنِيَ عَنْهم مَن أضَلَّهم مِن ناطِقٍ، وما أضَلَّهم مِن (p-٣٤٨)صامِتٍ، تَطْبِيقًا لِعُمُومِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] عَلى بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، تَخْوِيفًا لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ، لا سِيَّما مَن نَسَبَهُ إلى السِّحْرِ، وإعْلامًا بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُقاطِعُونَ الأشْقِياءَ وإنْ كانُوا أقْرَبَ الأقْرِباءِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَذَّبَ قارُونَ ومَن كانَ مَعَهُ بِعَذابٍ لَمْ يَسْبِقْهم فِيهِ أحَدٌ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِن أقْرَبِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعُلِمَ كُلَّ مَن كانَ اغْتَرَّ بِما أُوتِيَهُ [أنَّ] الحَقَّ لِلَّهِ في كُلِّ ما دَعَتْ إلَيْهِ رُسُلُهُ، ونَطَقَتْ بِهِ كُتُبُهُ، وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَقِرُونَ، [ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا ما اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ، فَكانَ مَعْبُودُهم في الحَقِيقَةِ مِمّا جَمَعُوهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا فاعْتَقَدُوا أنَّهم نالُوا بِهِ السَّعادَةَ الدّائِمَةَ والعِزَّ الباقِيَ، فَكانَ مِثْلُهُ - كَما يَأْتِي في الَّتِي بَعْدَهُ - كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا]، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ كَذَّبَهُ ونَسَبَهُ إلى السِّحْرِ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْألِ اللَّهَ تَعالى فِيهِ لِخُرُوجِهِ بِاسْتِكْبارِهِ مِنَ الوَعْدِ بِالمِنَّةِ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [فِي الأرْضِ]، وكانَ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي [عُذِّبُوا بِهِ مِن جِنْسِ ما] عُذِّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ في الصُّورَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَغْيِيبٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ في مائِعٍ، وهَذا صُلْبٌ جامِدٌ، لِيُعْلَمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لِيَدُومَ (p-٣٤٩)مِنهُ الحَذَرُ، فِيما سَبَقَ مِنهُ القَضاءُ والقَدَرُ، ونَزَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ شَهِيدًا مِن عَصَبِهِمْ وقالَ لَهم: هاتُوا بُرْهانَكم [فِيها]، فَعَلِمُوا بِإبْراقِ عَصا هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ عِصِيِّهِمْ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ في أمْرِ الحُبُورَةِ وفي جَمِيعِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ قارُونَ﴾ ويُسَمّى في التَّوْراةِ قُورِحَ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا مُتَمَكِّنًا ﴿مِن قَوْمِ مُوسى﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُنْكِرَ كَوْنَهُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ فَعَلَهُ مَعَهم لا يَكادُ يَفْعَلُهُ أحَدٌ مَعَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وقُلْنا فِيهِمْ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ﴾ [القصص: ٥] إلى آخِرِهِ، لِأنَّهُ ابْنُ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [عَلى ما] حَكاهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَجاوَزَ الحَدَّ في احْتِقارِهِمْ بِما خَوَّلْناهُ فِيهِ مِن هَذا الحُطامِ المُتَلاشِي، والعَرَضِ الفانِي، فَقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الوُصْلَةِ، ووَصَلَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِ، مِنَ الفِرْقَةِ، فَأخْرَجَهُ ذَلِكَ مِن حَوْزَةِ المِنَّةِ والأمانَةِ والوِراثَةِ إلى دائِرَةِ الهَلاكِ والحَقارَةِ والخِيانَةِ، كَما بَغى عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ؛ وكانَ أصْلُ ”بَغى“ هَذِهِ: أرادَ، لَكِنْ لَمّا كانَ العَبْدُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ (p-٣٥٠)لَهُ إرادَةٌ، بَلِ الإرادَةُ لِسَيِّدِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] جُعِلَتْ إرادَتُهُ تَجاوُزَ الحَدِّ، وعُدِّيَتْ بِـ ”عَلى“ المُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِعْلاءِ تَنْبِيهًا عَلى خُرُوجِها عَنْ أصْلِها.

ولَمّا ذَكَرَ بَغْيَهُ، ذَكَرَ سَبَبَهُ الحَقِيقِيَّ، فَقالَ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ أيْ: ومَعَ كَوْنِنا أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مِن حِزْبِ أصْفِيائِنا آتَيْناهُ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ الكُنُوزِ﴾ أيْ: الأمْوالِ المَدْفُونَةِ المُدَّخَرَةِ، فَضْلًا عَنِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي بِصَدَدِ الإنْفاقِ مِنهُ لِما عَساهُ يَعْرِضُ مِنَ المُهِمّاتِ ﴿ما﴾ أيْ: الَّذِي أوْ شَيْئًا كَثِيرًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ حَتّى ﴿إنَّ مَفاتِحَهُ﴾ أيْ: مَفاتِحَ الأغْلاقِ الَّتِي هو مَدْفُونٌ فِيما وراءَ أبْوابِها ﴿لَتَنُوءُ﴾ أيْ: تَمِيلُ بِجُهْدٍ ومَشَقَّةٍ لِثِقَلِها ﴿بِالعُصْبَةِ﴾ أيْ: الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ الَّتِي يَعْصِبُ - أيْ: يُقَوِّي - بَعْضُهم بَعْضًا، وفي المُبالَغَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالكُنُوزِ والمَفاتِيحِ والنَّوْءِ والعُصْبَةِ المَوْصُوفَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِمَّنْ هو في عِدادِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا تَسْتَبْعِدُهُ العُقُولُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَّأْكِيدُ ﴿أُولِي القُوَّةِ﴾ أيْ: تُمِيلُهم مِن إثْقالِها إيّاهم، والنَّوْءُ: المَيْلُ، قالَ الرّازِي: والنَّوْءُ: الكَوْكَبُ مالَ عَنِ العَيْنِ عِنْدَ الغُرُوبِ، يُقالُ: ناءَ بِالحِمْلِ إذا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا وناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أمالَهُ لِثِقْلِهِ.

(p-٣٥١)ولَمّا ذَكَرَ بَغْيَهُ، ذَكَرَ وقْتَهُ، والوَقْتُ قَدْ يَكُونُ واسِعًا كَما نَقُولُ: جَرى كَذا عامَ كَذا، وفِيهِ التَّعَرُّضُ لِلسَّبَبِ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ وقالَ: ﴿قَوْمُهُ﴾ إشارَةً إلى تَناهِي بَغْيِهِ بِافْتِخارِهِ وكِبْرِهِ عَلى أقارِبِهِ الَّذِينَ جَرَتِ العادَةُ أنْ لا يُغْضِبَ كَلامُهم ولا يُؤَرِّثَ التَّعَزُّرَ عَلَيْهِمْ ولا يَحْمِلُ إلّا عَلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وساغَتْ نِسْبَةُ القَوْلِ لِلْكُلِّ وإنْ كانَ القائِلُ البَعْضَ، بِدَلِيلِ ما يَأْتِي، إمّا عَدًّا لِلسّاكِتِ قائِلًا لِرِضاهُ بِهِ لِأنَّهُ مِمّا لا يَأْباهُ أحَدٌ، وإمّا لِأنَّ أهْلَ الخَيْرِ هُمُ النّاسُ، ومَن عَداهم عَدَمٌ: ﴿لا تَفْرَحْ﴾ أيْ: لا تُسَرَّ سُرُورًا يَحْفِرُ في قَلْبِكَ فَيَتَغَلْغَلُ فِيهِ فَيَحْرِفَكَ إلى الأشَرِ والمَرَحِ، فَإنَّ الفَرَحَ بِالعَرَضِ الزّائِلِ يَدُلُّ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِسْيانِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ عَلى غايَةِ الجَهْلِ والطَّيْشِ وقِلَّةِ التَّأمُّلِ لِلْعَواقِبِ، فَيَجُرُّ إلى المَرَحِ فَيَجُرُّ إلى الهَلاكِ، قالَ الرّازِي: ومَن فَرِحَ بِغَيْرِ مَفْرُوحٍ بِهِ اسْتَجْلَبَ حُزْنًا لا انْقِضاءَ لَهُ، وعَلَّلُوا نَهْيَهم لَهُ بِما يُفْهِمُ أشَدَّ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِاسْتِبْعادِ مَن يَرى تَواصَلَ النِّعَمِ السّارَّةِ عَلى أحَدِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْبُوبٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا شَيْءَ أجَلُّ مِنهُ، فَبِهِ يَنْبَغِي أنْ يَفْرَحَ ﴿لا يُحِبُّ﴾ أيْ: لا يُعامَلُ مُعامَلَةَ المَحْبُوبِ ﴿الفَرِحِينَ﴾ أيْ (p-٣٥٢)الرّاسِخِينَ في الفَرَحِ بِما يَفْنى، فَإنَّ فَرَحَهم يَدُلُّ عَلى سُفُولِ الهِمَمِ.

28:77Page 394

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."

ولَمّا كانَ تَرَكَ الفَرَحِ سَبَبًا لِلزُّهْدِ، وهو سَبَبُ القُرْبِ إلى اللَّهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وازْهَدْ فِيهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الزّاهِدِينَ ﴿وابْتَغِ﴾ أيْ: اطْلُبْ طَلَبًا تُجْهِدُ نَفْسَكَ فِيهِ ﴿فِيما آتاكَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ مِن هَذِهِ الأمْوالِ حالَ تَمَكُّنِكَ ﴿الدّارَ الآخِرَةَ﴾ بِإنْفاقِهِ فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ بِحَيْثُ يَكُونُ ابْتِغاؤُكَ ذَلِكَ مَظْرُوفًا لَهُ فَيَكُونُ كالرُّوحِ والمُؤْتى كالجَسَدِ لِيَكُونَ حَيًّا بِذَلِكَ الِابْتِغاءِ، فَلا يَكُونُ مِنهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ حَياةٍ، فَإنَّ فِعْلَكَ لِذَلِكَ يُذَكِّرُكَ أنَّ هَذِهِ الدّارَ دارُ قَلْعَةٍ وارْتِحالٍ، وكُلُّ ما فِيها إلى زَوالٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ الزُّهْدَ في جَمِيعِ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدَ المَشَقَّةِ عَلى النُّفُوسِ مَعَ ما فِيهِ مِن شائِبَةِ الِاتِّهامِ قالُوا: ﴿ولا تَنْسَ﴾ أيْ: تَتْرُكْ تَرْكَ النّاسِي ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ تَرْكَ المَنسِيِّ، بَلِ اسْتَعْمِلِ المُباحاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَلابِسِ والمَناكِحِ والمَساكِنِ وما يُلائِمُها، ولِيَكُنِ اسْتِعْمالُكَ لِذَلِكَ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ - مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا مَخْيَلَةٍ تُوجِبُ تَرْكَ الِاتِّصافِ بِالإنْصافِ؛ وعَنْ (p-٣٥٣)عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولا تَنْسَ صِحَّتَكَ وقُوَّتَكَ ونَشاطَكَ وغِناكَ أنْ تُطْلَبَ بِهِ الآخِرَةُ.

ولَمّا أطْلَقَ لَهُ الِاقْتِصادَ في التَّمَتُّعِ بِالزّادِ، وكانَتِ النَّفْسُ مَجْبُولَةً عَلى الشَّرَهِ، فَإذا أذِنَ لَها مِنَ الدُّنْيا في نَقِيرٍ جَعَلْتَهُ أكْبَرَ كَبِيرٍ، أتْبَعُوا ذَلِكَ ما لَعَلَّهُ يَكُفُّ مِن شَرَهِها فَقالُوا: ﴿وأحْسِنْ﴾ أيْ: أوْقَعَ الإحْسانَ بِدَفْعِ المالِ إلى المَحاوِيجِ، والإنْفاقِ في جَمِيعِ الطّاعاتِ ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ﴾ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ، المُتَرَدِّي بِرِداءِ العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿إلَيْكَ﴾ بِأنْ تُعْطِيَ عَطاءَ مَن لا يَخافُ الفَقْرَ كَما أوْسَعَ عَلَيْكَ.

ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مِن شَأْنِها إنْ لَمْ تُزَمَّ بِزِمامِ الشَّرْعِ الإسْرافِ والإجْحافِ، قالُوا: ﴿ولا تَبْغِ﴾ أيْ: لا تُرِدْ إرادَةً ما ﴿الفَسادَ في الأرْضِ﴾ بِتَقْتِيرٍ ولا تَبْذِيرٍ، ولا تَكَبُّرٍ عَلى عِبادِ اللَّهِ ولا تَحْقِيرٍ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عِلَّتَهُ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أكْثَرَ المُفْسِدِينَ يَبْسُطُ لَهم في الدُّنْيا، وأكْثَرُ النّاسِ يَسْتَبْعِدُ أنْ يَبْسُطَ فِيها لِغَيْرِ مَحْبُوبٍ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ، القَدِيرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ ﴿لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: لا يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يُحِبُّهُ، فَلا يُكْرِمُهم.

28:78Page 395

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1

ولَمّا كانَ مِمّا قالُوهُ أنَّ الَّذِي أعْطاهُ ذَلِكَ إنَّما هو اللَّهُ، وكانَ قَدْ (p-٣٥٤)أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ [حَتّى] عَلى خالِقِهِ حَتّى حَصَلَ التَّشَوُّفَ إلى جَوابِهِ فَقِيلَ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ العَجْزَ، وأنَّ غَيْرَهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِيما يَدَّعِي أنَّهُ حَصَّلَهُ بِقُوَّتِهِ: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أيْ: هَذا المالُ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حاصِلٌ ﴿عِنْدِي﴾ فَأنا مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ، وذَلِكَ العِلْمُ هو السَّبَبُ في حُصُولِهِ، لا فَضْلَ لِأحَدٍ عَلَيَّ فِيهِ -بِما يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِإنَّما- وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالمُؤْتى مَن هو، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ العِلْمَ هو الكِيمْياءُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألّا يَخافَ أنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ - عُقُوبَةً لَهُ عَلى هَذا - عِلْمَهُ ومالَهُ [ونَفْسَهُ]؟ ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِقُدْرَةِ اللَّهِ؟ لا صُنْعَ لَهُ في الحَقِيقَةِ في ذَلِكَ أصْلًا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أفْقَرَ مَن هو أجَلُّ مِنهُ حِيلَةً وأكْثَرُ عِلْمًا، وأعْطى أكْثَرَ مِنهُ مَن لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ، فَهو قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِ، وسَلْبِ ما مَعَهُ وإفْنائِهِ، كَما قَدَرَ عَلى إيتائِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِما بِهِ مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ ﴿قَدْ أهْلَكَ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّعِظْ مَعَ مُشاهَدَتِهِ لِلْمُهْلَكِينَ المَوْصُوفِينَ مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ بِإدْخالِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ ولَوْ حَذَفَها لاسْتَغْرَقَ الإهْلاكُ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَهُ مِن (p-٣٥٥)الزَّمانِ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم في الصَّلابَةِ كالقُرُونِ ﴿مَن هو أشَدُّ مِنهُ﴾ أيْ: قُرُونٌ ﴿قُوَّةً﴾ أيْ: في البَدَنِ، والمَعانِي مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ، والأنْصارِ والخَدَمِ ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ في المالِ والرِّجالِ، آخِرُهم فِرْعَوْنُ الَّذِي شاوَرَهُ في مُلْكِهِ، وحَقَّقَ أمْرَهُ يَوْمَ [مُهِمٍّ] هُلْكِهِ، وكانَ يَسْتَعْبِدُهُ أمْثالَهُ ويَسُومُهم سُوءَ العَذابِ، ولَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ مَن يُحِبُّهُ ولا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِعِلْمٍ عِنْدَ أحَدٍ مِنهم ولا جَمْعٍ، بَلْ أخَذَهم لِبَغْيِهِمْ وقَبَّحَ تَقَلُّبَهم وسَعْيَهم.

ولَمّا كانَتْ عادَةُ أهْلِ الدُّنْيا أنَّهم إذا غَضِبُوا مِن أحَدٍ فَأرادُوا إهْلاكَهُ عاتَبُوهُ، فَتارَةً يَحْلِفُ عَلى نَفْيِ الذَّنْبِ فَيُقْبَلُ مِنهُ وإنْ كانَ كاذِبًا، وتارَةً يَكْشِفُ الحالُ عَنْ [أنَّ] باطِنَ أمْرِهِ عَلى خِلافِ ما ظَهَرَ مِن شَرِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ عُذْرٌ خَفِيٌّ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا جاهِلٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ ومَقادِيرِ ما يَسْتَحِقُّ عَلى كُلِّ ذَنْبٍ مِنَ العُقُوبَةِ، وأمَلَ المُطَّلِعِ عَلى بَواطِنِ الضَّمائِرِ وخَفايا السَّرائِرِ فَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى ذاكِرًا لِحالِ المَفْعُولِ وهو ﴿مِن﴾ ﴿ولا﴾ أيْ: أهْلَكَهم والحالُ أنَّهم لا يُسْألُونَ - هَذا الأصْلُ- ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿يُسْألُ﴾ أيْ: مِن سائِلٍ ما ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فَأظْهَرَ لِإفادَةِ أنَّ المُوجِبَ لِلْإهْلاكِ الإجْرامِ، وهو قَطْعُ ما يَنْبَغِي (p-٣٥٦)وصْلُهُ بِوَصْلٍ ما يَنْبَغِي قَطْعُهُ.

28:79Page 395

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩

So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."

ولِهَذا سَبَّبَ وعَقَّبَ عَنْ وعْظِهِمُ الحَسَنِ وجَوابِهِ الخَشِنِ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلًا عَلى إجْرامِهِ، وطُغْيانِهِ في آثامِهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ نَصَحُوهُ في الِاقْتِصادِ في شَأْنِهِ، والإكْثارِ في الجُودِ عَلى إخْوانِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهُ مُعَظِّمًا لَها بِقَوْلِهِ: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ أيْ: الَّتِي تُناسِبُ ما ذَكَرْنا مِن أمْوالِهِ، وتَعاظُمِهِ في كَمالِهِ مِن أفْعالِهِ وأقَوالِهِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُ قَوْمُهُ؟ قِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ أيْ: هم بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ مِنهم أنْ يُرِيدُوا ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ مِنهم لِسُفُولِ الهِمَمِ وقُصُورِ النَّظَرِ عَلى الفانِي، لِكَوْنِهِمْ أهْلَ جَهْلٍ وإنْ كانَ قَوْلُهم مِن بابِ الغِبْطَةِ لا مِنَ الحَسَدِ الَّذِي هو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ: ﴿يا لَيْتَ لَنا﴾ أيْ: نَتَمَنّى تَمَنِّيًا عَظِيمًا أنْ نُؤْتى مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ وما تَسَبَّبَتْ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ، حَتّى لا نَزالَ أصْحابَ أمْوالٍ، ثُمَّ عَظَّمُوها بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدِينَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ﴾ أيْ: نَصِيبٍ وبَخْتٍ في الدُّنْيا ﴿عَظِيمٍ﴾ بِما أُوتِيَهُ مِنَ العَلَمِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لَهُ إلى جَمِيعِ هَذا المالِ.

28:80Page 395

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ٨٠

But those who had been given knowledge said, "Woe to you! The reward of Allāh is better for he who believes and does righteousness. And none are granted it except the patient."

ودَلَّ عَلى جَهْلِهِمْ وفَضْلِ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ وحَقارَةِ ما (p-٣٥٧)أُوتِيَ قارُونُ مِنَ المالِ والعِلْمِ الظّاهِرِ الَّذِي أدّى إلَيْهِ بِاتِّباعِهِ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ﴾ وعَظَّمَ الرَّغْبَةَ في العِلْمِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ نافِعٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ [وبِاعْتِبارِ الزُّهْدِ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ أهْلِ الزُّهْدِ بِهِ] فَقالَ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، فَشَرُفَتْ أنْفُسُهم عَنْ إرادَةِ الدُّنْيا عِلْمًا بِفَنائِها، زَجْرًا لِمَن تَمَنّى مِثْلَ حالِهِ، وشَمَرًا إلى الآخِرَةِ لِبَقائِها: ﴿ويْلَكُمْ﴾ أيْ: عَجَبًا لَكم، أوْ حَلَّ بِكُمُ الشَّرُّ حُلُولًا، وأصْلُ ويْلٍ، ”ويْ“، قالَ الفَرّاءُ: جِيءَ بِلامِ الجَرِّ بَعْدَها مَفْتُوحَةً مَعَ المُضْمَرِ نَحْوُ ويْ لَكَ، ووَيْ لَهُ، أيْ: عَجَبًا لَكَ ولَهُ، ثُمَّ خَلَطَ اللّامَ بَوَيْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَتْ كَلامِ الكَلِمَةِ فَصارَ مُعْرَبًا بِإتْمامِهِ ثُلاثِيًّا، فَجازَ أنْ يَدْخُلَ بَعْدَها لامٌ أُخْرى في نَحْوِ ويْلًا لَكَ، لِصَيْرُورَةِ الأوَّلِ لامَ الكَلِمَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى بابِ المُبْتَدَأِ فَقِيلَ: ويْلٌ لَكَ، وهو باقٍ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في حالِ النَّصْبِ إذِ الأصْلُ في ويْلٍ لَكَ: هَلَكْتُ ويْلًا، أيْ: هَلاكًا فَرَفَعُوهُ بَعْدَ حَذْفِ الفِعْلِ نَفْضًا لِغُبارِ الحُدُوثِ، وقِيلَ: أصْلُ ويْلٍ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى كَما اسْتَعْمَلَ لا أبا لَكَ - وأصْلُهُ الدُّعاءُ عَلى الرَّجُلِ - في الحَثِّ عَلى الفِعْلِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ما لَنا يَحِلُّ بِنا الوَيْلُ؟ فَأخْبَرُوهم بِما يَنْبَغِي مُعْرِضِينَ (p-٣٥٨)عَمًّا اسْتَحَقُّوا بِهِ الوَيْلُ مِنَ التَّمَنِّي، تَحْقِيرًا لِما اسْتَفَزَّهم حَتّى قالُوهُ فَقالُوا: ﴿ثَوابُ اللَّهِ﴾ أيْ: الجَلِيلُ العَظِيمُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِن هَذا الحُطامِ، ومَن فاتَهُ الخَيْرُ حَلَّ بِهِ الوَيْلُ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا مُسْتَحِقَّهُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَرْغِيبًا لِلسّامِعِ في حالِهِ فَقالُوا: ﴿لِمَن آمَنَ وعَمِلَ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ ﴿صالِحًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عَظَمَةَ هَذِهِ النَّصِيحَةِ وعُلُوِّ قَدْرِها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا يُنْكِرُونَ كَوْنَهم غَيْرَ صابِرِينَ: ﴿ولا يُلَقّاها﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ لاقِيًا لِهَذا الكَلِماتِ أوَ النَّصِيحَةِ الَّتِي قالَها أهْلُ العِلْمِ، أيْ: عامِلًا بِها ﴿إلا الصّابِرُونَ﴾ أيْ: عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والحامِلُونَ أنْفُسَهم عَلى الطّاعاتِ الَّذِينَ صارَ الصَّبْرُ لَهم خُلُقًا، وعَبَّرَ بِالجَمْعِ تَرْغِيبًا في التَّعاوُنِ إشارَةً إلى [أنَّ] الدِّينَ لِصُعُوبَتِهِ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ الواحِدُ.

28:81Page 395

فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١

And We caused the earth to swallow him and his home. And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor was he of those who [could] defend themselves.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ نَظَرِهِ هَذا الَّذِي أوْصَلَهُ إلى الكُفْرِ بِرَبِّهِ أخَذَهُ بِالعَذابِ، أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِهِ وبِدارِهِ﴾ أيْ: وهي عَلى مِقْدارِ ما ذَكَرْنا مِن عَظَمَتِهِ بِأمْوالِهِ وزِينَتِهِ، فَهي أمْرٌ عَظِيمٌ، تَجْمَعُ خَلْقًا كَثِيرًا وأثاثًا عَظِيمًا، لِئَلّا يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ الخَسْفَ بِهِ كانَ لِلرَّغْبَةِ في أخْذِ أمْوالِهِ ﴿الأرْضَ﴾ وهو مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا -عَلى ما نَقَلَهُ (p-٣٥٩)أهْلُ الأخْبارِ- فَإيّاكم يا أمَةَ هَذا النَّبِيِّ أنْ تَرُدُّوا ما آتاكم مِنَ الرَّحْمَةِ بِرِسالَتِهِ فَتُهْلِكُوا وإنْ كُنْتُمْ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ كَما أنَّهم لا يُوجِدُونَ الهُدى في قُلُوبِ العِدى، فَكَذَلِكَ لا يَمْنَعُونَهم مِنَ الرَّدى ولا يَشْفَعُونَ لَهم أبَدًا، إذا تَحَقَّقُوا أنَّهم مِن أهْلِ الشَّقا ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ما ﴿كانَ لَهُ﴾ أيْ: لِقارُونَ، وأكَّدَ النَّفْيَ - لَمّا اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ أنَّ الأكابِرَ مَنصُورُونَ - بِزِيادَةِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فِئَةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ يَكُرُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ هالَهم ما دَهَمَهُ، وأصْلُ الفِئَةِ الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ رُجُوعِها وسُرْعَتِهِ إلى المَكانِ الَّذِي ذَهَبَتْ مِنهُ ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾

ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزُ لِصِفاتِ الكَمالِ، المُتَرَدِّي بِالعَظَمَةِ والجَلالِ، لِأنَّ مَن كانَ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ هَلَكَ، ومَن كانَ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ راقَبَ اللَّهَ في أمْرِهِ، فَلَمْ يَسْألُوا اللَّهَ فِيهِ، وعَلِمَ هو أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ، وضَلَّ عَنْهُ - كَما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها - ما كانَ يَفْتَرِي ﴿وما كانَ﴾ أيْ: هو ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِقُوَّتِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском