Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:147–156
3:147Page 68
وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧
And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
ولَمّا أثْنى - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى فِعْلِهِمْ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ مِنَ القَوْلِ؛ ﴿قَوْلَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي دَهَمَهُمْ؛ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾؛ أيْ: وهم يَجْتَهِدُونَ في نَصْرِ دِينِ اللَّهِ؛ ناسِبِينَ الخِذْلانَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِتَعاطِي أسْبابِهِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾؛ أيْ: الَّتِي اسْتَوْجَبْنا بِها الخِذْلانَ؛ ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ؛ فَمَعَ كَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ؛ مُجْتَهِدِينَ؛ نَسَبُوا ما أصابَهم إلى ذُنُوبِهِمْ؛ فافْعَلُوا أنْتُمْ فِعْلَهُمْ؛ لِتَنالُوا مِنَ الكَرامَةِ ما نالُوا؛ كَما أشارَ لَكم - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى ذَلِكَ؛ قَبْلَ الأخْذِ في قَصِّ القِصَّةِ؛ عِنْدَما وصَفَ بِهِ المُتَّقِينَ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]
(p-٨٨)ولَمّا دَعَوْا بِمَحْوِ ما أوْجَبَ الخِذْلانَ؛ دَعَوْا بِثَمَرَةِ المَحْوِ؛ فَقالُوا: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ الرُّعْبَ مِن نَتائِجِ الذَّنْبِ؛ والثَّباتَ مِن ثَمَراتِ الطّاعَةِ – «إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ» - ثُمَّ أشارُوا إلى أنَّ قِتالَهم لَهم إنَّما هو لِلَّهِ؛ لا لِحَظٍّ مِن حُظُوظِ النَّفْسِ أصْلًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
3:148Page 68
فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨
So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.
فَلَمّا تَمَّ الثَّناءُ عَلى فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ ذَكَرَ ما سَبَّبَهُ لَهم ذَلِكَ مِنَ الجَزاءِ؛ فَقالَ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِأنْ قَبِلَ دُعاءَهم بِالنَّصْرِ؛ والغِنى بِالغَنائِمِ؛ وغَيْرِها؛ وحُسْنِ الذِّكْرِ؛ وانْشِراحِ الصَّدْرِ؛ وزَوالِ شُبَهاتِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ ثَوابُ الدُّنْيا؛ كَيْفَما كانَ؛ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِالكَدَرِ مَشُوبًا؛ وبِالبَلاءِ مَصْحُوبًا؛ لِأنَّها دارُ الأكْدارِ؛ أعْراهُ مِن وصْفِ الحُسْنِ؛ وخَصَّ الآخِرَةَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: مَجازًا؛ بِتَوْفِيقِهِمْ إلى الأسْبابِ في الدُّنْيا؛ وحَقِيقَةً في الآخِرَةِ؛ فَإنَّهم أحْسَنُوا في هَذا الفِعالَ؛ والمَقالَ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ؛ فَأحَبَّهم (p-٨٩)لِإحْسانِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ جَمِيلٍ؛ ولِذَلِكَ رَفَعَ مَنزِلَتَهُمْ؛ ولَمْ يَجْعَلْ ثَوابَهم بَعْضًا؛ كَما فَعَلَ بِمَن عَبَدَ لِإرادَةِ الثَّوابِ؛ فَقالَ: ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ فَقَدْ بانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنْعَطِفَةٌ عَلى ما أُمِرَ بِهِ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ؛ فَنَفْيُ الوَهْنِ تَعْرِيضٌ بِمَن أُشِيرَ إلَيْهِ في آيَةِ: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]؛ ومَحَبَّةُ الصّابِرِينَ تَعْرِيضٌ بِمَن لَمْ يَصْبِرْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ والثَّناءُ عَلى قَوْلِهِمْ؛ حَثٌّ عَلى مِثْلِ ما نَدَبَهم إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]؛ وثَباتُ الأقْدامِ إشارَةٌ إلى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]؛ وإلى أنَّ ثَباتَ القَدَمِ لِلنَّصْرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ؛ كانَ شاغِلًا لَهم عَنْ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ؛ وتَعْرِيضٌ بِمَن أقْبَلَ عَلى الغَنائِمِ؛ وتَرَكَ طَلَبَ العَدُوِّ؛ لِتَمامِ النَّصْرِ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ بِآيَةِ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ وإيتاءُ الثَّوابِ ناظِرٌ إلى النَّهْيِ عَنِ الرِّبا؛ وما انْتَظَمَ في سِلْكِهِ؛ وداناهُ؛ وإلى الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى الجَنَّةِ؛ وما والاهُ؛ وإيماءً إلى أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهم نالَ ما نالُوا؛ ومَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ؛ وكَرْمَهُ لا يُحَدُّ؛ وخَزائِنَهُ لا تَنْفَدُ؛ بَلْ (p-٩٠)لا تَنْقُصُ؛ ثُمَّ خَتَمَها بِما خَتَمَ بِهِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأوْصافِ المُتَّقِينَ؛ فَقَدِ اتَّضَحَ بِغَيْرِ لَبْسٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ - وهي الإخْبارُ عَنْ إيتائِهِمُ الثَّوابَ - التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أهَمَّ الأُمُورِ؛ وأحَقَّها بِالبَداءَةِ؛ التَّخَلُّقُ بِما وُعِظُوا بِهِ قَبْلَ قَصِّ القِصَّةِ؛ ولا رَيْبَ أنَّ في مَدْحِ مَن سِواهم تَهْيِيجًا زائِدًا لِانْبِعاثِ نُفُوسِهِمْ؛ وتَحَرُّكِ هِمَمِهِمْ؛ وتَنْبِيهِ نَشاطِهِمْ؛ وثَوَرانِ عَزائِمِهِمْ؛ غَيْرَةً مِنهم أنْ يَكُونَ أحَدٌ - وهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ - أعْلى هِمَّةً؛ وأقْوى عَزِيمَةً؛ وأشَدَّ شَكِيمَةً؛ وأصْلَبَ عُودًا؛ وأثْبَتَ عَمُودًا؛ وأرْبَطَ جَأْشًا؛ وأذْكَرَ لِلَّهِ؛ وأرْغَبَ فِيما عِنْدَهُ؛ وأزْهَدَ فِيما أعْرَضَ عَنْهُ؛ مِنهم.
3:149Page 69
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩
O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.
ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِطاعَتِهِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ؛ والأجْرِ؛ وخَتَمَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُحْسِنِينَ؛ حَذَّرَ مِن طاعَةِ الكافِرِينَ المُقْتَضِيَةِ لِلْخِذْلانِ؛ رَغْبَةً في مُوالاتِهِمْ؛ ومُناصَرَتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - واصِلًا بِالنِّداءِ في آيَةِ الرِّبا -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ﴿إنْ تُطِيعُوا﴾؛ بِخُضُوعٍ واسْتِئْمانٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: هَذا الفَرِيقَ مِنهُمْ؛ أوْ غَيْرَهُ ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾؛ بِتَعْكِيسِ أحْوالِكُمْ؛ إلى أنْ تَصِيرُوا مِثْلَهُمْ؛ ظالِمِينَ؛ كافِرِينَ؛ (p-٩١)﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾؛ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ في الدّارَيْنِ؛ فَتَكُونُوا في غايَةِ البُعْدِ مِن أحْوالِ المُحْسِنِينَ؛ فَتَكُونُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ؛ صَغَرَةً تَحْتَ أيْدِي الأعْداءِ في الدُّنْيا؛ خالِدِينَ في العَذابِ في الأُخْرى؛ وذَلِكَ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - أوَّلَ ما حَذَّرَ مِن مَكْرِ الكُفّارِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]؛ ومُوَضِّحٌ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ شَدِيدٌ اتِّصالُ بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
3:150Page 69
بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠
But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلا تُطِيعُوهُمْ؛ إنَّهم لَيْسُوا صالِحِينَ لِلْوِلايَةِ مُطْلَقًا؛ ما دُمْتُمْ مُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿مَوْلاكُمْ﴾؛ مُخْبِرًا بِأنَّهُ ناصِرُهُمْ؛ وأنَّ نَصْرَهُ لا يُساوِيهِ نَصْرُ أحَدٍ سِواهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مَن نَصْرَهُ سَبَّبَ لَهُ جَمِيعَ أسْبابِ النَّصْرِ؛ وأزالَ عَنْهُ كُلَّ أسْبابِ الخِذْلانِ؛ فَمَنَعَ غَيْرَهُ - كائِنًا مَن كانَ - مِن إذْلالِهِ؛
3:151Page 69
سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُحَقِّقًا لِلْوَعْدِ -: ﴿سَنُلْقِي﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾؛ أيْ: المُقْتَضِيَ لِامْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِمْ؛ وعَدَمِ الوَهْنِ في أمْرِهِمْ؛ كَما افْتَتَحَ القِصَّةَ بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ؛ بِالأمْرِ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ والنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِيَعْلَمُوا (p-٩٢)قَطْعًا أنَّهُ لا ولِيَّ لِعَدُوِّهِ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿بِهِ سُلْطانًا﴾؛ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم في الإشْراكِ؛ وما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا فَلا سُلْطانَ لَهُ؛ ومادَّةُ ”سَلَطَ“؛ تَرْجِعُ إلى القُوَّةِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلَيْهِمُ الذُّلُّ في الدُّنْيا؛ لِاتِّباعِهِمْ ما لا قُوَّةَ بِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾؛ ثُمَّ هَوَّلَ أمْرَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ.
3:152Page 69
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
ولَمّا كانَتِ السِّينُ في ”سَنُلْقِي“؛ مُفْهِمَةً لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُرَغِّبْهم فِيما مَضى؛ فَنَفى هَذا الوَهْمَ؛ مُحَقِّقًا لَهم ذَلِكَ؛ بِتَذْكِيرِهِمْ بِما أنْجَزَ لَهم مِن وعْدِهِ؛ في أوَّلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ؛ مُدَّةَ تَلَبُّسِهِمْ بِما شَرَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]؛ مُصَرِّحًا بِما لَوَّحَ إلَيْهِ تَقْدِيرًا قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]؛ كَما مَضى -: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾؛ أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: تَقْتُلُونَهُمْ؛ بَعْضَهم بِالفِعْلِ؛ والباقِينَ بِالقُوَّةِ الَّتِي هَيَّأها لَكُمْ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ فَإنَّ ”الحَسُّ“؛ بِالفَتْحِ: القَتْلُ؛ والِاسْتِئْصالُ - قالَهُ في القامُوسِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ بَعْدَ تَمْكِينِهِ مِنهُمْ؛ لِيَكُونَ (p-٩٣)رادِعًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِغايَةِ الحَسِّ -: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾؛ أيْ: ضَعُفْتُمْ؛ وتَراخَيْتُمْ بِالمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ؛ خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الهِمَمُ العَوالِي؛ فَكَيْفَ بِهِمْ إذا كانُوا مِن حِزْبِ مَوْلى المَوالِي؟! فَلَوْ كانَتِ العَرَبُ عَلى حالِ جاهِلِيَّتِها تَتَفاخَرُ بِالإقْبالِ عَلى الطَّعْنِ والضَّرْبِ؛ في مَواطِنِ الحَرْبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الغَنائِمِ - كَما قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدّادٍ العَبْسِيُّ - يَفْتَخِرُ -:
؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِي
؎إذْ لا أزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهْدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ
؎طَوْرًا يُعَرَّضُ لِلطِّعانِ وتارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ يَأْوِي إلى حَصْدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ
؎يُخْبِرْكِ مَن شَهِدَ الوَقِيعَةَ أنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ أغْشى الوَغى وأعَفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
وقالَ - يُفاخِرُ بِقَوْمِهِ كُلِّهِمْ -:
؎إنّا إذا حَمَسَ الوَغى نَرْوِي القَنا ∗∗∗ ونَعَفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ
ولَمّا ذَكَرَ الفَشَلَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو سَبَبُهُ في الغالِبِ؛ فَقالَ: ﴿وتَنازَعْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالِاخْتِلافِ؛ وأصْلُهُ مِن ”نَزَعَ بَعْضٌ شَيْئًا مِن (p-٩٤)يَدِ بَعْضٍ“؛ ﴿فِي الأمْرِ﴾؛ أيْ: أمْرِ الثَّغْرِ المَأْمُورِ بِحِفْظِهِ؛ ﴿وعَصَيْتُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ العِصْيانُ بَيْنَكُمْ؛ بِتَضْيِيعِ الثَّغْرِ؛ وأُثْبَتَ الجارَّ تَصْوِيرًا لِلْمُخالَفَةِ بِأنَّها كانَتْ عَقِبَ رُؤْيَةِ النَّصْرِ؛ سَواءً؛ وتَبْشِيرًا بِزَوالِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن حَسِّهِمْ بِالسُّيُوفِ؛ وهَزِيمَتِهِمْ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّ الجَمِيعَ عَصَوْا؛ نَفى ذَلِكَ؛ مُعَلِّلًا لِلْعِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: قَدْ أغْضى عَنْ مَعايِبِها؛ الَّتِي أجْلاها فَناؤُها؛ ولَمّا كانَ حُكْمُ الباقِينَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلْفَهْمِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾؛ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَراكِزِهِمْ؛ لَمْ يُعَرِّجُوا عَلى الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - جَوابًا لِـ ”إذا“ -: سَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: لِانْدِهاشِكم لِإتْيانِهِمْ إلَيْكم مِن ورائِكُمْ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْهَزِيمَةِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنَ النُّصْرَةِ؛ ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أيْ: يَفْعَلَ في ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ الِاخْتِبارَ في ثَباتِكم عَلى الدِّينِ؛ في حالَيِ السَّرّاءِ؛ والضَّرّاءِ.
ولَمّا كانَ اخْتِبارُهُ (تَعالى) بِعِصْيانِهِمْ شَدِيدَ الإزْعاجِ (p-٩٥)لِلْقُلُوبِ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: تَفَضُّلًا عَلَيْكم لِإيمانِكُمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ وهو مِنَ الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ.
3:153Page 69
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ الصَّرْفِ والعَفْوِ عَنْهُ؛ صَوَّرَهُ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: صَرَفَكُمْ؛ وعَفا عَنْكُمْ؛ حِينَ ﴿تُصْعِدُونَ﴾؛ أيْ: تُزِيلُونَ الصُّعُودَ؛ فَتَنْحَدِرُونَ نَحْوَ المَدِينَةِ؛ أوْ تَذْهَبُونَ في الأرْضِ لِتَبْعُدُوا عَنْ مَحَلِّ الوَقْعَةِ؛ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ؛ ﴿ولا تَلْوُونَ﴾؛ أيْ: تَعْطِفُونَ؛ ﴿عَلى أحَدٍ﴾؛ أيْ: مِن قَرِيبٍ؛ ولا بَعِيدٍ؛ ﴿والرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لِتُجِيبُوهُ إلى كُلِّ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وهو الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ ﴿يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾؛ أيْ: ساقَتَكُمْ؛ وجَماعَتَكُمُ الأُخْرى؛ وأنْتُمْ مُدْبِرُونَ؛ وهو ثابِتٌ في مَكانِهِ؛ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ في نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ لا يَبْلُغُونَ أرْبَعِينَ نَفْسًا - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ - وُثُوقًا بِوَعْدِ اللَّهِ؛ ومُراقَبَةً لَهُ؛ يَقُولُ - كُلَّما مَرَّتْ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مُنْهَزِمَةٌ -: ”إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ؛ أنا رَسُولُ اللَّهِ؛ إلَيَّ؛ إلَيَّ؛ عِبادَ اللَّهِ“؛ كَما هو اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ؛ والوُثُوقِ بِما عِنْدَهُ؛ وعَدَّ مَن دُونَهُ مِن ولِيٍّ (p-٩٦)وعَدُوٍّ عَدَمًا؛ وإنَّما قُلْتُ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ الِانْهِزامُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يُرادُ مِنهُ الإقْبالُ عَلى الدّاعِي؛ بَعْدَ الِانْصِرافِ عَمّا يُرِيدُهُ؛ لِيَأْمُرَ ويَنْهى؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم مُوَلُّونَ عَنِ المَقْصُودِ؛ وهو القِتالُ؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الرِّجّالَةِ يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ؛ فَذاكَ إذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْراهُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا“».
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ العَفْوِ رَدُّهم عَنِ الهَزِيمَةِ إلى القِتالِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَأثابَكُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلَ لَكم رَبُّكم ثَوابًا؛ ﴿غَمًّا﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِكم قَتْلَ الرَّسُولِ ﷺ؛ وكانَ اعْتِقادًا كاذِبًا مُلِئْتُمْ بِهِ رُعْبًا؛ ﴿بِغَمٍّ﴾؛ أيْ: كانَ حَصَلَ لَكم مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ؛ والهَزِيمَةِ؛ وسَمّاهُ - وإنْ كانَ في صُورَةِ العِقابِ - بِاسْمِ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلسُّرُورِ؛ حِينَ تَبَيَّنَ أنَّهُ خَبَرٌ كاذِبٌ؛ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سالِمٌ؛ حَتّى كَأنَّهم - كَما قالَ بَعْضُهم - لَمْ تُصِبْهم مُصِيبَةٌ؛ فَهو مِنَ الدَّواءِ بِالدّاءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والغَنِيمَةِ ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ والهَزِيمَةِ؛ لِاشْتِغالِكم عَنْ ذَلِكَ (p-٩٧)بِالسُّرُورِ بِحَياةِ الرَّسُولِ ﷺ.
ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ ظاهِرًا؛ وما قَصَدُوهُ باطِنًا؛ وما داواهم بِهِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَبِيرٌ بِما يُصْلِحُ أعْمالَكُمْ؛ ويُبْرِئُ أدَواءَكُمْ“ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن خَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في هَذِهِ الحالِ؛ وغَيْرِها؛ وبِما يُصْلِحُ مِن جَزائِهِ؛ ودَوائِهِ؛ فَتارَةً يُداوِي الدّاءَ بِالدّاءِ؛ وتارَةً بِالدَّواءِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ القادِرُ؛ المُخْتارُ.
3:154Page 70
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
ولَمّا كانَ أمانُهم بَعْدَ انْخِلاعِ قُلُوبِهِمْ بَعِيدًا؛ ولا سِيَّما بِكَوْنِهِ بِالنُّعاسِ؛ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ الوَعِرِ؛ والمَحَلِّ الضَّنْكِ؛ عَطَفَ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا أفادَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَظَمَةَ الأمْنِ؛ وكانَ مُتَّصِلًا بِالغَمِّ؛ ولَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ ما بَعْدَهُ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِ؛ وأنْتُمْ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ ﴿أمَنَةً﴾؛ أيْ: أمْنًا عَظِيمًا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها - تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِنَ الغَرابَةِ - قَوْلَهُ: ﴿نُعاسًا﴾؛ دَلِيلًا قَطْعِيًّا؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن أمْنٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ أبا طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٩٨)قالَ:
”غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي؛ وآخُذُهُ؛ ويَسْقُطُ؛ وآخُذُهُ“؛ ولَمّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فَقَطِ؛ اسْتَأْنَفَ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ وابْتَدَأ الإخْبارَ عَنِ الباقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ﴾؛ أيْ: أُخْرى؛ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾؛ لا المُدافَعَةُ عَنِ الدِّينِ؛ فَهم إنَّما يَطْلُبُونَ خَلاصَها؛ ولا يَجِدُونَ إلى ذَلِكَ فِيما يَظُنُّونَ سَبِيلًا لِاتِّصالِ رُعْبِهِمْ؛ وشِدَّةِ جَزَعِهِمْ؛ فَعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الأمْنُ المَذْكُورُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ هَمَّهُمْ؛ فَقالَ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: مِن أنَّ نَصْرَهُ بَعْدَ هَذا لا يُمْكِنُ؛ أوْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا في المَدِينَةِ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ مِن سَفْسافِ الكَلامِ؛ وفاسِدِ الظُّنُونِ الَّتِي فَتَحَتْها ”لَوْ“؛ والأوْهامُ؛ ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ - مِن عَظَمَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ ما أرادَهُ كانَ؛ ولا يَكُونُ غَيْرُهُ - ما يَعْلَمُ أتْباعُ الرُّسُلِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُنْكِرِينَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرَّأْيَ رَأْيَهُمْ؛ ويَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ؛ غَضَبًا؛ وتَأسُّفًا عَلى خُرُوجِهِمْ في هَذا الوَجْهِ؛ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ مَعَ ابْنِ أُبَيٍّ؛ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا؛ ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: المَسْمُوعِ؛ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى النَّفْيِ؛ ثَبَتَتْ أداةُ الِاسْتِغْراقِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ رَدًّا عَلَيْهِمُ؛ احْتِقارًا (p-٩٩)بِهِمْ: ﴿إنَّ الأمْرَ﴾؛ أيْ: الحُكْمَ الَّذِي لا يَكُونُ سِواهُ؛ ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ولَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم مِنهُ شَيْءٌ؛ شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ؛ غَزَوْتُمْ أوْ قَعَدْتُمْ؛ ثَبَتُّمْ أوْ فَرَرْتُمْ.
ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ بَعْضَ أمْرِهِمْ في هَذِهِ الحَرْبِ؛ وبَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِن فَوائِدِ ما فَعَلَ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]؛ وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أظْهَرَ مِن أسْرارِ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الوَقْعَةِ؛ في اتِّهامِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ حَتّى وصَلَ إلى هُنا؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا غَيْرَ صَرِيحٍ في الِاتِّهامِ؛ لِإمْكانِ حَمْلِهِ عَلى مَساقِ الِاسْتِفْهامِ؛ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِتَدْلِيسِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْفُونَ﴾؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ مُخْفِينَ؛ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لِكَوْنِهِ لا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ إجْمالِهِ؛ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: المَسْمُوعِ؛ ﴿شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾؛ لِأنّا كُنّا نَمْكُثُ في المَدِينَةِ؛ ولا نَخْرُجُ إلى العَدُوِّ.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْهم بِما أخْفَوْهُ جَهْلًا مِنهُمْ؛ ظَنًّا أنَّ الحَذَرَ يُغْنِي مِنَ القَدْرِ؛ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ أنْ أُجْمِعَ رَأْيُكم عَلى ألّا يَخْرُجَ مِنكم (p-١٠٠)أحَدٌ؛ ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَضاجِعُهم بِالحَقِيقَةِ؛ وهي الَّتِي قُتِلُوا بِها؛ لِأنَّ ما قَدَّرْناهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا دَفْعُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما عُلِمَ تَقْدِيرُهُ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ﴾؛ أيْ: لَبَرَزَ المَذْكُورُونَ لِيَنْفُذَ قَضاؤُهُ؛ ويَصْدُقَ قَوْلُهُ لَكم في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“: ”إنْ فادَيْتُمُ الأُسارى؛ ولَمْ تَقْتُلُوهُمْ؛ قُتِلَ مِنكم في العامِ المُقْبِلِ مِثْلُهُمْ“؛ ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِهَذا الأمْرِ التَّقْدِيرِيِّ؛ ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الإيمانِ؛ والنِّفاقِ؛ بِأنْ يَفْعَلَ؛ في إظْهارِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ فِعْلَ المُخْتَبِرِ؛ كَما فَعَلَ بِما وُجِدَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأُمُورِ التَّحْقِيقِيَّةِ؛ ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: يُطَهِّرَهُ ويُصَفِّيَهُ مِن جَمِيعِ الوَساوِسِ الصّارِفَةِ عَنِ المُراقَبَةِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ مِنَ الغَنائِمِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ الهَزِيمَةِ؛ وغَيْرِها.
وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا؛ ودافِعًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن ذِكْرِ الِابْتِلاءِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِالخَفايا.
ولَمّا كانُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ قَدْ حَصَلَ لَهم ضَرَرٌ عَظِيمٌ؛ لَكِنَّهُ كانَ بِما وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الخَلَلِ الظّاهِرِ؛ فَأدَّبَهم بِذَلِكَ؛ عَفا عَنْهم - سُبْحانَهُ (p-١٠١)وتَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْدِيبِ؛ ورَحِمَهُمْ؛ وطَيَّبَ قُلُوبَهم بِهَذِهِ الآيَةِ؛ بِما فِيها مِنَ التَّأْمِينِ صَرِيحًا؛ وبِما فِيها مِنَ الإشارَةِ بِجَمْعِ جَمِيعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ فِيها؛ تَلْوِيحًا إلى أنَّ أمْرَهم لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ؛ كَما تَمَّتِ الحُرُوفُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لَكِنَّهُ افْتَتَحَها بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ؛ حَتّى تُصْقَلَ مَرائِي الصُّدُورِ الَّتِي خَتَمَها بِها؛ بِخِلافِ ما في الآيَةِ الأُخْرى الجامِعَةِ لِلْحُرُوفِ في آخِرِ سُورَةِ ”الفَتْحِ“؛ الَّتِي نَزَلَتْ في ”الحُدَيْبِيَةِ“؛ الَّتِي ساءَهم رُجُوعُهم مِنها دُونَ وُصُولِهِمْ إلى قَصْدِهِمْ - كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
3:155Page 70
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥
Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.
ولَمّا كانَ فِيهِ - مَعَ ذَلِكَ - مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الِاخْتِبارِ؛ خَبِيرٌ بِدَقائِقِ الأسْرارِ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ - مُسْتَأْنِفًا لِبَيانِ ما هو مِن ثَمَراتِ العِلْمِ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ القِتالِ؛ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ؛ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ والكُفّارِ؛ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أيْ: طَلَبَ زَلَلَهم عَنْ ذَلِكَ المَقامِ العالِي؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: عَدُوُّهُمُ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن طَلَبَ الدُّنُوَّ إلى حَضَراتِ القُدْسُ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ؛ مِن تَرْكِ المَرْكَزِ؛ والإقْبالِ عَلى الغَنِيمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ القِتالَ في الجِهادِ إنَّما هو بِالأعْمالِ؛ (p-١٠٢)فَمَن كانَ أصْبَرَ في أعْمالِ الطّاعَةِ؛ كانَ أجْلَدَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ؛ ولَمْ يَكُنْ تَوَلِّيهِمْ عَنْ ضَعْفٍ في نَفْسِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صارُوا مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ؛ فاسْتَحَقُّوا ما اسْتَحَقَّ؛ ألْصَقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ لِئَلّا تَطِيرَ أفْئِدَةُ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ مِمّا هو أهْلُهُ مِنَ الغُفْرانِ؛ والحِلْمِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الذَّنْبَ عَظِيمٌ؛ والخَطَرَ بِسَبَبِهِ جَسِيمٌ؛ فَلَوْلا الِاشْتِمالُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ لَعُوجِلُوا بِأعْظَمِ النَّكالِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا؛ وأثَرًا. ولَمّا كانَ الغَفْرُ قَدْ يَكُونُ مَعَ تَحَمُّلٍ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعامِلِ المُتَوَلِّينَ حَذَرَ المَوْتِ مُعامَلَةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - حَذَرَ المَوْتِ؛ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: ﴿مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]
3:156Page 70
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦
O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُمْ: ”إنّا لَوْ ثَبَتْنا في المَدِينَةِ المُمَثَّلَةِ بِالدِّرْعِ الحَصِينَةِ“ - كَما كانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأكابِرِ مِن أصْحابِهِ؛ لَسَلِمْنا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلَيْهِ -؛ قَوْلًا مُوجِبًا لِغَيْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاتِّهامِ؛ وسُوءِ العَقِيدَةِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يَخْدَعَ كَثِيرًا مِن أهْلِ الطّاعَةِ؛ لِشِدَّةِ حُبِّهِمْ لِمَن قُتِلَ مِنهُمْ؛ (p-١٠٣)وتَعاظُمِ أسَفِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ المُبادَرَةَ إلى الوَعْظِ بِما يُزِيلُ هَذا الأثَرَ؛ ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مُؤَيَّدًا بِأعْظَمِ الثَّباتِ؛ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّيَمِ الطّاهِرَةِ؛ والمَحاسِنِ الظّاهِرَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ البَداءَةُ بِغَيْرِهِ؛ فَنَهى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ الِانْخِداعِ بِأقْوالِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أظْهَرُوا الإقْرارَ بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا قَوْلَكم بِأنْ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ؛ عَلى وجْهِ السَّتْرِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: ما فَضَحَهُمْ؛ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الأعِزَّةِ عَلَيْهِمْ؛ نَسَبًا؛ أوْ مَذْهَبًا؛ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾؛ أيْ: سافَرُوا مُطْلَقَ سَفَرٍ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِمَتْجَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾؛ أيْ: غُزاةً؛ مُبالِغِينَ في الغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ بِسَفَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ - جَمْعُ ”غازٍ“؛ فَماتُوا؛ أوْ قُتِلُوا؛ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لَمْ يُفارِقُونا؛ ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾؛ وهَذا في غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ إطْلاقَ هَذا القَوْلِ مِنهم - لا سِيَّما عَلى هَذا التَّأْكِيدِ - يَلْزَمُ مِنهُ ادِّعاءُ أنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ في المَدِينَةِ؛ وهو لا يَقُولُهُ عاقِلٌ؛ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُحْزِنًا؛ اعْتِقادُهُ وكِتْمانُهُ؛ عَلَّقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“؛ وبِانْتِفاءِ الكَوْنِ كالَّذِينِ قالُوا قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ؛ أوْ الِانْفِرادَ بِهِ عَنْ مُشارِكٍ؛ (p-١٠٤)﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِهِ؛ وعَدَمِ المُواسِي فِيهِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ التَّعْلِيقِ بِـ ”قالُوا“؛ يَكُونُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوهُ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ لَكانُوا قَدْ قالُوهُ لا لِغَرَضٍ أصْلًا؛ وذَلِكَ أعْرَقُ في كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: لا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ؛ والحالُ - أوْ قالُوا ذَلِكَ والحالُ - أنَّ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يُحْيِي﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ؛ ﴿ويُمِيتُ﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ إذا أرادَ؛ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِعَمَلِكُمْ؛ وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ قَدِيرٌ؛ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ومَتى كانَ عَلى خِلافِ أمْرِهِ عاقَبَ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences