Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:22–37
29:22Page 398
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
ولَمّا لَمْ يَبْقَ لِلْقُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ مانِعٌ يَدَّعِي إلّا مُمانَعَتُهم مِنها، أبْطَلَها عَلى تَقْدِيرِ ادِّعائِهِمْ لَها فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ﴾ أيْ: أجْمَعُونَ العَرَبُ وغَيْرُهم ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِواقِعٍ إعْجازُهم في بَعْثِكم وتَعْذِيبِكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ كَيْفَما تَقَلَّبْتُمْ في ظاهِرِها وباطِنِها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ هُنا لَهُ أتَمُّ نَظَرٍ إلى ما بَعْدَ البَعْثِ، وكانَتِ الأحْوالُ هُناكَ خارِجَةً عَمّا يَسْتَقِلُّ بِهِ العَقْلُ، وكانَ أثَرُ القُدْرَةِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وأهَمَّ وأشْمَلَ، وكانَ بَعْضُ الأرْواحِ يَكُونُ في السَّماءِ بَعْدَ المَوْتِ قالَ: ﴿ولا في السَّماءِ﴾ [أيْ: ] لَوْ فُرِضَ أنَّكم وصَلْتُمْ إلَيْها بَعْدَ المَوْتِ بِالحَشْرِ أوْ قَبْلَهُ، لَأنَّ الكُلَّ بَعْضُ مُلْكِهِ، فَكَيْفَ يُعْجِزُهُ مَن في مُلْكِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نَظَرٌ إلى قِصَّةِ نَمْرُودَ في بِنائِهِ الصَّرْحَ الَّذِي أرادَ بِهِ التَّوَصُّلَ إلى السَّماءِ لاسِيَّما والآياتُ مُكْتَنِفَةٌ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَبْلِها ومِن بَعْدِها.
(p-٤١٩)ولَمّا أخْبَرَهم أنَّهم مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ، وكانَ رُبَّما بَقِيَ احْتِمالٌ أنَّ غَيْرَهم يَنْصُرُهم، صَرَّحَ بِنَفْيِهِ فَقالَ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ: أجْمَعِينَ أنْتُمْ وغَيْرُكم أيُّها المَحْشُورُونَ، وأشارَ إلى سُفُولِ رُتْبَةِ كُلِّ مَن سِواهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ عَظِيمٍ؛ [وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ] ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: قَرِيبٍ يَحْمِيكم لِأجْلِ القَرابَةِ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ.
29:23Page 398
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وكانَ قَدْ أمَرَهم بِالِاسْتِدْلالِ، وهَدَّدَهم لِيَرْجِعُوا عَنِ الضَّلالِ، بِما أبْقى لِلرِّجالِ بَعْضَ المِحالِ، أتْبَعَهُ ما قَطَعَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما أظْهَرَتْهُ لَهم أنْوارُ العُقُولِ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: دَلائِلِ المَلِكِ الأعْظَمِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ الَّتِي لا أوْضَحُ مِنها ﴿ولِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِما لا أجْلى مِنهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ البَعِيدُو الفَهْمِ المَحْطُوطُونَ عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ، بَلْ رُتْبَةِ مُطْلَقِ الحَيَوانِ ﴿يَئِسُوا﴾ أيْ: تَحَقَّقَ يَأْسُهم مِنَ الآنِ، بَلْ مِنَ الأزَلِ، لِأنَّهم لَمْ يَرْجُوا (p-٤٢٠)لِقاءَ اللَّهِ يَوْمًا؛ ولا قالَ أحَدٌ مِنهم: «رَبّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتَيْ يَوْمِ الدِّينِ» .
ولَمّا كانَ أكْثَرُهم مُتَعَنِّتًا، بَيَّنَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ، العالِي عَنْ مُتَناوِلِ الأنامِ، هو اللَّهُ المُنَوِّهُ بِاسْمِهِ في هَذا النِّظامِ، بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ، تَنْبِيهًا لِمَفاتِ السّامِعِينَ بِما مَلَأ الصُّدُورَ وقَصَمَ الظُّهُورَ فَقالَ: ﴿مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ: مِن أنْ أفْعَلَ بِهِمْ مِنَ الإكْرامِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ وغَيْرِها فِعْلَ الرّاحِمِ؛ وكَرَّرَ الإشارَةَ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ لَيْسَ بَعْدَ بُعْدِهِمْ بُعْدٌ، وتَهَكَّمَ بِهِمْ في التَّعْبِيرِ بِلامِ المِلْكِ الَّتِي يَغْلِبُ اسْتِعْمالُهُما في المَحْبُوبِ فَقالَ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ بالِغٌ إيلامُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
29:24Page 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ الِاعْتِراضِيَّةَ بِما ابْتَدَأها بِهِ وبِما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها مِن كَلامِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزادَ هَذا ما تَرى مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، شَرَعَ في إكْمالِ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دالًّا عَلى أنَّهُ لا أحَدَ يُعْجِزُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ أحَدٍ مِن عَذابِهِ الألِيمِ، مُشِيرًا إلى أنَّهم سَبَّبُوا عَنْ قَوْلِهِ ضِدَّ ما يَقْتَضِيهِ إيذانًا بِالعِنادِ، والإصْرارِ عَلى سُوءِ الِاعْتِقادِ، فَقالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ يُرْجى قَبُولُهم (p-٤٢١)لِنُصْحِهِ عِلْمًا مِنهم بِوُفُورِ شَفَقَتِهِ وعِظَمِ أمانَتِهِ ونَصِيحَتِهِ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ بِأعْظَمِ فَظاظَةٍ ﴿اقْتُلُوهُ﴾ أيْ: بِالسَّيْفِ ﴿أوْ حَرِّقُوهُ﴾ أيْ: بِالنّارِ.
ولَمّا اسْتَقَرَّ رَأْيُ الجَمِيعِ عَلى هَذا الثّانِي، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ نَصِيرٌ، أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ناسِقًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: [فَأبى المُعَظِّمُ القَتْلَ لِأنَّهُ عَذابٌ مَأْلُوفٌ لِمَن يَسْتَحِقُّهُ مِنَ المُجْرِمِينَ، وهو قَدْ عَمِلَ عَمْلَةً مُفْرَدَةً في الدَّهْرِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ العَذابَ عَلَيْها بِعَذابٍ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ وهو الإحْراقُ عَلى هَيْئَةٍ غَرِيبَةٍ، فَرَجَعُوا عَنِ القَتْلِ واسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلى الإحْراقِ] فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا إلى أنْ مَلَأ ما بَيْنَ الجِبالِ، وأضْرَمُوا فِيهِ النّارَ حَتّى أحْرَقَتْ ما دَنا مِنها بِعَظِيمِ الِاشْتِعالِ، وقَذَفُوهُ فِيها بِالمَنجَنِيقِ ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ إنْجاءً وحِيًّا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَدْرِيجٍ ﴿مِنَ النّارِ﴾ أيْ: مِن إحْراقِها وأذاها، ونَفَعَتْهُ بِأنْ أحْرَقَتْ وِثاقَهُ.
ولَمّا اشْتَمَلَتْ قِصَّتُهُ بِهَذا السِّياقِ عَلى دَلائِلَ واضِحاتٍ، وأُمُورٍ مُعْجِزاتٍ، عَظَّمَ أمْرَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِمَزِيدِ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِها، وتَنْزِيلًا في تَوَقُّفِهِمْ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ الآياتُ الظّاهِرَةُ مِنَ الإيمانِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لَها: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِن أمْرِهِ وما خُلِّلَتْ بِهِ قِصَّتُهُ مِنَ الحِكَمِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: بَراهِينَ قاطِعَةً في الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ أمْرِ اللَّهِ مِن تَصَرُّفِهِ في الأعْيانِ والمَعانِي، لِكَوْنِ النّارِ لَمْ تَحْرِقْهُ وأحْرَقَتْ وِثاقَهُ وكُلَّ ما (p-٤٢٢)مَرَّ عَلَيْها مِن طائِرٍ، ومَعَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ما لِلشَّيْءِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ ما يَنْفَعُهُ، وكانَ قَدْ حَجَبَها سُبْحانَهُ بِالشَّهَواتِ والحُظُوظِ الشّاغِلَةِ عَنِ اسْتِعْمالِ نُورِ العَقْلِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُقْبِلُونَ عَلى اسْتِعْمالِ نُورِ العَقْلِ الَّذِي وهَبَهُمُوهُ اللَّهُ فَيُصَدِّقُونَ بِالغَيْبِ حَتّى صارَ الإيمانُ -بِكَثْرَةٍ ما صَقَلُوا مُرائِيَ قُلُوبِهِمْ بِالنَّظَرِ في أسْبابِهِ - لَهم خَلْقًا بِحَيْثُ إنَّهم في كُلِّ لَحْظَةٍ يُجَدِّدُونَ التَّرَقِّيَ في مَراتِبِهِ، والتَّنَقُّلِ في أخْبِيَتِهِ ومَضارِبِهِ.
29:25Page 399
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
ولَمّا تَقَدَّمَ سَلْبُهُ النَّفْعَ عَنْ هَذِهِ الأوْثانِ، أشارَ هُنا إلى نَفْعٍ يَعْقُبُ مِنَ الضُّرِّ ما لا نِسْبَةَ لَهُ مِنهُ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ بِنَفْعٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرَ هائِبٍ لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَتْلٍ ولا غَيْرِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما أشارَ إلَيْهِ مِمّا يُنْكِرُونَهُ مِن ضَعْفِ شُرَكائِهِمْ وعَجْزِها: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ بِاصْطِناعٍ وتَكَلُّفٍ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ الخالِقِ وعُلُوِّ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ، ولا كُلْفَةَ - في اعْتِقادِ كَوْنِهِ رَبًّا - بِاحْتِياجٍ إلى مُقَدِّمَةِ جَعْلٍ وصَنْعَةٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿أوْثانًا﴾ إشارَةً إلى تَكَثُّرِها الَّذِي هو مُنافٍ (p-٤٢٣)لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ وأشارَ إلى ذَلِكَ النَّفْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوَدَّةَ﴾ أيْ: لِأجْلِ مَوَدَّةٍ عِنْدَ مَن نَصَبَ سَواءٌ تَرْكَ التَّنْوِينَ وهم حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ أوْ نَوَّنَ وهُمُ الباقُونَ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مَن خَفَضَهُ عَلى الِاتِّساعِ ورَفَعَ ”مَوَدَّةَ“ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ كانَ المَعْنى: هي مَوَدَّةُ البَيْنِ الجامِعِ لَكم بِمَعْنى مَوَدَّتِكم عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، لِأنَّ المَوَدَّةَ إذا كانَتْ لِبَيْنٍ جامِعِ النّاسِ كانَتْ لِأُولَئِكَ النّاسِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ومَن خَفَضَهُ ونَصَبَها وهم حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ فالمَعْنى: لِأجْلِ المَوَدَّةِ، ومَن نَصَبَها ونَوَّنَ وهم نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشُعْبَةُ فالبَيْنُ عِنْدَهُ ظَرْفٌ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَها والتَّواصُلِ في أمْرِها بِالتَّناصُرِ والتَّعاضُدِ كَما يَتَّفِقُ ناسٌ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَصادُقِهِمْ، وهَذا دالٌّ عَلى أنَّ جَمْعَ الفُسُوقِ لِأهْلِ الدُّنْيا هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ، وأنَّ الحُبَّ في اللَّهِ والِاجْتِماعَ لَهُ عَزِيزٌ جِدًّا، لِما فِيهِ مِن قَطْعِ عَلائِقِ الدُّنْيا وشَهَواتِها الَّتِي زُيِّنَتْ لِلنّاسِ، بِما فِيها مِنَ الإلْباسِ، وعَظِيمِ البَأْسِ.
ولَمّا أشارَ إلى هَذا النَّفْعِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ ضُرٌّ، ذَكَرَ ما يُعْقِبُهُ مِنَ الضُّرِّ البالِغِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى عَظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، (p-٤٢٤)وإلى أنَّهُ جَعَلَ لَهم في الحَياةِ أمَدًا يُمْكِنُهم فِيهِ السَّعْيُ لِلتَّوَقِّي مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ساقَهُ مَساقَ ما لا نِزاعَ فِيهِ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ فَيُنْكِرُ كُلٌّ مِنهم مَحاسِنَ أخِيهِ، ويَتَبَرَّأُ مِنهُ بِلَعْنِ الأتْباعِ القادَةِ، ولَعْنِ القادَةِ الأتْباعِ، وتُنْكِرُونَ كُلُّكم عِبادَةَ الأوْثانِ تارَةً إذا تَحَقَّقْتُمْ أنَّها لا ضُرَّ ولا نَفْعَ لَها، وتُقِرُّونَ بِها أُخْرى طالِبِينَ نُصْرَتَها راجِينَ مَنفَعَتَها، وتُنْكِرُ الأوْثانُ عِبادَتَكم وتَجْحَدُ مَنفَعَتَكم ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ عَلى ما ذَكَرَ ﴿ومَأْواكُمُ﴾ جَمِيعًا أنْتُمْ والأوْثانُ ﴿النّارُ﴾ لِتَزِيدَ في عَذابِكم ويَزْدادَ بُغْضُكم لَها ﴿وما لَكُمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ أصْلًا يَحْمُونَكم مِنها، ويَدْخُلُ في هَذا كُلُّ مَن وافَقَ أصْحابَهُ مِن أهْلِ المَعاصِي أوِ البِطالَةِ عَلى الرَّذائِلِ لِيَعُدُّوهُ حَسَنَ العِشْرَةِ مُهَذَّبَ الأخْلاقِ لِطَيْفَ الذّاتِ، أوْ خَوْفًا مِن أنْ يَصِفُوهُ بِكَثافَةِ الطَّبْعِ وسُوءِ الصُّحْبَةِ، ولَقَدْ عَمَّ هَذا لِعَمْرِي أهْلَ الزَّمانِ لِيُوصَفُوا بِمُوافاةِ [الإخْوانِ ومُصافاةِ] الخِلّانِ، مُعْرِضِينَ عَنْ رِضى المَلِكِ الدَّيّانِ.
29:26Page 399
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."
ولَمّا كانَ في سِياقِ الِابْتِلاءِ، وذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ مَن طالَ ابْتِلاؤُهُ، (p-٤٢٥)بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم مِن أُمَمِهِمْ تابِعٌ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَلّى كِفايَتَهم فَلَمْ يَقْدِرْ واحِدٌ عَلى إهْلاكِهِمْ، وأهْلَكَ أعْداءَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن ناصِرِينَ فَقالَ: ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ أيْ: لِأجْلِ دُعائِهِ لَهُ مَعَ ما رَأى مِنَ الآياتِ ﴿لُوطٌ﴾ أيْ: ابْنُ أخِيهِ هارانَ وحْدَهُ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَهُ مِنَ الرِّجالِ ﴿وقالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤَكِّدًا لِما هو جَدِيرٌ بِالإنْكارِ مِنَ الهِجْرَةِ لِصُعُوبَتِها: ﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ: خارِجٌ مِن أرْضِي وعَشِيرَتِي عَلى وجْهِ الهَجْرِ لَهم فَمُنْتَقِلٌ ومُنْحازٌ ﴿إلى رَبِّي﴾ أيْ: إلى أرْضٍ لَيْسَ بِها أنِيسٌ ولا عَشِيرٌ، ولا مَن تُرْجى نُصْرَتُهُ، ولا مَن تَنْفَعُ مَوَدَّتُهُ، فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الرِّضى بِاللَّهِ وحْدَهُ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ دُونَ ما سِواهُ، فَهاجَرَ مِن كُوثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِنها إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَكانَتْ لَهُ هِجْرَتانِ، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ، قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُسَلِّيهِ عَنْ فِراقِ أرْضِهِ وأهْلِ وُدِّهِ مِن ذَوِي رَحِمِهِ وأنْسابِهِ وأُولِي قُرْبِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَسْكِينًا لِمَن عَساهُ يَتْبَعُهُ وتَهْوِينًا عَلَيْهِ لِفِراقِ ما ألِفَتِ النُّفُوسُ مِن أنَّهُ (p-٤٢٦)لا عِزَّ إلّا بِهِ مِنَ العَشائِرِ والأمْوالِ والمَعارِفِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ أيْ: فَهو جَدِيرٌ بِإعْزازِ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَهو إذا أعَزَّ أحَدًا مَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ بِإذْلالٍ، بِفِعْلٍ أوْ مَقالٍ، كَما صَنَعَ بِي حِينَ أرادَ إذْلالِي مَن كانَ جَدِيرًا بِإعْزازِي مِن عَشِيرَتِي وأهْلِ قُرْبِي، وبالَغَ في أذايَ: مِمَّنْ كانَ حَقِيقًا بِنَفْعِي مِن ذَوِي رَحِمِي وحُبِّي.
29:27Page 399
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأعْزَزْناهُ كَما ظَنَّ بِنا إعْزازًا أحْكَمْناهُ حَتّى اسْتَمَرَّ في عَقِبِهِ إلى القِيامَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: بِجَلِيلِ قُدْرَتِنا شُكْرًا عَلى هِجْرَتِهِ ﴿إسْحاقَ﴾ مِن زَوْجَتِهِ سارَّةَ عَلَيْها السَّلامُ الَّتِي جَمَعَتْ إلى العُقْمِ في شَبابِها اليَأْسَ بِكِبَرِها، وعَطْفُهُ لِهِبَتِهِ لَهُ بِالواوِ دَلِيلٌ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الصّافّاتِ مِن أنَّ الذَّبِيحَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَعْقِيبِهِ لِلْهِبَةِ هُناكَ عَلى الهِجْرَةِ بِالفاءِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ مِن ولَدِهِ إسْحاقَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِلِامْتِحانِ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِ ابْتُلِيَ في إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِراقِهِ مَعَ أُمِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ووَضَعَهُما في قَضِيعَةٍ مِنَ الأرْضِ لا أنِيسَ بِها، لَمْ يَذْكُرْهُ تَصْرِيحًا في سِياقِ الِامْتِنانِ، وأفْرَدَ إسْحاقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولِأنَّ المِنَّةَ بِهِ - لِكَوْنِ أُمِّهِ عَجُوزًا وعَقِيمًا - أكْبَرُ وأعْظَمُ لِأنَّها أعْجَبُ، وذَكَرَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٤٢٧)والسَّلامُ تَلْوِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: بِعِزَّتِنا وحِكْمَتِنا ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ مِن ولَدِ إسْحاقَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿النُّبُوَّةَ﴾ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ أجْنَبِيٌّ عَنْهُ، ومَتى صَحَّتْ هَذِهِ المُناسَبَةُ لَزِمَ قَطْعًا أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ أعْرى ذِكْرَ هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ، ويَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا بَشَّرْناهُ بِما يُسَرُّ [بِهِ] مِن إسْحاقَ بَعْدَ أنْ أمَرْناهُ بِما يَضُرُّ مِن إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَصَبَرَ في مِحْنَةِ الضَّرّاءِ، وشَكَرَ في مِحْنَةِ السَّرّاءِ.
﴿والكِتابَ﴾ فَلَمْ يُنَزَّلْ كِتابٌ إلّا عَلى أوْلادِهِ، وأفْرَدَ لِيَدُلَّ - مَعَ تَناوُلِهِ بِالجِنْسِيَّةِ الكُتُبَ الأرْبَعَةَ - عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْتَبَ إلّا ما أُنْزِلَ فِيها، أوْ كانَ راجِعًا إلَيْهِ، ولَوْ جَمَعَ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ عَلى هِجْرَتِهِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِما خَصَصْناهُ بِهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُنا مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، ورَغَدِ العَيْشِ، وكَثْرَةِ الخَدَمِ، والوَلَدِ في الشَّيْخُوخَةِ، وكَثْرَةِ النَّسْلِ، والثَّناءِ الحَسَنِ، والمَحَبَّةِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الكافِرُ يَعْتَقِدُ - لِإنْكارِهِ البَعْثَ - أنَّهُ نَكَّدَ حَياتَهُ بِالهِجْرَةِ نَكَدًا لا تَدارُكَ لَهُ، اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: الَّتِي هي الدّارُ ومَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ خَصَصْناهم بِالسَّعادَةِ وجَعَلْنا لَهُمُ الحُسْنى وزِيادَةً.
29:28Page 399
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.
ولَمّا كانَ - كَما مَضى - السِّياقُ لِلِابْتِلاءِ، خَصَّ بِالبَسْطِ في القَصِّ (p-٤٢٨)مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ ناصِرٌ مِن قَوْمِهِ، أوْ كانَ غَرِيبًا مِنها، ولِذَلِكَ أتْبَعَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنَ أخِيهِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ سَدُومَ: ناسٍ لا قَرابَةَ لَهُ فِيهِمْ ولا عَشِيرَةَ، فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ أيْ: أرْسَلْناهُ، وأشارَ إلى إسْراعِهِ في الِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: وأرْسَلْناهُ حِينَ ﴿قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أهْلِ سَدُومَ الَّذِينَ سَكَنَ فِيهِمْ وصاهَرَهم وانْقَطَعَ إلَيْهِمْ فَصارُوا قَوْمَهُ، حِينَ فارَقَ عَمَّهُ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، مُنْكِرًا ما رَأى مِن حالِهِمْ، وقَبِيحِ فِعالِهِمْ، مُؤَكِّدًا لَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ يَرَوْنَهُ مِن أعْرَفِ المَعارِفِ - جَدِيرٌ بِأنْ يُنْكِرَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [أيْ: ] المُجاوَزَةَ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، فَكَأنَّها لِذَلِكَ لا فاحِشَةَ غَيْرُها، ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَها فاحِشَةً اسْتِئْنافًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكُمْ﴾ أوْ هي حالٌ مُبَيَّنَةٌ لِعَظِيمِ جُرْأتِهِمْ عَلى المُنْكَرِ، أيْ: غَيْرَ مَسْبُوقِينَ ﴿بِها﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ وزادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ فَضْلًا عَنْ خُصُوصِ النّاسِ.
29:29Page 399
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩
Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."
ثُمَّ كَرَّرَ الإنْكارَ تَأْكِيدًا لِتَجاوُزِ قُبْحِها الَّذِي يُنْكِرُونَهُ فَقالَ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ إتْيانَ الشَّهْوَةِ، وعَطَفَ عَلَيْها ما ضَمُّوهُ إلَيْها مِنَ المَناكِرِ، بَيانًا لِاسْتِحْقاقِ الذَّمِّ مِن وُجُوهٍ، فَأوْجَبَ حالُهم ظَنَّ أنَّهم وصَلُوا مِنَ الخُبْثِ إلى حَدٍّ لا مَطْمَعَ في الرُّجُوعِ عَنْهُ مَعَ (p-٤٢٩)مُلازَمَتِهِ لِدُعائِهِمْ مِن غَيْرِ مَلَلٍ ولا ضَجَرٍ، فَقالَ: ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أيْ: بِأذى الجَلّابِينَ والمارَّةِ.
ولَمّا خَصَّ هَذَيْنِ الفَسادَيْنِ، عَمَّ دالًّا عَلى المُجاهَرَةِ فَقالَ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ أيْ: المَكانِ الَّذِي تَجْلِسُونَ فِيهِ لِلتَّحَدُّثِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ بَعْضُكم نِداءَ بَعْضٍ مِن مَجْلِسِ المُؤانَسَةِ، وهو نادٍ ما دامَ القَوْمُ فِيهِ، فَإذا قامُوا عَنْهُ لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ ﴿المُنْكَرَ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسَ، وهو ما تُنْكِرُهُ الشَّرائِعُ والمُرُوءاتُ والعُقُولُ، ولا تَتَحاشَوْنَ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ في المُجْتَمَعِ الَّذِي يَتَحاشى فِيهِ الإنْسانُ مِن فِعْلِ خِلافِ الأوْلى، مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَحِيَ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ؛ ودَلَّ عَلى عِنادِهِمْ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ هَذِهِ النَّصائِحِ بِالنَّهْيِ عَنْ تِلْكَ الفَضائِحِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ ونَجْدَةٌ بِحَيْثُ يَخْشى شَرَّهم، ويَتَّقِي أذاهم وضُرَّهم، لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما أنْكَرَ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ عِنادًا وجَهْلًا واسْتِهْزاءً: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وعَبَّرُوا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ زِيادَةً في الجُرْأةِ، ولَمّا كانَ الإنْكارُ مَلْزُومًا لِلْوَعِيدِ بِأمْرٍ ضارٍّ قالُوا: ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا مُتَمَكِّنًا ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في وعِيدِكَ وإرْسالِكَ، إلْهابًا وتَهْيِيجًا.
29:30–32Page 399
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠
He said, "My Lord, support me against the corrupting people."
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١
And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."
قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢
[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: لُوطٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْرِضًا عَنْهم، مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِ: ﴿رَبِّ﴾
29:33Page 400
وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣
And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.
(p-٤٣٢)ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إلّا خَبَرُ الرُّسُلِ مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فارَقُوهُ ومَضَوْا إلى المَدِينَةِ الَّتِي فِيها لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُفْهِمًا بِالعُدُولِ عَنِ الفاءِ إلى الواوِ أنَّ بَيْنَ المَكانَيْنِ بُعْدًا: ﴿ولَمّا﴾ وأثْبَتَ [ما صُورَتُهُ صُورَةُ] الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ لِما اقْتَضاهُ مَقْصُودُ السُّورَةِ، وأكْثَرُ سِياقاتِها بَيْنَ التَّسْلِيكِ في مَقامِ الِامْتِحانِ والِاجْتِهادِ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، [ولِذا ذَكَرَ هُنا في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَتْلَ والإحْراقَ، وأُتْبِعَتْ بُشْراهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ الظّالِمَةِ، ] فَقالَ: ﴿أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيْ: المُعَظَّمُونَ بِنا ﴿لُوطًا﴾ بَيانًا لِأنَّهُ ﴿سِيءَ﴾ أيْ: حَصَلَتْ لَهُ المَساءَةُ ﴿بِهِمْ﴾ أوَّلَ أوْقاتِ مَجِيئِهِمْ إلَيْهِ وحِينَ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، فاجَأتْهُ المَساءَةُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ لَمّا رَأى مَن حَسُنِ أشْكالِهِمْ، وخافَ مَن تُعَرِّضِ قَوْمِهِ لَهم، وهو يَظُنُّ أنَّهم مِنَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ [”أنْ“] في مِثْلِ هَذا صِلَةٌ [وإنْ كانَ أصْلُها المَصْدَرَ] لِتُؤَكِّدَ وُجُودَ الفِعْلَيْنِ مُرَتَّبًا وُجُودُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ في وقْتَيْنِ مُتَجاوِرَيْنِ لا فاصِلَ بَيْنَهُما (p-٤٣٣)[فَإنَّهُما وُجِدا] في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ، [قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي ما مَعْناهُ أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ أنَّ الزّائِدَ يُؤَكِّدُ مَعْنى ما جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِهِ، ولَمّا تُقَيِّدُ وُقُوعَ الفِعْلِ الثّانِي عَقِيبَ الأوَّلِ وتُرَتِّبُهُ عَلَيْهِ فالحَرْفُ الزّائِدُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ].
﴿وضاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: بِأعْمالِ الحِيلَةِ في الدَّفْعِ عَنْهم ﴿ذَرْعًا﴾ أيْ: ذَرْعَةَ طاقَتِهِمْ كَما بُيِّنَ وأُشْبِعَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ مَن طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُها، فَضُرِبَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، وذَلِكَ أنَّهم أتَوْهُ في صُورَةِ مُرْدانٍ مِلاحٍ جِدًّا، وقَدْ عَلِمَ أمْرَ أهْلِ القَرْيَةِ في [مِثْلِ] ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالُوا لَهُ: يا لُوطُ! إنّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَخَفِّضْ عَلَيْكَ مِن هَذا الضِّيقِ الَّذِي نَراهُ بِكَ فَإنّا ما أُرْسِلْنا إلّا لِإهْلاكِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: لَمّا رَأوْا ما لَقِيَ في أمْرِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ﴾ [أيْ: ] مِن أنْ يَصِلُوا إلَيْنا [أوْ] مِن أنْ تَهْلِكَ أنْتَ أوْ أحَدٌ مِن أهْلِ طاعَتِكَ ﴿ولا تَحْزَنْ﴾ أيْ: عَلى أحَدٍ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ فَإنَّهُ لَيْسَ في أحَدٍ مِنهم خَيْرٌ يُؤْسَفُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُبالِغِينَ في التَّأْكِيدِ لِلْإغْناءِ بِهِ عَنْ جُمَلٍ طِوالِ، إشارَةً إلى أنَّ الوَقْتَ أرَّقَ فَهو لا يَحْتَمِلُ التَّطْوِيلَ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ: مُبالِغُونَ في إنْجائِكَ ﴿وأهْلَكَ﴾ أيْ: ومُهْلِكُو أهْلِ [هَذِهِ] القَرْيَةِ، فَلا يَقَعُ ضَمِيرُكَ أنَّهم يَصِلُونَ (p-٤٣٤)إلَيْنا، وقالُوا: ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ تَنْصِيصًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنهم سِواها؛ ثُمَّ دَلُّوا عَلى هَلاكِها بِقَوْلِهِمْ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَها؟ فَقِيلَ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: كَأنَّ [هَذا] الحُكْمَ في أصْلِ خِلْقَتِها.
29:34Page 400
إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤
Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."
ولَمّا أفْهَمَتِ العِبارَةُ كَما مَضى إهْلاكُهم، صَرَّحُوا بِهِ فَقالُوا مُعَيَّنِينَ لِنَوْعِهِ، مُعَلِّلِينَ لِما أخْبَرُوهُ بِهِ، مُؤَكِّدِينَ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنهُ قَطْعًا لِأنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ، جَرْيًا عَلى عادَةِ الأنْبِياءِ في الشَّفَقَةِ عَلى أُمَمِهِمْ: ﴿إنّا مُنْـزِلُونَ﴾ أيْ: لا مَحالَةَ ﴿عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا﴾ أيْ: عَذابًا يَكُونُ فِيهِ اضْطِرابٌ شَدِيدٌ يَضْطَرِبُ مِنهُ مَن أصابَهُ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ فَهو عَظِيمٌ وقْعُهُ، شَدِيدٌ صَدْعُهُ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ في كُلِّ وقْتٍ مِن دائِرَةِ العَقْلِ والحَياءِ.
29:35Page 400
وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥
And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَفَعَلَتْ رُسُلُنا ما وعَدُوهُ بِهِ مِن إنْجائِهِ وإهْلاكِ جَمِيعِ قُراهم، فَتَرَكْناها، كَأنْ لَمْ يَسْكُنْ بِها أحَدٌ قَطُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى فَضِيلَةِ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى إلّا تَفَكُّرُهم في أمْرِهِمْ مَعَ (p-٤٣٥)الِانْخِلاعِ مِنَ الهَوى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى كُلِّ ما نُرِيدُ ﴿بَيِّنَةً﴾ وهو الماءُ الأسْوَدُ المُنْتِنُ الَّذِي غَمَرَ قُراهم كُلَّها بَعْدَ الخَسْفِ بِها وهو مُبايِنٌ لِجَمِيعِ مِياهِ الأرْضِ لِكَوْنِهِ ماءَ السُّخْطِ لِمَن بايِنُوا بِفِعْلِهِمُ الخَلْقَ مَعَ اشْتِهارِ كَوْنِهِ عَلى الخَسْفِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ حَجَبَ عَنِ الأبْصارِ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَعَدَّ [مَن] لَمْ يَسْتَبْصِرْ بِهِ غَيْرَ عاقِلٍ ولا شاعِرٍ بِأنَّها آيَةٌ ولا فِيهِ أهْلِيَّةُ القِيامِ بِما يُرِيدُ.
29:36Page 400
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
ولَمّا كانَ [السِّياقُ] لِإثْباتِ يَوْمِ الدِّينِ وإهْلاكِ المُفْسِدِينَ، ولِمَن طالَ ابْتِلاؤُهُ مِنَ الصّالِحِينَ ولَمْ يَجِدْ لَهُ ناصِرًا مِن قَوْمِهِ، إمّا لِغُرْبَتِهِ عَنْهم، وإمّا لِقِلَّةِ عَشِيرَتِهِ لِتَسْمِيَتِهِمْ وعَدَمِ أتْباعِهِ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنِ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ واسْتَقَلُّوا عَشِيرَتَهُ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهم رَهْطًا، والرَّهْطُ ما دُونَ العَشْرَةِ أوْ مِن سَبْعَةٍ إلى عَشْرَةٍ، وما دُونَ السَّبْعَةِ إلى الثَّلاثَةِ نَفَرٌ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ في هَذا العِدادِ، عَقَّبَ قِصَّةَ لُوطٍ بِقِصَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فَقالَ: ] ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى (p-٤٣٦)﴿مَدْيَنَ أخاهُمْ﴾ أيْ: مِنَ النَّسَبِ والبَلَدِ ﴿شُعَيْبًا﴾
[ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ، عَبَّرَ بِالفاءِ فَقالَ]: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِهِ وتَعَقَّبَهُ أنْ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى وحْدَهُ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإنَّ العِبادَةَ الَّتِي فِيها شِرْكٌ عَدَمٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى الشُّرَكاءِ فَهو لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ [لَهُ] خالِصًا.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مِن مَقاصِدِ السُّورَةِ قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ: حُسْنَ الجَزاءِ فِيهِ لِتَفْعَلُوا ما يَلِيقُ بِذَلِكَ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ أيْ: مُتَعَمِّدِينَ الفَسادِ.
29:37Page 400
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧
But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ وتَعَقَّبَهُ [تَكْذِيبُهم فَتَسَبَّبَ عَنْهُ وتَعَقَّبَهُ] إهْلاكُهم، تَحْقِيقًا لِأنَّ أهْلَ السَّيِّئاتِ لا يَسْبِقُونَ قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ﴾ أيْ: لِذَلِكَ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيْ: الصَّيْحَةُ الَّتِي زَلْزَلَتْ بِهِمْ فَأهْلَكَتْهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: مَحالِّهِمُ الَّتِي كانَتْ دائِرَةً بِهِمْ وكانُوا يَدُورُونَ فِيها ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ: واقِعِينَ عَلى صُدُورِهِمْ، لازِمَيْنِ مَكانًا واحِدًا، لا يَقْدِرُونَ عَلى حَرَكَةٍ أصْلًا، لِأنَّهُ لا أرْواحَ لَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences