Al-Biqa'iAl-'Ankabut · 29:61–69

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:61–69

29:61Page 403

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١

If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?

ولَمّا هَوَّنَ سُبْحانَهُ أمْرَ الرِّزْقِ بِخِطابِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ [كانَ قَدْ] أبْلَغَ في تَنْبِيهِ الكافِرِينَ بِإيضاحِ المَقالِ، وضَرْبِ الأمْثالِ، ولِينِ المُحاوَرَةِ في الجِدالِ، ولَمّا كانَ المَلِكُ لا يَتَمَكَّنُ غايَةَ التَّمَكُّنِ مِن تَرْزِيقِ مَن في غَيْرِ مَمْلَكَتِهِ، قالَ [عاطِفًا عَلى نَحْوِ: فَلَئِنْ سَألْتَهم عَنْ ذَلِكَ لِيُصَدِّقُنَّكَ] (p-٤٧٠)عائِدًا إلى اسْتِعْطافِ المُعْرِضِينَ، واللُّطْفِ بِالغافِلِينَ، ناهِجًا في تَفْنَيْنِ الوَعْظِ أعْنِي طُرُقَ الحِكْمَةِ، فَإنَّ السَّيِّدَ إذا كانَ لَهُ عَبْدانِ: مُصْلِحٌ ومُفْسِدٌ، يَنْصَحُ المُفْسِدَ، فَإنْ لَمْ يَسْمَعِ التَفَتَ إلى المُصْلِحِ، إعْراضًا عَنْهُ قائِلًا: هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ، فاسْمَعْ أنْتَ ولا تَكُنْ مِثْلَهُ، فَكانَ قَوْلُهُ مُتَضَمِّنًا نُصْحَ المُصْلِحِ وزَجْرَ المُفْسِدِ، ثُمَّ إذا سَمِعَ وعْظَ أخِيهِ كانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا مِنهُ بَعْدَ التَّحْرِيكِ بِالإعْراضِ والذَّمِّ بِسُوءِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وقِلَّةِ الفِطْنَةِ، فَإذا خاطَبَهُ بَعْدَ هَذا وجَدَهُ مُتَهَيِّئًا لِلْقَبُولِ، نازِعًا إلى الوِفاقِ، مُسْتَهْجِنًا لِلْخِلافِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: المُؤْمِنَ وغَيْرَهُ، وأغْلَبُ القَصْدِ لَهُ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وسِواهُما عَلى هَذا النِّظامِ العَظِيمِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِإصْلاحِ الأقْواتِ، ومَعْرِفَةِ الأوْقاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ.

ولَمّا كانَ حالُهم في إنْكارِ البَعْثِ حالَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذا الوُجُودَ، أكَّدَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ فَقالَ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لِما قَدْ تَقَرَّرَ في فِطَرِهِمْ مِن ذَلِكَ وتَلَقَّفُوهُ عَنْ آبائِهِمْ مُوافَقَةً لِلْحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ.

ولَمّا كانَ حالُ مَن صُرِفَ الهِمَّةِ عَنْهُ عَجَبًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْألَ عَنْهُ (p-٤٧١)عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ مِنهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا وجْهَ لَهُ، قالَ ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: يُصْرَفُ مِن صارِفٍ ما مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُخْلِصْ لَهُ العِبادَةَ في كُلِّ أحْوالِهِ، وجَمِيعِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، عَنِ الإخْلاصِ لَهُ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ فَيَكُونُ وجْهُهُ إلى قَفاهُ فَيَنْظُرُ الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ فَيَقَعُ في خَبْطِ العَشْواءِ وحَيْرَةِ العَجْباءِ.

29:62Page 403

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢

Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

ولَمّا كانَ قَدْ يُشْكِلُ عَلى ذَلِكَ التَّفاوُتُ في الرِّزْقِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ [حَقَّ التَّأمُّلِ] فَيُقالُ: بِكُلِّ الخَلْقِ والرِّزْقِ لَهُ، فَما بالُهم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ؟ قالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن [العَظَمَةِ] والإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ ﴿لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُ.

ولَمّا كانَ [ذَلِكَ] إنَّما هو لِمَصالِحِ العِبادِ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهم وجْهُ حِكْمَتِهِ قالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِتَظْهَرَ مِن ذَلِكَ قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وأنْتَ تَرى المُلُوكَ وغَيْرَهم مِنَ الأقْوِياءِ يُفاوِتُونَ في الرِّزْقِ بَيْنَ عُمّالِهِمْ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُونَ مِن عِلْمِهِمُ النّاقِصِ بِأحْوالِهِمْ، فَما ظَنُّكَ بِمَلِكِ المُلُوكِ العالِمِ عِلْمًا لا تَدْنُو مِن ساحَتِهِ ظُنُونٌ ولا شُكُوكٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَتِيجَةَ ما قَبْلَها.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ يَرْزُقُ النّاسَ، ويُمْكِنُ لَهم بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن (p-٤٧٢)ضَمائِرِهِمْ أنَّهُ لا صَلاحَ إلّا فِيهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ ومُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن تَقْصِيرِ بَعْضِ العِبادِ وتَشْمِيرِ بَعْضِهِمْ، مُعْلِمًا بِأنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ فَهو مُحِيطُ القُدْرَةِ [فَهُوَ] الَّذِي سَبَّبَ عَجْزَ بَعْضِهِمْ وطاقَةَ الآخَرِينَ لِمُلازِمَةِ القُدْرَةِ العِلْمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [أيْ: ] مِنَ المَرْزُوقِينَ ومِنَ الأرْزاقِ وكَيْفَ تُمْنَعُ أوْ تُساقُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَهو عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَدِيرٌ، يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ العِبادَ مِن ذَلِكَ وما يُفْسِدُهم، ويُعْطِيهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ شاءَ وكَمْ رامَ بَعْضُ الأقْوِياءِ إغْناءَ فَقِيرٍ وإفْقارَ غَنِيٍّ، فَكَشَفَ الحالَ عَنْ فَسادِ ما رامُوا مِنَ الِانْتِقالِ.

29:63Page 403

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣

And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا شُمُولُ عِلْمِهِ، لَزِمَ تَمامَ قُدْرَتِهِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في طَهَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ ذاكِرًا السَّبَبَ القَرِيبَ في التَّرْزِيقِ بَعْدَما ذَكَرَ البَعِيدَ، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِأنَّ هَذا السَّبَبَ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ بِأنَّ المُسَبِّبَ أيْضًا مِنهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَـزَّلَ﴾ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ عَلى حَسَبِ ما [فَعَلَ] في التَّرْزِيقِ، [ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ أنَّهُ اسْتَنْبَطَ ماءً فَأنْزَلَهُ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ذَكَرَ ما يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحانَهُ سالِمًا عَنْ دَعْوى المُدَّعِينَ فَقالَ]: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ بَعْدَ أنْ كانَ مَضْبُوطًا في جِهَةِ العُلُوِّ (p-٤٧٣)﴿فَأحْيا﴾ [ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأرْضِ يَحْيا بِماءِ المَطَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى سَقْيٍ، قَدَّمَ الجارَّ فَقالَ]: ﴿بِهِ الأرْضَ﴾ الغَبْراءَ، وأشارَ بِإثْباتِ الجارِّ إلى قُرْبِ الإنْباتِ مِن زَمانِ المَماتِ، [وإلى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلى الجُزْئِيّاتِ المَوْجُودَةِ المَحْسُوسَةِ، ولا تَنْفُذُ عُقُولُهم إلى الكُلِّيّاتِ المَعْقُولَةِ نُفُوذَ أهْلِ الإيمانِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما أوْجَدَهُ سُبْحانَهُ بِالفِعْلِ في وقْتٍ فَهو مَوْجُودٌ إمّا بِإيجادِهِ إذا أرادَ، فالأرْضُ حَيَّةٌ بِإحْيائِهِ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ المَطَرِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ الَّذِي هو بَعْدَ المَوْتِ بِالقُوَّةِ كَما أنَّها حَيَّةٌ في بَعْضِها بِالفِعْلِ] فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ فَصارَتْ خَضْراءَ تَهْتَزُّ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ بِها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأكَّدَ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَهم في إنْكارِ البَعْثِ حالُ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ صانِعَ ذَلِكَ، لِمُلازَمَةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ [بِقَوْلِهِ: ] ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وهو الَّذِي الكَمالُ كُلُّهُ، فَلَزِمَهم تَوْحِيدُهُ.

فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ الخالِقُ بَدْءًا وإعادَةً كَما يُشاهَدُ في كُلِّ زَمانٍ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ صِفاتِهِ اللّازِمِ مِن إثْباتِها صِدْقُ رَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلِ﴾ مُعَجِّبًا مِنهم في جُمُودِهِمْ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِما يُلْزِمُهُمُ التَّوْحِيدَ ثُمَّ لا يُوَحِّدُونَ: ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ كُلِّها ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ إحاطَةٌ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَلَزِمَهُمُ الحُجَّةُ بِما (p-٤٧٤)أقَرُّوا بِهِ مِن إحاطَتِهِ، وهم لا يُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ، بَعْضُهم مُطْلَقًا لِأنَّهُ ماتَ كافِرًا] حَيْثُ هم مُقِرُّونَ بِمَعْنى الحَمْدِ مِن أنَّهُ الخالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ بَدْءًا وإعادَةً ثُمَّ يَفْعَلُونَ ما يُنافِي ذَلِكَ فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ خَلَقَهُ ولا يَتَوَكَّلُونَ في جَمِيعِ الأُمُورِ بَرًّا وبَحْرًا عَلَيْهِ ويُوَجِّهُونَ العِبادَةَ خالِصَةً إلَيْهِ، فَهم لا يَعْرِفُونَ مَعْنى الحَمْدِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، [ومِنهم مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكانَ في الذِّرْوَةِ مِن كَمالِ العَقْلِ في التَّوْحِيدِ الَّذِي يَتْبَعُهُ سائِرُ الفُرُوعِ، ومِنهم مَن كانَ دُونَ ذَلِكَ، فَكانَ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ مُقَيَّدًا بِالكَمالِ].

29:64Page 404

وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤

And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.

ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذا الآياتِ أنَّ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَناءِ والزَّوالِ، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، وصَحَّ أنَّ السُّرُورَ بِها في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى مُشِيرًا بَعْدَ سَلْبِ العَقْلِ عَنْهم إلى أنَّهم فِيها كالبَهائِمِ يَتَهارَجُونَ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ فَحَقَّرَها بِالإشارَةِ ولَفْظِ الدَّناءَةِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِهَذا الِاسْمِ كافٍ في الإلْزامِ بِالِاعْتِرافِ بِالأُخْرى.

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الحَثَّ عَلى الجِهادِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وكانَ في مَعْرِضٍ سَلْبِ العَقْلِ عَنْهم، قَدَّمَ اللَّهْوَ لِأنَّ الإعْراضَ عَنْهُ يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّرِّ فَإنَّهُ الباعِثُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إلا لَهْوٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ يُلْهِي عَمّا يَنْفَعُ (p-٤٧٥)﴿ولَعِبٌ﴾ يَشْتَغِلُ بِهِ صِبْيانُ العُقُولِ، وكُلُّ غافِلٍ وجَهُولٍ، فَإنَّ اللَّهْوَ كُلُّ شَيْءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْجِبَ النَّفْسَ كالغِناءِ والزِّينَةِ مِنَ المالِ والنِّساءِ وغَيْرِهِ، فَيَحْصُلُ بِهِ فَرَحٌ وزِيادَةُ سُرُورٍ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ والذُّهُولِ والنِّسْيانِ والشُّغْلِ عَنِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ في اتِّباعِ ما يُنْجِي في الآخِرَةِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ ضَلالٌ - عَلى ما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ لُقْمانَ -: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] ومِنهُ اللَّعِبُ، وهو فِعْلُ ما يَزِيدُ النَّفْسَ في دُنْياها سُرُورًا كالرَّقْصِ بَعْدَ السَّماعِ ويَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ لِأنَّهُ ضِدُّ الجِدِّ ومِثْلُ الهَزْلِ، و[هُوَ] كُلُّ شَيْءٍ سافِلٍ، وكُلُّ باطِلٍ يُقْصَدُ بِهِ زِيادَةُ البَسْطِ والتَّرْوِيحِ والتَّمادِي في قَطْعِ الزَّمانِ فِيما يَشْتَهِي مِن غَيْرِ تَعَبٍ، واللُّعْبَةُ بِالضَّمِّ-: التِّمْثالُ، وما يُلْعَبُ بِهِ كالشَّطَرَنْجِ، والأحْمَقُ يَسْخَرُ بِهِ، ولَعِبَ لَعِبًا: مَرِحَ، وفي الأمْرِ والدِّينِ: اسْتَخَفَّ بِهِ.

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، أخْبَرَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ أنَّهُ لا حَياةَ غَيْرُها فَقالَ: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الحَيَوانُ﴾ أيْ: الحَياةُ التّامَّةُ الباقِيَةُ العامَّةُ الوافِيَةُ نَفْسُها مِن حَيْثُ أنَّهُ لا مَوْتَ فِيها ولا فَناءَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هَذا البِناءُ الدّالُّ عَلى المُبالَغَةِ، وحَرَكَتُهُ مُشْعِرَةٌ بِما في الحَياةِ مِن مُطْلَقِ الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ، فَلا انْقِضاءَ لِشَيْءٍ مِن لَعِبِها ولا لِهَواها الَّذِي [لا] يُوافِقُ ما في الدُّنْيا إلّا في الصُّورَةِ فَقَطْ (p-٤٧٦)لا في المَعْنى، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ سافِلٌ لا في الباعِثِ ولا في المَبْعُوثِ إلَيْهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَعارِفِ والبَسْطِ والتَّرْوِيحِ، والِانْشِراحِ والأُنْسِ والتَّفْرِيحِ.

ولَمّا كانُوا [قَدْ] غَلِطُوا في الدّارَيْنِ كِلْتَيْهِما فَأنْزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما غَيْرَ مَنزِلَتِها، فَعَدُّوا الدُّنْيا وُجُودًا دائِمًا عَلى هَذا الحالَةِ والآخِرَةَ عَدَمًا، لا وُجُودَ لَها بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿لَوْ كانُوا﴾ [أيْ: ] كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَهم عِلْمٌ ما لَمْ يَغْلَطُوا في واحِدَةٍ مِنهُما فَلَمْ يَرْكَبُوا مَعَ إيثارِهِمْ لِلْحَياةِ وشِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ مِنَ المَوْتِ، لِاعْتِقادِهِمْ أنْ لا قِيامَ بَعْدَهُ إلى الدُّنْيا، مَعَ أنَّ أصْلَها عَدَمُ الحَياةِ الَّذِي هو المَوَتانُ.

29:65Page 404

فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥

And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him

ولَمّا خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِما أفْهَمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، والَّتِي قَبْلَها بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْقِلُونَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عَدَمِ عَقْلِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ أنَّهم إذا ﴿رَكِبُوا﴾ أيْ: البَحْرَ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيْ: السُّفُنِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ خافُوا مِنها الهَلاكَ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بِالإعْراضِ عَنْ شُرَكائِهِمْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، لِما هم لَهُ مُحَقِّقُونَ أنَّهُ لا مُنْجِيَ عِنْدَ تِلْكَ الشَّدائِدِ غَيْرُهُ ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ﴾ أيْ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، مُوصِلًا لَهم ﴿إلى البَرِّ إذا هُمْ﴾ أيْ: حِينَ الوُصُولِ إلى البَرِّ (p-٤٧٧)﴿يُشْرِكُونَ﴾ فَصَحَّ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، حَيْثُ يُقِرُّونَ بِعَجْزِ آلِهَتِهِمْ ويُشْرِكُونَها مَعَهُ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا إذا رَكِبُوا البَحْرَ حَمَلُوا [مَعَهُمُ] الأصْنامَ، فَإذا اشْتَدَّتْ بِهِمُ الرِّيحُ ألْقَوْها في البَحْرِ وقالُوا يا رَبِّ! يا رَبِّ.

وقالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ في فِطْرَةِ كُلِّ إنْسانٍ، وأنَّهم إنْ غَفَلُوا في السَّرّاءِ فَلا شَكَّ أنَّهم يَلُوذُونَ إلَيْهِ في حالِ الضَّرّاءِ - انْتَهى. فَعُلِمَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا هو الصّادُّ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وأنَّ الِانْقِطاعَ عَنْها مُعِينٌ لِلْفِطْرَةِ [الأُولى المُسْتَقِيمَةِ، ولِهَذا نَجِدُ الفُقَراءَ أقْرَبَ إلى كُلِّ خَيْرٍ.

29:66Page 404

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦

So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1

ولَمّا كانُوا مَعَ هَذا الفِعْلِ] - الَّذِي لا يَفْعَلُهُ إلّا مَسْلُوبُ العَقْلِ - يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ وأبْصَرُهم بِلَوازِمِ الأفْعالِ وما يَشِينُ الرِّجالَ، وكانَ فِعْلُهم هَذا كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ، مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْمَعْرُوفِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ عادَتَهم مُخالِفَةٌ لِعادَةِ المُؤْمِنِينَ في [جَعْلِهِمْ نِعْمَةَ النَّجاةِ سَبَبًا لِزِيادَةِ طاعاتِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّهُ ما كانَ إخْلاصُهم في البَحْرِ إلّا صُورَةً لا حَقِيقَةَ لَها: ] ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ عَلى عَظَمَتِنا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي يَكْفِي في عَظَمَتِها أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرَنا أنْ يَفْعَلَها ما أشْرَكُوا إلّا لِأجْلِ هَذا الكُفْرِ، وإلّا لَكانُوا فاعِلِينَ لِشَيْءٍ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ أصْلًا وهم يُحاشُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ولِيَتَمَتَّعُوا﴾ بِما يَجْتَمِعُونَ (p-٤٧٨)عَلَيْهِ في الإشْراكِ مِنَ التَّواصُلِ والتَّعاوُنِ، وعِنْدَ مَن سَكَّنَ اللّامَ - وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ - يَكُونُ مَعْطُوفًا تَهْدِيدًا عَلى مُقَدَّرٍ هو ”فَلْيَكْفُرُوا“ أوْ عَلى ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ السّابِقِ، عَلى أنَّ لامَهُ لِلْأمْرِ، وسَيَأْتِي في الرُّومِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُؤَيِّدُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ما يَحِلُّ بِهِمْ بِهَذا الفِعْلِ الَّذِي هو دائِرٌ بَيْنَ كُفْرٍ وجُنُونٍ.

29:67Page 404

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧

Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?

ولَمّا كانَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْنِ الشَّدِيدِ المَدِيدِ في البَرِّ دُونَ سائِرِ العَرَبِ عَكْسَ ما ذُكِرَ مِن حالِ خَوْفِهِمُ الشَّدِيدِ في البَحْرِ، وكانَ قادِرًا عَلى إخافَتِهِمْ في البَرِّ كَما قَدَرَ عَلى إخافَتِهِمْ في البَحْرِ لِيَدُومَ إخْلاصُهم، وكانَ كُفْرُهم عِنْدَ الأمْنِ بَعْدَ الإخْلاصِ عِنْدَ الخَوْفِ - مَعَ أنَّهُ أعْظَمُ النَّقائِصِ - [هَزَلًا] لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن أمَنَ مِثْلِ تِلْكَ المُصِيبَةِ في البَرِّ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ في نَحْوِ أنْ يُقالَ: ألَمْ يَرَوْا أنّا قادِرُونَ عَلى إخافَتِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في البِرِّ كَما نَحْنُ قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ في البَحْرِ كَما فَعَلْنا بِغَيْرِهِمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [أيْ: ] بِعُيُونِ بَصائِرِهِمْ ﴿أنّا جَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا لَهم ﴿حَرَمًا﴾ وقالَ تَعالى: ﴿آمِنًا﴾ لِأنَّهُ لا خَوْفَ عَلى مَن دَخَلَهُ، فَلَمّا أمِنَ كُلُّ حالٍّ بِهِ كانَ كَأنَّهُ هو نَفْسُ الأمْنِ، (p-٤٧٩)وهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وأمْنُهُ مُوجِبٌ لِلتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، رَغْبَةً في دَوامِهِ، وخَوْفًا مِنِ انْصِرامِهِ، [كَما كانَ الخَوْفُ في البَحْرِ مُوجِبًا لِلْإخْلاصِ خَوْفًا مِن دَوامِهِ، ورَغْبَةً في انْصِرامِهِ] ”و“ الحالُ أنَّهُ ”يَتَخَطَّفُ“ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ الفِعْلُ لا فاعِلٌ مُعَيَّنٌ.

ولَمّا كانَ التَّخَطُّفُ غَيْرَ خاصٍّ بِناسٍ دُونَ آخَرِينَ، بَلْ كانَ جَمِيعُ العَرَبِ يَغْزُو بَعْضُهم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى، قالَ: ﴿النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن حَوْلِ مَن فِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ تَخْطِفَ الطُّيُورَ مَعَ قِلَّةِ مَن بِمَكَّةَ وكَثْرَةِ مَن حَوْلَهم، فالَّذِي خَرَقَ العادَةَ في فِعْلٍ ذَلِكَ حَتّى صارَ عَلى هَذا السَّنَنِ قادِرٌ عَلى أنْ يَعْكِسَ الحالَ فَيَجْعَلَ مَن بِالحَرَمِ مُتَخَطَّفًا ومَن حَوْلَهُ آمِنًا، أوْ يَجْعَلَ الكُلَّ في الخَوْفِ عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ.

ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا وجْهَ لِشِرْكِهِمْ ولا لِكُفْرِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الظّاهِرَةَ المَكْشُوفَةَ، تَسَبَّبَ الإنْكارُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِالباطِلِ﴾ أيْ: خاصَّةً مِنَ الأوْثانِ وغَيْرِها ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ في بُطْلانِهِ، وجاءَ الحَصْرُ مِن حَيْثُ إنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَبِعَهُ الكُفْرُ بِكُلِّ حَقٍّ والتَّصْدِيقُ بِكُلِّ باطِلٍ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ الَّتِي أحْدَثَها لَهم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ (p-٤٨٠)حَيْثُ جَعَلُوا مَوْضِعَ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلى النَّجاةِ شِرْكَهم بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.

29:68Page 404

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?

ولَمّا كانَ الظُّلْمُ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، وكانَ وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ [أظْلَمَ] الظُّلْمِ، كانَ فِعْلُهم هَذا الَّذِي هو إنْزالُ ما لا يَعْلَمُ شَيْئًا ولا يَقْدِرُ [عَلى شَيْءٍ في مَنزِلَةِ مَن يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقْدِرُ] عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ أظْلَمَ الظُّلْمِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أظْلَمُ مِنهم في ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: أشَدُّ وضْعًا لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِأنَّهُ لا نُورَ لَهُ بَلْ هو في ظَلامِ الجَهْلِ يَخْبِطُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ كَما كانُوا يَقُولُونَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً: وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ﴾ مِن هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ المُبِينِ، عَلى لِسانِ هَذا الرَّسُولِ الأمِينِ الَّذِي ما أخْبَرَ خَبَرًا إلّا طابَقَهُ الواقِعُ ﴿لَمّا﴾ أيْ: حِينَ ﴿جاءَهُ﴾ مِن غَيْرِ إمْهالٍ إلى أنْ يَنْظُرَ ويَتَأمَّلَ فِيما جاءَهُ مِنَ الأمْرِ الشَّدِيدِ الخَطِرِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، بَلْ هو أظْلَمُ الظّالِمِينَ، فَهو كافِرٌ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ عِنادًا: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، قالَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ، ولِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُ المُنْكِرِ، وتَقْرِيرًا لَهم لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ كانَتْ لِلتَّقْرِيرِ، عَدًّا بِهِ بِمَنزِلَةِ ما (p-٤٨١)لا نِزاعَ فِيهِ أصْلًا: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ أيْ: مَنزِلٌ ومَوْضِعُ إقامَةٍ وحَبْسٍ لَهُ وقَدِ ارْتَكَبَ هَذا الكُفْرَ العَظِيمَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ- ولَكِنَّهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ وتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالوَصْفِ قالَ: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يُغَطُّونَ أنْوارَ الحَقِّ الواضِحِ، أوْ لَيْسَ هو مِنَ الكافِرِينَ؟ أيْ: إنَّ كُلًّا مِنَ المُقَدِّمَتَيْنِ صَحِيحٌ لا إنْكارَ فِيهِ، ولا يَنْتَظِمُ إنْكارُهم إلّا بِإفْسادِ إحْدَيْهِما، أمّا كُفْرُهُ لِلْمُنْعِمِ بَعْدَ إنْجائِهِ مِنَ الهَلاكِ حَيْثُ عَبَدَ غَيْرَهُ فَلا يَسَعُ عاقِلًا إنْكارُهُ، وأمّا كَوْنُ جَهَنَّمَ تَسَعُهُ بَعْدَ إخْبارِ القادِرِ بِهِ فَلا يَسَعُ مُقِرًّا بِالقُدْرَةِ إنْكارُهُ، فالمُقَدِّمَتانِ مِمّا لا مَطْعَنَ فِيهِ عِنْدَهم، فَأنْتَجَتا أنَّ مَثْواهُ جَهَنَّمُ، [وصارَ القِياسُ هَكَذا: عابِدٌ غَيْرُ مَن أنْجاهُ كافِرٌ، وكُلُّ كافِرٍ مَثْواهُ جَهَنَّمُ، فَعابِدُ غَيْرَ مَن أنْجاهُ مَثْواهُ جَهَنَّمُ].

29:69Page 404

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩

And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ في الَّذِينَ فُتِنُوا فَلَمْ يُجاهِدُوا أنْفُسَهم كانَ المَعْنى: فالَّذِينَ فَتَنّاهم فَوُجِدُوا كاذِبِينَ ضَلُّوا فَصارُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يَعْلَمُونَ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُجاهِدِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالمُفاعَلَةِ ﴿فِينا﴾ أيْ: بِسَبَبِ حَقِّنا ومُراقِبَتِنا خاصَّةً بِلُزُومِ الطّاعاتِ مِن جِهادِ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ (p-٤٨٢)مِن كُلِّ ما يَنْبَغِي الجِهادُ فِيهِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، ومُخالَفَةِ الهَوى عِنْدَ هُجُومِ الفِتَنِ، وشَدائِدِ المِحَنِ، مُسْتَحْضِرِينَ لِعَظَمَتِنا.

ولَمّا كانَ الكُفّارُ يَنْكِرُونَ فَلاحَهم وكانَ المُفْلِحُ والظّافِرُ في كُلِّ شَيْءٍ هو المُهْتَدِي، قالَ مُعَبِّرًا بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ بِما نَجْعَلُ لَهم مِنَ النُّورِ الَّذِي لا يَضِلُّ مَن صَحِبَهُ، هِدايَةً يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿سُبُلَنا﴾ أيْ: لا سُبُلَ غَيْرُها، عِلْمًا وعَمَلًا، ونَكُونُ مَعَهم بِلُطْفِنا ومَعُونَتِنا، لِأنَّهم أحْسَنُوا المُجاهَدَةَ فَهَنِيئًا لِمَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ فُواقَ ناقَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ولِهَذا كانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ فانْظُرُوا ما عَلَيْهِ أهْلُ الغَزْوِ.

ولَمّا كانَ المُحْسِنُ كُلَّما تَوَفَّرَ حَظُّهُ في مَقامِ الإحْسانِ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا، فَظَنَّ الأغْبِياءُ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ بِهِ عِنايَةٌ، عَظَّمَ التَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ، [لافِتًا الكَلامَ عَنْ أُسْلُوبِ الجَلالِ إلى أجَلِّ عَنْهُ بِما زادَ مِنَ الجَمالِ] ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وجَمِيعِ كَمالِهِ لَمَعَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أرادَ الإعْلامَ بِإحْسابِهِمْ وتَعْلِيقِ الحُكِمِ (p-٤٨٣)بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَأظْهَرَ قائِلًا: ﴿لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلِّهم بِالنَّصْرِ والمَعُونَةِ في دُنْياهم، والثَّوابِ والمَغْفِرَةِ في عُقْباهم، بِسَبَبِ جِهادِهِمْ لِأنَّهُ شُكْرٌ يَقْتَضِي الزِّيادَةَ، ومَن كانَ مَعَهُ سُبْحانَهُ فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وإنْ رَأى الجاهِلُ خِلافَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ عِزَّهم مِن وراءِ ذُلٍّ ويَسْتُرُ غِناهم بِساتِرِ فَقْرٍ، حِمايَةً لَهم مِمّا يَجُرُّ إلَيْهِ دائِمُ العِزِّ مِنَ الكِبْرِ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ عَظِيمُ الغِنى مِنَ الطُّغْيانِ، وما أحْسَنَ ما نَقَلَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في الرِّسالَةِ عَنِ الحارِثِ المُحاسِبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن صَحَّحَ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ والإخْلاصِ زَيَّنَ اللَّهُ ظاهِرَهُ بِالمُجاهَدَةِ واتِّباعِ السُّنَّةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الجِهادَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانِيًا: أنَّهُ مَعَ المُحْسِنِينَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المَعِيَّةِ والإحْسانِ أوَّلًا، فَقَدْ عانَقَ أوَّلُ السُّورَةِ هَذا الآخَرَ، وكانَ إلَيْهِ أعْظَمَ ناظِرٍ، فَنَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ مِنَ الفِتَنِ، والمُجاهَدَةَ إنْ كانَ لابُدَّ مِنَ المِحَنِ، وإلَيْهِ المَآبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском