Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:38–47
29:38Page 400
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.
ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ الدَّلالَةُ عَلى اتِّباعِ بَعْضِ هَذِهِ الأُمَمِ بَعْضًا في الخَيْرِ والشَّرِّ عَلى نَسَقٍ، والجَرْيُ بِهِمْ في إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ (p-٤٣٧)وإنْجاءُ المُصَدِّقِينَ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ، وكانَ إهْلاكُ عادٍ وثَمُودَ - لِما اشْتَهَرُوا بِهِ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ، ومَتانَةِ الأرْكانِ - في غايَةِ الغَرابَةِ، وكانَ مَعْنى خِتامِ قِصَّةِ مَدْيَنَ: فَأهْلَكْناهم، عَطَفَ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى قَوْلَهُ: ﴿وعادًا﴾ أيْ: وأهْلَكْنا أيْضًا عادًا ﴿وثَمُودَ﴾ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ العُتُوِّ، والتَّكَبُّرِ والعُلُوِّ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ بِنَفْسِهِ غايَةَ الظُّهُورِ أيُّها العَرَبُ أمْرَهم ﴿مِن مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: ما وصَفَ مِن هَلاكِهِمْ وما كانُوا فِيهِ مِن شِدَّةِ الأجْسامِ، وسَعَةِ الأحْلامِ، وعُلُوِّ الِاهْتِمامِ، وثُقُوبِ الأذْهانِ، وعَظِيمِ الشَّأْنِ، عِنْدَ مُرُورِكم بِتِلْكَ المَساكِنِ، ونَظَرِكم إلَيْها في ضَرْبِكم في التِّجارَةِ إلى الشّامِ، فَصَرَفُوا أفْكارَهم في الإقْبالِ عَلى الِاسْتِمْتاعِ بِالعَرَضِ الفانِي مِن هَذِهِ الدُّنْيا، فَأمَّلُوا بَعِيدًا، وبَنَوْا شَدِيدًا، ولَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ شَيْئًا مِن أمْرِ اللَّهِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ﴾ في غايَةِ التَّزْيِينِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ: البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ، بِقُوَّةِ احْتِيالِهِ، ومَحْبُوبِ ضَلالِهِ ومِحالِهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: الفاسِدَةَ، فَأقْبَلُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ عَلَيْها مَعَ العَدُوِّ المُبِينِ، وأعْرَضُوا عَنِ الهُداةِ النّاصِحِينَ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّزْيِينِ مَنعُهم لِعَماهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: مَنَعَهم عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلّا هو، لِكَوْنِهِ يُوصِلُ إلى النَّجاةِ، وغَيْرِهُ يُوصِلُ إلى الهَلاكِ، (p-٤٣٨)فَهُوَ عَدَمٌ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ قالَ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِمُ الشَّيْطانُ ما فَعَلَ مِنَ الإغْواءِ والحالُ أنَّهم كانُوا كَوْنًا هم فِيهِ في غايَةِ التَّمَكُّنِ ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: مَعْدُودِينَ بَيْنَ النّاسِ مِنَ البُصَراءِ العُقَلاءِ جِدًّا لِما فاقُوهم بِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَمْ يَسْبِقُونا، بَلْ أوْقَعْناهم بِعَمَلِهِمُ السَّيِّئاتِ فِيما أرَدْنا مِن أنْواعِ الهَلَكاتِ، فاحْذَرُوا مِثْلَ مَصارِعِهِمْ فَإنَّكم لا تُشابِهُونَهم في القُوَّةِ، ولا تُقارِبُونَهم في العُقُولِ.
29:39Page 401
وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩
And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].
ولَمّا كانَ لِفِرْعَوْنَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِنَ العُتُوِّ بِمَكانٍ لا يَخْفى، لِما أتَوْا مِنَ القُوَّةِ بِالأمْوالِ والرِّجالِ قالَ: ﴿وقارُونَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهُ وقَوْمَهُ لِأنَّ وُقُوعَهُ في أسْبابِ الهَلاكِ أعْجَبُ، لِكَوْنِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّهُ ابْتُلِيَ بِالمالِ والعِلْمِ، فَكانَ ذَلِكَ [سَبَبَ إعْجابِهِ، فَتَكَبَّرَ عَلى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانَ ذَلِكَ] سَبَبَ هَلاكِهِ ﴿وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ وزِيرِهِ الَّذِي أوْقَدَ لَهُ عَلى الطِّينِ، فَلا هو نَجا ولا كانَ رَأْسًا في الكُفْرِ، بَلْ باعَ سَعادَتَهُ بِكَوْنِهِ ذَنْبًا لِغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَلاكُهم مَعَ رُؤْيَةِ الآياتِ أعْجَبَ، فَكانَ جَدِيرًا بِالإنْكارِ، إشارَةً إلى أنَّ رُؤْيَةَ الآياتِ جَدِيرَةٌ بِأنْ يَلْزَمَ عَنْها الإيمانُ قالَ: (p-٤٣٩)﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا فَتَسَبَّبُوا عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنَ الِاسْتِبْصارِ الِاسْتِكْبارُ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا أكْبَرَ مِن كُلِّ كَبِيرٍ بِأنْ كانَتْ أفْعالُهم أفْعالَ مَن يَطْلُبُ ذَلِكَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ [أكْثَرَ] مِمّا كانُوا قَبْلَهُ.
ولَمّا كانَ مَن يَتَكَبَّرُ - وهو عالِمٌ بِأنَّهُ مَأْخُوذٌ - أشَدَّ لَوْمًا مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ قالَ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذا كُلَّهم، كَوْنًا ما ﴿سابِقِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ ما نُرِيدُهم، بِأنْ يَخْرُجُوا مِن قَبْضَتِنا، بَلْ هم في القَبْضَةِ كَما ذَكَرْنا أوَّلَ السُّورَةِ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ.
29:40Page 401
فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠
So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.
﴿فَكُلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعِصْيانِهِمْ أنَّ كُلًّا مِنهم ﴿أخَذْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِذَنْبِهِ﴾ أخْذَ عُقُوبَةٍ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا أحَدَ يُعْجِزُنا ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ﴾ إرْسالَ عَذابٍ يا لَهُ مِن عَذابٍ! ﴿حاصِبًا﴾ أيْ: رِيحًا تَرْمِي لِقُوَّةِ عَصْفِها وشِدَّةِ قَصْفِها بِالحِجارَةِ كَعادٍ وقَوْمِ لُوطٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ﴾ أخْذَ هَلاكٍ وغَضَبٍ وعَذابٍ، [وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظْمَةِ لِئَلّا يُوهِمَ الإسْنادُ في هَذِهِ إلَيْهِ صَوْتًا لِيُوقِعَ في مُصِيبَةِ التَّشْبِيهِ] ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الَّتِي تُظْهِرُ شِدَّتُها الرِّيحَ الحامِلَةَ لَها المُوافِقَةَ (p-٤٤٠)لِقَصْدِها فَتَرْجُفُ لِعَظْمَتِها الأرْضُ كَمَدْيَنَ وثَمُودَ ﴿ومِنهم مَن﴾ [وأعادَ أُسْلُوبَ العَظَمَةِ الماضِي لِسَلامَتِهِ مِنَ الإيهامِ المَذْكُورِ في الصَّيْحَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ فَقالَ: ] ﴿خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْ غَيَّبْناهُ فِيها كَقارُونَ وجَماعَتِهِ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ بِالغَمْرِ في الماءِ كَقَوْمِ نُوحٍ وفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، وعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ وصالِحٍ لِلْعَدِّ في الإغْراقِ والعَدِّ في الخَسْفِ، فَتارَةً نُهْلِكُ بِرِيحٍ تَقْذِفُ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ كَقَوْمِ لُوطِ، أوْ مِنَ الأرْضِ كَعادٍ، وأُخْرى بِرِيحٍ تَقْرَعُ بِالصَّرْخَةِ الأسْماعَ فَتُزَلْزِلُ القُلُوبَ والبِقاعَ، ومَرَّةً نُبِيدُ بِالغَمْسِ في الكَثِيفِ وكَرَّةً بِالغَمْرِ في اللَّطِيفِ - فَلِلَّهِ دَرُّ النّاظِرِينَ في هَذِهِ الأوامِرِ النّافِذَةِ- والمُتَفَكِّرِينَ في هَذِهِ الأقْضِيَةِ الماضِيَةِ، لِيَعْلَمُوا حَقِيقَةَ قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] - [الآيَةُ].
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ لِأهْلِ التَّعَنُّتِ شَيْئًا مِمّا اعْتادُوهُ في عِنادِهِمْ قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ مِنَ الجَلالِ والكَمالِ إلّا هو ولَهُ ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: مُرِيدًا لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ الظّالِمِ الَّذِي يُعاقِبُ مَن لا جُرْمَ لَهُ، أوْ مَن أجْرَمَ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ إجْرامِهِ لِيَكُفَّ (p-٤٤١)فَيَسْلَمَ، أوْ يَتَمادى فَيَهْلَكُ لِأنَّهُ لا نَفْعَ يَصِلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن إهْلاكِهِمْ، ولا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن إبْقائِهِمْ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: [هُمْ] لا غَيْرُهم ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ لا غَيْرُها ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بِارْتِكابِهِمْ ما أخْبَرْناهم غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّهُ يُغْضِبُنا وأنّا نَأْخُذُ مَن يَفْعَلُهُ، فَلَمْ يَقْبَلُوا النُّصْحَ مَعَ عَجْزِهِمْ، ولا خافُوا العُقُوبَةَ عَلى ضَعْفِهِمْ، وأمّا ما عَبَدُوهُ ورَجَوْا نَصْرَهُ لَهم وأمَّلُوهُ فَأضْعَفَ مِنهم،
29:41Page 401
مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.
ولِكَوْنِ شَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنهم شَيْئًا فَلَمْ تَخْتَلَّ سُنَّةُ اللَّهِ في أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ في قَرْنٍ مِنَ القُرُونِ [ولا عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ، ] بَلْ جَرَتْ عَلى أقْوَمِ نِظامٍ، وأتْقَنِ إحْكامٍ، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى عَلى وجْهِ الِاسْتِنْساجِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ .
ولَمّا كانَ دُعاءُ غَيْرِ اللَّهِ مُخالِفًا لِقَوِيمِ العَقْلِ، وصَرِيحِ النَّقْلِ، وسَلِيمِ الفِطْرَةِ [وصَحِيحِ الفِكْرَةِ] فَكانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى [تَدَرُّبٍ إلى] الجَلافَةِ، وتَطَبُّعٍ في الكَثافَةِ، قالَ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: اتَكَلُّوا أنْ أخَذُوا.
ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ لا تُحْصى، وكُلُّ الرُّتَبِ دُونَ رُتْبَتِهِ، قالَ [مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ بِالجارِّ]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، فَرَضُوا بِالدُّونِ، عِوَضًا عَمَّنْ لا تَكْفِيهِ الأوْهامُ والظُّنُونُ ﴿أوْلِياءَ﴾ (p-٤٤٢)يَنْصُرُونَهم بِزَعْمِهِمْ مِن مَعْبُوداتٍ وغَيْرِها، في الضَّعْفِ والوَهْيِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ﴾ الدّابَّةِ المَعْرُوفَةِ ذاتِ الأرْجُلِ الكَثِيرَةِ الطِّوالِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذِكْرَ وجْهِ الشَّبَهِ وعَبَّرَ عَنْها بِالتَّأْنِيثِ وإنْ كانَتْ تُقالُ بِالتَّذْكِيرِ تَعْظِيمًا لِضَعْفِها، لِأنَّ المَقامَ لِضَعْفِ ما تَبْنِيهِ فَقالَ: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أيْ: تَكَلَّفَتْ أخْذَهُ في صَنْعَتِها لَهُ لِيَقِيَها الرَّدى، ويَحْمِيَها البِلا، كَما تَكَلَّفَ هَؤُلاءِ اصْطِناعَ أرْبابِهِمْ لِيَنْفَعُوهم، ويَحْفَظُوهم بِزَعْمِهِمْ ويَرْفَعُوهم، فَكانَ ذَلِكَ البَيْتُ مَعَ تَكَلُّفِها في أمْرِهِ، وتَعَبِها الشَّدِيدِ في شَأْنِهِ، في غايَةِ الوَهَنِ.
ولَمّا كانَ حالُها في صُنْعِها حالَ مَن يُنْكِرُ وهَنَهُ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿وإنَّ﴾ [و] واوُهُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ - ﴿اتَّخَذَتْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ أوْهَنُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿أوْهَنَ البُيُوتِ﴾ أيْ: أضْعَفَها ﴿لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾ الَّتِي عانَتْ في حَوْكِهِ ما عانَتْ وقاسَتْ في نَسْجِهِ ما قاسَتْ، لِأنَّهُ لا يُكِنُّ مِن حَرٍّ، ولا يَصُونُ مِن بَرْدٍ، ولا يُحَصِّنُ عَنْ طالِبٍ، كَذَلِكَ ما اتَّخَذَ هَؤُلاءِ مِن هَذِهِ الأوْثانِ، وهَذا الدِّينُ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ فَهو أوْهَنُ (p-٤٤٣)الأدْيانِ وأهْوَنُها ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَوْعٌ ما مِنَ العِلْمِ لانْتَفَعُوا بِهِ فَعَلِمُوا أنَّ هَذا مَثَلُهم، فَأبْعَدُوا عَنِ اعْتِقادِ ما هَذا مَثَلُهُ.
29:42Page 401
إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢
Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.
ولَمّا انْتَفى نَفْعُهم بِعِلْمِهِمْ، صَحَّ نَفْيُهُ، فَكانُوا وإيّاها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لَيْسَ لِفَرِيقٍ مِنهُما شَيْءٌ مِمّا نَوى، فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ خاسِرَةٍ، وتِجارَةٍ كاسِدَةٍ بائِرَةٍ، ولَمّا كانَ ضَرْبُ المَثَلِ لِلشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ العالِمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وكانَ النَّصِيرُ عَلى شَيْءٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى مُعارَضَتِهِ إلّا أنْ يَعْلَمَهُ ويَعْلَمَ مِقْدارَ قُدْرَتِهِ، وعِدَّةَ جُنُودِهِ، وصَلَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ وأنَّ شُرَكاءَهم في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعَلِّقُونَ بِنَصْرِهِمْ آمالَهم، وزادَ ذَلِكَ ذاكَ حُسْنًا تَعْقِيبُهُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم، فَقالَ إشارَةً إلى جَهْلِهِمْ في إنْكارِهِمْ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى إهْلاكِ آلِهَتِهِمُ الَّتِي [هِيَ] أوَهِيَ الأشْياءِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ﴾ بِما لَهُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ ﴿ما﴾ أيْ: الَّذِي ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ، أوْ أنْتُمْ في قِراءَةِ الفَوْقانِيَّةِ التِفاتًا إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ إيذانًا بِالغَضَبِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ إشارَةً إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ، وأكَّدَ العُمُومَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: سَواءٌ كانَ نَجْمًا أوْ صَنَمًا أوْ مَلَكًا أوْ جِنِينًا أوْ غَيْرَهُ، وهم لا يَعْلَمُونَهُ ولا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا يَتَوَصَّلُونَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ أوْ يُنْصَرُونَ (p-٤٤٤)مِنهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَعْلَمَهُ شُرَكاؤُهم أوْ يُحِيطَ بِهِ أحَدًا عِلْمًا، أوْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُهُ؛ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، أيْ: شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ أصْلًا قالَ: ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: البالِغُ العِلْمِ، الواضِعُ كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ في أكْمَلِ مَواضِعِهِ، فَأبْطَنَ نَفْسَهُ بِكِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ حَتّى لا باطِنَ سِواهُ، وأظْهَرَها بِأفْعالِهِ وما كُشِفَ مِن جَمالِهِ حَتّى لا ظاهِرَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وهو يَغْلِبُ مَن شاءَ بِعِزَّتِهِ، ويُمْهِلُهُ إنْ شاءَ بِحِكْمَتِهِ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِإمْهالِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ لِإهْمالِهِ.
29:43Page 401
وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣
And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.
ولَمّا فَرَغَ مِن مَثَلِهِمْ ومِمّا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِهَذا المَثَلِ: هَذا مَثَلُهم فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إشارَةً إلى أمْثالِ القُرْآنِ كُلِّها تَعْظِيمًا لَها وتَنْبِيهًا عَلى جَلِيلِ قَدْرِها وعَلِيِّ شَأْنِها: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ﴾ أيْ: العالِيَةُ عَنْ أنْ تُنالَ بِنَوْعِ احْتِيالٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿نَضْرِبُها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، بَيانًا ﴿لِلنّاسِ﴾ تَصْوِيرًا لِلْمَعانِي المَعْقُولاتِ بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ، لَعَلَّها تَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ فَيَنْتَفِعُوا بِها، وهَكَذا حالُ التَّشْبِيهاتِ كُلِّها في طُرُقٍ لِلْأفْهامِ إلى المَعانِي المُحْتَجِبَةِ في الأسْتارِ، تُبْرِزُها وتَكْشِفُ عَنْها وتُصَوِّرُها.
(p-٤٤٥)ولَمّا كانُوا يَتَهَكَّمُونَ بِما رَأوْهُ مِنَ الأمْثالِ مَذْكُورًا بِهِ الذُّبابُ والبَعُوضُ ونَحْوُهُما قالَ مُجْمِلًا لَهم: ﴿وما يَعْقِلُها﴾ أيْ: حَقَّ عَقْلِها فَيَنْتَفِعُ بِها ﴿إلا العالِمُونَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئُوا لِلْعِلْمِ وجُعِلَ طَبْعًا بِما بَثَّ في قُلُوبِهِمْ مِن أنْوارِهِ، وأشْرَقَ في صُدُورِهِمْ مِن أسْرارِهِ، فَهم يَضَعُونَ الأشْياءَ مَواضِعَها؛ رَوى الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العالِمُ الَّذِي عَقَلَ عَنِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ واجْتَنَبَ سُخْطَهُ»، قالَ البَغَوِيُّ: والمَثَلُ كَلامٌ سائِرٌ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الآخَرِ بِالأوَّلِ.
29:44Page 401
خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤
Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.
ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُ لا مُعْجِزَ لَهُ سُبْحانَهُ، ولا ناصِرَ لِمَن أخَذَ، وصَحَّحَ ذَلِكَ بِالمُشاهَدَةِ في القُرُونِ البائِدَةِ، وقَرَّبَهُ إلى الأذْهانِ بِالمَثَلِ المُسْتَوْلِي عَلى غايَةِ البَيانِ، وخَتَمَ ذَلِكَ أنَّهُ حَجَبَ فَهْمَهُ عَنْ أكْثَرِ خَلْقِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا لِقُوَّتِهِ وسائِرِ صِفاتِ كَمالِهِ، بَعْدَما حَقَّقَ أنَّ أوْلِياءَهم في أنْزَلِ مَراتِبِ الضَّعْفِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُدانى في عَظَمَةٍ ولا جَلالٍ، ولا جَمالٍ ولا كَمالٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأمْرُ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، أوْ بِسَبَبِ إظْهارِ أنَّ الواقِعَ يُطابِقُ إخْبارَهُ، أوْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، فَلا تَجِدُ أحَدًا يَفْهَمُ عَنْهُ (p-٤٤٦)حَقَّ الفَهْمِ مَعَ تَساوِيهِمْ في الإنْسانِيَّةِ إلّا وهو مِن أهْلِ السَّكِينَةِ، والإخْباتِ والطُّمَأْنِينَةِ، ولا يُعْجِزُهُ أحَدٌ يُرِيدُ أخْذَهُ، ولا يُفْلِحُ أحَدٌ عَصى أنْبِياءَهُ، فَبانَتْ عِزَّتُهُ، وظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ، فَطابَقَ الواقِعُ ما أخْبَرَ بِهِ، وأيْضًا فالأمْثالُ إنَّما تَكُونُ بِالمَحْسُوساتِ، وهي إمّا سَماوِيَّةٌ أوْ أرْضِيَّةٌ، فَإيجادُ هَذِهِ المَوْجُوداتِ إنَّما هو لِأجْلِ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعالَمِ قَدْ يُخْفِي، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّأْكِيدِ إلى أنَّ حالَهم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ فِيها حالُ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ فِيها دَلالَةٌ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِن تَأمُّلِهِمْ لِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُخْبِرُ بِشَيْءٍ إلّا كانَ الواقِعُ مِنهُما أوْ مِمّا فِيهِما يُطابِقُهُ سَواءً بِسَواءٍ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: دَلالَةً مُسْعِدَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ هُمُ العالِمُونَ في الحَقِيقَةِ، حَداهم عِلْمُهم بِما في الكَوْنَيْنِ مِنَ المَنافِعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النِّظامِ المَعْرُوفِ مَعَ ما في خَلْقِهِما أنْفُسَهُما مَعَ كِبَرِ الأجْرامِ وبَدِيعِ الإحْكامِ، عَلى الإيمانِ بِجَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ حَتّى لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم نَوْعُ شَكٍّ، وصارَ لَهم صِفَةً لا تَنْفَكُّ.
29:45Page 401
ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥
Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.
ولَمّا أفادَ هَذا الخَبَرُ كُلُّهُ القُرْآنَ الَّذِي لا حَقَّ أحَقُّ مِنهُ، ودَلَّ عَلى أنَّ فَهْمَ أمْثالِهِ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ عِلْمٍ، وأنَّ مِفْتاحَ العِلْمِ بِهِ سُبْحانَهُ رُسُوخُ الإيمانِ، خاطَبَ رَأْسَ أهْلِ الإيمانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الفاهِمِينَ لَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الأتْباعَ فَقالَ: (p-٤٤٧)﴿اتْلُ ما﴾ أيْ: تابِعْ قِراءَتَهُ؛ ودَلَّ عَلى شَرَفِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ إذِ الوَحْيُ الإلْقاءُ سِرًّا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ [أيْ: ] الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَإنَّهُ المُفِيدُ لِلْإيمانِ، مَعَ أنَّهُ أحَقُّ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ لِأجْلِهِ، والإكْثارُ في تِلاوَتِهِ يَزِيدُ بَصِيرَةً في أمْرِهِ، ويَفْتَحُ كُنُوزَ الدَّقائِقِ مِن عِلْمِهِ، وهو أكْرَمُ مِن أنْ يُنِيلَ قارِئَهُ فائِدَةً وأجَلُّ مِن أنْ يُعْطِيَ قِيادَ فَوائِدِهِ ويَرْفَعُ الحِجابَ عَنْ جَواهِرِهِ وفَرائِدِهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، بَلْ كُلَّما رَدَّدَهُ القارِئُ بِالتَّدَبُّرِ حَباهُ بِكَنْزٍ مِن أسْرارِهِ، ومَهْما زادَ زادَهُ [مِن] لَوامِعِ أنْوارِهِ، إلى أنْ يَقْطَعَ بِأنَّ عَجائِبَهُ لا تُعَدُّ، وغَرائِبَهُ لا تُحَدُّ.
ولَمّا أرْشَدَ إلى مِفْتاحِ العِلْمِ، دَلَّ قانُونُ العَمَلِ الَّذِي لا يَصِحُّ إلّا بِالقُرْآنِ، وهو ما يَجْمَعُ الهَمَّ، فَيَحْضُرُ القَلْبُ، فَيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ، فَيَنْبَعِثُ الفِكْرُ في رِياضِ عُلُومِهِ، فَقالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ: الَّتِي هي أحَقُّ العِباداتِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا بِالتَّأْكِيدِ عَلى فَخامَةِ أمْرِها، وأنَّهُ مِمّا يَخْفى عَلى غالِبِ النّاسِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى﴾ أيْ: تُوجِدُ النَّهْيَ وتُجِدِّدُهُ لِلْمُواظِبِ عَلى إقامَتِها بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿عَنِ الفَحْشاءِ﴾ أيْ: الخِصالِ ألَّتَيْ بَلَغَ قُبْحُها ﴿والمُنْكَرِ﴾ أيْ: الَّذِي فِيهِ نَوْعُ قُبْحٍ وإنْ دَقَّ، وأقَلُّ ما فِيها مِنَ النَّهْيِ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِها الَّذِي هو كُفْرٌ، ومَنِ انْتَهى (p-٤٤٨)عَنْ ذَلِكَ انْشَرَحَ صَدْرُهُ، واتَّسَعَ فِكْرُهُ، فَعُلِمَ مِن أسْرارِ القُرْآنِ ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
ولَمّا كانَ النّاهِي في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ذِكْرُ اللَّهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الحَثَّ عَلى رُوحِ الصَّلاةِ والمَقْصِدِ الأعْظَمِ مِنها، وهو المُراقَبَةُ لِمَن يُصَلِّي [لَهُ] حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ في أعْظَمِ الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ولِأنَّ ذِكْرَ المُسْتَحِقِّ لِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿أكْبَرُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ هانَ عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ: ”إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قِرْنِهِ“، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن واظَبَ عَلى الصَّلاةِ ذَكَرَ اللَّهَ، ومَن ذَكَرَهُ أوْشَكَ أنْ يَرِقَّ قَلْبُهُ، ومَن رَقَّ قَلْبُهُ اسْتَنارَ لُبُّهُ، فَأوْشَكَ أنْ يَنْهاهُ هَذا الذِّكْرُ المُثْمِرُ لِهَذِهِ الثَّمَرَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَكانَ ذِكْرُ الذّاكِرِ لَهُ سُبْحانَهُ أكْبَرَ نَهْيًا لَهُ عَنِ المُنْكَرِ مِن نَهْيِ الصَّلاةِ لَهُ، وكانَ ذِكْرُهُ لَهُ سُبْحانَهُ كَبِيرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وإذا كانَ هَذا شَأْنَ ذِكْرِ العَبْدِ لِمَوْلاهُ، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ مَوْلاهُ لَهُ كُلَّما أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَلاةٍ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَرْفَعَهُ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ، ويُلْبِسُهُ مِن أنْوارِهِ مَلابِسَ لا تُحْصَرُ.
(p-٤٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى عِلاجٍ لِمُعْوَجِّ الطِّباعِ ومُنْحَرِفِ المِزاجِ، وتَمَرُّنٍ عَلى شاقِّ الكُلَفِ، ورِياضَةٍ لِجِماحِ النُّفُوسِ، وكانَ ﷺ قَدْ نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ [بِما] غَسَلَ بِهِ قَلْبَهُ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، [وغَيْرِ ذَلِكَ] مِن جَلِيلِ النِّعْمَةِ، عَدَلَ إلى خِطابِ الأتْباعِ يَحُثُّهم عَلى المُجاهَدَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ ﴿ما تَصْنَعُونَ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، مُعَبِّرًا بِلَفْظِ الصَّنْعَةِ الدّالِّ عَلى مُلازَمَةِ العَمَلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إقامَةَ ما ذَكَرَ تَحْتاجُ إلى تَمَرُّنٍ عَلَيْهِ وتَدَرُّبٍ، حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا صَحِيحًا، ومَقْصُودًا صَرِيحًا.
29:46Page 402
۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦
And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."
ولَمّا انْتَهى الكَلامُ إلى رُوحِ الدِّينِ وسِرِّ اليَقِينِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا العُلَماءُ بِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والأخْبارِ الإلَهِيَّةِ، وكانَ العالِمُ يَقْدِرُ عَلى إيرادِ الشُّكُوكِ وتَرْوِيجِ الشُّبَهِ، فَرُبَّما أضَلَّ بِالشُّبْهَةِ الواحِدَةِ النِّيامَ مِنَ النّاسِ، بِما لَهُ عِنْدَهم مِنَ القَبُولِ، وبِما لِلنُّفُوسِ مِنَ النُّزُوعِ إلى الأباطِيلِ، وبِما لِلشَّيْطانِ في ذَلِكَ مِنَ التَّزْيِينِ، وكانَ الجِدالُ يُورِثُ الإحَنَ، ويَفْتَحُ أبْوابَ المِحَنِ، فَيَحْمِلُ عَلى الضَّلالِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿اتْلُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] مُخاطِبًا لِمَن خَتَمَ الآيَةَ بِخِطابِهِمْ تَنْزِيهًا لِمَقامِهِ ﷺ عَنِ المُواجَهَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُصَوِّبُ هِمَّتَهُ الشَّرِيفَةَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ (p-٤٥٠)فِي طَبْعِهِ المُجادَلَةُ، والمُماراةُ والمُغالَبَةُ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أيْ: اليَهُودَ والنَّصارى ظَنًّا مِنكم أنَّ الجِدالَ يَنْفَعُ الدِّينَ، أوْ يَزِيدُ في اليَقِينِ، أوْ يَرُدُّ أحَدًا عَنْ ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿إلا بِالَّتِي﴾ أيْ: بِالمُجادَلَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أحْسَنُ﴾ أيْ: بِتِلاوَةِ الوَحْيِ الَّذِي أمَرْنا رَأْسَ العابِدِينَ بِإدامَةِ تِلاوَتِهِ فَقَطْ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُبْحانَ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]
ولَمّا كانَ كُلُّ مَن جادَلَ مِنهم في القُرْآنِ ظالِمًا، كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ المُرادَ بِمَنِ اسْتَثْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: تَجاوَزُوا في الظُّلْمِ بِنَفْيِ صِحَّةِ القُرْآنِ وإنْكارِ إعْجازِهِ مَثَلًا وأنْ يَكُونَ عَلى أسالِيبِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، أوْ مُصَدِّقًا لِشَيْءٍ مِنها، أوْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ونَحْوُ هَذا مِنَ افْتِرائِهِمْ، فَإنَّ هَؤُلاءِ يُباحُ جِدالُهم ولَوْ أدّى إلى جِلادِهِمْ بِالسَّيْفِ، فَإنَّ الدِّينَ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ.
ولَمّا نَهى عَنْ مُوجِبِ الخِلافِ، أمَرَ بِالِاسْتِعْطافِ، فَقالَ: ﴿وقُولُوا آمَنّا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِن هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ ﴿وأُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾ مِن كُتُبِكم، يَعْنِي في أنَّ أصْلَهُ حَقٌّ وإنْ كانَ قَدْ نُسِخَ مِنهُ ما نُسِخَ، وما حَدَّثُوكم بِهِ مِن شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَكم (p-٤٥١)ما يُصَدِّقُهُ ولا ما يُكَذِّبُهُ فَلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم، فَإنَّ هَذا أدْعى إلى الإنْصافِ، وأنْفى لِلْخِلافِ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ، أتْبَعَهُ بِما يَجْمَعُهُما فَقالَ: ﴿وإلَهُنا وإلَهُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ المُرادَ بِهِ اللَّهُ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وكانَ جَمِيعُ الفَرْقِ مُقِرِّينَ بِالإلَهِيَّةِ ولَوْ بِنَوْعِ إقْرارٍ لَمْ تَدْعُ [حاجَةٌ] إلى أنْ يَقُولَ ”إلَه“ كَما في بَقِيَّةِ الآياتِ فَقالَ: ﴿واحِدٌ﴾ إلى لا إلَهَ لَنا غَيْرُهُ وإنِ ادَّعى بَعْضُكم عُزَيْرًا والمَسِيحَ ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ خاصَّةً ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: خاضِعُونَ مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ فِيما يَأْمُرُنا بِهِ بَعْدَ الأُصُولِ مِنَ الفُرُوعِ سَواءٌ كانَتْ مُوافِقَةً لِفُرُوعِكم كالتَّوَجُّهِ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ ناسِخَةً كالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ولا نَتَّخِذُ الأحْبارُ والرُّهْبانُ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ لِنَأْخُذَ ما يَشْرَعُونَهُ لَنا مُخالِفًا لِكِتابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَنَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ خَضَعْنا لَهم وتَكَبَّرْنا عَلَيْهِ فَأوْقَعْنا الإسْلامُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ظُلْمًا.
29:47Page 402
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧
And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهَذا القَوْلِ: إنّا أنْزَلَنا كُتُبَهم إلى رُسُلِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ تَخْصِيصًا لَهُ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ لِمُتَعَنِّتٍ طَعْنٌ (p-٤٥٢)إلى عُمُومٍ أوِ اتِّهامٍ في المُنْزَلِ عَلَيْهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلى أنْبِيائِهِمْ ﴿أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنَ الَّذِي هو الكِتابُ في الحَقِيقَةِ، لا كِتابَ غَيْرُهُ في عُلُوِّ كَمالِهِ، في نَظْمِهِ ومَقالِهِ، مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿فالَّذِينَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِنا لَهُ عَلى هَذا المِنهاجِ أنَّ الَّذِينَ ﴿آتَيْناهُمُ﴾ [أيْ: ] إيتاءً يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا، فَصارُوا يَعْرِفُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا الكِتابِ حَقِيقَةً كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوْ مَجازًا بِالمَعْرِفَةِ بِهِ مَعَ الكُفْرِ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنهم ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ: العَرَبُ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ في المَعْرِفَةِ بِالباطِنِ بِأنَّهُ حَقٌّ لِما أقامَهُ مِنَ البُرْهانِ عَلى ذَلِكَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ مَعَ الكُفْرِ بِهِ، وأدُلُّ دَلِيلٍ عَلى ما أرَدْتَهُ مِنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَجْحَدُ﴾ أيْ: يُنْكِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: الجُحُودُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.
﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي حازَتْ أقْصى غاياتِ العَظَمَةِ حَتّى اسْتَحَقَّتِ الإضافَةَ إلَيْنا ﴿إلا الكافِرُونَ﴾ أيْ: العَرِيقُونَ في سَتْرِ المَعارِفِ بَعْدَ ظُهُورِها طَمَعًا في إطْفاءِ نُورِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences