Al-Biqa'iAl-'Ankabut · 29:48–60

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:48–60

29:48Page 402

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

(p-٤٥٣)ولَمّا أشارَ إلى أنَّ المُنْكِرَ لِأصِلِ الوَحْيِ مُتَوَغِّلٌ في الكُفْرِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِحالِ المُنْزَلِ إلَيْهِ ﷺ فَقالَ مُسَلِّيًا لَهُ: ﴿وما﴾ أيْ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ والحالُ أنَّكَ ما ﴿كُنْتَ تَتْلُو﴾ أيْ: تَقْرَأُ مُواصِلًا مُواظِبًا في وقْتٍ ما.

ولَمّا كانَ المُرادُ نَفْيَ التِّلاوَةِ عَنْ كَثِيرِ الزَّمَنِ الماضِي وقَلِيلِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ؛ وأكَّدَ اسْتِغْراقَ الكُتُبِ فَقالَ: ﴿مِن كِتابٍ﴾ أصْلًا ﴿ولا تَخُطُّهُ﴾ أيْ: تُجَدِّدُ وتُلازِمُ خَطَّهُ؛ وصَوَّرَ الخَطَّ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ أيْ: الَّتِي [هِيَ] أقْوى الجارِحَتَيْنِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَحْدُثُ الرِّيبَةُ في أمْرِهِ لِعاقِلٍ إلّا بِالمُواظَبَةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ مُواظَبَةً قَوِيَّةً يَنْشَأُ عَنْها مَلَكَةٌ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَحْصُلْ [أصْلُ الفِعْلِ]، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إذًا﴾ أيْ: إذْ لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المُواظَبَةِ في التِّلاوَةِ أوِ الخَطِّ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الدُّرْبَةُ المُوَرِّثَةُ لِلْمَلَكَةِ ﴿لارْتابَ﴾ أيْ: لَساغَ أنْ تُكَلَّفَ أنْفُسُهم [لِدُخُولِ] في الرَّيْبِ أيْ: الشَّكِّ ﴿المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الوَحْيَ إلَيْكَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ العَرَبِ، ويَقُولُونَ: هو سَجْعٌ وكِهانَةٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، العَرِيقُونَ في وصْفِ الإبْطالِ، [أيْ: ] الدُّخُولِ (p-٤٥٤)فِي الباطِلِ، فَكانُوا يَجِدُونَ مَطْعَنًا، فَتَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن كُتُبِ الأقْدَمِينَ، ويَقُولُ الكِتابِيُّونَ: المُبَشَّرُ بِهِ عِنْدَنا أُمِّيٌّ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن قِراءَةٍ ولا خَطٍّ كَما هو مَعْرُوفٌ مِن حالِكَ فَضْلًا عَنِ المُواظَبَةِ لِشَيْءٍ مِنهُما، فَلا رِيبَةَ في صِدْقِكَ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ مِن أصْلِها صَحَّ نَفْيُ ما عِنْدَهم مِنها، لِأنَّهُ [لَمّا] لَمْ يَكُنْ لَهم في الواقِعِ شُبْهَةٌ، عُدَّتْ رِيبَتُهم عَدَمًا، وسُمُّوا مُبْطِلِينَ عَلى تَقْدِيرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، لِقِيامِ بَقِيَّةِ المُعْجِزاتِ القاطِعَةِ بِالرِّسالَةِ، القاضِيَةِ بِالصِّدْقِ، كَما قَضَتْ بِصِدْقِ أنْبِيائِهِمْ [مَعَ] أنَّهم يَكْتُبُونَ ويَقْرَأُونَ، وكُتُبُهم لَمْ تَنْزِلْ لِلْإعْجازِ، فَصَحَّ أنَّهم يَلْزَمُهُمُ الِاتِّصافُ بِالإبْطالِ بِالِارْتِيابِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الكِتابَةِ والقِراءَةِ وعَدَمِهِما، لِأنَّ العُمْدَةَ عَلى المُعْجِزاتِ.

29:49Page 402

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهم لا رِيبَةَ لَهم أصْلًا ولا شُبْهَةَ، لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ باطِلٌ، قالَ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ: القُرْآنُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ وارْتابُوا فِيهِ فَكانُوا مُبْطِلِينَ لِذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: دَلالاتٌ ﴿بَيِّناتٌ﴾ أيْ: واضِحاتٌ جِدًّا في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِكَ ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ العِلْمِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، أظْهَرَ ما كانَ أصْلُهُ الإضْمارَ فَقالَ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ العِلْمُ الكامِلُ النّافِعُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيفِ شَيْءٍ مِنهُ لِبَيانِ الحَقِّ لَدَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى [أنَّ خَفاءَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ لا أثَرَ لَهُ، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالعِلْمِ النّافِعَ، قالَ (p-٤٥٥)إشارَةً إلى] أنَّهُ في صُدُورِ غَيْرِهِمْ عَرْيًا عَنِ النَّفْعِ: ﴿وما يَجْحَدُ﴾ وكانَ الأصْلُ: بِهِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: يُنْكِرُها بَعْدَ المَعْرِفَةِ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا [والبَيانِ الَّذِي لا يَجْحَدُهُ أحَدٌ] ﴿إلا الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الرّاسِخُونَ في الظُّلْمِ الَّذِي لا يَنْتَفِعُونَ بِنُورِهِمْ في وضْعِ كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّهِ، بَلْ هم في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحَلِّها كالماشِي في الظَّلامِ الَّذِي تَأثَّرَ عَنْ وصْفِهِمْ أوَّلًا بِالكُفْرِ الَّذِي هو تَغْطِيَةُ أنْوارِ العُقُولِ.

29:50Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَجَحَدُوها [بِما لَهم مِنَ الرُّسُوخِ في الظُّلْمِ] أصْلًا ورَأْسًا، ولَمْ يُعِدُّوها آياتٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها بَيِّناتٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾ مُوهِمِينَ مَكْرًا وإظْهارَ النَّصَفَةِ بِالِاكْتِفاءِ بِأدْنى ما يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن وُجُوهِ الإنْزالِ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ تَكُونُ بِحَيْثُ تَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِدْقِ الآتِي بِها ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: الَّذِي يَدَّعِي إحْسانَهُ إلَيْهِ كَما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن نَحْوِ ناقَةِ صالِحٍ وعَصا مُوسى ونَحْوِهِما، لِنَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ، وصِحَّةِ ما يَدَّعِيهِ مِن حالِهِ هَذا عَلى قِراءَةِ [ ابْنِ كَثِيرٍ و] حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ بِالإفْرادِ، وجَمَعَ غَيْرُهم دَلالَةً عَلى أنَّ فَرِيقًا آخَرَ قالُوا: إنَّ مِثْلَ هَذا المُهِمِّ العَظِيمِ لا يَثْبُتُ إلّا بِآياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وأوْهَمُوا (p-٤٥٦)مُكابَرَةً وعِنادًا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وإنْ وقَعَ ما يُسَمّى آيَةً.

ولَمّا كانَ هَذا إنْكارًا لِلشَّمْسِ بَعْدَ شُرُوقِها، ومُكابَرَةً فِيما تَحَدّى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ بَعْدَ حُقُوقِها، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم إرْخاءً لِلْعِنانِ حَتّى كَأنَّكَ ما أتَيْتَهم بِشَيْءٍ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يَقْدِرُ عَلى إنْزالِ شَيْءٍ مِنها غَيْرُهُ، فَإنَّما الإلَهُ هو لا سِواهُ ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ﴾ أقْوَمُ لَكم بِما حَمَّلَنِي وكَلَّفَنِي مِنَ النِّذارَةِ، دالًّا عَلَيْهِ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ، ونَواقِضِ المُطَّرِداتِ ولَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ [عَلَيْهِ] الآياتِ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى الصِّدْقِ، وهي كُلُّها في حُكْمِ آيَةٍ واحِدَةٍ [فِي ذَلِكَ، ] ولَمْ يَذْكُرِ البِشارَةَ لِأنَّهُ لَيْسَ أُسْلُوبُها ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: أوْضَحَ ما آتى بِهِ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ صِحَّةَ كَوْنِي نَذِيرًا، فَلَيْسَ إلَيَّ إنْزالُ الآياتِ ولا طَلَبُها اقْتِراحًا عَلى اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ فِيهِما، خُوطِبَ بِهِ مَن لَزِمَهُ ادِّعاءُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ إلَيْهِ ﷺ وأنَّ أمْرَهُ الإتْيانُ بِما يُرِيدُ أوْ يَطْلُبُ مِنهُ.

29:51Page 402

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

ولَمّا أفْرَحَهم بِما كَأنَّهُ تَسْلِيمٌ لِمُدَعّاهم، وكانَ مِنَ البَيِّنِ أنَّ لِسانَ الحالِ يَقُولُ: ألَمْ يَكْفِهِمْ ما جِئْتَهم [بِهِ] مِنَ الآياتِ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ، وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ مُنْكِرًا عَلى جَهْلِهِمْ (p-٤٥٧)وعِنادِهِمْ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ أيْ: إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مُغْنِيَةٌ عَنْ كُلِّ آيَةٍ ﴿أنّا أنْـزَلْنا﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ بِحَيْثُ صارَ خُلُقًا لَكَ غالِبًا عَلى حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ مُتابَعَةُ قِراءَتِهِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ وكُلِّ زَمانٍ مَن كُلِّ تالٍ مُصَدِّقًا لِما في الكُتُبِ القَدِيمَةِ مِن نَعْتِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ، يَتَحَدَّوْنَ بِكُلِّ شَيْءٍ نَزَلَ مِنهُ مَعَ تَحَدِّيهِمْ بِما قَبْلَهُ مِن آياتِهِ صَباحَ مَساءَ، يَصْفَعُونَ بِذَلِكَ مَدى الدَّهْرِ في أقْفائِهِمْ ويَدْفَعُونَ، فَكُلَّما أرادُوا التَّقَدُّمَ رَدُّوا عَجْزًا إلى ورائِهِمْ، فَأعْظِمْ بِهِ آيَةً باقِيَةً، إذْ كَلُّ آيَةٍ سِواهُ مُنْقَضِيَةٌ ماضِيَةٌ، [وقالَ الشَّيْخُ أبُو العَبّاسِ المُرْسِي: خَشَعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن سَماعِ اليَهُودِ بِقِراءَةِ التَّوْراةِ فَعَتَبُوا إذْ تَخَشَّعُوا مِن غَيْرِ القُرْآنِ، وهم إنَّما تَخَشَّعُوا مِنَ التَّوْراةِ وفي كَلامِ اللَّهِ فَما ظَنُّكَ بِمَن أعْرَضَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ وتَخَشَّعَ بِالمَلاهِي والغِناءِ].

ولَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ مِن كُلِّ آيَةٍ يَقْتَرِحُونَها ولَوْ تَوالى عَلَيْهِمْ إتْيانُها كُلَّ يَوْمٍ لِدَوامِ هَذا عَلى مَرِّ الأيّامِ والشُّهُورِ، حَتّى تَفْنى (p-٤٥٨)الأزْمانُ والدُّهُورُ، أشارَ تَعالى إلى هَذَهِ العَظَمَةِ، مَعَ ما فِيها مِنَ النِّعْمَةِ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا عَلى جَهْلِهِمْ فِيما لَزِمَ مِن كَلامِهِمُ الأوَّلِ مِن إنْكارِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّهم عَلى الصِّدْقِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَذا الوَجْهِ البَعِيدِ المَنالِ البَدِيعِ المِثالِ ﴿لَرَحْمَةً﴾ لَهم لِصَقْلِهِ صَدَأ القُلُوبِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وتَطْهِيرِهِ خُبْثَ النُّفُوسِ في كُلِّ لَمْحَةٍ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: عَظِيمَةً مُسْتَمِرًّا [تَذْكُرُها].

ولَمّا عَمَّ بِالقَوْلِ، خَصَّ مِن حَيْثُ النَّفْعُ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ لَهم إيمانٌ، لَيْسَ مِن هَمِّهِمُ التَّعَنُّتُ، قالَ الحِرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الدِّينِ: ولَمّا كانَ القُرْآنُ لِسانَ إحاطَةٍ لَمْ يَفِ بِالقِيامِ بِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ، لِأنَّهُ بِبِناءٍ عَلى كُلِّيِّهِ أمْرُ اللَّهِ حَتّى أنَّ السُّورَةَ الواحِدَةَ مِنهُ لَمّا كانَ مَوْقِعُ الخِطابِ بِها مِن مُدَدِ بِنائِهِ عَلى إحاطَةِ أمْرِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُها [أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ، وإذا كانَ الأقَلُّ مِن كَلامِ العالِمِ لا يَسْتَطِيعُهُ] مَن دُونَ رُتْبَتِهِ، فَعَجْزُ الخَلْقِ عَنْ كَلامِ اللَّهِ أحَقُّ وأوْلى، ثُمَّ كُلُّ ناظِرٍ فِيهِ - مِن أيِّ وجْهٍ نَظَرَهُ - أدْرَكَ بِمُقْتَضى عُلُوِّهِ عَلى رُتْبَتِهِ وجْهًا مِنَ العَجْزِ فِيهِ، إنْ كانَ فَصِيحًا بَلِيغًا فَمِن جِهَةِ البَلاغَةِ، ومَعْناها بُلُوغُ الكَلامِ في مُطابَقَةِ أنْبائِهِ ويُسَمّى الفَصاحَةَ، وحُسْنُ نَظْمِ (p-٤٥٩)حُرُوفِ كَلِماتِهِ ويُسَمّى الجَزالَةَ، وكَمالُ انْتِظامِ كَلِماتِهِ وآياتِهِ، ويُسَمّى حُسْنَ النَّظْمِ - إلى أنْهى غاياتِهِ وأتَمِّ نِهاياتِهِ- وإنْ كانَ عالِمًا بِأخْبارِ الأوَّلِينَ فَبِصِحَّةِ مُقْتَضاها فِيهِ، وإنْ كانَ حَكِيمًا فَبِالإعْلامِ الأتَمِّ بِوَجْهِ تَقاضِي المُتَرَتِّباتِ، وبِالجُمْلَةِ فَما يَكُونُ لِأحَدٍ أصْلٌ مِن عَقْلٍ وحَظٌّ مِن عِلْمٍ - أيَّ عِلْمٍ كانَ - إلّا ويَجِدُ لَهُ مَوْقِعًا في القُرْآنِ، يَفِي لَهُ بِحَظِّ بَيانٍ عُلُوَّ مَرْتَبَةِ أنْبائِهِ عَلى نِهايَةٍ مُدْرَكَةٍ مِنهُ بِمِقْدارٍ لا يَرْتابُ في وُقُوعِهِ فَوْقَ طَوْرِ الخَلْقِ، فَكانَ آيَةً باقِيَةً دائِمَةً لَمْ يَتَفاوَتْ في تَلَقِّيهِ أوَّلُ سامِعٍ لَهُ مِن آخِرِ سامِعٍ في وجْهِ سَماعِهِ، فَكُلُّ نَبِيٍّ فُقِدَتْ آيَتُهُ بِفَقْدِهِ أوْ بِفَقْدِ وقْتِ ظُهُورِها عَلى يَدَيْهِ، وآيَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ باقِيَةٌ بِبَقاءِ اللَّهِ، فَجِهاتُ ظُهُورِ إعْجازِهِ تَأْتِي عَلى حُظُوظِ أصْنافِ الخَلْقِ مِن وُجُوهِ الإدْراكِ، لا يَتَعَيَّنُ لِظُهُورِ الإعْجازِ فِيهِ جِهَةٌ، ولا يَفْقِدُ ناظِرٌ فِيهِ حَظًّا يَتَطَرَّقُ بِمِقْدارِ إدْراكِهِ مِنهُ إلى يَقِينٍ وجْهِ إعْجازِهِ، وذَلِكَ لَمّا كانَ مُحِيطًا بِكُلِّ تَفْصِيلٍ وكُلِّ إجْمالٍ، ولَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ مِن شَيْءٍ، وكانَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ولِإحاطَتِهِ بِإثْباتِ كُلِّ رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ في التَّوَقُّفِ عَنِ الإيمانِ بِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ وجَمِيعِ خَلْقِ اللَّهِ، مَن يَعْرِفُهُ النّاسُ مِنهم ومَن لا يَعْرِفُونَهم مِمَّنْ أحاطَ بِهِمْ عِلْمُ العالَمِينَ بِإعْلامِ اللَّهِ، ومِن (p-٤٦٠)حُكْمِ إحاطَةِ كِتابِهِ كانَ مُمْكِنًا مِن عالِيَةِ كُلِّ آيَةٍ جاءَ بِها نَبِيٌّ قَبْلَهُ مِمَّنْ شاهَدَ ذَلِكَ مِنهُ حاضِرُوهُ، ونَقَلَهُ نَقْلَ التَّواتُرِ والِاسْتِفاضَةِ حَمَلَةُ العِلْمِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ؛ ثُمَّ رَتَّبَ قِياسًا عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَةٍ هَذا القُرْآنُ المَشْهُودُ، وهَذا القُرْآنُ المَشْهُودُ مُعْجِزٌ كُلَّ ذِي إدْراكٍ، وبُشْرى مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ مَعانِيهِ وبَلاغَتِهِ، فَذُو آيَةٍ هَذا القُرْآنِ نَبِيٍّ، فَمُحَمَّدٌ ﷺ [نَبِيٌّ، ] أمّا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَتِهِ فَبِالتَّجْرِبَةِ السَّمْعِيَّةِ المُتَيَقِّنَةِ المُسَمّاةِ بِالتَّواتُرِ، وأمّا أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ فِيما يَجِدُهُ كُلُّ ناظِرٍ في مَعْناهُ المُشْتَمِلِ عَلى تَمامِ الحِكْمَةِ فِيما هو كائِنٌ ونَبَأُ ما كانَ مِن قَبْلُ وخَبَرُ ما يَكُونُ بَعْدَ المُتَيَقِّنِ بِوُقُوعِ أوائِلِهِ وُقُوعَ جُمْلَتِهِ وصِحَّةَ خَبَرِهِ، وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ ذا آيَتِهِ نَبِيٌّ، ثُمَّ بِما تَضَمَّنَهُ مِن شَهادَتِهِ لِذِي آيَتِهِ وتَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَصَحَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ذُو آيَتِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ ﷺ، والمُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ تَحَدّى بِهَذا القُرْآنِ [العَرَبَ] الفُصَحاءَ واللُّدَّ البُلَغاءَ، فَلَمّا لَجَؤُوا لِلْحَرْبِ وضَحَ أنَّهم فَرُّوا لِذَلِكَ المَكانِ ما وجَدُوهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَجْزِ، وإذا عَجَزَ أُولَئِكَ فَمَن بَعْدَهم أحَقُّ بِالعَجْزِ، فَلَمّا شَمِلَ العَجْزُ الكُلَّ مِنَ الخَلْقِ، (p-٤٦١)وجَبَ العِلْمُ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ حَقٌّ، والمُتَحَدِّي بِهِ نَبِيٌّ جاءَ بِالصِّدْقِ، وحاصِلُهُ: لَوْ لَمْ تَعْجِزِ العَرَبُ لَمْ تُحارِبْ ثِقَلَ الحَرْبِ وخِفَّةَ المُعارَضَةِ لَوِ اسْتَطاعُوها، ولَمْ يُعارِضُوا وحارَبُوا فَقَدْ عَجَزُوا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ نَبِيٌّ ﷺ انْتَهى.

29:52Page 402

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ لا نُصَدِّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ نَكْتَفِيَ بِهِ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: جَوابًا لِما قَدْ يَقُولُونَهُ مِن نَحْوِ هَذا: ﴿كَفى بِاللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ وسائِرِ الكَمالاتِ، الَّذِي شَهِدَ لِي بِالرِّسالَةِ في كِتابِهِ الَّذِي أثْبَتَ أنَّهُ كَلامُهُ عَجْزُ الخَلْقِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.

ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ النّاسِ، وتَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدًا﴾ بِخِلافِ الرَّعْدِ والأنْعامِ، ثُمَّ وصَفَ الشَّهِيدَ أوْ عَلَّلَ كِفايَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلَّها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْأرْضِ غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ذَكَرَ في إتْيانِ الوَحْيِ والقُرْآنِ مِنها، أفْرَدَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو عَلِيمٌ بِما يَنْسُبُونَهُ إلَيَّ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ وبِما أنْسِبُهُ أنا إلَيْهِ (p-٤٦٢)مِن هَذا القُرْآنِ الَّذِي شَهِدَ لِي بِهِ عَجْزُكم عَنْهُ فَهو شاهِدٌ لِي، واللَّهُ في الحَقِيقَةِ هو الشّاهِدُ لِي، بِما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيَّ، والشَّهادَةِ لِي بِالصِّدْقِ، لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ وسَيَتَحَقَّقُ بِالعَقْلِ إبْطالُ المُبْطِلِ مِنّا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدْ شَهِدَ لِي بِأنِّي عَلى الحَقِّ، وأنَّ كُلَّ ما خالَفَ ما جِئْتَ بِهِ فَهو باطِلٌ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ وكَفَرُوا بِالباطِلِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَجُوزُ الإيمانُ بِهِ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللَّهِ ﴿وكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي يَجِبُ الإيمانُ بِهِ والشُّكْرُ لَهُ، لِأنَّهُ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وكُلُّ ما سِواهُ هالِكٌ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ ﴿أُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيْ: العِرِيقُونَ في الخَسارَةِ، فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم أبَدًا.

29:53Page 403

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم مَرَّةً واحِدَةً ”لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ“ عَجَبًا، أتى بَعْدَ إخْبارِهِ بِخَسارَتِهِمْ بِأعْجَبَ مِنهُ، وهو اسْتِمْرارُ اسْتِعْجالِهِمْ بِما لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِنهُ مِن عَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَكَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ ويَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ عَنْهم شُبْهَةٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَ لِوَقْتِ عَذابِهِمْ لا تَقَدُّمَ فِيهِ ولا تَأخُّرَ ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ وقْتَ اسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ القُدْرَةَ تامَّةٌ والعِلْمُ مُحِيطٌ.

(p-٤٦٣)ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّهُ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى اسْتِهْزائِهِمُ المُتَضَمَّنِ لِلْإنْكارِ: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ثُمَّ هَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ وأكَّدَ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بَلْ هم في غايَةِ الغَفْلَةِ عَنْهُ والِاشْتِغالِ بِما يُنْسِيهِ، .

29:54Page 403

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

ثُمَّ زادَ [فِي] التَّعَجُّبِ مِن جَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ إيقاعُهُ بِهِمْ ناجِزًا ولَوْ كانَ في غَيْرِ وقْتِهِ الألْيَقِ [بِهِ، ] فَلَوْ عَلِمُوا ما هم سائِرُونَ إلَيْهِ لِتَمَنَّوْا أنَّهم لَمْ يَخْلُقُوا فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوا، ولَأعْمَلُوا جَمِيعَ جُهْدِهِمْ في الخَلاصِ مِنهُ.

ولَمّا كانَ دُخُولُهُمُ النّارَ لابُدَّ مِنهُ لِإحاطَةِ القُدْرَةِ بِهِمْ، قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ الآخِرَةَ بِإثْباتِ أخَصَّ مِنها: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ أيْ: بِما هي مُهَيَّأةٌ لَهُ، لِأنَّهُ لا يَفُوتُها شَيْءٌ مِنهُ، لِأنَّ الَّذِي أعَدَّها عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وقالَ: ﴿بِالكافِرِينَ﴾ مَوْضِعَ ”بِهِمْ“ تَنْبِيهًا عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ عَذابَها، وتَعْمِيمًا لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ.

29:55Page 403

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ دَلِيلًا عَلى إنْكارِهِمْ قالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ ذَلِكَ [يَوْمَ] ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: يَلْحَقُهم ويُلْصِقُ بِهِمْ ما لا يَدَعُ لَهم شَيْئًا يَسْتَعْذِبُونَهُ، ولا أمْرًا يَسْتَلِذُّونَهُ ونَبَّهَ عَلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ (p-٤٦٤)جِهَةِ الفَوْقِ مَعَ اسْتِعْلائِهِ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ الإحاطَةَ بِما هو أدْنى مِن جِهَةِ الفَوْقِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ فَعُلِمَ بِذَلِكَ إحاطَتُهُ بِجَمِيعِ الجَوانِبِ، وصَرَّحَ بِالرَّجُلِ تَحْقِيقًا لِلْآدَمِيِّ ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ: اللَّهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتانِيَّةِ جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي، أوْ نَحْنُ بِعَظَمَتِنا في قِراءَةِ الباقِينَ تَرْوِيعًا بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿ذُوقُوا﴾ ما سَبَّبَهُ لَكم ﴿ما كُنْتُمْ﴾ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقَّ اليَقِينِ بَعْدَ عِلْمِكم لَهُ عَيْنَ اليَقِينِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكم بِعِلْمِ اليَقِينِ.

29:56Page 403

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦

O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.

ولَمّا أبْلَغَ في الإنْذارِ، وحَذَّرَ مِنَ الأُمُورِ الكِبارِ، ولَمْ يُهْمِلِ الإشارَةَ إلى الصِّغارِ، وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ في المُتَعَنِّتِينَ مِنَ الكُفّارِ، وكانَ قَدْ كَرَّرَ أنَّ هَذِهِ المَواعِظَ إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ مُخاطِبًا لَهم مُعْرِضًا عَنْ سِواهم إذا كانَتْ أسْماعُهم لِبَلِيغِ هَذِهِ المَواعِظِ قَدْ أصْغَتْ، وقُلُوبُهم لِجَلِيلِ هَذِهِ الإنْذاراتِ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ، التِفاتًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلى (p-٤٦٥)التَّلْذِيذِ في المُناجاةِ بِالإفْرادِ والإبْعادِ مِن مَداخِلِ التَّعَنُّتِ: ﴿يا عِبادِيَ﴾ فَشَرَّفَهم بِالإضافَةِ، ولَكِنَّهُ لَمّا أشارَ بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَرْسَخْ، حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيْ: ] وإنْ كانَ الإيمانُ بِاللِّسانِ مَعَ أدْنى شُعْبَةٍ مِنَ القَلْبِ.

ولَمّا كانَ نُزُولُ هَذِهِ [السُّورَةِ] بِمَكَّةَ، وكانُوا بِها مُسْتَخِفِّينَ بِالعِبادَةِ خَوْفًا مِنَ الكُفّارِ، وكانَتِ الهِجْرَةُ لِلْأهْلِ والأوْطانِ شَدِيدَةً، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَ مَن تَرَكَ الهِجْرَةَ حالَ مَن يَظُنُّ أنَّ الأرْضَ ضَيِّقَةٌ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ أيْ: في الذّاتِ والرِّزْقِ وكُلِّ ما تُرِيدُونَ مِنَ الرِّفْقِ، فَإنْ لَمْ تَتَمَكَّنُوا بِسَبَبِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ الَّذِينَ يَفْتِنُونَكم في دِينِكم ويَمْنَعُونَكم مِنَ الإخْلاصِ [لِي] في أرْضِكم والِاجْتِهادِ في عِبادَتِي حَتّى يَصِيرَ الإيمانُ لَكم وصْفًا، فَهاجِرُوا إلى أرْضٍ تَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتِ الإقامَةُ بِها قَبْلَ الفَتْحِ مُؤَدِّيَةً إلى الفِتْنَةِ، وكانَ المَفْتُونُ رُبَّما طاوَعَ بِلِسانِهِ، وكانَ ذَلِكَ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ في صُورَةِ الشِّرْكِ قالَ: ﴿فَإيّايَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِالهِجْرَةِ إلى أرْضٍ تَأْمَنُونَ فِيها اعْبُدُوا وتَنَبَّهُوا ﴿فاعْبُدُونِ﴾ بِسَبَبِ ما دَبَّرْتُ لَكم مِنَ المَصالِحِ مِن تَوْسِيعِ الأرْضِ وغَيْرِهِ، عِبادَةً لا شِرْكَ فِيها، لا بِاللِّسانِ ولا بِغَيْرِهِ ولا اسْتِخْفافًا بِها ولا مُراعاةً لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَتِهِ، ولا شَيْءَ يَجُرُّ إلَيْها بِالهَرَبِ مِمَّنْ يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ إلى مَن يُعِينُكم عَلَيْهِ.

29:57Page 403

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧

Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.

(p-٤٦٦)ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةَ المَرارَةِ لِأنَّها مَرَّتْ في المَعْنى مِن حَيْثُ كَوْنِها مُفارَقَةَ المَأْلُوفِ المَحْبُوبِ مِنَ العَشِيرِ والبَلَدِ والمالِ، وكانَ في المَوْتِ ذَلِكَ كُلُّهُ بِزِيادَةٍ، قالَ مُؤَكِّدًا بِذَلِكَ مُذَكِّرًا بِهِ مُرَهِّبًا مِن تَرْكِ الهِجْرَةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: مُفارَقَةُ كُلِّ ما ألِفَتْ حَتّى بَدَنًا طالَما لابَسَتْهُ، وآنَسَها وآنَسَتْهُ، فَإنْ أطاعَتْ رَبَّها أنْجَتْ نَفْسَها ولَمْ تَنْقُصْها الطّاعَةُ في الأجَلِ شَيْئًا، وإلّا أوْبَقَتْ نَفْسَها ولَمْ تَزِدْها المَعْصِيَةُ في الأجَلِ شَيْئًا، فَإذا قَدَّرَ الإنْسانُ أنَّهُ ماتَ سَهُلَتْ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُفارِقْ بَعْضَ مَأْلُوفِهِ بِها فارَقَ كُلَّ مَأْلُوفِهِ [بِالمَوْتِ]، وما ذُكِرَ المَوْتُ في عَسِيرٍ إلّا يَسَّرَهُ، ولا يَسِيرٍ إلّا عَسَّرَهُ وكَدَّرَهُ.

ولَمّا هَوَّنَ أمْرَ الهِجْرَةِ، حَذَّرَ مَن رَضِيَ في دِينِهِ بِنَوْعِ نَقْصٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ حَثًّا عَلى الِاسْتِعْدادِ بِغايَةِ الجُهْدِ في التَّزَوُّدِ لِلْمَعادِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا﴾ عَلى عَظَمَتِنا، لا إلى غَيْرِنا ﴿تُرْجَعُونَ﴾ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكم بِما عَمِلَ.

29:58Page 403

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨

And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِينَ آمَنُوا فَلَبِسُوا إيمانَهم بِنَوْعِ نَقْصٍ لَنَنْقُصَنَّهم في جَزائِهِمْ، والَّذِينَ كَفَرُوا لَنُرْكِسَنَّهم في جَهَنَّمَ دَرَكاتٍ تَحْتَ دَرَكاتٍ (p-٤٦٧)فَبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ، ولَكِنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَذابِ قَرِيبًا، وكانَ القَصْدُ هُنا التَّرْغِيبَ في الإيمانِ كَيْفَما كانَ، طَواهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِأنْ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ: كُلَّها.

ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَكَيْفَ ما بَعْدَهُ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أيْ: لِنُسْكِنَنَّهم في مَكانٍ هو جَدِيرٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مِن حُسْنِهِ وطِيبِهِ مَن خَرَجَ مِنهُ لِبَعْضِ أغْراضِهِ، وهو مَعْنى: ﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ: بُيُوتًا عالِيَةً تَحْتَها قاعاتٌ واسِعَةٌ بَهِيَّةٌ عالِيَةٌ، وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ.

ولَمّا كانَتِ العَلالِي لا تُرَوَّضُ إلّا بِالرِّياضِ قالَ: ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ لِجِهَةِ التَّحْتِ بِالعَذابِ أشْبَهَ، بَعْضُهُ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَوْضِعٍ أنْهارٌ، إلّا كانَ بِهِ بَساتِينُ كِبارٌ، وزُرُوعٌ ورِياضٌ وأزْهارٌ فَيُشْرِفُونَ عَلَيْها مِن تِلْكَ العَلالِي.

ولَمّا كانَتْ بِحالَةٍ لا نَكَدَ فِيها يُوجِبُ هَجْرَهُ في لَحْظَةٍ ما، كَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَها، وشَرَّفَ قَدْرَها، بِقَوْلِهِ: ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾

29:59Page 403

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

ثُمَّ وصَفَهم بِما يُرَغِّبُ في الهِجْرَةِ، فَقالَ مُعَرِّفًا بِجِماعِ الخَيْرِ [كُلِّهِ] الصَّبْرَ وكَوْنَهُ عَلى جِهَةِ التَّفْوِيضِ لِلَّهِ، (p-٤٦٨)مُنَبِّهًا عَلى أنَّ ١ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ أمْرٍ شاقٍّ يَنْبَغِي الصَّبْرُ عَلَيْهِ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ حَتّى اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهم فَكانَتْ سَجِيَّةً لَهم، فَأوْقَعُوها عَلى كُلِّ شاقٍّ مِنَ التَّكالِيفِ مِن هِجْرَةٍ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ إلى المُحْسِنِ إلَيْهِ أمْيَلَ، قالَ مُرَغِّبًا في الِاسْتِراحَةِ بِالتَّفْوِيضِ إلَيْهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: وحْدَهُ لا عَلى أهْلٍ ولا وطَنٍ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: [ يُوجِدُونَ التَّوَكُّلَ إيجادًا مُسْتَمِرَّ التَّجْدِيدِ عِنْدَ كُلِّ مُهِمٍّ يَعْرِضُ لَهُمْ] في أرْزاقِهِمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ وغَيْرِها وجِهادِ أعْدائِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ.

29:60Page 403

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

ولَمّا أشارَ بِالتَّوَكُّلِ إلى أنَّهُ الكافِي في أمْرِ الرِّزْقِ في الوَطَنِ والغُرْبَةِ، لا مالَ ولا أهْلَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكَأيٍّ مِن مُتَوَكِّلٍ عَلَيْهِ كَفاهُ، ولَمْ يُحْوِجْهُ إلى أحَدٍ سِواهُ، فَلْيُبادِرْ مَن أنْقَذَهُ مِنَ الكُفْرِ وهَداهُ إلى الهِجْرَةِ طالِبًا لِرِضاهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: كَثِيرٌ مِنَ الدَّوابِّ العاقِلَةُ وغَيْرُها ﴿لا تَحْمِلُ﴾ أيْ: لا تُطِيقُ أنْ تَحْمِلَ ﴿رِزْقَها﴾ ولا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِساعَةٍ أُخْرى، لِأنَّها قَدْ لا تُدْرِكُ نَفْعَ ذَلِكَ، وقَدْ تُدْرِكُهُ وتَتَوَكَّلُ، أوْ لا تَجِدُ.

ولَمّا كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: فَمَن يَرْزُقُها؟ قالَ جَوابًا لَهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، المُتَّصِفُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿يَرْزُقُها﴾ وهي لا تَدَّخِرُ ﴿وإيّاكُمْ﴾ وأنْتُمْ تَدَّخِرُونَ، لا فَرْقَ بَيْنَ تَرْزِيقِهِ لَها عَلى ضَعْفِها وتَرْزِيقِهِ لَكم (p-٤٦٩)عَلى قُوَّتِكم وادِّخارِكم، فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ تارَةً يَجِدُونَ وتارَةً لا يَجِدُونَ، فَصارَ الِادِّخارُ وعَدَمُهُ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ولا مَنظُورٍ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ أهَمَّ ما لِلْحَيَوانِ الرِّزْقُ، فَهو لا يَزالُ في تَدْبِيرِهِ بِما يَهْجِسُ في ضَمِيرِهِ ويَنْطِقُ بِهِ إنْ كانَ ناطِقًا ويُهَمْهِمُ بِهِ إنْ كانَ صامِتًا، أمّا العاقِلُ فَبِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، وأمّا غَيْرُهُ فَبِأشْياءَ جُزْئِيَّةٍ وحْدانِيَّةٍ، وكانَ العاقِلُ رُبَّما قالَ: إنِّي لا أقْدِرُ عَلى قَطْعِ العَلائِقِ مِن ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ: لِما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ في أمْرِهِ وغَيْرِ أمْرِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِما يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ، وبِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُكم وأمْرُ عَدُوِّكم، فَهو لَمْ يَأْمُرْكم بِما أمَرَكم بِهِ إلّا وقَدْ أعَدَّ لَهُ أسْبابَهُ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُسَبِّبَ لِما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الأسْبابِ المُنْتِجَةِ عِنْدَهُ ولابُدَّ ما يُعَطِّلُهُ، وعَلى أنْ يُسَبِّبَ لِلْمُتَوَكِّلِ القاطِعِ لِلْعَلائِقِ ما يُغْنِيهِ، ومَن طالَعَ كُتُبَ التَّصَوُّفِ وتَراجِمَ القَوْمِ وسِيَرَ السَّلَفِ - نَفَعَنا اللَّهُ بِهِمْ - وجَدَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ بِما يُبَصِّرُهُ ويُسَلِّيهِ سُبْحانَهُ ويُصَبِّرُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском