Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:22–26

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:22–26

3:22Page 52

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

ولَمّا كانَ الحالُ رُبَّما اقْتَضى أنْ يُقالَ مِن بَعْضِ أهْلِ الضَّلالِ: إنَّ لِهَؤُلاءِ أعْمالًا حِسانًا واجْتِهاداتٍ في الطّاعَةِ عَظِيمَةً، بَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ مُجَرَّدُ صُوَرٍ لا مَعانِيَ لَها لِتَضْيِيعِ القَواعِدِ، كَما أنَّهم هم أيْضًا ذَواتٌ بِغَيْرِ قُلُوبٍ، لِتَقَعَ المُناسَبَةُ بَيْنَ الأعْمالِ والعامِلِينَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ أيْ فَسَدَتْ فَسَقَطَتْ، وأشارَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ إلى ضَعْفِها مِن أصْلِها ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيْ كُلُّها الدُّنْياوِيَّةُ والدِّينِيَّةُ، وأنْبَأ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ - أنَّهم يَتَعَقَّبُونَ أعْمالَ خَيْرِهِمْ بِبَغْيٍ يَمْحُوها فَلا يَطْمَعُونَ بِجَزائِها في عاجِلٍ ولا آجِلٍ، وبِذَلِكَ تَمادى عَلَيْهِمُ الذُّلُّ وقَلَّ مِنهُمُ المُهْتَدِي - انْتَهى ﴿والآخِرَةِ﴾ فَلا يُقِيمُ لَهُمُ اللَّهُ في يَوْمِ الدِّينِ وزْنًا، وأسْقَطَ ذِكْرَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا حَياةَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا يَنْتَصِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ أصْلًا، فَإنَّهم لا يُدَبِّرُونَ تَدْبِيرًا إلّا كانَ فِيهِ تَدْمِيرُهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ (p-٣٠٢)قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِوُقُوعِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً لا نُصْرَةَ لَهم فِيها في يَوْمِ النَّصْرِ المَوْعُودِ في سُورَةِ الرُّومِ الَّتِي هي تَفْصِيلٌ مِن مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] فَهم غَيْرُ داخِلِينَ فِيمَن يَنْصُرُ بِما قَدْ ورَدَ أنَّهم ”يُقْتَلُونَ في آخِرِ الزَّمانِ حَتّى يَقُولَ الحَجَرُ: يا مُسْلِمُ ! خَلْفِي يَهُودِيٌّ فاقْتُلْهُ، حَتّى لا يَبْقى مِنهم إلّا مَن يَسْتُرُهُ شَجَرُ الفَرْقَدِ“ كَما قالَ ﷺ: «إنَّهُ مِن شَجَرِهِمْ» وفي إفْهامِهِ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الإنْجِيلِ يَقُومُونَ بِحَقِّهِ، فَيَكُونُونَ مِمَّنْ تَشْمَلُهم نُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ المُسْلِمِينَ، فَتَنْتَسِقُ المِلَّةُ واحِدَةً مِمّا يَقَعُ مِنَ الاجْتِماعِ حِينَ تَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها. انْتَهى.

3:23Page 53

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثَباتَ الأعْمالِ وزَكاءَها إنَّما هو بِاتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمْرِ رَسُولِهِ ﷺ وأمْرِ الَّذِينَ ورِثُوا العِلْمَ عَنْهُ دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الحُبُوطِ وعَدَمِ النَّصْرِ بِما يُشاهَدُ مِن أحْوالِهِمْ في مُنابَذَةِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِأنْ يُقالَ: إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ (p-٣٠٣)لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ضَلالَهم عَلى عِلْمٍ، وأنَّ الَّذِي أُوتُوهُ مِنهُ قِراءَتُهم لَهُ بِألْسِنَتِهِمْ وادِّعاءُ الإيمانِ بِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: كِتابُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ الكِتابِ الجامِعِ، وما أخَذُوا مِن كِتابِهِمْ نَصِيبٌ مِنَ اخْتِصاصِهِ، فَإنَّهم لَوِ اسْتَوْفَوْا حَظَّهم مِنهُ لَما عَدَلُوا في الحُكْمِ عَنْهُ ولَرَضُوا بِهِ، وكانَ في هَذا التَّعْجِيبِ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم يَرْضى بِحُكْمِ كِتابِهِمْ ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ هم بِهِ. انْتَهى.

﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ أظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ يَقُلْ: إلى كِتابِهِمُ، احْتِرازًا عَمّا غَيَّرُوا وبَدَّلُوا ولِأنَّهم إنَّما دَعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا إلى ما عَساهُ أنْ يَكُونَ بِأيْدِيهِمْ مِمّا غَيَّرُوا - نَبَّهَ عَلَيْهِ الحَرالِّيُّ. وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى عَظِيمِ اجْتِرائِهِمْ بِتَوَلِّيهِمْ عَمَّنْ لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ أنَّ طائِفَةً مِنهم عَلى حَقٍّ مِنهُ، أيْ وهُمُ المُذْعِنُونَ لِذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ اتِّباعُهُ واجِبًا واضِحًا نَفْعُهُ لِمَن جَرَّدَ نَفْسَهُ عَنِ الهَوى عَبَّرَ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: في إمْهالِهِ ما يَدُلُّ عَلى تَلَدُّدِهِمْ وتَبَلُّدِهِمْ في ذَلِكَ بِما يُوقِعُهُ اللَّهُ مِنَ المَقْتِ والتَّحَيُّرِ عَلى مَن دُعِيَ إلى حَقٍّ فَأباهُ، وفي صِيغَةِ يَتَفَعَّلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَلّى﴾ (p-٣٠٤)ما يُناسِبُ مَعْنى ذَلِكَ في تَكَلُّفِ التَّوَلِّي عَلى انْجِذابٍ مِن بَواطِنِهِمْ لِما عَرَفُوهُ وكَتَمُوهُ، وصَرَّحَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ بِما أفْهَمَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فَأفْهَمَ أنَّ طائِفَةً مِنهم ثابِتُونَ قائِلُونَ لِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأنْبَأ قَوْلُهُ المُشِيرُ إلى كَثْرَةِ أفْرادِ هَذا الفَرِيقِ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ بِما سُلِبُوهُ مِن ذَلِكَ التَّرَدُّدِ والتَّكَلُّفِ، فَصارَ وصْفًا لَهم بَعْدَ أنْ كانَ تَعَمُّلًا، ما أنْكَرَ مُنْكِرٌ حَقًّا وهو يَعْلَمُهُ إلّا سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ حَتّى يَصِيرَ إنْكارُهُ لَهُ بِصُورَةِ وبِوَصْفِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلِمَهُ. انْتَهى.

وفِي هَذا تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولَوْ بِأنْ يُدْعى أحَدُهم مِن حَسَنٍ إلى أحْسَنَ مِنهُ - نَبَّهَ عَلَيْهِالحَرالِّيُّ وقالَ: إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ حِكايَةَ ما مَضى فَقَطْ ولا ما هو كائِنٌ فَحَسْبُ، بَلْ خِطابُ القُرْآنِ قائِمٌ دائِمٌ ماضٍ كُلِّيَّةُ خِطابِهِ في غابِرِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ مَن يُناسِبُ أحْوالَ مَن تَقَدَّمَ مِنهُمْ، وفي حَقِّ المَرْءِ مَعَ نَفْسِهِ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. انْتَهى.

3:24Page 53

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

ثُمَّ عَلَّلَ اجْتِراءَهم عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإعْراضُ البَعِيدُ عَنْ أفْعالِ أهْلِ الكَرَمِ المُبْعِدُ مِنَ اللَّهِ ﴿بِأنَّهم قالُوا﴾ كَذِبًا عَلى اللَّهِ - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا﴾ ولَمّا (p-٣٠٥)كانَ المَقامُ هُنا لِتَناهِي اجْتِرائِهِمْ عَلى العَظائِمِ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِالعَذابِ لِاسْتِقْصارِهِمْ لِمُدَّتِهِ والتَّصْرِيحِ بِقَتْلِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ عامَّةً وبِحُبُوطِ الأعْمالِ، وكانَ جَمْعُ القِلَّةِ قَدْ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ أكَّدَتْ إرادَتَهم حَقِيقَةَ القِلَّةِ بِجَمْعٍ آخَرَ لِلْقِلَّةِ، فَقِيلَ عَلى ما هو الأوْلى مِن وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِما لا يَعْقِلُ بِجَمْعٍ جَبْرًا لَهُ: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وتَطاوَلَ الزَّمانُ وهم عَلى هَذا الباطِلِ حَتّى آنَسُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ لِأنَّهُ ما كَذَّبَ أحَدٌ بِحَقٍّ إلّا عُوقِبَ بِتَصْدِيقِهِ بِباطِلٍ، وما تَرَكَ قَوْمٌ سُنَّةً إلّا أحْيَوْا بِدْعَةً، عَلى أنَّ كَذِبَهم أيْضًا جَرَّهم إلى الِاسْتِهانَةِ بِعَذابِ اللَّهِ الَّذِي لا يُسْتَهانُ بِشَيْءٍ مِنهُ ولَوْ قَلَّ.

ولَمّا نَسَبُوا ذَلِكَ إلى الكِتابِ فَجَعَلُوهُ دِينًا قالَ: ﴿وغَرَّهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الغُرُورِ وهو إخْفاءُ الخُدْعَةِ في صُورَةِ النَّصِيحَةِ - انْتَهى ﴿فِي دِينِهِمْ ما كانُوا﴾ أيْ بِما هُيِّؤُوا لَهُ وجُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ، قالَ الحَرالِّيُّ: فَتُقابِلُ التَّعْجِيباتِ في رَدِّهِمْ حَقَّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسُكُونِهِمْ إلى باطِلِهِمُ. انْتَهى.

3:25Page 53

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

(p-٣٠٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ اجْتِرائِهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِهِمْ مَعَهُ قالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ المُقْتَضِي لِلْمُجازاةِ والمُناقَشَةِ: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ أيْ وقَدْ رَفَعْنا حِجابَ العَظَمَةِ وشَهَرْنا سَيْفَ العِزَّةِ والسَّطْوَةِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالجَمْعِ الجَزاءَ قالَ: ﴿لِيَوْمٍ﴾ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ- كَما قالَ الحَرالِّيُّ - بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ في باطِلِهِمْ بِمَنزِلَةِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلُ كِتابٍ، فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ إلى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ اليَوْمُ.

ولَمّا كانَ الجَزاءُ أمْرًا مُتَحَقِّقًا لا بُدَّ مِنهُ أشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ووُفِّيَتْ﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ لِلْإفْهامِ بِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ يَفُوتُ الحَصْرُ وتَأْنِيثُ الفِعْلِ لِلْإشارَةِ إلى دَناءَةِ النُّفُوسِ وضَعْفِها وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الفَصْلُ المُوقِعُ لِلْجَزاءِ مَخْصُوصٌ بِوُجُودِ النَّفْسِ الَّتِي دَأْبُها أنْ تُنَفِّسَ فَتُرِيدَ وتَخْتارَ وتُحِبَّ وتَكْرَهَ، فَهي الَّتِي تُوَفّى، فَمَن سُلِبَ الِاخْتِيارَ والإرادَةَ والكَراهَةَ بِتَحَقُّقِ الإسْلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ ارْتَفَعَ عَنْهُ التَّوْفِيَةُ، إذْ لا وُجُودَ نَفْسٍ لَهُ (p-٣٠٧)بِما أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ وعِيدُ القُرْآنِ كُلُّهُ بِالنَّفْسِ في نَفاسَتِها بِإرادَتِها وما تَنْشَأُ لَها عَلَيْهِ مِن أحْوالِها وأفْعالِها ودَعْواها في مِلْكِها ومُلْكِها، فَمَتى نَفَّسَتْ فَتَمَلَّكَتْ مِلْكًا أوْ تَشَرَّفَتْ مُلْكًا خَرَجَتْ عَنْ إسْلامِها حَتّى يَنالَها سَلْبُ القَهْرِ مِنهُ وإلْزامُ الذُّلِّ عَنْهُ، وبِلَمْحٍ مِن هَذا المَعْنى اتَّصَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِخَتْمِ هَذِهِ الآيَةِ وناظَرَتْ رَأْسَ آيَةِ ذِكْرِ الإسْلامِ، فَإنَّما هو مُسْلِمٌ لِلَّهِ وذُو نَفَسٍ مُتَمَلِّكٍ عَلى اللَّهِ حَتّى يَسْلُبَهُ اللَّهُ في العُقْبى أوْ يُذِلَّهُ في الدُّنْيا، فَشَمِلَ هَذا الوَفاءُ لِكُلِّ نَفْسٍ أهْلَ الكِتابِ وغَيْرَهُمْ، وعَمَّ الوَفاءُ لِكُلِّ مَن يَعُمُّهُ الجَمْعُ، كَذَلِكَ خِطابُ القُرْآنِ يَبْدَأُ بِخُصُوصٍ فَيَخْتِمُ بِعُمُومٍ، ويَبْدَأُ بِعُمُومٍ فَيَثْنِيهِ تَفْصِيلٌ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ شامِلًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ قالَ: ﴿ما﴾ أيْ جَزاءَ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ فَأتى بِهِ مُخَفَّفًا لِيَشْمَلَ المُباشَرَةَ بِكَسْبٍ أوِ اكْتِسابٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ مَعَ جَوازِ التَّذْكِيرِ مُراعاةً لِلَفْظِ (كُلُّ) إشارَةً إلى الإحاطَةِ بِالأفْعالِ ولَوْ كانَتْ في غايَةِ الحَقارَةِ، وراعى مَعْنى ”كُلُّ“ لِلْوَفاءِ بِالمَعْنى مَعَ مُوافَقَةِ الفَواصِلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ (p-٣٠٨)بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ، ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.

3:26Page 53

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦

Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ سَيُغْلَبُونَ وأنَّهُ لَيْسَ لَهم مِن ناصِرِينَ كانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِأنْ يَقُولُوا: كَيْفَ ونَحْنُ أكْثَرُ مِنَ الحَصى وأشَدُّ شَكائِمَ مِن لُيُوثِ الشَّرى، فَكَيْفَ نُغْلَبُ؟ أمْ كَيْفَ لا يَنْصُرُ بَعْضُنا بَعْضًا وفِينا المُلُوكُ والأُمَراءُ والأكابِرُ والرُّؤَساءُ ومُناوُونا القَلِيلُ الضُّعَفاءُ، أهْلُ الأرْضِ الغَبْراءِ، وأُولُو البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَقالَ تَعالى لِيَنْتَبِهَ الرّاقِدُونَ مِن فُرُشِ الغَفَلاتِ المُتَقَلِّبُونَ في فَلَواتِ البِلاداتِ مِن تَلَهِّيهِمْ بِما رَأوْا وسَمِعُوا مِن نَزْعِ المُلْكِ مِن أقْوى النّاسِ وإعْطائِهِ لِأضْعَفِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ أعْدائِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يَفْعَلَ أضْعافَهُ لِأوْلِيائِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ نُبُوَّةً ثُمَّ خِلافَةً ثُمَّ مُلْكًا فانْتَظَمَ بِما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ أمْرُ النُّبُوَّةِ في التَّنْزِيلِ والإنْزالِ، وأمْرُ الخِلافَةِ في ذِكْرِ الرّاسِخِينَ (p-٣٠٩)فِي العِلْمِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] وكانَتْ مِن هِجِّيرِيِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، يَقْنُتُ بِها في وتْرِ صَلاةِ النَّهارِ في آخِرِ رَكْعَةٍ مِنَ المَغْرِبِ - انْتَظَمَ بِرُؤُوسِ تِلْكَ المَعانِي ذِكْرُ المُلْكِ الَّذِي آتى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، وخَصَّ بِهِ مَن لاقَ بِهِ المُلْكُ، كَما خَصَّ بِالخِلافَةِ مَن صَلُحَتْ لَهُ الخِلافَةُ، كَما تَعَيَّنَ لِلنُّبُوَّةِ الخاتِمَةِ مَن لا يَحْمِلُها سِواهُ - انْتَهى؛ فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ يا مُحَمَّدُ أوْ يا مَن آمَنَ بِنا مُخاطِبًا لِإلَهِكَ مُسْمِعًا لَهم ومُعْرِضًا عَنْهم ومُنَبِّهًا لَهم مِن سَكَراتِ غَفَلاتِهِمْ في إقْبالِهِمْ عَلى مُلُوكٍ لا شَيْءَ في أيْدِيهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِعُلُوِّ مَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَثُرَ الإقْبالُ فِيها بِالخِطابِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وجُعِلَ القائِلَ لَمّا كانَتِ المُجاوَرَةُ مَعَهُ، لِأنَّ مُنْزَلَ القُرْآنِ ما كانَ مِنهُ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الخَلْقِ ورَبِّهِمْ يَجِيءُ الخِطابُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِمْ مُواجَهَةً حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الإعْراضِ عِنْدَ إباءِ مَن يَأْبى مِنهُمْ، وما كانَ لِإصْلاحِ ما بَيْنَ الأُمَّةِ ونَبِيِّها يُجْرِي اللَّهُ الخِطابَ فِيهِ عَلى لِسانِهِ مِن حَيْثُ تَوَجُّهُهم بِالمُجاوَرَةِ إلَيْهِ، فَإذا قالُوا قَوْلًا (p-٣١٠)يَقْصِدُونَهُ بِهِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ لَهُمْ، ولِكَوْنِ القُرْآنِ مَتْلُوًّا ثَبَتَتْ فِيهِ كَلِمَةُ (قُلْ). انْتَهى.

﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنهُ غَيْرُكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأقْنَعَهُ ﷺ مُلْكُ رَبِّهِ، فَمَن كانَ مِنهُ ومِن آلِهِ وخُلَفائِهِ وصَحابَتِهِ يَكُونُ مِن إسْلامِهِ وجْهَهُ لِرَبِّهِ إسْلامُ المُلْكِ كُلِّهِ الَّذِي مِنهُ شَرَفُ الدُّنْيا لِلَّهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ﷺ يَتَظاهَرُ بِالمُلْكِ ولا يَأْخُذُهُ مَآخِذَهُ، لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا عَبْدًا، لا نَبِيًّا مَلِكًا، فَأسْلَمَ المُلْكَ لِلَّهِ، كَذَلِكَ خُلَفاؤُهُ أسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ فَلَبِسُوا الخُلْقانَ والمُرَقَّعاتِ واقْتَصَرُوا عَلى شَظَفِ العَيْشِ، ولانُوا في الحَقِّ، وحَمَلُوا جَفاءَ الغَرِيبِ، واتَّبَعُوا أثَرَهُ في العُبُودِيَّةِ، فَأسْلَمُوا المُلْكَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَمْ يُنازِعُوهُ شَيْئًا مِنهُ، حَمَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِرْبَةً عَلى ظَهْرِهِ في زَمَنِ خِلافَتِهِ حَتّى سَكَبَها في دارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ في أقْصى المَدِينَةِ، فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِزَمَنِ المُلْكِ واسْتُوفِيَتْ أيّامُ الخِلافَةِ عَقِبَ وفاءِ زَمانِ النُّبُوَّةِ أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُلْكَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَما خَصَّصَ بِالنُّبُوَّةِ والإمامَةِ بَيْتَ مُحَمَّدٍ وآلَ (p-٣١١)مُحَمَّدٍ ﷺ وخَصَّصَ بِالخِلافَةِ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ خَصَّصَ بِالمُلْكِ الطُّلَقاءَ الَّذِينَ كانُوا عُتَقاءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لِيَنالَ كُلٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، الَّتِي ولّى جَمِيعَها نَبِيُّهُ ﷺ كُلَّ طائِفَةٍ عَلى قَدْرِ قُرْبِهِمْ مِنهُ، حَتّى اخْتَصَّ بِالتَّقَدُّمِ قُرَيْشًا ما كانَتْ، ثُمَّ العَرَبَ ما كانَتْ إلى ما صارَ لَهُ الأمْرُ بَعْدَ المُلْكِ مِن سَلْطَنَةٍ وتَجَبُّرٍ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن دَجَلٍ كُلُّ ذَلِكَ مُخَوَّلٌ لِمَن يُخَوِّلُهُ بِحَسَبِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ في الإيتاءِ إشْعارٌ بِأنَّهُ تَنْوِيلٌ مِنَ اللَّهِ مِن غَيْرِ قُوَّةٍ وغَلَبَةٍ ولا مُطاوَلَةٍ فِيهِ وفي التَّعْبِيرِ بِمَنِ العامَّةِ لِلْعُقَلاءِ إشْعارٌ بِمَنالِ المُلْكِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ وأخَصُّ النّاسِ بِالبُعْدِ مِنهُ العَرَبُ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ يُنَوِّلُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ العَرَبَ كَما وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ، ويَنْتَهِي مِنهُ ما بَقِيَ إلى مَن نالَ المُلْكَ بِسَبَبِها وعَنِ الاسْتِنادِ إلَيْها مِن سائِرِ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في هَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَبائِلِ الأعاجِمِ وصُنُوفِ أهْلِ الأقْطارِ حَتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى أنْ يَسْلُبَ اللَّهُ المُلْكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، فَيُعِيدَهُ إلى إمامِ العَرَبِ الخاتِمِ (p-٣١٢)لِلْهِدايَةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ خَتْمَهُ ﷺ لِلنُّبُوَّةِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ويُؤْتِيهِمْ مِنَ المُكْنَةِ، كَما قالَ ﷺ:

«لَوْ شاءَ أحَدُهم أنْ يَسِيرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ في خُطْوَةٍ لَفَعَلَ» ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِنهُمْ، فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكًا مِن مُلْكِهِ - ظاهِرَ هِدايَةِ مَن هَداهُ، شَأْفَةً عَنْ سِرِّهِ الَّذِي يَسْتَعْلِنُ بِهِ في خاتِمَةِ يَوْمِ الدُّنْيا لِيَتَّصِلَ بِظُهُورِهِ مَلِكَ يَوْمِ الدِّينِ، والمُلْكُ التَّلَبُّسُ بِشَرَفِ الدُّنْيا والِاسْتِئْثارُ بِخَيْرِها؛ قالَ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في وصِيَّتِهِ: إذا جَنَيْتَ فَلْتَهْجُرْ يَدُكَ فاكَ حَتّى يَشْبَعَ مَن جَنَيْتَ لَهُ، فَإنْ نازَعَتْكَ نَفْسُكَ في مُشارَكَتِهِمْ فَشارِكْهم غَيْرَ مُسْتَأْثِرٍ عَلَيْهِمْ، وإيّاكَ والذَّخِيرَةَ! فَإنَّ الذَّخِيرَةَ تُهْلِكُ دِينَ الإمامِ وتَسْفِكُ دَمَهُ، فالمُلْكُ التِباسٌ بِشَرَفِ الدُّنْيا واسْتِئْثارٌ بِخَيْرِها واتِّخاذُ ذَخِيرَةٍ مِنها.

لَمّا أرادُوا أنْ يُغَيِّرُوا عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ زِيَّهُ عِنْدَ إقْبالِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ نَبَذَ زِيَّهم وقالَ: إنّا قَوْمٌ أعَزَّنا اللَّهُ بِالإسْلامِ! فَلَنْ نَلْتَمِسَ العِزَّةَ بِغَيْرِهِ. فَمَنِ التَمَسَ الشَّرَفَ بِجاهِ الدُّنْيا فَهو مَلِكٌ بِقَدْرِ ما يَلْتَمِسُ مِن شَرَفِها قَلَّ ذَلِكَ الحَظُّ أوْ جَلَّ، وهو بِهِ مِن أتْباعِ (p-٣١٣)مُلُوكِ الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مَنِ التَمَسَ الِاسْتِئْثارَ بِخَيْرِها واتَّخَذَ الذَّخِيرَةَ مِنها، كُلٌّ يَنالُ مِنَ المُلْكِ ويَكُونُ مِن شِيعَةِ المُلُوكِ بِحَسَبِ ما يَنالُ ويُحِبُّ مِن ذَلِكَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَشْرِهِ مَعَ الصِّنْفِ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ، فَمَن تَذَلَّلَ وتَقَلَّلَ وتَوَكَّلَ بُعِثَ مَعَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ والخُلَفاءِ، كَما أنَّ مَن تَشَرَّفَ بِالدُّنْيا واسْتَأْثَرَ وادَّخَرَ مِنها حُشِرَ مَعَ المُلُوكِ والسَّلاطِينِ؛ جَلَسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا وسَلْمانُ وكَعْبٌ وجَماعَةٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: أخْبِرُونِي أخَلِيفَةٌ أنا أمْ مَلِكٌ؟ فَقالَ لَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنْ جَبَيْتَ دِرْهَمًا مِن هَذا المالِ فَوَضَعْتَهُ في غَيْرِ حَقِّهِ فَأنْتَ مَلِكٌ، وإنْ لَمْ تَضَعْهُ إلّا في حَقِّهِ فَأنْتَ خَلِيفَةٌ، فَقالَ كَعْبٌ: رَحِمَ اللَّهُ تَعالى! ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَعْرِفُ الفَرْقَ بَيْنَ الخَلِيفَةِ والمَلِكِ غَيْرِي، فالتِزامُ مَرارَةِ العَدْلِ وإيثارُ الغَيْرِ خِلافَةٌ وتَشَيُّعٌ في سَبِيلِها، ومَنالُ حَلاوَةِ الِاسْتِئْثارِ بِالعاجِلَةِ شَرَفِها ومالِها مُلْكٌ وتَحَيُّزٌ لِتُبّاعِهِ. انْتَهى.

وفِي تَقْدِيمِ الإيتاءِ عَلى (p-٣١٤)النَّزْعِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ بِالتَّرْغِيبِ ﴿وتَنْـزِعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ النَّزْعِ، وهو الأخْذُ بِشِدَّةٍ وبَطْشٍ. انْتَهى.

﴿المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّينِ إنْ لَمْ يُجْدِ ثَنّى بِالتَّرْهِيبِ، وعَلى هَذا المِنوالِ أبْرَزَ قَوْلَهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ إعْزازَهُ ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ إذْلالَهُ، وهو كَما قالَ: «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» قالَ الحَرالِّيُّ: وفي كَلِمَةِ النَّزْعِ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ مِنَ البَطْشِ والقُوَّةِ ما يُناسِبُ مَعْنى الإيتاءِ، فَهو إيتاءٌ لِلْعَرَبِ ونَزْعٌ مِنَ العَجَمِ، كَما ورَدَ أنَّ كِسْرى رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ يُقالُ لَهُ: سَلِّمْ ما بِيَدِكَ لِصاحِبِ الهِراوَةِ، فَنَزَعَ مُلْكَ المُلُوكِ مِنَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وخَوَّلَهُ قُرَيْشًا ومَن قامَ بِأمْرِها وانْتَحَلَ المُلْكَ بِاسْمِها مِن صُنُوفِ الأُمَمِ غَرْبًا وشَرْقًا وجَنُوبًا وشَمالًا، إلى ما يَتِمُّ بِهِ الأمْرُ في الخَتْمِ، والعِزُّ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - عِزَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: لِأهْلِهِ ولِآلِ نَبِيِّهِ ﷺ والأنْصارِ والصُّلَحاءِ مِن صَحابَتِهِ وعَشِيرَتِهِ وأبْنائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ سَلَبَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الدُّنْيا فَحَلّاهم بِعِزِّ الآخِرَةِ وبِعِزَّةِ الدِّينِ كَما قالَ (p-٣١٥)سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِيَكُونَ في الخِطابِ إنْباءُ بُشْرى لَهم أنَّهُ أتاهم مِنَ العِزِّ بِالدِّينِ ما هو خَيْرٌ مِنَ الشَّرَفِ بِمُلْكِ الدُّنْيا ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] فالمُلُوكُ وإنْ تَشَرَّفُوا بِمُلْكِ الدُّنْيا فَلَيْسَ لَهم مِن عِزَّةِ الدِّينِ شَيْءٌ، أعَزَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدِّينِ، تَخْدُمُهُمُ الأحْرارُ وتَتَوَطَّدُ لَهُمُ الأمْصارُ، لا يَجِدُونَ وحْشَةً، ولا يُحْصَرُونَ في مَحَلٍّ، ولا تَسْقُطُ لَهم حُرْمَةٌ حَيْثُ ما حَلُّوا وحَيْثُ ما كانُوا اسْتَتَرُوا أوِ اشْتَهَرُوا، والمُتَلَبِّسُونَ بِالمُلْكِ لا يَخْدُمُهم إلّا مَنِ اسْتَرَقُّوهُ قَهْرًا، يَمْلِكُونَ تَصَنُّعَ الخَلْقِ ولا يَمْلِكُونَ مَحابَّ قُلُوبِهِمْ، مَحْصُورُونَ في أقْطارِ مَمالِكِهِمْ، لا يَخْرُجُونَ عَنْها ولا يَنْتَقِلُونَ مِنها حَتّى يَمْنَعَهم مِن كَمالِ الدِّينِ، فَلا يَنْصَرِفُونَ في الأرْضِ ولا يَضْرِبُونَ فِيها، حَتّى يَمْتَنِعَ مُلُوكٌ مِنَ الحَجِّ مَخافَةَ نَيْلِ الذُّلِّ في غَيْرِ مَوْطِنِ المُلْكِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: «إنَّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وأوْسَعْتُ عَلَيْهِ في رِزْقِهِ، يُقِيمُ خَمْسَةَ أعْوامٍ لا يَفِدُ عَلى المَحْرُومِ» (p-٣١٦)فالمُلُوكُ مَمْلُوكُونَ بِما مَلَكُوا، وأعِزّاءُ اللَّهِ مُمَكَّنُونَ فِيما إلَيْهِ وُجِّهُوا، لا يَصُدُّهم عَنْ تَكْمِلَةِ أمْرِ الدِّينِ وإصْلاحِ أمْرِ الآخِرَةِ صادٌّ، ولا يَرُدُّهم عَنْهُ رادٌّ لِخُرُوجِهِمْ مِن سِجْنِ المُلْكِ إلى سَعَةِ العِزِّ بِعِزَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقارَضَ اللَّهُ أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ ورَضِيَ عَنْهُمْ، ولَمْ يَرْضَهُ لِلْمُلْكِ بِعِزِّ الإمامَةِ ورِفْعَةِ الوِلايَةِ والِاسْتِيلاءِ عَلى مَحابِّ القُلُوبِ فاسْتَرْعاهُمُ اللَّهُ قُلُوبَ العالَمِينَ بِما اسْتَرْعى المُلُوكُ بَعْضَ حَواسِّ المُسْتَخْدَمِينَ والمُسْتَتْبَعِينَ، والذُّلُّ مُقابِلُ ذَلِكَ العِزَّةُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِزُّ عِزًّا دِينِيًّا رَبّانِيًّا عِوَضًا عَنْ سَلْبِ المُلْكِ كانَ هَذا الذُّلُّ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - ذُلَّ أهْلِ الدُّنْيا في دُنْياهُمُ الَّذِي ألْزَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى إيّاهُ بِما أذَلَّتْهم أنْفُسُهُمْ، فاسْتَعْمَلَتْهم في شَهَواتِها وأذَلَّهم أتْباعُهم فَتَوَسَّلُوا بِهِمْ إلى قَضاءِ أغْراضِهِمْ في أهْوائِهِمْ، ويَسْتَذِلُّهم مَن يَظْلِمُونَهُ بِما يَنْتَصِفُونَ مِنهُمْ، ويَنالُهم مِن ذُلِّ تَضْيِيعِ الدِّينِ، ويَبْدُو عَلى وُجُوهِهِمْ مِن ظُلْمَةِ الظُّلْمِ ما يَشْهَدُ ذُلَّهم فِيهِ أبْصارُ العارِفِينَ. انْتَهى.

ولَعَلَّ نَصارى نَجْرانَ أشَدُّ قَصْدًا بِهَذا الخِطابِ، فَإنَّهم خافُوا أنْ يَنْزِعَ مِنهُ مُلُوكُ الرُّومِ ما خَوَّلُوهم فِيهِ مِنَ الدُّنْيا إنْ أخْبَرُوا بِما يَعْلَمُونَ مِن أمْرِ هَذا النَّبِيِّ (p-٣١٧)الأُمِّيِّ ﷺ.

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ مالِكٌ لِما تَقَدَّمَ أنْتَجَ أنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِيَدِكَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿الخَيْرُ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الشَّرَّ تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ الأدَبَ في خِطابِهِ، وتَرْغِيبًا لَهم في الإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ، لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ النّاسَ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى مُعْطِي النَّوالِ وباذِلِ الأمْوالِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشَّرَّ أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ حَتّى عَنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ وإخْطارِهِ بِالبالِ، مَعَ أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الخَيْرِ بِمِلْكِ الخَيْرِ كُلِّهِ مُسْتَلْزِمٌ لِمِثْلِ ذَلِكَ في الشَّرِّ، لِأنَّهُما ضِدّانِ، كُلٌّ مِنهُما مُساوٍ لِنَقِيضِ الآخَرِ، فَإثْباتُ أحَدِهِما نَفْيٌ لِلْآخَرِ ونَفْيُهُ إثْباتٌ لِلْآخَرِ، فَلا يُعْطى الخَيْرُ إلّا وقَدْ نُفِيَ الشَّرُّ، ولا يُنْزَعُ الخَيْرُ إلّا وقَدْ وُضِعَ الشَّرُّ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. ولَمّا أفْهَمَ أنَّ الشَّرَّ بِيَدِهِ كَما أعْلَمَ أنَّ الخَيْرَ بِيَدِهِ وخاصٌّ بِهِ قَرَّرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ أعَمَّ بِقَوْلِهِ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском