Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:124–132

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:124–132

3:124Page 66

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى المُصِيبَةِ الَّتِي سَيَقُصُّ اللَّهُ كَثِيرًا مِنها؛ وهي مُسْتَوْفاةٌ في السِّيَرِ؛ كانَ أنْسَبَ مِن قَصِّها وبَيانِ ما اتَّفَقَ لَها - لِوَعْظِ مَن يَأْتِي - البَداءَةُ بِتَذْكِيرِ مَن باشَرَها بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِ القِتالِ؛ مِنَ النَّصْرِ المَشْرُوطِ بِالصَّبْرِ؛ (p-٥٦)والتَّقْوى؛ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ الخَلَلَ مِن جِهَتِهِمْ أتى؛ ثُمَّ وعْظُهم بِالنَّهْيِ عَمّا مَنَعَهُمُ النَّصْرَ؛ والأمْرُ بِما يُحَصِّلُهُ لَهُمْ؛ كَما سَيَحُثُّهم عَلى ذَلِكَ بِما يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مِن نَبَإ مَن قاتَلَ مَعَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ؛ بِأنَّهم لَمّا أصابَهُمُ القَتْلُ لَمْ يَهِنُوا؛ وعَلِمُوا أنَّ الخَلَلَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَبادَرُوا إلى إصْلاحِهِ بِأفْعالِ المُتَّقِينَ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّضَرُّعِ؛ والإقْرارِ بِالذَّنْبِ؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ؛ حَثًّا عَلى النَّظَرِ في مَوارِدِهِ؛ ومَصادِرِهِ؛ والتَّدَبُّرِ لِأوائِلِهِ؛ وأواخِرِهِ -: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شاوَرْتَهم في أمْرِ ”أُحُدٍ“ - وفي غِمارِهِمُ المُنافِقُونَ - لَمّا زُلْزِلُوا بِرُجُوعِ أكْثَرِ المُنافِقِينَ؛ حَتّى كادَ بَعْضُ الثّابِتِينَ أنْ يَرْجِعَ؛ ضَعْفًا؛ وجُبْنًا؛ مَعَ ما كانَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَهم بِهِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي أوَّلَها بِذَبْحٍ يَكُونُ في أصْحابِهِ؛ لِيَكُونَ إقْدامُهم عَلى بَصِيرَةٍ؛ أوْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ إلى العَدُوِّ؛ كَما كانَ مَيْلُ النَّبِيِّ ﷺ في أكْثَرِ أصْحابِهِ؛ وأعْلامِهِمْ؛ إلى المُكْثِ في المَدِينَةِ؛ قالَ مُنْكِرًا؛ آتِيًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ؛ لِلنَّفْيِ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾؛ إمْدادًا خَفِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُتَوَلِّي لِتَرْبِيَتِكُمْ؛ ونَصْرِ دِينِكُمْ؛ ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ (p-٥٧)ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ زادَ في إعْظامِهِمْ بِأنَّهم مِنَ السَّماءِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنْـزَلِينَ﴾؛

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

ثُمَّ تَوَلّى - سُبْحانَهُ وتَعالى - هو الجَوابَ عَنْهُمْ؛ تَحْقِيقًا لِلْكِفايَةِ؛ فَقالَ: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: يَكْفِيكم ذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الصَّبْرَ والتَّقْوى لِلَّهِ رَبِّكُمْ؛ فَتَفْعَلُوا ما يُرْضِيهِ؛ وتَنْتَهُوا عَمّا يُسْخِطُهُ؛ ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿مِن فَوْرِهِمْ﴾؛ أيْ: وقْتِهِمُ؛ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها؛ مِن: ”فارَتِ القِدْرُ“؛ إذا غَلَتْ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾؛ أيْ: إمْدادًا جَلِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ إشارَةً لَفْظِيَّةً: [آلافٍ]؛ وإشارَةً مَعْنَوِيَّةً: التَّسْوِيمُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم مِن أعْيانِ المَلائِكَةُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلَّمِينَ بِما يُعْرَفُ بِهِ مَقامُهم في الحَرْبِ؛ والظّاهِرَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّسْوِيمِ إفْهامُ القِتالِ؛ ومِنَ الِاقْتِصارِ عَلى الإنْزالِ عَدَمُهُ؛ ويَكُونُ فائِدَةُ نُزُولِهِمُ البَرَكَةَ بِهِمْ؛ وإرْهابَ الكُفّارِ بِمَن يَرَوْنَهُ مِنهم.

قالَ البَغَوِيُّ: ”قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ في المَعْرَكَةِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ؛ وفِيما سِوى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ القِتالَ؛ ولا يُقاتِلُونَ؛ إنَّما يَكُونُونَ عَدَدًا ومَدَدًا“.

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

ولَما كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَيْسَ الإمْدادُ بِهِمْ مُوجِبًا لِلنَّصْرِ“؛ وكانَ قَدْ قَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٣]؛ قالَ هُنا (p-٥٨)- قاصِرًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ -: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الإمْدادَ المَذْكُورَ؛ وذَكَرَهُ لَكم عَلى ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يَحْتاجُ مُراقِبُها إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ﴿إلا بُشْرى﴾؛ ولَمّا كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ وكانَ المَقْتُولُ مِنهم أكْثَرَ؛ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ بُشْرى لِضِدِّهِمْ؛ ولِمِثْلِ هَذا قَدَّمَ القُلُوبَ؛ فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾؛ وعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ - لِتَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ -: ”لِتَسْتَبْشِرَ نُفُوسُكم بِهِ؛ وطُمَأْنِينَةً لَكُمْ؛ لِتَطْمَئِنَّ ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾“؛ أيْ: الإمْدادِ؛ فَحَكَمَ هُنا بِأنَّهُ بُشْرى؛ مُقَيَّدًا بِـ ”لَكُمْ“؛ فَكانَتِ العِنايَةُ بِضَمِيرٍ أشَدَّ؛ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: ”إلّا وبُشْرى لَكُمْ؛ وطُمَأْنِينَتِكُمْ“؛ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ ضَمِيرِهِ عَنْهُمْ؛ والمَعْنى أنَّهم كانُوا أوَّلًا خائِفِينَ؛ فَلَمّا ورَدَتِ البُشْرى اطْمَأنُّوا بِها؛ رَجاءَ أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ مِثْلُ ما فُعِلَ في ”بَدْرٍ“؛ فَلَمّا اطْمَأنُّوا بِها وقَعَ النَّصْرُ؛ كَما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ؛ ثُمَّ لَمّا اطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ ألَزَّ قُوَّتَها؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَها نَصْرٌ؛ وسُرُورٌ؛ بِضَرْبٍ؛ وطَعْنٍ؛ في ”بَدْرٍ“؛ (p-٥٩)وغَيْرِها؛ فَلَمَحَتْ نَحْوَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ حَصَلَتِ الهَزِيمَةُ؛ لِيَصِيرُوا إلى حَقِّ اليَقِينِ؛ بِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهُمْ؛ ولا قُوَّةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما النَّصْرُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لا بِمَدَدٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا تَجِدُوا في أنْفُسِكم مِن رُجُوعِ مَن رَجَعَ؛ ولا تَأخُّرِ مَن تَأخَّرَ؛ ولا هَزِيمَةِ مَنِ انْهَزَمَ.

ولَمّا قَدَّمَ أمْرَ ”بَدْرٍ“؛ هُنا؛ وأوَّلَ السُّورَةِ؛ وتَحَقَّقَ بِذَلِكَ ما لَهُ مِنَ العِزَّةِ؛ والحِكْمَةِ؛ قالَ: ﴿العَزِيزِ﴾؛ الَّذِي لا يُغالَبُ؛ فَلا يَحْتاجُ إلى قِتالِ أحَدٍ؛ ولا يَحْتاجُ في نَصْرِهِ - إنْ قاتَلَ - إلى مَعُونَةِ أحَدٍ؛ ﴿الحَكِيمِ﴾؛ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَحالِّها؛ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ؛ أيْ: الَّذِي نَصَرَكم قَبْلَ هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ وفي أوَّلِ النَّهارِ فِيها؛ لَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم ناصِرٌ غَيْرُهُ؛ فَمَتى التَفَتَ أحَدٌ إلى سِواهُ وكَلَهُ إلَيْهِ؛ فَخُذِلَ؛ فاحْذَرُوهُ؛ لِتُطِيعُوهُ طاعَةَ أُولِي الإحْسانِ؛ في كُلِّ أوانٍ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في قِصَّةِ ”بَدْرٍ“؛ في ”الأنْفالِ“؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَقالِ؛ مِمّا اقْتَضاهُ هُناكَ الحالُ؛ و”الحَكِيمُ“؛ رَأْسُ آيَةٍ؛ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ؛ كَما في ”الأنْفالِ“؛

3:127Page 66

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

ولَمّا قَرَّرَ الوَعْدَ ذَكَرَ ثَمَرَتَهُ؛ فَقالَ مُعَلِّقًا الجارَّ بِـ ”يُمْدِدْكُمْ“: ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ أيْ: بِالقَتْلِ؛ ﴿طَرَفًا﴾؛ أيْ: طائِفَةً مِن كِرامِهِمْ؛ يَهِنُونَ بِهِمْ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ويَهْزِمَ الباقِينَ؛ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾؛ أيْ: يَكْسِرَهُمْ؛ ويَرُدَّهم بِغَيْظِهِمْ؛ مَعَ الخِزْيِ؛ (p-٦٠)أذِلّاءَ؛ وأصْلُ ”الكَبْتُ“: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ؛ ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾؛ أيْ: كُلُّهم مَهْزُومِينَ؛ ﴿خائِبِينَ﴾؛ وذَلِكَ في كِلْتا الحالَتَيْنِ؛ بِقُوَّتِكم عَلَيْهِمْ بِالمَدِّ؛ وضَعْفِهِمْ عَنْكم بِهِ؛ ويَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ بِفِعْلِ التَّوَكُّلِ؛ أيْ: فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَفْعَلَ بِأعْدائِهِمْ ما يَشاؤُهُ مِن نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ فَيُقْبِلَ بِهِمْ إلى الإسْلامِ؛ رَغْبَةً؛ أوْ رَهْبَةً؛ أوْ يُمِيتَهم عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَيُدِيمَ عَذابَهُمْ؛ مَعَ عافِيَتِهِمْ مِنهُمْ؛ ورَأيْتُ في سِيَرِ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الواقِدِيِّ؛ ما يَدُلُّ عَلى تَعْلِيقِهِ بِـ ”جَعَلَ“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ وهو حَسَنٌ أيْضًا.

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

ولَمّا كانَ ﷺ حَرِيصًا عَلى طَلَبِ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُمَثِّلَ بِهِمْ؛ كَما مَثَّلُوا بِعَمِّهِ حَمْزَةَ؛ وعِدَّةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قالَ (تَعالى): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ ﴿شَيْءٌ﴾؛ مُوَسِّطًا لَهُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ؛ يَعْنِي: مِنَ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ بِقَتْلٍ؛ أوْ هَزِيمَةٍ؛ تُدْرِكُ بِهِما ما تُرِيدُ؛ بَلِ الأمْرُ لَهُ كُلُّهُ؛ إنْ أرادَ فَعَلَ بِهِمْ ما تُرِيدُ؛ وإنْ أرادَ مَنَعَكَ مِنهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ؛ أوْ إماتَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَيَتَوَلّى هو عَذابَهُمْ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ بِما يَكْشِفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ مِن حِجابِ الغَفْلَةِ؛ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ؛ ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ بِأيْدِيكُمْ؛ بِأنْ تَسْتَأْصِلُوهُمْ؛ فَلا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ؛ أوْ يُعَذِّبَهم هو مِن (p-٦١)غَيْرِ واسِطَتِكُمْ؛ بِما يَسْتَدْرِجُهم بِهِ؛ مِمّا يُوجِبُ إصْرارَهم حَتّى يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ؛ مَعَ النَّصْرِ عَلَيْكم وغَيْرِهِ؛ مِمّا هو لَهم في صُورَةِ النِّعَمِ؛ المُوجِبُ لِزِيادَةِ عِقابِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾؛ وفي ”المَغازِي“؛ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ؛ مُعَلَّقًا عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ: ”سَمِعْتُ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «“كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ؛ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ظالِمُونَ﴾ ”؛» ورَواهُ مَوْصُولًا في“المَغازِي”؛ و“التَّفْسِيرِ”؛ و“الِاعْتِصامِ”؛ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ بِغَيْرِ هَذا اللَّفْظِ؛ وفِيهِ: «“اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا؛ وفُلانًا"».

3:129Page 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”بَلِ الأمْرُ لَهُ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ما قَدَّمَ مِن فِعْلِهِ بِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ عَلى عِظَمِها؛ مِن عاقِلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ“ما”؛ لِأنَّ غَيْرَ العاقِلِ أكْثَرُ؛ وهي بِهِ أجْدَرُ؛ ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ فَهو يَفْعَلُ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يَشاءُ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِـ“ما”؛ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَرَةَ؛ الَّذِينَ السِّياقُ لَهُمْ؛ في عِدادِ ما لا يَعْقِلُ. (p-٦٢)ولَمّا كانَتِ الأقْسامُ كُلُّها راجِعَةً إلى قِسْمَيْنِ: عافِيَةٍ؛ وعَذابٍ؛ قالَ - مُتَرْجِمًا لِذَلِكَ؛ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] -: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ فَيُعْطِيهِ ما يَشاءُ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ويُغْنِيهِ عَنِ الرِّبا؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ بِالمَنعِ عَمّا يُرِيدُ مِن خَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ عَذَّبَ الطّائِعَ؛ ونَعَّمَ العاصِي؛ لَحَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ ولا اعْتِراضَ بِوَجْهٍ عَلَيْهِ؛ هَذا مَدْلُولُ الآيَةِ؛ وهو لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ؛ أوْ لا يَفْعَلُ.

ولَمّا كانَ ﷺ لِشِدَّةِ غَيْظِهِ عَلَيْهِمْ في اللَّهِ جَدِيرًا بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ؛ بِدُعاءٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ أشارَ لَهُ - سُبْحانَهُ - إلى العَفْوِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ؛ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ مُكْرِمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْواعِ الإكْرامِ؛ فانْطَبَقَ ذَلِكَ عَلى إيضاحِ: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وإفْهامِهِ المُوجِبِ لِاعْتِقادِ أنْ يَكُونَ لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الأمْرُ (p-٦٣)وحْدَهُ.

ولَمّا أنْزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وما في آخِرِ“النَّحْلِ"؛ مِمّا لِلصّابِرِينَ؛ والعافِينَ؛ حَرَّمَ المُثْلَةَ؛ واشْتَدَّ نَهْيُهُ ﷺ عَنْها؛ فَكانَ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا مَنَعَ مِنها.

3:130Page 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

ولَمّا كانَ الخَتْمُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ رُبَّما أطْمَعَ في انْتِهاكِ الحُرُماتِ؛ لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ؛ فَكانَ مُبْعِدًا لِمُتَعاطِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مُدْنِيًا مِنَ النِّقْمَةِ؛ وكانَ أعْظَمُ المُقْتَضِياتِ لِلْخِذْلانِ تَضْيِيعُهم لِلثَّغْرِ الَّذِي أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِفْظِهِ؛ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ؛ قَبْلَ إتْمامِ هَزِيمَةِ العَدُوِّ؛ عَلى الغَنائِمِ؛ لِلزِّيادَةِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ الَّتِي هي مَعْنى الرِّبا في اللُّغَةِ؛ إذْ هو مُطْلَقُ الزِّيادَةِ؛ أقْبَلَ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا إيمانَكم بِأنْ ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾؛ أيْ: المُقَبَّحَ فِيما تَقَدَّمَ أمْرُهُ غايَةَ التَّقْبِيحِ؛ وهو كَما تَرى إقْبالٌ مُتَلَطِّفٌ؛ مُنادٍ لَهم بِاسْمِ الإيمانِ النّاظِرِ إلى الإنْفاقِ؛ المُعْرِضِ عَنِ التَّحْصِيلِ؛ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ ناهٍ عَنْ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا؛ بِالإقْبالِ عَلى غَنِيمَةٍ؛ أوْ غَيْرِها (p-٦٤)بِطَرِيقِ الإشارَةِ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ؛ إذِ المُطْلَقُ جُزْءُ المُقَيَّدِ؛ فَفي هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي صَرِيحُها ناهٍ عَنِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا؛ إقْبالًا يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ؛ بِاسْتِباحَةِ أكْلِ الرِّبا المُتَقَدِّمِ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ مِنَ المُبالَغَةِ ما يَرْدَعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى؛ ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ؛ وما يُقارِبُهُ؛ الضَّمانَ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ؛ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]

ولَمّا كانَ في تَرْكِهِ الإثْخانَ في العَدُوِّ؛ بَعْدَ زَوالِ المانِعِ مِنهُ؛ بِالهَزِيمَةِ؛ مَعَ أنَّ فِيهِ مِن حَلاوَةِ الظَّفَرِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ لِأجْلِ الغَنِيمَةِ الَّتِي هي لِمَن غَلَبَ؛ ولَيْسَ في المُبادَرَةِ إلى حَوْزِها كَبِيرُ فائِدَةٍ؛ دَلالَةً عَلى تَناهِي الحُبِّ لِلتَّكاثُرِ؛ ناسَبَ المَقامَ رِبا التَّضْعِيفِ؛ فَقالَ: - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ سَبَبُ الهَزِيمَةِ طَلَبَهُمُ الزِّيادَةَ بِالغَنِيمَةِ؛ وكانَ حُبُّ الزِّيادَةِ حَلالًا؛ قَدْ يَجُرُّ إلى حُبِّها حَرامًا؛ فَيَجُرُّ إلى الرِّبا المُضاعَفِ؛ لِأنَّ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ - قالَ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾؛ أيْ: لا تَتَهَيَّؤُوا لِذَلِكَ بِإقْبالِكم عَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ؛ فَإنَّ المَطْلُوبَ مِنكم بَذْلُ المالِ؛ فَضْلًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ فَضْلًا عَنِ الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ دَلَّتْ عَلى الرِّبا بِمُطابَقَتِها؛ (p-٦٥)وعَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ بِتَضَمُّنِها؛ وهي مِن وادِي قَوْلِهِ ﷺ: «”مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ“».

وخِتامُ الآيَةِ - بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - مُشِيرٌ إلى ذَلِكَ؛ أيْ: واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مُخالَفَةِ نَهْيِهِ عَنِ الرِّبا وِقايَةً بِالإعْراضِ عَنْ مُطْلَقِ مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ والإقْبالِ عَلَيْها؛ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الفَوْزِ بِالمَطالَبِ؛ فَمَن لَهُ مِلْكُ الوُجُودِ؛ ومُلْكُهُ؛ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْطِيَكم مِن مِلْكِهِ إنِ اتَّقَيْتُمْ؛ ويَمْنَعَكم إنْ تَساهَلْتُمْ؛ فَهو نَهْيٌ عَنِ الرِّبا بِصَرِيحِ العِبارَةِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَعُودُوا إلى ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الإقْبالِ عَلى الغَنائِمِ؛ قَبْلَ انْفِصالِ الحَرْبِ فِعْلًا؛ وقُوَّةً؛ بِطَرِيقِ الإشارَةِ؛ وهي مِن أدِلَّةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ عَلى اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ والَّذِي دَلَّنا عَلى إرادَةِ المَعْنى التَّضَمُّنِيِّ المَجازِيِّ نَظْمُها؛ والنّاظِمُ حَكِيمٌ في سَلْكِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ ووَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ؛ فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ كانَ في هَذِهِ القِصَّةِ أمْرٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ووَضْعِها هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ؛ ولا مُطَّرِدٍ؛ فَقَدْ كانَ حَلِفُهُ ﷺ أنَّهُ يُمَثِّلُ بِسَبْعِينَ مِنهُمْ؛ كَما مَثَّلُوا بِعَمِّهِ (p-٦٦)حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَبَبًا لِنُزُولِ آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ إلى آخِرِها؛ ولَمْ تُوضَعْ هُنا؛ والأمْرُ الصّالِحُ لِأنْ يَكُونُ سَبَبًا لَها ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ؛ بِسَنَدٍ رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ؛ فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ؛ فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَقالَ: أيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ قالَ: أيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ قالَ: فَأيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ ورَكِبَ فَرَسَهُ؛ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ؛ فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو؛ قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ؛ فَقاتَلَ حَتّى جُرِحَ؛ فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا؛ فَجاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ: حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ؛ أوْ غَضَبًا لَهُمْ؛ أمْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ورَسُولِهِ ﷺ؛ فَماتَ؛ فَدَخَلَ الجَنَّةَ؛ وما صَلّى لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صَلاةً؛ والقِصَّةُ في جُزْءِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ العَيْشِيِّ - بِالمُهْمَلَةِ؛ ثُمَّ التَّحْتانِيَّةِ؛ ثُمَّ المُعْجَمَةِ - تَخْرِيجُ أبِي القاسِمِ (p-٦٧)عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ البَغَوِيِّ؛ والجُزْءِ السّابِعَ عَشَرَ مِنَ المُجالَسَةِ؛ للدِّينَوَرِيِّ مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ شَيْخِ أبِي داوُدَ؛ ولَفْظُ العَيْشِيِّ: إنَّ عَمْرَو بْنَ وقْشٍ - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: أُقَيْشٍ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ؛ وكانَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الرِّبا مِنَ الإسْلامِ؛ حَتّى يَأْخُذَهُ؛ ثُمَّ يُسْلِمَ؛ فَجاءَ ذاتَ يَوْمٍ؛ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ زادَ الدِّينَوَرِيُّ: وأصْحابُهُ - بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَقالَ: أيْنَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؟ - وقالَ العَيْشِيُّ: فَقالَ لِقَوْمِهِ: أيْنَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؟ - قالُوا: هو بِـ ”أُحُدٍ“ - قالَ الدِّينَوَرِيُّ: فَقالَ: أيْنَ بَنُو أخِيهِ؟ - قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَسَألَ عَنْ قَوْمِهِ؛ فَقالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَأخَذَ سَيْفَهُ؛ ورُمْحَهُ؛ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ ثُمَّ أتى ”أُحُدًا“ - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: ثُمَّ ذَهَبَ إلى ”أُحُدٍ“ -؛ فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو؛ قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ؛ فَقاتَلَ؛ فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا؛ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؛ فَقالَ - يَعْنِي لِامْرَأتِهِ -: سَلِيهِ - وقالَ العَيْشِيُّ: فَقالَ لِأُخْتِهِ: نادِيهِ -؛ فَقُولِي - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: فَقالَتْ: أجِئْتَ غَضَبًا لِلَّهِ ورَسُولِهِ؛ أمْ حَمِيَّةً؛ وغَضَبًا لِقَوْمِكَ؟ - فَنادَتْهُ؛ فَقالَ: جِئْتُ غَضَبًا لِلَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ فَماتَ؛ فَدَخَلَ الجَنَّةَ؛ ولَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ قَطُّ؛ وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ودَخَلَ الجَنَّةَ؛ وما صَلّى لِلَّهِ صَلاةً.

ورَواها ابْنُ إسْحاقَ؛ والواقِدِيُّ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ؛ وقالَ الواقِدِيُّ: أخْبِرُونِي بِرَجُلٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ (p-٦٨)لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ قَطُّ؛ فَيَسْكُتُ النّاسُ؛ فَيَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَإذا لَمْ يَعْرِفْهُ النّاسُ سَألُوا: مَن هُوَ؟ فَيَقُولُ: أُصَيْرِمُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ عَمْرُو بْنُ ثابِتِ بْنِ وقْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ زادَ ابْنُ إسْحاقَ: قالَ الحُصَيْنُ - يَعْنِي شَيْخُهُ: فَقُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: كَيْفَ كانَ شَأْنُ الأُصَيْرِمِ؟ قالَ: كانَ يَأْبى الإسْلامَ عَلى قَوْمِهِ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ”أُحُدٍ“؛ بَدا لَهُ في الإسْلامِ؛ فَأسْلَمَ؛ ثُمَّ أخَذَ سَيْفَهُ؛ فَغَدا حَتّى دَخَلَ في عَرَضِ النّاسِ؛ فَقاتَلَ حَتّى أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ؛ فَبَيْنَما رِجالٌ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتْلاهم في المَعْرَكَةِ؛ إذا هم بِهِ؛ فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ هَذا لَلْأُصَيْرِمُ؛ ما جاءَ بِهِ؟! لَقَدْ تَرَكْناهُ وإنَّهُ لِمُنْكِرٌ بِذا الحَدِيثِ؛ فَسَألُوهُ ما جاءَ بِهِ؛ فَقالُوا: ما جاءَ بِكَ يا عَمْرُو؟ أحَدْبٌ عَلى قَوْمِكَ أمْ رَغْبَةٌ في الإسْلامِ؟ فَقالَ: بَلْ رَغْبَةٌ في الإسْلامِ؛ آمَنتُ بِاللَّهِ؛ وبِرَسُولِهِ؛ وأسْلَمْتُ؛ ثُمَّ أخَذْتُ سَيْفِي؛ فَغَدَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ قاتَلْتُ حَتّى أصابَنِي ما أصابَنِي؛ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ (p-٦٩)ماتَ في أيْدِيهِمْ؛ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنَّهُ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ“؛» والمَعْنى عَلى هَذا: ”يا أيُّها الَّذِينَ يُرِيدُونَ الإيمانَ؛ لا تَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِ الأُصَيْرِمِ في تَأْخِيرِ إيمانِهِ لِأجْلِ الرِّبا؛ بَلْ سابِقُوا المَوْتَ لِئَلّا يَأْتِيَكم بَغْتَةً؛ فَتَهْلِكُوا“؛ أوْ: ”يا أيُّها الَّذِينَ أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ؛ ورُسُوخِ الإذْعانِ في أنْفُسِهِمْ؛ والإيقانِ بِمَرِّ الزَّمانِ؛ افْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ ساعَةَ أسْلَمَ؛ في صِدْقِ الإيمانِ؛ وإسْلامِ نَفْسِهِ إلى رَبِّهِ؛ بِرُكُوبِ الأهْوالِ في غَمَراتِ القِتالِ؛ مِن غَيْرِ خَوْفٍ؛ ولا تَوَقُّفٍ؛ ولا التِفاتٍ إلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وإنْ عَظُمَ؛ فَقَدْ بانَ أنَّهُ نَبَّهَ بِالإشارَةِ إلى قِصَّةِ“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ الدُّنْيا حُصِّلَتْ لَهُ بِعِزٍّ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ ومَن أقْبَلَ عَلَيْها فاتَتْهُ بِذُلٍّ؛ وإنْ كانَ كَثِيرًا جَلِيلًا؛ لِأنَّ مَن لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ؛ يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ ولا تُفِيدُ الآيَةُ إباحَةَ مُطْلَقِ الفَضْلِ في الرِّبا؛ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الأضْعافِ المُضاعَفَةِ؛ لِأنَّ إفْهامَها لِذَلِكَ مُعارِضٌ لِمَنطُوقِ آياتِ“البَقَرَةِ”؛ النّاهِيَةِ عَنْ مُطْلَقِ الرِّبا؛ والمَفْهُومُ لا يُعْمَلُ بِهِ إذا عارَضَ مَنطُوقَ نَصٍّ آخَرَ؛ وهَذا مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرِّبا؛ إذْ حُرِّمَ كُلُّ نَوْعٍ مِنهُ في آيَةٍ تَخُصُّهُ؛ فَحُرِّمَ رِبا الفَضْلِ في آياتِ“البَقَرَةِ"؛ (p-٧٠)ويَلْزَمُ مِن تَحْرِيمِهِ تَحْرِيمُ رِبا الأضْعافِ؛ ثُمَّ نُصَّ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَصارَ مُحَرَّمًا مَرَّتَيْنِ؛ مَفْهُومًا ومَنطُوقًا؛ مَعَ ما أفادَ ذِكْرُهُ مِنَ النُّكَتِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها.

3:131Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

ولَمّا كانَ الفائِزُ بِالمَطالَبِ قَدْ لا يُوَقّى المَعاطِبَ؛ قالَ (تَعالى): ﴿واتَّقُوا النّارَ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّقِيهِ - سُبْحانَهُ - لِذاتِهِ؛ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾؛ أيْ: هُيِّئَتْ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ بِاسْتِحْلالِ الرِّبا؛ وغَيْرِهِ؛ بِالذّاتِ؛ ولِلْكافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ؛ عِصْيانًا بِالعَرَضِ؛

3:132Page 66

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

ولَمّا كانَ الفائِزُ السّالِمُ قَدْ لا يَكُونُ مُقَرَّبًا؛ قالَ - إتْباعًا لِلْوَعِيدِ بِالوَعْدِ -: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ كَمالًا لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُهُ؛ أيْ: في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ واجْتِنابِ النَّواهِي بِالإخْلاصِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ؛ وطَمَعٍ في أنْ يَفْعَلَ بِكم فِعْلَ المَرْحُومِ بِالتَّقْرِيبِ؛ والمَحَبَّةِ؛ وإنْجازِ كُلِّ ما وعَدَ عَلى الطّاعَةِ؛ مِن نَصْرِهِ؛ وغَيْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском