Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:12–21
29:12Page 397
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْفِتْنَةِ والأذى في اللَّهِ المُحَقَّقِ أمْرُهُ بِإذا دُونَ ”إنْ“ وكانَ الكُفّارُ يَفْتِنُونَ مَن أسْلَمَ في أوَّلِ الأمْرِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما كانُوا يَقُولُونَ لَهم عِنْدَ الفِتْنَةِ جَهْلًا بِاللَّهِ وغُرُورًا، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهم، (p-٤٠١)عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [العنكبوت: ١٠] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اغْتِرارًا مِنهم بِاللَّهِ، وجُرْأةً عَلى حَماهُ المَنِيعِ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِطائِفَةِ مِن يَقُولُ بِلِسانِهِ: آمَنّا بِاللَّهِ، وهُمُ الَّذِينَ ﴿آمَنُوا﴾ أيْ: حَقِيقَةً، جَهْلًا مِنهم بِما خالَطَ قُلُوبَهم مِن بَشاشَةِ الإيمانِ، وأنْوارِ العِرْفانِ: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَتَّبِعُوا ﴿سَبِيلَنا﴾ أيْ: طَرِيقَ دِينِنا، وعَطَفُوا وعْدَهم في مُجازاتِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى أمْرِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُحَقَّقٌ لا شَكَّ فِيهِ فَقالُوا: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ بِوَعْدٍ صادِقٍ وأمْرٍ مَحْتُومٍ جازِمٍ، إنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا إنَّهُ لابُدَّ لَنا مِن مَعادٍ نُؤاخَذُ فِيهِ بِالخَطايا، ولَوْ دَرَوْا لَعَمْرِي ما الخَبَرُ، يَوْمَ يَقُولُونَ: لا مَفَرَّ، ما عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِهَذا الخَطَرِ، يَوْمَ يَوَدُّ كُلُّ امْرِئٍ لَوِ افْتَدى بِمالِهِ وبَنِيهِ، وعُرْسِهِ وأخِيهِ، وصَدِيقِهِ وأبِيهِ، ويَكُونُ كَلامُهم - وإنْ كانَ أمْرًا - بِمَعْنى الخَبَرِ لِأنَّهُ وعْدٌ كَذَّبَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ مَعْناهُ: إنْ كُتِبَ عَلَيْكم إثْمٌ حَمَلْناهُ عَنْكم بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿وما هُمْ﴾ أيْ: الكَفّارُ ﴿بِحامِلِينَ﴾ ظاهِرًا ولا باطِنًا ﴿مِن خَطاياهُمْ﴾ أيْ: المُؤْمِنِينَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ وهم يَقْدِرُونَ أنْ لا يَحْمِلُوا، أوْ حَمْلًا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ العَذابَ، أيْ: أنَّهم إذا عايَنُوا تِلْكَ الأحْوالَ، وطاشَتْ عُقُولُهم في بِحارِ هاتِيكَ الأهْوالِ، الَّتِي لا يَقُومُ لَها الجِبالُ، (p-٤٠٢)تَبَرَّأُوا مِمَّنْ قالُوا لَهُ هَذا المَقالَ، فَقَدْ أخْبَرُوا بِما لا يُطابِقُ الواقِعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا تَعَمَّدُوا الكَذِبَ حالَ الإخْبارِ إنْ كانَتْ نِيَّتُهم أنَّهم لا يَفُونَ عَلى تَقْدِيرِ تُحَقِّقِ الجَزاءِ.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا كَذِبُهم بِكُلِّ حالٍ سَواءٌ تَعَمَّدُوا أوْ لا، صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ظَنِّ مَن غَرُّوهُ صِدْقَهم في قَوْلِهِ [مُسْتَأْنِفًا]: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
29:13Page 397
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.
ولَمّا كانَ كُلُّ مَن أسْلَكَ أحَدًا طَرِيقًا كانَ شَرِيكَهُ في عَمَلِهِ فِيها، فَكانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِ إنْ كانَتْ طَرِيقَ رَدى، ولَهُ مِثْلُ أجْرِهِ إنْ كانَتْ سَبِيلَ هُدى، قالَ تَعالى مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ الآخِرَةَ وكُلَّ ما فِيها: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ﴾ أيْ: الكَفَرَةُ ﴿أثْقالَهُمْ﴾ الَّتِي حَمَّلُوها أنْفُسَهُمُ الضَّعِيفَةَ بِما اكْتَسَبُوا ﴿وأثْقالا﴾ أُخْرى لِغَيْرِهِمْ ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ بِما تَسَبَّبُوا بِهِ مِن إضْلالِ غَيْرِهِمْ، ومِن تَأْصِيلِ السُّنَنِ الجائِرَةِ الجارِيَةِ بَعْدَهم، فَمَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ أحَدُهم مِن حَمْلِ الآخِرَةِ شَيْئًا.
ولَمّا كانَ لِلسُّؤالِ عَلى طَرِيقِ الِازْدِراءِ والإذْلالِ، مِنَ الرُّعْبِ (p-٤٠٣)فِي القَلْبِ ما لَيْسَ لِلْأفْعالِ قالَ: ﴿ولَيُسْألُنَّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن أمَرَهُ المَوْلى بِسُؤالِهِمْ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: الَّذِي هم بِهِ مُكَذِّبُونَ، ولَهُ مُسْتَهِينُونَ والتَّأْكِيدُ إمّا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، أوْ لِظَنِّ أنَّ العالِمَ لا يُسْألُ عَمّا يَعْلَمُهُ،
﴿عَمّا كانُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ،ويُعْمِلُونَ أفْكارَهم في ارْتِكابِهِ [ويُواظِبُونَ عَلَيْهِ]، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ ويَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ في وعْدِهِمْ لِمَن غَرُّوهُ.
29:14Page 397
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْبَلاءِ والِامْتِحانِ، والصَّبْرِ عَلى الهَوانِ، وإثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرِتِهِ عَلى إنْجاءِ الطّائِعِ وتَعْذِيبِ العاصِي، ذَكَرَ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن طالَ صَبْرُهُ عَلى البَلاءِ، ولَمْ يَفْتُرْ عَزْمُهُ عَنْ نَصِيحَةِ العِبادِ [عَلى] ما يُعامِلُونَهُ بِهِ مِنَ الأذى، تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِتابِعِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَثْبِيتًا لَهم وتَهْدِيدًا لِقُرَيْشٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] ما هو كالشَّرْحِ لَهُ، ولَهُ نَظَرٌ عَظِيمٌ إلى ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] وأكَّدَهُ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَقُولُ: إنَّ القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ مُغْنِيَةٌ عَنِ الرِّسالَةِ في دارِ التَّسَبُّبِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ الرِّسالَةِ إجْراءً لِلْأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الدّارُ مِن حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ (p-٤٠٤)﴿نُوحًا﴾ أيْ: أوَّلَ رُسُلِ اللَّهِ الخافِقَيْنِ مِنَ العِبادِ، وهو مَعْنى ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ فَإنَّ الكُفْرَ كانَ قَدْ عَمَّ أهَّلَ الأرْضَ، وكانَ ﷺ أطْوَلَ الأنْبِياءِ بَلاءً بِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ ومُعَقِّبًا: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ الرِّسالَةِ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وعَظُمَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألْفَ﴾ فَذَكَرَ رَأْسَ العَدَدِ الَّذِي لا رَأْسَ أكْبَرُ مِنهُ، وعَبَّرَ بِلَفْظٍ ﴿سَنَةٍ﴾ ذَمًّا لِأيّامِ الكُفْرِ، وقالَ: ﴿إلا خَمْسِينَ﴾ فَحَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ تِسْعُمِائَةٍ وخَمْسُونَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ مَعَ الِاخْتِصارِ والعُذُوبَةِ، وقالَ: ﴿عامًا﴾ إشارَةً إلى أنَّ زَمانَ حَياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ إغْراقِهِمْ كانَ رَغَدًا واسِعًا حَسَنًا بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ وخِصْبِ الأرْضِ.
ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ مَعَ عَدَمِ الإجابَةِ أدَلَّ عَلى الِامْتِثالِ وعَدَمِ المِلالِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ لُبْثِهِ فِيهِمْ ودُعائِهِ لَهم ومُعَقِّبًا لَهُ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ أيْ: كُلُّهم بِالإغْراقِ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الطُّوفانُ﴾ أيْ: مِنَ الماءِ، لِأنَّ الطُّوفانَ في الأصْلِ لِكُلِّ فاشٍ طامٍ مُحِيطٍ غالِبٍ مُمْتَلِئٍ كَثْرَةً وشِدَّةً وقُوَّةً مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِها، والمُرادُ هُنا الماءُ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، وهو وضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فِعْلَ مَن يَمْشِي في أشَدِّ الظَّلامِ، بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم، وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، وهو مُلازِمٌ لِدُعائِهِمْ لَيْلًا ونَهارًا لَمْ يَرْجِعْ مِنهم عَنِ الضَّلالِ إلّا ناسٌ (p-٤٠٥)لِقِلَّتِهِمْ لا يُعَدُّونَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِمْ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
29:15Page 398
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَغْلِبُها شَيْءٌ ﴿وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، مِنَ الغَرَقِ، وماذا يَبْلُغُ مِقْدارُ أهْلِ سَفِينَةٍ واحِدَةٍ في العُدَّةِ والكَثْرَةِ ﴿وجَعَلْناها﴾ أيْ: الفِعْلَةَ أوِ السَّفِينَةَ أيْ: نَفْسَها وجِنْسَها، بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وإنْجائِهِ لِلطّائِعِ وإهْلاكِهِ لِلْعاصِي ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعْ في الدَّهْرِ حادِثَةٌ أعْظَمُ مِنها ولا أغْرَبُ ولا أشْهَرُ في تَطْبِيقِ الماءِ جَمِيعَ الأرْضِ، بِطُولِها والعَرْضِ، وإغْراقِ جَمِيعِ مَن عَلَيْها مِن حَيَوانٍ: إنْسانٍ وغَيْرِ إنْسانٍ، وإنْجاءِ ناسٍ فِيهِمْ بِما هَيَّأ قَبْلَ الفِعْلِ مِن سَبَبِ ذَلِكَ المُسْتَمِرِّ نَفْعُهُ عَلى تَكْرارِ الأحْقابِ وتَعاقُبِ الأزْمانِ، وكَوْنِها آيَةً أمّا لِلْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ فالأمْرُ فِيهِمْ واضِحٌ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَقَدْ عُرِفُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالجُزْئِيّاتِ المُشاهَدَةِ أنَّ ذَلِكَ الماءَ لا يُنَجّى مِنهُ في دارِ الأسْبابِ إلّا هَذِهِ السَّفِينَةُ، فالهِدايَةُ إلى فِعْلِها لِلنَّجاةِ قَبْلَ وُقُوعِ سَبَبِ الهَلاكِ دالَّةٌ عَلى تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، وأنَّ مَنِ اهْتَدى إلَيْهِ دُونَ أهْلِ ذَلِكَ (p-٤٠٦)العَصْرِ كُلِّهِمْ إنَّما اهْتَدى بِإعْلامِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، ونِصْفُ الآيَةِ الأُولى الأوَّلُ [مِن هَذِهِ القِصَّةِ] تَسْلِيَةٌ وتَعْزِيَةٌ دَلِيلًا عَلى آيَتَيِ الفِتْنَةِ أوَّلَ السُّورَةِ، ونِصْفُها الثّانِي تَحْذِيرٌ وتَوْقِيَةٌ، [وفِيهِ] دَلِيلٌ عَلى الآيَةِ الثّالِثَةِ، والآيَةُ الثّالِثَةُ، والآيَةُ الأُخْرى تَبْشِيرٌ وتَرْجِيَةٌ، [وفِيهِ] دَلِيلٌ عَلى ما بَعْدُ.
29:16Page 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
ولَمّا كانَ بَلاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَظِيمًا في قَذْفِهِ في النّارِ وإخْراجِهِ مِن بِلادِهِ، أتْبَعَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إبْراهِيمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ أباكَ الأعْظَمَ لِتَتَأسّى بِهِ وتَتَسَلّى ويَتَّعِظَ قَوْمُكَ بِقِصَّتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ”وإلى مَدْيَنَ“ يُرَجِّحُ الأوَّلَ، ودَلَّ عَلى مُبادَرَتِهِ لِلِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِاشْتِمالِ الأحْيانِ عَلى ما قَبْلَها ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ الَّذِينَ هو مِنهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ بِما يَأْمُرُكم بِهِ مِن طاعَتِهِ ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ: خافُوهُ في أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يُعَذِّبُكم ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي هو إخْلاصُكم في عِبادَتِكم لَهُ وتَقْواكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما لَكَمَ مِنَ الغَرائِزِ الصّالِحَةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: [إنْ كُنْتُمْ] في عِدادِ مَن يَتَجَدَّدُ (p-٤٠٧)لَهُ عِلْمٌ فَأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ خَيْرٌ، أيْ: تَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ فَتَعْمَلُونَ بِهِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا ذَلِكَ فَأنْتُمْ في عِدادِ الحَيَواناتِ العُجْمِ، بَلْ أضَلُّ، فَإنَّها تَهْتَدِي لِما يَنْفَعُها فَتُقْبِلُ عَلَيْهِ، وتَسْعى بِجُهْدِها إلَيْهِ.
29:17Page 398
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
ولَمّا أمَرَهم بِما تَقَدَّمَ، ونَفى العِلْمَ عَمَّنْ جَهِلَ خَيْرِيَّتَهُ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ، [ولا ثانِيَ] ولا وزِيرَ، وقالَ: ﴿أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى تَفَرُّقِ الهَمِّ بِكَثْرَةِ المَعْبُودِ، والكَثْرَةِ يَلْزَمُها الفُرْقَةُ ولا خَيْرَ في الفُرْقَةِ، ومادَّةُ ”وثَنَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ تَدُورُ عَلى الزِّيادَةِ والكَثْرَةِ، ويَلْزَمُها الفُرْقَةُ مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، فَيَلْزَمُها حِينَئِذٍ الرَّخاوَةُ فَيَأْتِي العَجْزُ، وتَراكِيبُها تِسْعَةٌ: في الواوِيِّ الثَّلاثَةِ: وثَنَ ثَنَوَ ثَوَنَ، وفي اليائِيِّ ثَلاثَةٌ: ثَنى نَثى ثَيَنَ، وفي المَهْمُوزِ ثَلاثَةٌ: أنَثَ أثَنَ نَأثَ، فَمِنَ الزِّيادَةِ: الوَثَنُ، قالَ القَزّازُ: قالَ أبُو مَنصُورٍ: الفَرْقُ بَيْنَ الوَثَنِ والصَّنَمِ أنَّ الوَثَنَ كُلُّ ما كانَ لَهُ جُثَّةٌ مِن خَشَبٍ أوْ حَجَرٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ جَوْهَرٍ أوْ غَيْرِهِ يُنْحَتُ فَيُنْصَبُ فَيُعْبُدُ، (p-٤٠٨)والصَّنَمُ الصُّورَةُ الَّتِي بَلا جُثَّةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ الوَثَنَ صَنَمًا انْتَهى.
وقالَ عَبْدُ الحَقِّ: قالَ الهَرَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ما كانَ لَهُ صُورَةٌ مِن جَصٍّ أوْ حِجارَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهو وثَنٌ - انْتَهى.
فَقَدْ عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لابُدَّ فِيهِ مِن صُورَةٍ أوْ جُثَّةٍ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهو ثانٍ لِما شابَهَ صُورَتَهُ أوْ جُثَّتَهُ وزائِدٌ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيِّ في كِتابِ الزِّينَةِ: الصَّنَمُ تِمْثالٌ مِن حِجارَةٍ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ، فَإذا كانَ مِن خَشَبٍ فَهو وثَنٌ، ويُتَّخَذُ أيْضًا مِن جَصٍّ، ورُبَّما صَوَّرُوا في الحائِطِ أيْضًا صُورَةَ إنْسانٍ فَتُسَمّى تِلْكَ الصُّورَةُ أيْضًا وثَنًا، والنَّصارى يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويُصَوِّرُونَ في بِيَعِهِمْ صُورَةَ المَسِيحِ وصُورَةَ مَرْيَمَ ويَسْجُدُونَ لَها: واسْتَوْثَنَ المالُ: سَمِنَ، فَزادَ لَحْمُهُ، واسْتَوْثَنَ مِنَ المالِ: اسْتَكْثَرَ، والنَّحْلُ: صارَتْ فِرْقَتَيْنِ صِغارًا وكِبارًا، والإبِلُ: نَشَأتْ أوْلادُها مَعَها، وأوْثَنْ زَيَدًا: أجْزَلَ عَطِيَّتَهُ، والواثِنُ: الشَّيْءُ الثّابِتُ الدّائِمُ في مَكانِهِ، فالزِّيادَةُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَّخاوَةِ، فَإنَّهُ لا يَثْبُتُ عَلى (p-٤٠٩)هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى حَرَكَةٍ، ومِنَ الفِرْقَةِ: نَثا الحَدِيثَ - بِتَقْدِيمِ النُّونِ - يَنْثُوهُ ويَنْثِيهِ، يائِيٌّ وواوِيٌّ: أشاعَهُ وحَدَثَ بِهِ، والشَّيْءَ: فَرَّقَهُ وأذاعَهُ، وأنْثى: اغْتابَ وأنِفَ مِنَ الشَّيْءِ، ولا يُؤْنَفُ مِنهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ نَشْرِهِ، والثُّوَيْنا كالهُوَيْنا: الرَّقِيقُ يُفْرَشُ تَحْتَ الرَّغِيفِ لِيُسَوّى ويُعَدَّلَ لِأنْ يَكُونَ ظُلْمُهُ، والتَّثاوُنُ: الِاحْتِيالُ والخَدِيعَةُ، فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَنْ جَمْعِ فِكْرٍ وتَنْبِيهِ نَظَرٍ، وهي أيْضًا لا تَكُونُ إلّا مِن عاجِزٍ عَنِ الأخْذِ جِهارًا، ومِن ذَلِكَ تَثاوَنَ لِلصَّيْدِ إذا جاءَهُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وأُخْرى عَنْ يَسارِهِ والثَّنْيُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما يُثْنى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنَ الوادِي: مُنْعَطَفُهُ، واثْنَوْنى: انْعَطَفَ، والثَّناءُ كَكِتابٍ: عِقالُ البَعِيرِ، وهو حَبْلٌ مُثَنّى يَعْقِلُ بِهِ يَدَ البَعِيرِ فَتُثَنّى، والفِناءُ لِأنَّهُ يَكْثُرُ انْتِيابُهُ والتَّرَدُّدُ إلَيْهِ، وأثْناءُ الشَّيْءِ: قُواهُ وطاقاتُهُ، والِاثْنانِ: ضِعْفُ الواحِدِ، والمُؤَنَّثُ ثِنْتانِ، وأصْلُهُ ثَنى، (p-٤١٠)والِاثْنَيْنِ والثُّنى كَإلى: يَوْمٌ في الأُسْبُوعِ، وثَنَيْتُهُ عَنْ وجْهِهِ: رَدَدْتُهُ، فَصارَ لَهُ رُجُوعٌ بَعْدَ ذَهابٍ، وثَنَيْتُ الرَّجُلَيْنِ: صِرْتُ ثانِيَهُما وأنْتَ أحَدُهُما، ولا يُقالُ: ثَنَّيْتُ فُلانًا، ولَكِنْ يُقالُ: صِرْتُ لَهُ ثانِيًا، والمَثانِي: القُرْآنُ أوْ ثَنْيٌ مِنهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أوِ الحَمْدُ، أوِ البَقَرَةُ إلى بَراءَةٍ - هَكَذا عَبَّرَ في القامُوسِ- وفي مُخْتَصَرِ العَيْنِ: ويُقالُ: سُورٌ أوَّلُها البَقَرَةُ وآخِرُها بَراءَةٌ، وذَكَرَ في القامُوسِ في ذَلِكَ أقْوالًا أُخْرى، ومِن أوْتارِ العُودِ [الَّذِي بَعْدَ] الأوَّلِ واحِدُها مُثَنّى، ومَثْنى الأيادِي: إعادَةُ المَعْرُوفِ مَرَّتَيْنِ فَأكْثَرُ، والثَّنِيَّةُ: العَقَبَةُ أوَطَرِيقُها أوِ الجَبَلُ أوِ الطَّرِيقَةُ فِيهِ لِأنَّها بِطُلُوعِها ونُزُولِها أوْ تَعارِيجِها كَأنَّها ثُنِّيَتْ مَرَّتَيْنِ، والثَّنايا مِنَ الأسْنانِ: الأرْبَعُ الَّتِي في مُقَدَّمِ الفَمِ: ثِنْتانِ مِن فَوْقٍ، وثِنْتانِ مِن أسْفَلٍ، والنّاقَةُ الطّاعِنَةُ في السّادِسَةِ، والبَعِيرُ ثَنى، والفَرَسُ الدّاخِلَةُ في الرّابِعَةِ والشّاةُ [فِي الثّالِثَةِ] كالبَقَرَةِ، وكَأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن عَرْضٍ (p-٤١١)يُعَرِّضُ لِثَنْيِهِ الحَيَوانَ، والثَّنْيَةَ: النَّخْلَةُ المُسْتَثْناةُ مِنَ المُساوَمَةِ، والثَّنْيَةِ والثَّناءِ، وصْفٌ بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، أوْ خاصٌّ بِالمَدْحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُكَرَّرُ، والِثِينَ بِالكَسْرِ: مَن يَسْتَخْرِجُ الدُّرَّ مِنَ البَحْرِ، لِأنَّهُ يُكَرِّرُ الغَوْصَ حَتّى يَجِدَ ويُفارِقَ مَكانَهُ لِذَلِكَ ويُفَرِّقَ الدُّرَّ مِن مَكانِهِ، والِثِينُ أيْضًا: مُثَقَّبُ اللُّؤْلُؤِ، لِأنَّ الثُّقْبَ يُفَرَّقُ بَيْنَ أجْزائِها [و]لِأنَّ المِثْقَبَ نَفْسَهُ يُحَرِّكُ فَيُكْثِرُ مِن حَرَكَتِهِ إذا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ.
ومِن مَهْمُوزَةٍ؛ نَأثَ عَنْهُ: بَعُدَ، والمُنْآثُ بِالضَّمِّ- المُبْعَدُ، والأثِّينَ: الأصِيلُ، لِأنَّهُ ثانٍ لِأصْلِهِ، ومِنَ الرَّخاوَةِ الأُنْثى خِلافُ الذَّكَرِ، والأنِيثُ مِنَ الحَدِيدِ الرَّخْوِ وهو ما لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، والمُؤَنَّثُ: المُخَنَّثُ، والأُنْثَيانِ: الخُصْيَتانِ والأُذُنانِ، [و] أرْضٌ أنِيثَةٌ ومِئْناثٌ: سَهْلَةٌ، وسَيْفٌ مِئْناثٌ: كَهامٍّ أيْ: قَلِيلٌ لا يَقْطَعُ فَقَدْ تَحَرَّرَ أنَّ المادَّةَ كُلَّها دائِرَةٌ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ الكَثْرَةِ [و] الفُرْقَةُ والرَّخاوَةُ، ولِذَلِكَ أتى بِصِيغَةِ الحَصْرِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لَسَلْبِ ما اعْتَقَدُوهُ فِيها مِنَ الإلَهِيَّةِ.
ولَمّا أشارَ لَهم إلى عَدَمِ صَلاحِيَتِها لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ، والغايَةِ الشَّمّاءِ السِّنِّيَّةِ، بِكَثْرَتِها، أشارَ لَهم إلى قُصُورِها أيْضًا بِتَصْوِيرِها فَقالَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ (p-٤١٢)إشارَةً إلى ما يُرى في كُلِّ وقْتٍ مِن تَجَدُّدِ حُدُوثِها: ﴿وتَخْلُقُونَ﴾ أيْ: تُصَوِّرُونَ بِأيْدِيكم ﴿إفْكًا﴾ أيْ: شَيْئًا مَصْرُوفًا عَنْ وجْهِهِ، فَإنَّهُ مَصْنُوعٌ وأنْتُمْ تُسَمُّونَهُ بِاسْمِ الصّانِعِ، ومَرْبُوبٌ وأنْتُمْ تُعِدُّونَهُ رَبًّا، وعَبْدٌ وأنْتُمْ تُقِيمُونَهُ مَعْبُودًا، أوْ تَقُولُونَ في حَقِّها إنَّها آلِهَةٌ كَذِبًا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُحْتاجًا أبَدًا، فَكانَ لا يَزالُ مُتَوَجِّهًا إلى مَن يَنْفَعُهُ، وكانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى نَقْصِ مَعْبُوداتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِ عَنْها، صَرَّحَ بِعَجْزِها، وأثْبَتَ اخْتِصاصَهُ بِالخَيْرِ، لِيُنْتِجَ اسْتِحْقاقَهُ لِلْعِبادَةِ دُونَها وأكَّدَهُ رَدًّا لِما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن نَفْعِها وضُرِّها فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ﴾ ضَلالًا وعُدُولًا عَنِ الحَقِّ الواضِحِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ، المُنَزَّهِ عَنْ شَوائِبِ الِاخْتِلالِ [الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَمْلَأ جَمِيعَ ما تَحْتَ رُتْبَتِهِ شَيْءٌ فَكَيْفَ بِرُتْبَتِهِ الشَّمّاءِ، وحَضْرَتِهِ العَلْياءِ] ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَعْبُدُونَها فَكَيْفَ بِغَيْرِكم ﴿رِزْقًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي لا قِوامَ لَكم بِدُونِهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فابْتَغُوا﴾ وأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى السَّعْيِ فِيهِ، لِأنَّهُ أجْرى عادَتَهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ في الغالِبِ لا يُؤْتِيهِ إلّا بِكَدٍّ مِنَ المَرْزُوقِ (p-٤١٣)وجُهْدٍ، إمّا في العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ، وإمّا في السَّعْيِ الظّاهِرِ في تَحْصِيلِهِ بِأسْبابِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ «والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ» .
ولَمّا أشارَ إلى ذَلِكَ، أشارَ إلى الإجْمالِ في الطَّلَبِ، وأنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا مَحالَةَ في السَّبَبِ، وإنَّما الأمْرُ مَعَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، إنْ شاءَ أنْجَحَ وإنْ شاءَ خَيَّبَ، بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿الرِّزْقَ﴾ أيْ: كُلُّهُ، فَإنَّهُ لا شَيْءَ مِنهُ إلّا وهو بِيَدِهِ، وقَدْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَوْجُودٍ، فَإنَّ الكُلَّ خُلِقَ لِذَلِكَ، فَأُحْكِمَتْ صَنْعَتُهُ ورُبِطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَوْ نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ لاخْتَلَّ النِّظامُ، فَتُبْطَلُ الأحْكامُ ﴿واعْبُدُوهُ﴾ أيْ: عِبادَةً يَقْبَلُها، وهي ما كانَ خالِصًا عَنِ الشِّرْكِ، فَإنَّ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ ويُثِيبُ العابِدَ لَهُ، ويُعاقِبُ الزّاهِدَ فِيهِ، فَلا يَشْغَلُكُمُ ابْتِغاءَ الرِّزْقِ بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ عَنْ عِبادَتِهِ، فَإنَّها هي الأسْبابُ الحَقِيقِيَّةُ، فَرُبَّما حُرِمَ العَبْدُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ﴿واشْكُرُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا الشُّكْرَ ﴿لَهُ﴾ خاصَّةً عَلى ما أفاضَ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنى في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِأنَّهُ لا حُكْمَ في الحَقِيقَةِ لِأحَدٍ سِواهُ، وحِسًّا بِالنَّشْرِ والحَشْرِ بَعْدَ المَوْتِ بِأيْسَرِ أمْرٍ فَيُثِيبُ الطّائِعَ ويُعَذِّبُ العاصِيَ في الدّارَيْنِ.
29:18Page 398
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
(p-٤١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تُصَدِّقُوا فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا﴾ والَّذِي دَلَّنا عَلى هَذا المَحْذُوفِ هَذِهِ الواوُ العاطِفَةُ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ مَعْرُوفٍ ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: فَيَكْفِيكم في الوَعْظِ والتَّهْدِيدِ مَعْرِفَتُكم بِأنَّهُ ﴿كَذَّبَ أُمَمٌ﴾ في الأزْمانِ الكائِنَةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ كَثِيرَةٌ، كَعادٍ وثَمُودٍ وقَوْمِ نُوحٍ وغَيْرِهِمْ، فَجَرى الأمْرُ فِيهِمْ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَطُّ في نَجاةِ المُطِيعِ لِلرَّسُولِ وهَلاكِ العاصِي لَهُ، ولَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالرَّسُولِ شَيْئًا وما ضَرُّوا بِهِ إلّا أنْفُسَهم ﴿وما عَلى الرَّسُولِ﴾ أنْ يَقْهَرَكم عَلى التَّصْدِيقِ، بَلْ ما عَلَيْهِ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ المُوَضِّحُ مَعَ - ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ - لِلْأمْرِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ شَكٌّ، بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ وإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ.
29:19Page 398
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَوْا إلى مَصارِعِهِمْ؟ واتِّساقِ الحالِ في أمْرِهِمْ؟ فَيَكْفِيكم ذَلِكَ زاجِرًا، عَطَفَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ مُنْكِرًا قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِالخِطابِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ و[فِي] رِوايَةٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ جَرْيًا عَلى النَّسَقِ السّابِقِ، وبِالغَيْبِ لِلْباقِينَ، إعْراضًا لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿الخَلْقَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُ إبْداءَهُ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وهو بِالضَّمِّ مِن أبْدَأ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ مَن بَدَأ، وهُما مَعًا بِمَعْنى الإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ (p-٤١٥)قالَ القَزّازُ: أبْدَأتُ الشَّيْءَ أبْدَئُهُ إبْداءً - إذا أنْشَأْتُهُ- واللَّهُ المُبْدِئُ أيْ: الَّذِي بَدَأ الخَلْقَ، يُقالُ: بَدَأهم وأبْدَأهم، وفي القامُوسِ: بَدَأ اللَّهُ الخَلْقَ: خَلَقَهم كَأبْدَأ. ورُؤْيَتُهم لِلْإبْداءِ مَوْجُودَةٌ في الحَيَوانِ لِلْإبْداءِ والإعادَةِ في النَّباتِ، ولا فَرْقَ في الإعادَةِ بَيْنَ شَيْءٍ وشَيْءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: يُجَدِّدُ إعادَتَهُ في كُلِّ لَمْحَةٍ مَعْطُوفًا عَلى ﴿يُبْدِئُ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ مُشاهَدَةَ حالِ الِابْتِداءِ جُعِلَتْ مُشاهَدَةً لِحالِ الإعادَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا فَرْقَ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى الجُمْلَةِ مِن أوَّلِها، ثُمَّ حَقَّرَ أمْرَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، فَقالَ ذاكِرًا نَتِيجَةَ الأمْرِ السّابِقِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: الإبْداءُ والإعادَةُ، وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِأنَّهُ الجامِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
29:20Page 398
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
ولَمّا ساقَ العِزِيزُ الجَلِيلُ هَذا الدَّلِيلَ، عَمّا حاجَّ بِهِ قَوْمَهُ الخَلِيلُ، انْتُهِزَتِ الفُرْصَةُ في إرْشادِ نَبِيِّهِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلى المَعادِ بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ مَعْبُوداتِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِإبْطالِ كُلِّ (p-٤١٦)ما شاكَلَها، فَحَصَلَ الِاسْتِعْدادُ لِلتَّصْرِيحِ بِأمْرِ المَعادِ، فَصَرَّحَ بِهِ، كانَ ذَلِكَ فَخْرًا عَظِيمًا، ومُفَصَّلًا بَيِّنًا جَسِيمًا، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ، فانْتُهِزَتْ فُرْصَتُهُ واقْتُحِمَتْ لُجَّتُهُ، كَما هي عادَةُ البُلَغاءِ، ودَأْبُ الفُصَحاءِ الحُكَماءِ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما سِيقَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعْظًا لِقَوْمِهِ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ: ] يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَقَيَّدُوا بِما تَقَلَّدُوا مِن مَذاهِبِ آبائِهِمْ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ عَلى صِحَّتِهِ أصْلًا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ لِما ثَبَتَ مِن عَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَلامُ أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْتُمْ مُصَرِّحُونَ بِتَقْلِيدِ الآباءِ غَيْرِ مُتَحاشِينَ مِن مَعَرَّتِهِ ولا أبَ لَكم أعْظَمُ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا قَلَّدْتُمْ مَن لا يُفارِقُهُ في عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ أصْلًا فَقَلِّدُوا أباكُمُ الأعْظَمَ في عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ أباكم، ولَمّا أقامَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي لا مِراءَ فِيها قالَ: أوْ ﴿سِيرُوا﴾ إنْ لَمْ تَقْتَدُوا بِأبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَتَأمَّلُوا ما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ القاطِعِ والبُرْهانِ السّاطِعِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ إنْ لَمْ يَكْفِكُمُ النَّظَرُ في أحْوالِ بِلادِكم.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي تَجِبُ المُبادَرَةُ إلى تَفْرِيغِ الفِكْرِ وتَوْجِيهِ كُلِّ الذِّهْنِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْها، عَبَّرَ بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ فَقالَ: (p-٤١٧)﴿فانْظُرُوا﴾ أيْ: نَظَرَ اعْتِبارٍ ﴿كَيْفَ بَدَأ﴾ أيْ: رَبُّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم ورَزَقَكم ﴿الخَلْقَ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتِ مِنَ الزُّرُوعِ والأشْجارِ، وغَيْرِها مِمّا تَضَمَّنَتْهُ الجِبالُ والسُّهُولُ والأوْعارُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ فِيما هو أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ، فَتَقْرِيرُهم عَلى الإعادَةِ فِيهِ حَسَنٌ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ بَيانَ الإعادَةِ الَّتِي هي مِن أجَلِّ مَقاصِدِ السُّورَةِ، لِإظْهارِ ما مَضى أوَّلُها مِنَ العَدْلِ يَوْمَ الفَصْلِ، وكانُوا بِها مُكَذِّبِينَ، بَيْنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِها بِإبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ تَكْرِيرِهِ في هَذا السِّياقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأضْمَرَهُ في سِياقِ البُداءَةِ لِإقْرارِهِمْ لَهُ بِها، إشارَةً إلى أنَّهُ باطِنٌ في هَذِهِ الدّارِ، ظاهِرٌ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ في تِلْكَ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ أيْ: الحائِزُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، المُتَرَدِّي بِالجَلالِ، فاخْشَوْا سَطْوَتَهُ، واتَّقُوا عُقُوبَتَهُ ونِقْمَتَهُ﴿يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ بَعْدَ النَّشْأةِ الأوْلى، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَنْبِيهًا بَعْدَ التَّيَمُّنِ بِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ وعَلى أنَّهُ في كُلِّ أفْعالِهِ لاسِيَّما هَذا مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، ولا مَشْرُوطٍ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ الأشْياءِ كُلِّها إلَيْهِ واحِدَةٌ.
29:21Page 398
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
(p-٤١٨)ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ، أنْتَجَ لا مَحالَةَ قَوْلَهُ: مُهَدِّدًا بَعْدَ البَيانِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ إلّا العِنادُ: ﴿يُعَذِّبُ﴾ بِعَدْلِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنكم ومِن غَيْرِكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ بِشَفاعَةٍ ولا غَيْرِها عَلى الحِمايَةِ مِنهُ ﴿ويَرْحَمُ﴾ بِفَضْلِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَمَسَّهُ بِسُوءٍ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تُقْلَبُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ مَوْتِكم بِأيْسَرِ سَعْيٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences