Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:105–117

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:105–117

3:105Page 63

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment

(p-٢٠)ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُضادُّهُ؛ مُعَرِّضًا بِمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِمْ؛ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ مُبَكِّتًا لَهم بِضَلالِهِمْ؛ واخْتِلافِهِمْ في دِينِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ بِما ابْتَدَعُوهُ في أُصُولِ دِينِهِمْ؛ وبِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَعاصِي؛ فَقادَهم ذَلِكَ - ولا بُدَّ - إلى التَّخاذُلِ؛ والتَّواكُلِ؛ والمُداهَنَةِ الَّتِي قَصَدُوا بِها المُسالَمَةَ؛ فَجَرَّتْهم إلى المُصارَمَةِ؛ ولَمّا كانَ التَّفَرُّقُ رُبَّما كانَ بِالأبْدانِ فَقَطْ؛ مَعَ الِاتِّفاقِ في الآراءِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واخْتَلَفُوا﴾؛ بِما أثْمَرَ لَهُمُ الحِقْدُ الحامِلُ عَلى الِاتِّصافِ بِحالَةِ مَن يَظُنُّ أنَّهم جَمِيعٌ وقُلُوبُهم شَتّى.

ولَمّا ذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ الَّذِي دَلَّ العَقْلُ عَلى ذَمِّهِ؛ زادَ في تَقْبِيحِهِ بِأنَّهم خالَفُوا فِيهِ - بَعْدَ نَهْيِ العَقْلِ - واضِحَ النَّقْلِ؛ فَقالَ: ”مِن“؛ أيْ: وابْتَدَأ اخْتِلافُهم مِنَ الزَّمانِ الَّذِي هو ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾؛ وعَظَّمَهُ بِإعْرائِهِ عَنِ التَّأْنِيثِ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: بِما يَجْمَعُهُمْ؛ ويُعْلِيهِمْ؛ ويَرْفَعُهُمْ؛ ويُوجِبُ اتِّفاقَهُمْ؛ ويَنْفَعُهُمْ؛ فَأرْداهم ذَلِكَ الِافْتِراقُ؛ وأهْلَكَهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ قَدْ تَعَجَّلُوا الهَلاكَ في الدُّنْيا؛ فَهُمُ الخائِبُونَ“؛ (p-٢١)عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: في الدّارِ الآخِرَةِ؛ بَعْدَ عَذابِ الدُّنْيا؛ بِاخْتِلافِهِمْ؛ مُنابِذِينَ لِما مِن شَأْنِهِ الجَمْعُ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ”المُفْلِحُونَ“؛ أوَّلًا؛ يَدُلُّ عَلى ”الخاسِرُونَ“؛ ثانِيًا؛ والعَذابُ العَظِيمُ؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى النَّعِيمِ المُقِيمِ؛ أوَّلًا.

3:106Page 63

يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

ولَمّا قَدَّمَ ما لِأهْلِ الكِتابِ المُقْدِمِينَ عَلى الكُفْرِ؛ عَلى عِلْمِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ وخَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّهم لَهم عَذابٌ ألِيمٌ؛ واسْتَمَرَّ حَتّى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عَظِيمٌ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ - بادِئًا بِما هو أنَكى لَهم مِن تَنْعِيمِ أضْدادِهِمْ -: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾؛ أيْ: بِما لَها مِنَ المَآثِرِ الحَسَنَةِ؛ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾؛ بِما عَلَيْها مِنَ الجَرائِرِ السَّيِّئَةِ؛ ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (p-٢٢)بَدَأ بِهِمْ لِأنَّ النَّشْرَ المُشَوَّشَ أفْصَحُ؛ ولِأنَّ المَقامَ لِلتَّرْهِيبِ؛ وزِيادَةِ النِّكايَةِ لِأهْلِهِ؛ فَيُقالُ لَهم - تَوْبِيخًا؛ وتَقْرِيعًا -: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾؛ يا سُودَ الوُجُوهِ؛ وعَبِيدَ الشَّهَواتِ! ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾؛ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطَرِ السَّلِيمَةِ؛ ومُكِّنْتُمْ بِهِ مِنَ العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ؛ مِنَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ؛ ثُمَّ بِما أخَذَ عَلَيْكم أنْبِياؤُكم مِنَ العُهُودِ؛ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾؛ أيْ: الألِيمَ العَظِيمَ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ فَإنَّكم في لَعْنَةِ اللَّهِ ماكِثُونَ؛

3:107Page 63

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧

But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.

﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾؛ إشْراقًا؛ وبَهاءً؛ لِأنَّهم آمَنُوا؛ فَأمِنُوا مِنَ العَذابِ؛ ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَمَرَةِ فِعْلِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ الَّذِي هو فِعْلُ الرّاحِمِ؛ لا في غَيْرِ رَحْمَتِهِ؛ ثُمَّ أجابَ عَنْ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ”هَلْ تَزُولُ عَنْهُمْ؛ كَما هو حالُ النِّعَمِ في الدُّنْيا؟“؛ بِقَوْلِهِ - عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ لُزُومَها لَهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ -: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾؛ فَلِذا كانُوا يُؤْمِنُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الكُفْرِ؛ أوَّلًا؛ دَلَّ عَلى إرادَةِ الإيمانِ؛ ثانِيًا؛ وإثْباتُ الرَّحْمَةِ؛ ثانِيًا؛ دَلَّ عَلى حَذْفِ اللَّعْنَةِ أوَّلًا.

3:108Page 63

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨

These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].

(p-٢٣)ولَمّا حازَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ التَّهْذِيبِ؛ وإحْكامِ التَّرْتِيبِ؛ وحُسْنِ السِّياقِ؛ قَصَبَ السِّباقِ؛ أشارَ إلَيْها - مَعَ قُرْبِها - بِأداةِ البُعْدِ؛ وأضافَها إلى أعْظَمِ أسْمائِهِ؛ فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: هَذِهِ دَلائِلُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ العالِيَةُ الرُّتَبِ؛ البَعِيدَةُ المُتَناوَلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْها؛ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ قائِلًا: ﴿نَتْلُوها﴾؛ أيْ: نُلازِمُ قَصَّها؛ وزادَ في تَعْظِيمِها بَعْدَ المُبْتَدَإ بِالمُنْتَهى؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: ثابِتَةَ المَعانِي؛ راسِخَةَ المَقاصِدِ؛ صادِقَةَ الأقْوالِ في كُلِّ ما أخْبَرَتْ بِهِ؛ مِن فَوْزِكُمْ؛ وهَلاكِهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ نَظْلِمَ أحَدًا مِنهُمْ؛ ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ ﴿يُرِيدُ ظُلْمًا﴾؛ قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: ما ظَلَمَهُمْ؛ ولا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ.

3:109Page 64

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩

To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.

ولَمّا كانَ أمْرُهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِ؛ ونَهْيُهم عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ رُبَّما أوْقَعَ في وهْمِ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ضَبْطِهِمْ؛ أوْ مُحْتاجٌ إلى رَبْطِهِمْ؛ أزالَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: (p-٢٤)كُلُّ شَيْءٍ؛ في السَّمَواتِ و؛ كُلُّ؛ ما في الأرْضِ؛ مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ سَعَةَ المُلْكِ لَمْ يُضْمِرْ؛ لِئَلّا يُظَنَّ تَخْصِيصُ الثّانِي بِما في حَيِّزِ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ أيْ: كُلُّها؛ الَّتِي فِيهِما؛ والَّتِي في غَيْرِهِما؛ فَلا داعِيَ لَهُ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

3:110Page 64

كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ مِن رُجُوعِ الأُمُورِ إلَيْهِ هِدايَتُهُ مَن يَشاءُ؛ وإضْلالُهُ مَن يَشاءُ؛ قالَ - مادِحًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِيُمْعِنُوا في رِضاهُ حَمْدًا؛ وشُكْرًا؛ ومُؤَيِّسًا لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ إضْلالِهِمْ لِيَزْدادُوا حَيْرَةً؛ وسُكْرًا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ أيْ: وُجِدْتُمْ عَلى هَذا الوَصْفِ الثّابِتِ لَكُمْ؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ثُمَّ وصَفَ الأُمَّةَ بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ؛ وأنَّهم سَيَقْهَرُونَ أهْلَ الكِتابِ؛ فَقالَ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ بِما لَمْ يَحْصُلْ؛ مَجْمُوعَةً لِغَيْرِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُكْنَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: كُلِّ ما عَرَّفَهُ الشَّرْعُ؛ وأجازَهُ؛ (p-٢٥)﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ وهو ما خالَفَ ذَلِكَ؛ ولَوْ وصَلَ الأمْرُ إلى القِتالِ؛ مُبَشِّرًا لَهم بِأنَّهُ قَضى في الأزَلِ أنَّهم يَمْتَثِلُونَ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ إراحَةً لَهم مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ في أنَّهم هَلْ يَمْتَثِلُونَ فَيُفْلِحُوا؛ وإزاحَةً لِحَمْلِهِمْ أعْباءَ الخَطَرِ بِكَوْنِهِمْ يُعانُونَ عَلَيْهِ لِيَفُوزُوا؛ ويَرْبَحُوا؛ فَصارَتْ فائِدَةُ الأمْرِ كَثِيرَةَ الثَّوابِ؛ بِقَصْدِ امْتِثالِ الواجِبِ؛ ولِلتِّرْمِذِيِّ - وقالَ: حَسَنٌ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ”أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها؛ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى“؛» ولِلْبُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: ”أنْتُمْ خَيْرُ النّاسِ لِلنّاسِ؛ تَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ في أعْناقِهِمْ؛ حَتّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ“.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ في نَفْسِهِ؛ أتْبَعَهُ ما زادَهُ شَرَفًا؛ وهو أنَّهم فَعَلُوهُ في حالِ إيمانِهِمْ؛ فَهو مُعْتَبَرٌ بِهِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهِ؛ (p-٢٦)الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي تاهَتِ الأفْكارُ في مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ؛ وارْتَدَّتْ نَوافِذُ أبْصارِ البَصائِرِ خاسِئَةً عَنْ حَصْرِ صِفاتِهِ؛ أيْ: تُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ؛ ورُسُلَهُ بِسَبَبِهِ؛ في كُلِّ ما أخْبَرُوا بِهِ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ وتَفْعَلُونَ جَمِيعَ أوامِرِهِ؛ وتَنْهَوْنَ عَنْ جَمِيعِ مَناهِيهِ؛ وهَذا يُفْهِمُ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن كَإيمانِهِمْ؛ فَلَيْسَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أصْلًا؛ لِأنَّ الكَوْنَ المَذْكُورَ لا يَحْصُلُ إلّا بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا؟!

قالَ الإمامُ أبُو عُمَرَ؛ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ؛ في خُطْبَةِ كِتابِ الِاسْتِيعابِ: رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ”لَمّا دَخَلَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشّامَ؛ نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ: ما كانَ أصْحابُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالمَناشِيرِ؛ وصُلِبُوا عَلى الخَشَبِ؛ بِأشَدَّ اجْتِهادًا مِن هَؤُلاءِ“؛ انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: "وذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ؛ عُطِفَ عَلَيْهِ (p-٢٧)قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإيمانَ؛ كَما آمَنتُمْ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ؛ وجَمِيعِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ؛ وغَيْرِهِ؛ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ﴿لَكانَ﴾؛ أيْ: الإيمانُ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ إشارَةً إلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ؛ في وُقُوفِهِمْ مَعَ ما مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ مِنَ العَرَضِ القَلِيلِ الفانِي؛ والرِّئاسَةِ التّافِهَةِ؛ وتَرْكِهِمُ الغِنى الدّائِمَ؛ والعِزَّ الباهِرَ الثّابِتَ.

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُونَ في الإيمانِ؛ ولَكِنَّهم قَلِيلٌ؛ ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: الخارِجُونَ مِن رُتْبَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي؛ خُرُوجًا يَضْمَحِلُّ مَعَهُ خُرُوجُ غَيْرِهِمْ؛

3:111Page 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.

ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الأكْثَرِ قاصِمَةً خَفَّفَ عَنْ أوْلِيائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الضُّرُّ - كَما تَقَدَّمَ عَنِ الحَرالِّيِّ - إيلامَ الجِسْمِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الحَواسِّ؛ والأذى إيلامَ النَّفْسِ؛ وما يَتْبَعُها مِنَ الأحْوالِ؛ أطْلَقَ الضُّرَّ هُنا عَلى جُزْءِ مَعْناهُ؛ وهو مُطْلَقُ الإيلامِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا أذًى﴾؛ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِتَصْوِيرِ مَفْهُومَيِ الأذى؛ والضُّرِّ؛ لِيُسْتَحْضَرَ في الذِّهْنِ؛ فَيَكُونَ الِاسْتِثْناءُ أدَلَّ عَلى نَفْيِ وُصُولِهِمْ إلى المُواجَهَةِ؛ ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ (p-٢٨)صَرَّحَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَصًّا في المَطْلُوبِ؛ ﴿الأدْبارَ﴾؛ أيْ: انْهِزامًا؛ ذُلًّا؛ وجُبْنًا.

ولَمّا كانَ المَوْلى قَدْ تَعُودُ لَهُ كَرَّةٌ بَعْدَ فَرَّةٍ؛ قالَ - عادِلًا عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ؛ لِئَلّا يُفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ؛ مُشِيرًا بِحَرْفِ التَّراخِي إلى عَظِيمِ رُتْبَةِ خِذْلانِهِمْ -: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ مِن غَيْرِهِمْ أبَدًا؛ وإنْ طالَ المَدى؛ فَلا تَهْتَمُّوا بِهِمْ؛ ولا بِأحَدٍ يُمالِئُهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا؟! لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ.

3:112Page 64

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا الذُّلِّ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهُ في كُلِّ زَمانٍ؛ وكُلِّ مَكانِ؛ مُعامَلَةً مِنهُ لَهم بِضِدِّ ما أرادُوا؛ فَعَوَّضَهم عَنِ الحِرْصِ عَلى الرِّئاسَةِ إلْزامَهُمُ الذِّلَّةَ؛ وعَنِ الإخْلادِ إلى المالِ إسْكانَهُمُ المُسَكَنَةَ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم طَوْقُ الحَمامَةِ؛ غَيْرُ مُزائِلِهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ باقٍ في أعْقابِهِمْ بِأفْعالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي لَمْ يُنابِذْهم فِيها الأعْقابُ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ وهي الِانْقِيادُ كُرْهًا؛ وأحاطَتْ بِهِمْ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِهِ؛ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]؛ أيْ (p-٢٩)وجَدَهم مَن هو حاذِقٌ؛ خَفِيفٌ؛ فَطِنٌ؛ في كُلِّ مَكانٍ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ ﴿إلا﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ مُعْتَصِمِينَ؛ ﴿بِحَبْلٍ﴾؛ أيْ: عَهْدٍ وثِيقٍ مُسَبِّبٍ لِلْأمانِ؛ وهو عَهْدُ الجِزْيَةِ؛ وما شاكَلَهُ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: قاطِبَةً: الَّذِينَ آمَنُوا وغَيْرِهِمْ؛ مُوافِقٍ لِذَلِكَ الحَبْلِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ الذُّلُّ رُبَّما كانَ مَعَ الرِّضا؛ ولَوْ مِن وجْهٍ؛ قالَ: ﴿وباءُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الحالِ الصّالِحِ؛ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مُلازِمٍ لَهُمْ؛ ولَمّا كانَ الوَصْفانِ قَدْ يَصْحَبُهُما اليَسارُ؛ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أيْ: كَما يُضْرَبُ البَيْتُ؛ ﴿المَسْكَنَةُ﴾؛ أيْ: الفَقْرُ؛ لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”لِمَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ؟“؛ فَقِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإلْزامُ لَهم بِما ذُكِرَ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾؛ أيْ: أسْلافَهُمُ الَّذِينَ رَضُوا هم فِعْلَهُمْ؛ ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الكُفْرَ مَعَ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: (p-٣٠)المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ وذَلِكَ أعْظَمُ الكُفْرِ؛ لِمُشاهَدَتِهِمْ لَها؛ مَعَ اشْتِمالِها مِنَ العِظَمِ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾؛ أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَقًّا؛ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَمْعُ التَّكْسِيرِ؛ فَهو أبْلَغُ مِمّا في أوَّلِها؛ الأبْلَغِ مِمّا في ”البَقَرَةِ“؛ لِيَكُونَ ذَمُّهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي؛ كَما هي قاعِدَةُ الحِكْمَةِ.

ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا؛ ودُنْيا؛ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أيْ: يُبِيحُ قَتْلَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إقْدامَهم عَلى هَذا الكُفْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الكُفْرُ؛ والقَتْلُ العَظِيمانِ؛ ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿يَعْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَكْلِيفَ أنْفُسِهِمْ الِاعْتِداءَ؛ فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي؛ والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ؛ فَقالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ؛ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرِيعَةِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ؛ والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ؛ وإنْ عَلا؛ وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآنَ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ (p-٣١)وتَعالى - جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ؛ كُلَّها: (أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ؛ لا تَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى؛ لا تَعْمَلَنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقَ؛ وفي الأرْضِ مِن تَحْتُ؛ ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ؛ لا تَسْجُدَنَّ لَها؛ ولا تَعْبُدَنَّها؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكَ؛ إلَهٌ غَيُورٌ؛ أُجازِي الأبْناءَ بِذُنُوبِ الآباءِ؛ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ؛ وأرْبَعَةِ خُلُوفٍ؛ وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقْبٍ لِأحِبّائِي؛ وحافِظِي وصايايَ).

3:113Page 64

۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].

ولَمّا كانَ السِّياقُ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم كُلَّهم كَذَلِكَ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ نافِيًا لِذَلِكَ -: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الأفْعالِ؛ يُثْنِي - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِنهُمْ؛ وخَلَعَ الباطِلَ؛ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا؛ ولا خَلَفًا بَعِيدًا؛ ولا قَرِيبًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ -: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ فَأظْهَرَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى خُصُوصِ مَن حَكَمَ بِتَكْفِيرِهِمْ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ يَحِقُّ لَها أنْ تُؤَمَّ؛ ﴿قائِمَةٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ عَلى ما أتاها بِهِ نَبِيُّها في الثَّباتِ عَلى ما شَرَعَهُ؛ مُتَهَيِّئَةٌ بِالقِيامِ لِلِانْتِقالِ عَنْهُ عِنْدَ مَجِيءِ النّاسِخِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ؛ ووَصَفَهُ؛ غَيْرُ زائِغَةٍ بِالإيمانِ بِبَعْضِهِ؛ والكُفْرِ بِبَعْضِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الحامِلَ عَلى الِاسْتِقامَةِ؛ فَقالَ: ﴿يَتْلُونَ﴾ أيْ: (p-٣٢)يُتابِعُونَ مُسْتَمِرِّينَ؛ ﴿آياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ المُنَزَّلَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها؛ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: ساعاتِهِ؛ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ أيْ: يُصَلُّونَ في غايَةِ الخُضُوعِ؛

3:114Page 64

يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤

They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

ثُمَّ ذَكَرَ ما أثْمَرَ لَهُمُ التَّهَجُّدُ؛ فَقالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً إلى اسْتِحْضارِهِمْ لِعَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ وتَناهِي الكَمالِ؛ ما حَيَّرَ العُقُولَ؛ وأتْبَعَهُ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَتُهُ كُلُّها؛ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: إيمانًا يَعْرِفُ أنَّهُ حَقٌّ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ؛ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي ما لَها مِن نَفادٍ؛ فَيَتَجَدَّدُ تَهَجُّدُهُمْ؛ فَتَثْبُتُ اسْتِقامَتُهم.

ولَمّا وصَفَهم بِالِاسْتِقامَةِ في أنْفُسِهِمْ؛ وصَفَهم بِأنَّهم يُقَوِّمُونَ غَيْرَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ لِذَلِكَ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَهم لِلْخَيْرِ ذَكَرَ نَشاطَهم (p-٣٣)فِي جَمِيعِ أنْواعِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ مِنَ المُسْتَقِيمِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَصْلُحْ لِشَيْءٍ؛ وأرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ“.

3:115Page 64

وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥

And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ فَهو بِعَيْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ يَشْكُرُهُ لَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَفْعَلُوا﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ مِن إنْفاقٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾؛ بَلْ هو مَشْكُورٌ لَكُمْ؛ بِسَبَبِ فِعْلِكُمْ؛ وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ تَأدُّبًا مَعَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولِيَكُونَ عَلى طَرِيقِ المُتَكَبِّرِينَ؛ وعُطِفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ الفاعِلُونَ“؛ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾؛ مِنَ الفاعِلِينَ الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً لَهم (p-٣٤)عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَهو يُثِيبُهم أعْظَمَ الثَّوابِ؛ وبِغَيْرِهِمْ فَهو يُعاقِبُهم بِما يُرِيدُ مِنَ العِقابِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ فَأمْرُها واضِحٌ في نَظْمِها بِما قُلْتُهُ.

3:116Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ بِما يَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ عالِمٌ بِدِقِّهِ؛ وجُلِّهِ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ دَأْبَ إسْرائِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى وجْهٍ أنْتَجَ أنَّ بَنِيهِ كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ حَذَّرَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ما خَتَمَهُ بِالمُتَّقِينَ؛ بِالتَّرْغِيبِ في الخَيْرِ؛ بِما انْدَرَجَ فِيهِ الإنْفاقُ الَّذِي قَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ مِن صِفَةِ المُتَّقِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ الَّتِي هي أشْرَفُ آناءِ اللَّيْلِ؛ وكانَ مِمّا يَمْنَعُ مِنهُ خَوْفُ الفَقْرِ؛ والنُّزُولِ عَنْ حالِ المُوسِرِينَ مِنَ الكُفّارِ المُفاخِرِينَ بِالإكْثارِ؛ المُعَيَّرِينَ بِالإقْلالِ مِنَ المالِ؛ والوَلَدِ؛ وُقُوفًا مَعَ الحالِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ مِنهم في الآخِرَةِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا؛ أعْقَبَ هَذا بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ؛ فَقالَ - واصِفًا أضْدادَ مَن تَقَدَّمَ؛ نافِيًا ما يَعْتَقِدُونَ مِن أنَّ أعْمالَهُمُ الصُّورِيَّةَ تَنْفَعُهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ (p-٣٥)كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ بِالمَيْلِ عَنِ المَنهَجِ القَوِيمِ؛ وإنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ نِفاقًا؛ أوْ غَيْرَهُ؛ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ كَثُرَتْ؛ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الإغْناءِ؛ تَأْكِيدًا لِما قَرَّرَ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ حَمَلَهم عَلى إيثارِ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ اسْتِجْلابُ الأمْوالِ؛ والرِّئاسَةُ عَلى الأتْباعِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ - كَما قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ - سَواءً.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: هم مُخْتَصُّونَ بِها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُفِيدُ مُلازَمَتَها؛ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛

3:117Page 65

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: ”فَما حالُ ما يَبْذُلُونَهُ في المَكارِمِ؛ ويُواسُونَ بِهِ في المَغارِم؟“؛ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا؛ جَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا؛ ضائِعًا؛ - وإنْ كَثُرَ - بُورًا؛ كَأنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَوابًا لِهَذا السُّؤالِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ المالِ؛ وحَقَّرَ قَصْدَهم بِتَحْقِيرِ مَحَطِّهِ؛ فَقالَ: ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لِكَوْنِهِمْ ضَيَّعُوا الوَجْهَ الَّذِي بِهِ يُقْبَلُ؛ وهو الإخْلاصُ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ مِثْلُ حَرْثٍ أُصِيبَ بِالرِّيحِ؛ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾؛ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ؛ ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾؛ مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم (p-٣٦)﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالبِناءِ عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾؛ فَمَثَلُ ما يُنْفِقُونَ - في كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَعْهم في الدُّنْيا بِإنْتاجِ ما أرادُوا في الدُّنْيا؛ وضَرَّهم في الدّارَيْنِ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِضَياعِهِ في غَيْرِ شَيْءٍ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِالمُعاقَبَةِ عَلَيْهِ لِتَضْيِيعِ أساسِهِ - وقَصْدِهِمُ الفاسِدِ بِهِ؛ مِثْلُ الزَّرْعِ المَوْصُوفِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ أهْلَهُ المَوْصُوفِينَ؛ بَلْ ضَرَّهم في الدُّنْيا بِضَياعِهِ؛ وفي الآخِرَةِ بِما قَصَدُوا بِهِ مِنَ المَقْصُودِ الفاسِدِ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ - في كَوْنِهِ ضَرَّهُمْ؛ ولَمْ يَنْفَعْهم - مِثْلُ الرِّيحِ؛ في كَوْنِها ضَرَّتِ الزَّرْعَ؛ ولَمْ تَنْفَعْهُ؛ فَلَمّا كانَتِ الرِّيحُ المَوْصُوفَةُ أمْرًا مُشاهَدًا جَلِيًّا؛ جُعِلَتْ في إهْلاكِها مَثَلًا لِضَياعِ إنْفاقِهِمُ الَّذِي هو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ خَفِيٌّ؛ ولَمّا كانَ الزَّرْعُ المُحْتَرِقُ أمْرًا مَحْسُوسًا؛ جُعِلَ فِيما حَصَلَ لَهُ بَعْدَ التَّعَبِ مِنَ العَطَبِ؛ مِثالًا لِأمْرٍ مَعْقُولٍ؛ وهو أمْوالُهُمْ؛ في كَوْنِ إنْفاقِهِمْ إيّاها لَمْ يُثْمِرْ لَهم شَيْئًا غَيْرَ الخَسارَةِ؛ والتَّعَبِ؛ فالمَثَلانِ؛ ضَياعُ الزَّرْعِ؛ والإنْفاقِ؛ وضَياعُ الزَّرْعِ أظْهَرُ؛ فَهو مَثَلٌ لِضَياعِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ أخْفى؛ وقَدْ بانَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا مَثَلُ الإنْفاقِ؛ لِدَلالَةِ الرِّيحِ عَلَيْهِ؛ وثانِيًا الحَرْثُ؛ لِدَلالَةِ ما يُنْفَقُ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَوْصُوفًا بِأنَّهُ الحَكَمُ؛ العَدْلُ؛ القائِمُ بِالقِسْطِ؛ وأنَّهُ لا يَنْسى خَيْرًا فُعِلَ؛ قالَ - دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ بِخْسٌ -: ﴿وما ظَلَمَهُمُ﴾؛ أيْ: المُمَثَّلَ بِهِمْ؛ والمُمَثَّلَ لَهُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ المَلِكُ الأعْظَمُ الغَنِيُّ الغِنى المُطْلَقَ؛ (p-٣٧)لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ؛ وقَدْ كَفَرُوا؛ أمّا المُمَثَّلُ لَهم فَبِكَوْنِهِمْ أنْفَقُوا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ وأمّا المُمَثَّلُ بِهِمْ فَبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَحْرُسُوا زَرْعَهم بِالطّاعاتِ؛ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الطّاعاتِ تَحْرُسُ ضَوائِعَهم مِنَ الآفاتِ؛ وتَخْرِقُ فِيها العاداتِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُمَثَّلُ لِأجْلِهِمُ؛ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أعَمَّ مِن أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ؛ أوْ يُسْلِمُوا؛ لَمْ يُعَبِّرْ في الظُّلْمِ بِما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ مِن فِعْلِ الكَوْنِ؛ وقالَ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فَأفادَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ بِكُفْرِهِمْ؛ وأنَّ ظُلْمَهم مَقْصُورٌ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها؛ وإنْ ظَهَرَ لِإنْفاقِهِمْ نِكايَةٌ في عَدُوِّهِمْ؛ فَإنَّ العاقِبَةَ لِما كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ كانَتْ نِكايَتُهم كالعَدَمِ؛ بَلْ هي زِيادَةٌ في وبالِهِمْ؛ فَهي مِن ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском