Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:170–180
3:170Page 72
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ مِن ذَلِكَ الفَوْزِ الكَبِيرِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ حاسَبَهم عَلى أقَلِّ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ لَمْ تُوَفَّ جَمِيعُ أعْمالِهِمْ بِها؛ لَأنَّ أعْمالَهم مِن نِعَمِهِ؛ فَأعْلَمَنا - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا؛ تَسْلِيَةً؛ وحُسْنَ تَعْزِيَةٍ أنْ لَمْ يَفُتْ مِنهم إلّا حَياةُ الكَدَرِ الَّتِي لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في بَقائِها؛ وإنْ طالَ المَدى؛ وبَقِيَتْ لَهم (p-١٢٢)حَياةُ الصَّفاءِ الَّتِي لا انْفِكاكَ لَها؛ ولا آخِرَ لِنَعِيمِها؛ بِغَمٍّ يَلْحَقُهُمْ؛ ولا فِتْنَةٍ تَنالُهُمْ؛ ولا حُزْنٍ يَعْتَرِيهِمْ؛ ولا دَهْشٍ يُلِمُّ بِهِمْ في وقْتِ الحَشْرِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا غَفْلَةَ لَهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِحُزْنِ مَن خَلَّفُوهُ؛ ومُرَغِّبًا لَهم في الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ وهَذا - واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ - مَعْنى الشَّهادَةِ؛ أيْ: إنَّهم لَيْسَتْ لَهم حالُ غَيْبَةٍ؛ لِأنَّ دائِمَ الحَياةِ بِلا كَدَرٍ أصْلًا كَذَلِكَ.
3:171Page 72
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١
They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -
ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم بِما نالُوهُ؛ ذَكَرَ سُرُورَهم بِما عَلِمُوهُ لِمَن هو عَلى دِينِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: تُوجَدُ لَهُمُ البُشْرى وُجُودًا عَظِيمَ الثَّباتِ؛ حَتّى كَأنَّهم يُوجِدُونَها كُلَّما أرادُوا؛ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الشَّهادَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُبَشَّرَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: عَلى إخْوانِهِمْ في آخِرَتِهِمْ؛ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا يُفْقَدُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ هم كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ؛ وهَذا أعْظَمُ البُشْرى لِمَن تُرِكُوا عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يَلْحَقُونَهم في مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّبَبَ واحِدٌ؛ وهو مِنحَةُ اللَّهِ لَهم بِالقَتْلِ فِيهِ؛ أوْ مُطْلَقُ الإيمانِ لِمُطْلَقِ ما هم فِيهِ مِنَ السَّعادَةِ بِغَيْرِ قَيْدِ الشَّهادَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم لِأنْفُسِهِمْ تارَةً؛ ولِإخْوانِهِمْ أُخْرى؛ كَرَّرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَنْ غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَنٍّ؛ فَقالَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ كَبِيرَةٍ (p-١٢٣)﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ عَظِيمٍ؛ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي لا يَقْدُرُهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ؛ ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يُوَفِّيهِمْ أجْرَهم عَلى أعْمالِهِمْ؛ ويَفْضُلُ عَلَيْهِمْ؛ ولَوْ شاءَ لَحاسَبَهم عَلى سَبِيلِ العَدْلِ؛ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ.
3:172Page 72
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢
Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -
ولَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُصِيبَهم قَرْحٌ؛ ومَدَحَ أحْوالَ الشُّهَداءِ؛ تَرْغِيبًا في الشَّهادَةِ؛ وأحْوالَ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ تَرْغِيبًا في النَّسْجِ عَلى مِنوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَعْلِيقِ السَّعادَةِ بِوَصْفِ الإيمانِ؛ أخَذَ يَذْكُرُ ما أثْمَرَ لَهم إيمانُهم مِنَ المُبادَرَةِ إلى الإجابَةِ إلى ما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ أمْرِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ إلّا صَرِيحُ النِّفاقِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الإجابَةَ في الجِهادِ؛ إيجادًا مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا؛ ثابِتًا؛ بِما عِنْدَهم مِن خالِصِ الإيمانِ؛ ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾؛ أيْ: لا لِغَرَضِ مَغْنَمٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَظَّمَ صِدْقَهم بِقَوْلِهِ - مُثْبِتًا الجارَّ؛ لِإرادَةِ ما يَأْتِي مِن إحْدى الغَزْوَتَيْنِ؛ لا اسْتِغْراقِ ما بَعْدَ الزَّمانِ -: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾
ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ الأحْكامِ بِالأوْصافِ حامِلًا عَلى التَّحَلِّي بِها عِنْدَ المَدْحِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِما يَصْلُحُ لِلْبَيانِ (p-١٢٤)والبَعْضِ؛ لِيَدُومَ رَغَبُهُمْ؛ ورَهَبُهُمْ؛ فَقالَ: ﴿مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مِن تَتِمَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها إشارَةٌ إلى غَزْوَةِ ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ أوْ غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ فَإنَّ الوَعْدَ كانَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واللَّهُ الهادِي؛ ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ أنَّ البَيْضاوِيَّ قالَ - تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ -: «”إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلى“بَدْرٍ”؛ المَوْعِدِ؛ في سَبْعِينَ راكِبًا“؛» وفي تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّ الرُّكْبانَ مِنَ الجَيْشِ كانَ ذَلِكَ عَدَدَهُمْ؛ وأنَّ الباقِينَ كانُوا مُشاةً؛ فَلَعَلَّهُ؛ وإلّا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ وأمّا في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بَعْدَ انْفِصالِهِمْ مِن ”أُحُدٍ“؛ بِالرُّجُوعِ؛ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهُمْ؛ وأنْ يُرِيَهم مِن نَفْسِهِ؛ وأصْحابِهِ قُوَّةً؛ فَنادى مُنادِيهِ يَوْمَ الأحَدِ - الغَدَ مِن يَوْمِ ”أُحُدٍ“ - بِطَلَبِ العَدُوِّ؛ وألّا يَخْرُجَ مَعَهُ إلّا مَن كانَ حاضِرًا مَعَهُ بِالأمْسِ؛ فَأجابُوا بِالسَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ فَخَرَجَ في أثَرِهِمْ؛ واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ ولا يَشُكُّ في أنَّهم أجابُوا كُلُّهُمْ؛ ولَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ؛ وقَدْ كانُوا في ”أُحُدٍ“؛ نَحْوَ سَبْعِمِائَةٍ؛ ولَمْ يَأْذَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ مَعَهُ لِأحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واسْتَأْذَنَهُ رِجالٌ لَمْ يَشْهَدُوها؛ فَمَنَعَهُمْ؛ إلّا ما كانَ مِن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - (p-١٢٥)فَإنَّهُ أذِنَ لَهُ؛ لِعِلَّةٍ ذَكَرَها في التَّخَلُّفِ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ مَحْمُودَةٍ.
قالَ الواقِدِيُّ: «”ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِوائِهِ؛ وهو مَعْقُودٌ لَمْ يُحَلَّ مِنَ الأمْسِ؛ فَدَفَعَهُ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويُقالُ: إلى أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَأْسُهُ مَشْجُوجٌ؛ وهو مَجْرُوحٌ؛ في وجْهِهِ أثَرُ الحَلْقَتَيْنِ؛ ومَشْجُوجٌ في جَبْهَتِهِ في أُصُولِ الشَّعْرِ؛ ورُباعِيَّتُهُ قَدْ سَقَطَتْ؛ وشَفَتُهُ قَدْ كُلِمَتْ مِن باطِنِها؛ وهو مُتَوَهِّنٌ مَنكِبُهُ الأيْمَنُ بِضَرْبَةِ ابْنِ قَمِيئَةَ؛ ورُكْبَتاهُ مَجْحُوشَتانِ - بِأبِي هُوَ؛ وأُمِّي؛ ووَجْهِي؛ وعَيْنِي - فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ؛ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ؛ والنّاسُ قَدْ حُشِدُوا؛ ونَزَلَ أهْلُ العَوالِي حَيْثُ جاءَهُمُ الصَّرِيخُ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ؛ فَدَعا بِفَرَسِهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ؛ وتَلَقّاهُ طَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ سَمِعَ المُنادِي؛ فَخَرَجَ يَنْظُرُ مَتى يَسِيرُ؛ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ الدِّرْعُ؛ والمِغْفَرُ؛ وما يُرى مِنهُ إلّا عَيْناهُ؛ فَقالَ:“يا طَلْحَةُ.. سِلاحَكَ”؛ قالَ: قُلْتُ: قَرِيبٌ؛ قالَ [طَلْحَةُ]: فَأخْرُجُ؛ أعْدُو؛ فَألْبَسُ دِرْعِي؛ ولَأنا أهَمُّ بِجِراحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٦)مِنِّي بِجِراحِي؛ ثُمَّ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى طَلْحَةَ؛ فَقالَ:“أيْنَ تَرى القَوْمَ الآنَ؟”؛ قالَ: هم بِالسَّيّالَةِ؛ قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:“ذَلِكَ الَّذِي ظَنَنْتُ؛ أما إنَّهم يا طَلْحَةُ لَنْ يَنالُوا مِنّا مِثْلَ أمْسِ؛ حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ عَلَيْنا”؛ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أصْحابِهِ؛ حَتّى عَسْكَرَ بِـ“حَمْراءِ الأسَدِ”؛ قالَ جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وكانَ عامَّةُ زادِنا التَّمْرَ؛ وحَمَلَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلاثِينَ بَعِيرًا؛ حَتّى وافَتِ الحَمْراءَ؛ وساقَ جَزُورًا؛ فَنَحَرُوا في يَوْمِ اثْنَيْنِ؛ وفي يَوْمِ ثُلاثاءَ؛ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهم في النَّهارِ بِجَمْعِ الحَطَبِ؛ فَإذا أمْسَوْا أمْرَ أنْ تُوقَدَ النِّيرانُ؛ فَيُوقِدُ كُلُّ رَجُلٍ نارًا؛ فَلَقَدْ كُنّا تِلْكَ اللَّيالِيَ نُوقِدُ خَمْسَمِائَةِ نارٍ؛ حَتّى نُرى مِنَ المَكانِ البَعِيدِ؛ وذَهَبَ ذِكْرُ مُعَسْكَرِنا ونِيرانِنا في كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى كانَ ما كَبَتَ اللَّهُ بِهِ عَدُوَّنا“؛» فَهَذا ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ مِن أخْبارِ المُثْقَلِينَ بِالجِراحِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: «”جاءَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والجِراحُ في النّاسِ فاشِيَةٌ؛ عامَّةُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ جَرِيحٌ؛ بَلْ كُلُّهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٧)يَأْمُرُكم أنْ تَطْلُبُوا عَدُوَّكُمْ؛ قالَ: يَقُولُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ سَبْعُ جِراحاتٍ؛ وهو يُرِيدُ أنْ يُداوِيَها: سَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ؛ ولِرَسُولِهِ؛ فَأخَذَ سِلاحَهُ؛ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى دَواءِ جِراحِهِ؛ ولَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وجاءَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمَهُ؛ بَنِي ساعِدَةَ فَأمَرَهم بِالمَسِيرِ؛ فَلَبِسُوا ولَحِقُوا؛ وجاءَ أبُو قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أهْلَ خُرْبى؛ وهم يُداوُونَ الجِراحَ؛ فَقالَ: هَذا مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكم بِطَلَبِ العَدُوِّ؛ فَوَثَبُوا إلى سِلاحِهِمْ؛ وما عَرَّجُوا عَلى جِراحاتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَخَرَجَ مِن بَنِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أرْبَعُونَ جَرِيحًا؛ وبِالطُّفَيْلِ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلاثَةَ عَشَرَ جُرْحًا؛ وبِقُطْبَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تِسْعُ جِراحاتٍ؛ حَتّى وافَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِبِئْرِ أبِي عُتْبَةَ إلى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ؛ عَلَيْهِمُ السِّلاحُ؛ قَدْ صُفُّوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمْ والجِراحُ فِيهِمْ فاشِيَةٌ؛ قالَ:“اللَّهُمَّ ارْحَمْ بَنِي سَلَمَةَ”؛» وحَدَّثَ ابْنُ إسْحاقَ والواقِدِيُّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ؛ ورافِعَ بْنَ سَهْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -كانَ بِهِما جِراحٌ كَثِيرَةٌ؛ (p-١٢٨)فَلَمّا بَلَغَهُما النِّداءُ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ إنَّ تَرْكَنا غَزْوَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَغَبْنٌ؛ واللَّهِ ما عِنْدَنا دابَّةٌ نَرْكَبُها؛ وما نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: انْطَلِقْ بِنا؛ قالَ رافِعٌ: لا واللَّهِ؛ ما بِي مَشْيٌ؛ قالَ أخُوهُ: انْطَلِقْ بِنا نَتَجارُّ؛ فَخَرَجا يَزْحَفانِ؛ فَضَعُفَ رافِعٌ؛ فَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحْمِلُهُ عَلى ظَهْرِهِ عُقْبَةً؛ ويَمْشِي الآخَرُ عُقْبَةً؛ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العِشاءِ؛ وهم يُوقِدُونَ النِّيرانَ؛ فَأُتِيَ بِهِما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وعَلى حَرَسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ؛ فَقالَ:“ما حَبَسَكُما؟”؛ فَأخْبَراهُ بِعِلَّتِهِما؛ فَدَعا لَهُما بِخَيْرٍ؛ وقالَ:“إنْ طالَتْ بِكم مُدَّةٌ كانَتْ لَكم مَراكِبُ مِن خَيْلٍ؛ وبِغالٍ؛ وإبِلٍ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِخَيْرٍ لَكُمْ”؛» وأمّا غَزْوَةُ“بَدْرٍ”؛ المَوْعِدِ؛ فَرَوى الواقِدِيُّ - ومِن طَرِيقِهِ الحاكِمُ في“الإكْلِيلُ”- كَما حَكاهُ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ؛ قالَ: «“كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ في ألْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ مِن (p-١٢٩)أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وكانَتِ الخَيْلُ عَشْرَةً؛ قالَ الواقِدِيُّ: وأقْبَلَ رَجُلٌ مِن ضَمْرَةَ؛ يُقالُ لَهُ: مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو؛ فَقالَ - والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ في سُوقِهِمْ؛ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكْثَرُ أهْلِ المَوْسِمِ -: يا مُحَمَّدُ؛ لَقَدْ أُخْبِرْنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنكم أحَدٌ؛ فَما أعْلَمُكم إلّا أهْلَ المَوْسِمِ؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَرْفَعَ ذَلِكَ إلى عَدُوِّهِ: ”ما أخْرَجَنا إلّا مَوْعِدُ أبِي سُفْيانَ؛ وقِتالُ عَدُوِّنا؛ وإنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ نَبَذْنا إلَيْكَ وإلى قَوْمِكَ العَهْدَ؛ ثُمَّ جالَدْناكم قَبْلَ أنْ نَبْرَحَ مِن مَنزِلِنا هَذا“؛ فَقالَ الضَّمْرِيُّ: بَلْ نَكُفُّ أيْدِيَنا عَنْكُمْ؛ ونَتَمَسَّكُ بِحِلْفِكَ"».
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
ولَمّا كانَ قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ عِنْدَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - صِدْقًا؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِما قامَ عِنْدَهم مِنَ القَرائِنِ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُتَواتِرِ الَّذِي تَمالَأ عَلَيْهِ الخَلائِقُ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ أعْلى النّاسِ شَجاعَةً؛ وأوْفاهم قُوَّةً؛ وأعْرَقَهم أصالَةً؛ فَكانُوا كَأنَّهم جَمِيعُ النّاسِ؛ كانَ التَّعْبِيرُ - بِصِيغَةِ العُمُومِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾؛ أيْ: نُعَيْمٌ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ؛ ﴿إنَّ النّاسَ﴾؛ يَعْنِي قُرَيْشًا؛ ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - أمْدَحَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِنَ التَّعْبِيرِ عَمَّنْ أخْبَرَهُمْ؛ ومَن جَمَعَ لَهُمْ؛ بِخاصِّ اسْمِهِ؛ أوْ وصْفِهِ. (p-١٣٠)ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِإقْدامِهِمْ عَلى اللِّقاءِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ الَّذِي لَمْ يَشُكُّوا في صِدْقِهِ؛ ثَباتَ الإيمانِ وقُوَّةَ الإيقانِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَزادَهُمْ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿إيمانًا﴾؛ لِأنَّهُ ما ثَناهم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ ازْدِراءً بِالخَلائِقِ؛ اعْتِمادًا عَلى الخالِقِ؛ ﴿حَسْبُنا﴾؛ أيْ: كافِينا؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ في القِيامِ بِمَصالِحِنا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو شَأْنَ الوَكِيلِ؛ وكانَ في الوُكَلاءِ مَن يُذَمُّ؛ قالَ: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾؛ أيْ: المَوْكُولُ إلَيْهِ؛ المُفَوَّضُ إلَيْهِ جَمِيعُ الأُمُورِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: ”هَذِهِ الكَلِمَةُ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ؛ وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ“؛ وقالَ: ”كانَ آخِرُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ:“حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"؛
3:174Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
ولَمّا كانَ اعْتِمادُهم عَلى اللَّهِ سَبَبًا لِفَلاحِهِمْ؛ قالَ ﴿فانْقَلَبُوا﴾؛ أيْ: فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُمُ انْقَلَبُوا؛ أيْ: مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿بِنِعْمَةٍ﴾؛ وعَظَّمَها بِإضافَتِها إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿وفَضْلٍ﴾ (p-١٣١)؛ أيْ: مِنَ الدُّنْيا ما طابَ لَهم مِن طَيِّبِ الثَّناءِ؛ بِصِدْقِ الوَعْدِ؛ ومَضاءِ العَزْمِ؛ وعَظِيمِ الفَناءِ؛ والجُرْأةِ إلى ما نالُوهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾؛ أيْ: مِنَ العَدُوِّ الَّذِي خُوِّفُوهُ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ﴿واتَّبَعُوا﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ بِطاعَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغايَةِ جَهْدِهِمْ؛ ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ فَحازُوا أعْظَمَ فَضْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ عَلى مَن يُرْضِيهِ؛ فَسَتَنْظُرُونَ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُونَ؛ فَلْيُبْشِرِ المُجِيبُ؛ ويَغْتَمَّ ويَحْزَنِ المُتَخَلِّفُ؛ ولِعِظَمِ الأمْرِ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ كَثِيرًا.
3:175Page 73
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
ولَمّا جَزاهم - سُبْحانَهُ - عَلى أمْثالِ ذَلِكَ؛ بِما وقَعَ لَهم مِن فَوْزِهِمْ بِالسَّلامَةِ؛ والغَنِيمَةِ؛ بِفَضْلِ مَن حازَ أوْصافَ الكَمالِ؛ وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ بِما لَهُ مِن رِداءِ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ ورَغَّبَهم فِيما لَدَيْهِ؛ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَزِيدُهم بَصِيرَةً مِن أنَّ المُخَوِّفَ لَهم مَن كَيْدُهُ ضَعِيفٌ؛ وأمْرُهُ هَيِّنٌ؛ خَفِيفٌ؛ واهٍ؛ سَخِيفٌ؛ وهو الشَّيْطانُ؛ وساقَ ذَلِكَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن حِيازَتِهِمْ لِلْفَضْلِ؛ وبُعْدِهِمْ عَنِ السُّوءِ؛ بِأنَّ ولِيَّهُمُ اللَّهُ؛ وعَدُوَّهُمُ (p-١٣٢)الشَّيْطانُ؛ فَقالَ - التِفاتًا إلَيْهِمْ بِزِيادَةٍ في تَنْشِيطِهِمْ؛ أوْ تَشْجِيعِهِمْ؛ وتَثْبِيتِهِمْ -: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: القائِلُ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ النّاسُ؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: الطَّرِيدُ البَعِيدُ المُحْتَرِقُ.
ولَمّا نُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي زَيَّنَهُ لَهُمْ؛ حَتّى أُشْرِبَتْهُ القُلُوبُ؛ وامْتَلَأتْ بِهِ الصُّدُورُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا عَساهُ يَصْنَعُ؟ فَقالَ: ﴿يُخَوِّفُ﴾؛ أيْ: يُخَوِّفُكُمْ؛ ﴿أوْلِياءَهُ﴾؛ لَكِنَّهُ أسْقَطَ المَفْعُولَ الأوَّلَ؛ إشارَةً إلى أنَّ تَخْوِيفَهُ يَؤُولُ إلى خَوْفِ أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَ الرَّحْمَنِ إذا ثَبَتُوا لِأجْلِهِ أنْجَزَ لَهم ما وعَدَهم مِنَ النُّصْرَةِ عَلى أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ وإلى أنَّ مَن خافَ مِن تَخْوِيفِهِ؛ وعَمِلَ بِمُوجِبِ خَوْفِهِ؛ فَفِيهِ وِلايَةٌ لَهُ؛ تُصَحِّحُ إضافَتَهُ إلَيْهِ؛ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ.
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ يُشَوِّشُ بِالخَوْفِ مِن أوْلِيائِهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ خَوْفِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ولِيَّهُمُ الشَّيْطانُ؛ ﴿وخافُونِ﴾؛ أيْ: فَلا تَعْصُوا أمْرِي؛ ولا تَتَخَلَّفُوا أبَدًا عَنْ رَسُولِي؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُباعِدِينَ لِأوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ بِوَصْفِ الإيمانِ.
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
ولَمّا مَدَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُسارِعِينَ في طاعَتِهِ؛ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ (p-١٣٣)أعْقَبَهُ بِذَمِّ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ؛ والنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ مِن أجْلِهِمْ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ - كالمُنافِقِينَ الرّاجِعِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ ثُمَّ المُقاتِلِينَ القائِلِينَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ - أُرْجِفُوا إلى أبِي عامِرٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ لِأخْذِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ ثُمَّ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ؛ أوْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ ثُمَّ مَنِ اسْتَجابَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ؛ وأُرْجِفُ بِما قالُوا في ثَبْطِ المُؤْمِنِينَ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُخْطِرُ بِالبالِ تَمادِي أيّامِ الكُفْرِ وأهْلِهِ غالِبِينَ؛ ويَقْدَحُ في رَجاءِ قَصْرِ مُدَّتِهِ؛ ويُوجِبُ الحُزْنَ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْظَمِ الخَلْقِ؛ وأشْفَقِهِمْ؛ وأحَبِّهِمْ في صَلاحِهِمْ -: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعَ مَن يُسابِقُ خَصْمًا؛ ﴿فِي الكُفْرِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: دِينَهُ؛ بِإذْلالِ أنْصارِهِ؛ والقائِمِينَ بِهِ؛ وحَذَفَ المُضافَ تَفْخِيمًا لَهُ؛ وتَرْغِيبًا فِيهِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ هو المُضافَ إلَيْهِ.
ولَمّا نَفى ما خِيفَ مِن أمْرِهِمْ؛ كانَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنِ الحاكِمِ لَهم عَلى المُسارَعَةِ؛ فَقِيلَ - جَوابًا -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا﴾؛ أيْ: نَصِيبًا؛ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُسارَعَةُ في ذَلِكَ عَظِيمَةً؛ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ قَدْ عَمَّ (p-١٣٤)جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ المُسارَعَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ قَدْ مَلَأ أبْدانَهُمْ؛ ونُفُوسَهُمْ؛ وأرْواحَهم.
3:177Page 73
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
ولَمّا كانَ قَبُولُ نُعَيْمٍ؛ ورَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ لِذَلِكَ الجَعْلِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ الكُفْرِ؛ شَرى الكُفْرَ بِالإيمانِ؛ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ﴾؛ أيْ: فَأخَذُوهُ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: فَتَرَكُوهُ؛ وأكَّدَ نَفْيَ الضَّرَرِ وأبَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ الإعْلاءِ لِلْإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ لِما نالُوهُ مِن لَذَّةِ العِوَضِ في ذَلِكَ الشَّرْيِ؛ كَما هي العادَةُ في كُلِّ مُتَجَدِّدٍ مِنَ الأرْباحِ؛ والفَوائِدِ.
3:178Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨
And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.
ولَمّا كانَ مِمّا اشْتُرِيَ بِهِ الكُفْرُ رُجُوعُ المُنافِقِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْإمْلاءِ لَهُمْ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿أنَّما نُمْلِي﴾؛ أيْ: أنَّ إمْلاءَنا؛ أيْ: إمْهالَنا؛ وإطالَتَنا؛ ﴿لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾؛ ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الخَيْرَ بِهَذا النَّهْيِ؛ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أيْ: اسْتِدْراجًا؛ ﴿لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾؛ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ؛ فَإذا بَلَغَ النِّهايَةَ أوْجَبَ (p-١٣٥)الأخْذَ؛ ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ المُسْفِرُ عَنِ السَّلامَةِ مَظِنَّةً لِعِزِّهِمْ في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ؛ عِنْدَ مَن ظَنَّ حُسْنَ ذَلِكَ الرَّأْيِ؛ عُوِّضُوا عَنْهُ الإهانَةَ الدّائِمَةَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾
3:179Page 73
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩
Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.
ولَمّا كانَ مُطْلَقَ المُسارَعَةِ أعَمَّ مِمّا بِالعِوَضِ؛ وهو أعَمُّ مِمّا بِالرُّجُوعِ؛ جاءَ نَظْمُ الآياتِ عَلى ذاكَ؛ ولَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ جُمْلَةً مِنَ المُغَيَّباتِ؛ مِن أعْظَمِها تَمْيِيزُ المُخْلِصِ فِعْلًا؛ أوْ قَوْلًا؛ مِن غَيْرِهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ ذَلِكَ مِن أسْرارِها؛ عَلى وجْهٍ يُشِيرُ إلى النَّعْيِ عَلى المُنافِقِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ أنْفُسَهم بِالرُّجُوعِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِخِطابِ الأتْباعِ إلى مَزِيدِ عِلْمِهِ ﷺ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ لَدَيْهِ؛ وعَظِيمِ قُرْبِهِ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ما كانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ التَّمْيِيزِ غَيْرَ مَحْمُودٍ؛ عَبَّرَ بِفِعْلِ الوَذَرِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ لِإظْهارِ شَرَفِ الوَصْفِ؛ تَعْظِيمًا لِأهْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الثّابِتِينَ في وصْفِ الإيمانِ؛ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ؛ ومَن قارَبَهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى حالِ الإشْكالِ؛ (p-١٣٦)لِلِاقْتِناعِ بِدَعْوى اللِّسانِ؛ دَلِيلًا عَلى الإيمانِ؛ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ بِأنْ يَفْضَحَ المُبْطِلَ؛ وإنْ طالَ سَتْرُهُ؛ بِتَكالِيفَ شاقَّةٍ؛ وأحْوالٍ شَدِيدَةٍ؛ لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا المُخْلَصُ مِنَ العِبادِ؛ المُخْلِصُونَ في الِاعْتِقادِ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾؛ لِاخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ ﴿لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لَمْ يُبْرَزْ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ بِوَجْهٍ؛ لِتَعْلَمُوا بِهِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ؛ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها في الظّاهِرِ؛ والقَوْلُ لِشِدَّةِ الأسَفِ عَلى إخْوانِهِمْ؛ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَجْتَبِي﴾؛ أيْ: يَخْتارُ اخْتِيارًا بَلِيغًا؛ ﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: فَيُخْبِرُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ بِما يُرِيدُ مِنَ المُغَيَّباتِ؛ كَما أخْبَرَ أنَّهم بِرُجُوعِهِمْ لِلْكُفْرِ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ؛ وأنَّهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ؛ قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: في عالَمِ الغَيْبِ؛ والشَّهادَةِ؛ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ في أنَّهُ أرْسَلَهُمْ؛ وفي أنَّهم صادِقُونَ في كُلِّ ما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا كانَ لَكم ما تَقَدَّمَ؛ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ؛ الألِيمِ؛ المُهِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ (p-١٣٧)ورُسُلِهِ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِالمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ؛ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ؛ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: مِنهُ أنَّهُ لا يَضُرُّكم كَيْدُ أعْدائِكم شَيْئًا؛ كَما تَقَدَّمَ وعْدُكم بِهِ.
3:180Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠
And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ مَبانِي السُّورَةِ الإنْفاقُ؛ وتَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةِ مَدْحُ المُتَّقِينَ بِهِ؛ وحَثُّهم عَلَيْهِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ سارَعُوا في الكُفْرِ؛ أبُو سُفْيانَ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ عَلى مَن يَخْذُلُ الصَّحابَةَ؛ ونُعَيْمٌ؛ أوْ عَبْدُ القَيْسِ؛ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ؛ وكانَ المُبادِرُونَ إلى الجِهادِ قَدْ تَضَمَّنَ فِعْلُهُمُ السَّماحَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ الأنْفُسِ؛ والأمْوالِ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الحَياةِ الَّتِي هي خَيْرٌ مِن حَياتِهِمُ الَّتِي أذْهَبُوها في حُبِّهِ؛ والرِّزْقِ الَّذِي هو أفْضَلُ مِمّا أنْفَقُوا في سَبِيلِهِ؛ ذَمَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الباخِلِينَ بِالأنْفُسِ؛ والأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَقالَ - رادًّا الخِطابَ إلَيْهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ لِسُرُورِهِ؛ وأوْثَقُ في إنْجازِ الوَعْدِ -: ولا تَحْسَبَنَّ؛ أيْ: أنْتَ؛ يا خَيْرَ البَرِيَّةِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ وعِنْدَ الباقِينَ الفاعِلُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ وعِزِّ كَمالِهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: لِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ؛ بِبُخْلِهِمْ؛ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِتَثْمِيرِ المالِ بِذَلِكَ؛ (p-١٣٨)﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أيْ: البُخْلُ؛ ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّهم - مَعَ جَعْلِ اللَّهِ البُخْلَ مَتْلَفَةً لِأمْوالِهِمْ - ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ مَن يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ بِغايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿ما بَخِلُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يُجْعَلُ لَهم - بِوَعْدٍ صادِقٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ بَعْدَ الإمْلاءِ لَهم - طَوْقًا؛ بِأنْ يَجْعَلَهُ شُجاعًا؛ أيْ: حَيَّةً عَظِيمَةً مَهُولَةً؛ تَلْزَمُ الإنْسانَ مِنهُمْ؛ مُحِيطَةً بِعُنُقِهِ؛ تَضْرِبُهُ في جانِبَيْ وجْهِهِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَرِثُهُ مِنهُمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَوَّلَهم فِيهِ؛ فَيَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخْوِيلِ عَذابًا عَلَيْهِمْ؛ رَوى البُخارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ؛ لَهُ زَبِيبَتانِ؛ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ -؛ يَقُولُ: أنا مالُكَ؛ أنا كَنْزُكَ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ».
ولَمّا كانَ هَذا طَلَبًا مِنهم لِلْإنْفاقِ؛ وكانَ الطّالِبُ مِنّا مُحْتاجًا إلى ما يَطْلُبُهُ؛ وكانَ ذُو المالِ إذا عَلِمَ أنَّهُ ذاهِبٌ؛ وأنَّ مالَهُ مَوْرُوثٌ عَنْهُ؛ تَصَرَّفَ فِيهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) بِغِناهُ عَلى وجْهٍ يُجَرِّئُهم عَلى الإنْفاقِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”لِأنَّهُ ثَمَرَةُ كَوْنِهِ مِن فَضْلِهِ فَلِلَّهِ كُلُّ ما في أيْدِيهِمْ“ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: اللَّذَيْنِ هَذا مِمّا فِيهِما؛ بِأنْ يُعِيدَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ الأحْياءِ؛ وإنْ (p-١٣٩)أمْلى لَهُمْ؛ ويُفْنِيَ سائِرَ ما وهَبَهم مِنَ الأعْراضِ؛ ويَكُونَ هو الوارِثَ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ وكانَ البُخْلُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الَّتِي يُسْتَطاعُ إخْفاؤُها؛ ودَعْوى الِاتِّصافِ بِضِدِّها؛ كانَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ولَمّا كانَ مَنصِبَ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَ في غايَةِ النَّزاهَةِ؛ صَرَفَ الخِطابَ إلى الأتْباعِ؛ في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ وهو أبْلَغُ في الوَعِيدِ مِن تَرْكِهِ عَلى مُقْتَضى السِّياقِ مِنَ الغَيْبَةِ في قِراءَتِهِما؛ وقَدَّمَ الجارَّ؛ إشارَةً إلى أنَّ عِلْمَهُ بِأعْمالِهِمْ بالِغٌ إلى حَدٍّ لا تُدْرَكُ عَظَمَتُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الوَعِيدِ الَّذِي اقْتَضاهُ السِّياقُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences