Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:32–35
3:32Page 54
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
ولَمّا كانَ الِاتِّباعُ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ لا عَنْ طاعَةٍ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ الإذْعانِ فَقالَ - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ ﷺ في غايَةِ (p-٣٣٧)الرَّأْفَةِ بِالعِبادِ وكانَ يَعْلَمُ أنَّ آحادَ الأُمَّةِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَمالِ اتِّباعِهِ لِما لَهُ مَعَ العِصْمَةِ مِنَ الطَّبْعِ عَلى خِصالِ الكَمالِ كانَ كَأنَّهُ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: فَإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى كَمالِ اتِّباعِي؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْذِيرَيْنِ، في رُتْبَتَيْنِ أُولاهُما في الذِّكْرِ نَجاتَيْنِ مِن مُوجِبِ التَّحْذِيرَيْنِ، فَكانَ الِاتِّباعُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الثّانِي الباطِنِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الرَّأْفَةُ، وكانَ الطّاعَةُ مُوجِبَ النَّجاةِ مِنَ التَّحْذِيرِ الأوَّلِ السّابِقِ، فَمَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فِيما نَهى عَنْهُ مِنَ اتِّخاذِ وِلايَةِ الكافِرِينَ مِن دُونِ وِلايَةِ المُؤْمِنِينَ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الظّاهِرِ، ومَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَأحَبَّهُ اللَّهُ سَلِمَ مِنَ التَّحْذِيرِ الباطِنِ، فَخَتَمَ الخِطابَ بِما بِهِ بَدَأ، أوْ لَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الِاتِّباعِ عُلْيا ولِيَتْها رُتْبَةُ الِائْتِمارِ، فَهو إمّا مُتَّبِعٌ عَلى حُبٍّ وإمّا مُؤْتَمِرٌ عَلى طاعَةٍ، فَمَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الِاتِّباعِ فَلْيَكُنْ مِن أهْلِ الطّاعَةِ، فَكَأنَّ الخِطابَ يُفْهَمُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَتَّبِعُونِي فَأطِيعُونِي، انْتَهى فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِن صِفاتِ (p-٣٣٨)الكَمالِ. ولَمّا قَدَّمَ أنَّ رِضاهُ في اتِّباعِهِ ﷺ فَدَلَّ عَلى أنَّ الطّاعَتَيْنِ واحِدَةٌ قالَ مُوَحِّدًا لِلْعامِلِ: ﴿والرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ لِما لَهُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن مَزايا الِاتِّصالِ، وهو وإنْ كانَ اسْمًا كُلِّيًّا لَكِنَّهُ كانَ حِينَ إنْزالِ هَذا الخِطابِ مُخْتَصًّا بِأكْمَلِ الخَلْقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ المُرْسَلِ إلى الخَلْقِ كافَّةً عَلى أنَّ طاعَتَهُ طاعَةٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ بَيَّنُوا لِلنّاسِ أمْرَهُ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وسَلَّمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ إشارَةُ ذَلِكَ إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ التَّوَلِّي إلى ما يَنْتَظِمُ في مَعْنى ذَلِكَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ يَكُونُ فِيهِ مَحُوطًا بِالرَّحْمَةِ مِن حَيْثُ ذُكِرَ الرَّسُولُ فِيهِ بِما هو رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنْ طاعَةِ خِطابِ اللَّهِ والرَّسُولِ المَحْفُوفِ بِاللُّطْفِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والرَّحْمَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ. انْتَهى. و﴿تَوَلَّوْا﴾ يَحْتَمِلُ المُضارِعَ والمُضِيَّ، فَكانَ الأصْلُ في الكَلامِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لا يُحِبُّكُمْ، أوْ: لا يُحِبُّهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ المُعْلِمَ بِأنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ فَقالَ: ﴿لا يُحِبُّ (p-٣٣٩)الكافِرِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أفْرَدَ لِلَّهِ لَمّا كانَ وعِيدًا، إبْقاءً لِرَسُولِهِ ﷺ في حَيِّزِ الرَّحْمَةِ.
ولَمّا نَفى عَمَّنْ تَوَلّى أنْ يُحِبَّهُ كانَ في إشْعارِهِ أنَّ هَذا الكُفْرَ عُمُومُ كُفْرٍ يُداخِلُ رُتَبًا مِنَ الإيمانِ مِن حَيْثُ نَفى عَنْهُ الحُبَّ فَنَفى مِنهُ ما يَنالُهُ العَفْوُ أوِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ بِحَسَبِ رُتَبِ تَناقُصِ الكُفْرِ، لِأنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، ومَن فِيهِ كُفْرٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَوْفِي اتِّباعِ الرَّسُولِ بِما أنَّهُ الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، وإنَّما يُحِبُّ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَهُ، فَعادَ الخَتْمُ في الخِطابِ إلى إشْعارٍ مِن مَعْنى أوَّلِهِ وفي إلاحَتِهِ أنَّ حُبَّ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِحَسَبِ تَوْحِيدِهِ، فَكُلَّما كانَ أكْمَلَ تَوْحِيدًا كانَ أحَبَّ، وما سَقَطَ عَنْ رُتْبَةِ أدْنى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مَحَلُّ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ورَسُولِهِ ﷺ كانَ كُفْرًا بِحَسَبِ ما يُغَطِّي عَلى تِلْكَ الرُّتْبَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةٌ إلَهِيَّةٌ إيمانِيَّةٌ حِبِّيَّةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ، فَخِطابُها مَخْصُوصٌ بِما يَجْرِي في حُكْمِ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ والمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ وكَشْفِ غِطاءِ الأعْيُنِ ورَفْعِ حُجُبِ القُلُوبِ. انْتَهى.
وقَدْ وضَحَ أنَّ الآيَةَ مِن الِاحْتِباكِ - فَأصْلُ نَظْمِها: فَإنْ تَوَلَّوْا (p-٣٤٠)فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهم لِكُفْرانِهِمْ، وإنْ أقْبَلُوا فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهم لِإيمانِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ واللَّهُ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ - إثْباتُ التَّوْلِيَةِ في الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ الإقْبالِ مِنَ الثّانِي، إثْباتُ الكَراهَةِ في الثّانِي يَدُلُّ عَلى حَذْفِ مِثْلِها في الأوَّلِ.
3:33Page 54
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
ولَمّا كانَ الأصْفِياءُ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الأحْبابِ بَيَّنَ بَعْضَ الأصْفِياءِ وما أكْرَمَهم بِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الشَّرِيفِ ”فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها“ تَنْبِيهًا لِوَفْدِ نَصارى نَجْرانَ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّهُ مِثْلَ ما اصْطَفى لِنَفْسِهِ دِينًا اصْطَفى لِلتَّخَلُّقِ بِهِ ناسًا يُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ ويُوالُونَ أوْلِياءَهُ ويُعادُونَ أعْداءَهُ، ولَيْسُوا مِن صِفاتِ الكافِرِينَ في شَيْءٍ فَقالَ - أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَبَّهَ أفْعالَهُ في التَّشابُهِ وغَيْرِهِ بِأقْوالِهِ وعَرَّفَ أنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ رَدُّ المُتَشابِهِ مِنها إلى الواضِحِ المُحْكَمِ والِالتِجاءُ في كَشْفِ المُشْكِلِ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِقادِ الجازِمِ المُسْتَقِيمِ، وبَيَّنَ أنَّ المُوقِفَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ الأقْوَمِ الوُقُوفُ مَعَ العَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ مَعَ الرِّئاسَةِ وغَيْرِها وألْفُ الدِّينِ مَعَ التَّعَلُّلِ فِيهِ (p-٣٤١)بِالتَّمَنِّي الفارِغِ، وأنْهى ذَلِكَ وتَوابِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِتَهْدِيدِ مَن تَوَلّى عَنِ الحَقِّ أخَذَ في تَصْوِيرِ تَصْوِيرِهِ في الأرْحامِ كَيْفَ شاءَ بِما شُوهِدَ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَشُكَّ فِيهِ مِن أحْوالٍ أُناسٌ هم مِن خُلَّصِ عِبادِهِ المُقْبِلِينَ عَلى ما يُرْضِيهِ فَقالَ: أوْ يُقالُ ولَعَلَّهُ أحْسَنُ: ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ، وألْحَقَ بِهِ ما تَبِعَهُ إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ وبِأنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ بِالتَّوَلِّي عَنْ رُسُلِهِ اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ الآتِينَ بِالعِلْمِ الَّذِينَ تُوجِبُ مُخالَفَتُهُمُ الكُفْرَ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَنزِلُ هَذِهِ السُّورَةِ لِإظْهارِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ في الخَلْقِ والأمْرِ قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ يَدَيْ إبانَةِ مُتَشابِهِ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهَ الِاصْطِفاءِ المُتَقَدِّمَ لِلْآدَمِيَّةِ ومَن مِنها مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِتَظْهَرَ مُعادَلَةُ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آخِرًا لِمُتَقَدِّمِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلًا، حَتّى يَكُونا مَثَلَيْنِ مُحِيطَيْنِ بِطَرَفَيِ الكَوْنِ في عُلُوِّ رُوحِهِ ودُنُوِّ أدِيمِ تُرْبَتِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّلَ (p-٣٤٢)الرُّوحَ إلى الخَلْقِ الآدَمِيِّ كَما قالَ
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] وظَهَرَ أثَرُ ذَلِكَ اللَّبْسِ بِما وقَعَ لِأهْلِ الزَّيْغِ في عِيسى كَما أنَّهُ رَقّى الخَلْقَ الطِّينِيَّ رُتْبَةً رُتْبَةً إلى كَمالِ التَّسْوِيَةِ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَكانَ تَرَقِّي الآدَمِيِّ إلى النَّفْخَةِ لِتَنْزِلَ الرُّوحُ إلى الطِّينَةِ الإنْسانِيَّةِ الَّتِي تَمَّ بِها وُجُودُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما كَمَّلَ وُجُودَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّفْخَةِ.
ولَمّا كانَ أصْلُ الإبْداءِ نُورًا عَلِيًّا نَزَّلَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في رُتَبِ التَّطْوِيرِ والتَّصْيِيرِ والجَعْلِ إلى أنْ بَدَأ عالَمًا دُنْياوِيًّا مُحْتَوِيًا عَلى الأرْكانِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وخَفِيَتْ نُورانِيَّتُهُ في مَوْجُودِ أصْنافِهِ صَفّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن وُجُودِ كُلِّيَّةِ ذَلِكَ هَذا الخَلْقَ الآدَمِيَّ فَكانَ صَفِيَّ اللَّهِ، فَأنْبَأ الخِطابُ عَنْ تَصْيِيرِهِ إلى الصَّفاءِ بِالِافْتِعالِ؛ انْتَهى - فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ في إحاطَتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿اصْطَفى﴾ أيْ لِلْعِلْمِ والرِّسالَةِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى خَلْقِهِ والخِلافَةِ لَهُ في مُلْكِهِ ﴿آدَمَ﴾ أباكُمُ الأوَّلَ الَّذِي لا تَشُكُّونَ في أنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، وهو تَنْبِيهٌ لِمَن غَلِطَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ أعْظَمَ ما اسْتَغْرَبُوا مِن عِيسى كَوْنُهُ مِن (p-٣٤٣)غَيْرِ ذَكَرٍ، وآدَمُ أغْرَبُ حالًا مِنهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى ولا مِن جِنْسِ الأحْياءِ - كَما سَيَأْتِي ذَلِكَ صَرِيحًا بَعْدَ هَذا التَّلْوِيحِ لِذِي الفَهْمِ الصَّحِيحِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فاصْطَفاهُ مِن كُلِّيَّةِ مَخْلُوقِهِ الَّذِي أبْداهُ مُلْكًا ومَلَكُوتًا خَلْقًا وأمْرًا، وأجْرى اسْمَهُ مِن أظْهَرِ ظاهِرِهِ الأرْضِيِّ وأدْنى أدْناهُ، فَسَمّاهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، عَلى صِيغَةِ أفْعَلُ، الَّتِي هي نِهايَةُ كَمالِ الآدَمِيَّةِ والأدِيمِيَّةِ. فَكانَ مِمّا أظْهَرَ تَعالى في اصْطِفاءِآدَمَ ما ذَكَرَ جَوامِعَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أبانَ فَضْلَهُ لِلْمَلائِكَةِ وأراهم ما اخْتَصَّهُ بِهِ مِن سابِقِ العِلْمِ مِن حَيْثُ عَلَّمَهُ عِنْدَ اسْتِنْبائِهِ إيّاهُ أسْماءَ الأشْياءِ فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى آدَمَ مِحْرابًا وكَعْبَةً وبابًا وقِبْلَةً، أسْجَدَ لَهُ الأبْرارَ والرُّوحانِيِّينَ الأنْوارَ، ثُمَّ نَبَّهَ آدَمَ عَلى مُسْتَوْدَعِهِ وكَشَفَ لَهُ خَطَرَ ما ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ سَمّاهُ عِنْدَ المَلائِكَةِ إمامًا، فَكانَ تَنْبِيهُهُ عَلى خَطَرِ أمانَتِهِ ثَمَرَةَ اصْطِفائِهِ - انْتَهى ﴿ونُوحًا﴾ أباكُمُ الثّانِيَ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن بَيْنِ أبَوَيْنِ شابَّيْنِ عَلى عادَتِكُمُ المُسْتَمِرَّةِ فِيكم. وقالَ الحَرالِّيُّ: أنْبَأ تَعالى أنَّهُ عَطَفَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اصْطِفاءً عَلى اصْطِفاءِ آدَمَ تَرَقِّيًا إلى كَمالِ الوُجُودِ الآدَمِيِّ وتَعالِيًا إلى الوُجُودِ الرُّوحِيِّ العِيسَوِيِّ، فاصْطَفى نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٤٤)بِما جَعَلَهُ أوَّلَ رَسُولٍ بِتَوْحِيدِهِ مِن حَيْثُ دَحَضَ الشِّرْكَ وأقامَ كَلِمَةَ الإيمانِ بِقَوْلِ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، لِما تَقَدَّمَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، فَكانَ هَذا الِاصْطِفاءُ اصْطِفاءً باطِنًا لِذَلِكَ الِاصْطِفاءِ الظّاهِرِ فَتَأكَّدَ الِاصْطِفاءُ وجَرى مَن أهْلَكَتْهُ طامَّةُ الطُّوفانِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الذَّرِّ الآدَمِيِّ مَجْرى تَخْلِيصِ الصَّفاواتِ مِن خَثارَتِها، وكَما صَفّى آدَمَ مِنَ الكَوْنِ كُلِّهِ صَفّى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ووَلَدَهُ النّاجِينَ مَعَهُ مِن مَطْرَحِ الخَلْقِ الآدَمِيِّ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ولا في مُسْتَوْدَعِ ذَرارِيهِمْ صَفاوَةٌ تَصْلُحُ لِمَزِيَّةِ الإخْلاصِ الَّذِي اخْتُصَّ بِصَفْوَتِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فَكانَ مِيثاقُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قامَ بِهِ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ورَفْضِ الأصْنامِ والطّاغُوتِ الَّتِي اتَّخَذَها الظَّلْمانِيُّونَ مِن ذَرِّ آدَمَ، فَتَصَفّى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ النُّورانِيُّونَ مِنهُ، فَكانَ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن نَجا مَعَهُ صَفْوَةَ زَمانِهِ، كَما كانَ آدَمُ صَفْوَةَ حِينِهِ - انْتَهى. (p-٣٤٥)ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآلَ إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِينَ أوْجَدَ فِيهِمُ الخَوارِقَ ولا سِيَّما في إخْراجِ الوَلَدِ مِن بَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِما، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُهم لِأنَّهُ أحَدُهُمْ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وآلَ عِمْرانَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَسائِرِ أقارِبِهِ مِنهُمْ،
3:34Page 54
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
وأفْصَحَ بِذَلِكَ إفْصاحًا جَلِيًّا في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ فَهم كُلُّهم مِن بَنِي آدَمَ، لا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ، لا مَزِيَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الخَصائِصِ مِمّا دُونَ أمَدِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَما لَكم لَمّا خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى آلَ عِمْرانَ مِن بَيْنِ العالَمِينَ بِخَرْقِ العادَةِ فِيهِمْ بِإخْراجِ ولَدٍ مِن أُنْثى فَقَطْ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ لَمْ تَرُدُّوا ما لَمْ تَعْرِفُوا مِنهُ إلى ما تَعْرِفُونَ مِنَ الخَوارِقِ حَتّى انْجَلى لَكم واتَّضَحَ لَدَيْكُمْ؟ بَلْ أشْكَلَ عَلَيْكم وقامَتْ فِيكم قِيامَتُكم بِما يُفْضِي إلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ الإلَهِ الَّذِي لا تَشُكُّونَ أنَّ مَن شَكَّ في تَمامِ قُدْرَتِهِ كَفَرَ. (p-٣٤٦)وقالَ الحَرالِّيُّ: فَإثْباتُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِتَشابُهٍ وتَماثُلٍ تَتَعالى عَنْ نَحْوِهِ الإلَهِيَّةُ، فَأبانَ هَذا الخِطابُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اصْطِفاءً مِن جُمْلَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَكَما لَمْ يَقَعْ فِيمَن سِواهُ لَبْسٌ مِن أمْرِ الإلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ هو أيْضًا لَبْسٌ لِمَن يَتَلَقَّنُ بَيانَ الإحْكامِ والتَّشابُهِ مِنَ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا وأظْهَرَ الخَلْقَ بادِيًا ومُلْتَبِسًا انْتَهى. وقَدْ عادَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ إلى قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها في المُجادَلَةِ في أمْرِهِ والإخْبارِ عَنْ حَمْلِهِ ووِلادَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ الإلَهُ عَنْها، وكَراماتِهِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا لِلْقُرَّبِ، فَأخْبَرَ أوَّلًا عَنْ حالِ أُمِّهِ وأُمِّها وأُخْتِها وما اتَّفَقَ لَهُنَّ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِوُقُوعِ مِثْلِها مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَن كَفَرَ بِرَفْعِهِ فَوْقَ طَوْرِهِ، ثُمَّ شَرَعَ في قَصِّ أمْرِهِ حَتّى لَمْ يَدَعْ فِيهِ لَبْسًا بِوَجْهٍ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: في التَّعْبِيرِ عَنِ اصْطِفاءِ إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إشْعارِ الخِطابِ اخْتِصاصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٤٧)بِما هو أخَصُّ مِن هَذا الِاصْطِفاءِ مِن حَيْثُ انْتَظَمَ في سِلْكِهِ آلُهُ لِاخْتِصاصِهِ هو بِالخَلَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَكْهُ فِيها أهْلُ هَذا الِاصْطِفاءِ، فاخْتَصَّ نَمَطَ هَذا الِاصْطِفاءِ بِآلِهِ، وهم - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - إسْحاقُ ويَعْقُوبُ والعِيصُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن هو مِنهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ لِأنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَصَّ بِالوَصْلَةِ بَيْنَ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ ومُحَمَّدٍ الحَبِيبِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مُتَرَقّى ما هو لَهم مِن وراءِ هَذا الِاصْطِفاءِ، ولِأنَّ إنْزالَ هَذا الخِطابِ لِخَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مِن ولَدِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُذْكَرُ، وداوُدُ مِن سِبْطِ لاوِي بْنِ إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يُنْسَبُ، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - جَرى هَذا الِاصْطِفاءُ عَلى آلِهِ، فَظَهَرَ مِن مَزِيَّةِ هَذا الِاصْطِفاءِ لِآلِهِ ما كانَ مِنَ اصْطِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّكْلِيمِ وإنْزالِ الكِتابِ السّابِقِ
﴿يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] فَكانَ هَذا الِاصْطِفاءُ اسْتِخْلاصَ صَفاوَةٍ مِن صَفاوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَخْلَصِينَ مِن صَفاوَةِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وآلُ عِمْرانَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - مَرْيَمُ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَقَعَ الِاصْطِفاءُ في نَمَطٍ يَتَّصِلُ مِن آدَمَ إلى عِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ (p-٣٤٨)والسَّلامُ لِيَحُوزُوا طَرَفَيِ الكَوْنِ رُوحًا وسُلالَةً، و(العالَمُونَ) عَلَمُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ، فَكَما أنَّ المَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن عَلَمٍ يُعْلَمُ بِهِ بُدُوُّهُ وظُهُورُهُ جَعَلَ اللَّهُ ما أبْداهُ مِن خَلْقِهِ عَلَمًا عَلى ظُهُورِ مُلْكِهِ بَيْنَ يَدَيْ ظُهُورِ خَلْقِهِ في غايَةِ يَوْمِ الدِّينِ عامًّا، وفي يَوْمِ الدُّنْيا لِمَن شاءَ مِن أهْلِ اليَقِينِ والعِيانِ خاصًّا، وأعْلى مَعْناهُ بِما ظَهَرَ في لَفْظِهِ مِنَ الألِفِ الزّائِدَةِ عَلى لَفْظِ العِلْمِ، فاصْطَفى سُبْحانَهُ وتَعالى آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَوْجُودِينَ في وقْتِهِ، وكَذَلِكَ نُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ كُلًّا عَلى عالَمِ زَمانِهِ، ومَن هو بَعْدُ في غَيْبٍ لَمْ تَبْدُ صُورَتُهُ في العالَمِ العِيانِيِّ لَمْ يَلْحَقْهُ بَعْدُ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ اسْمُ العالَمِ وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذِكْرِ الذُّرِّيَّةِ مِن مَعْنى الذَّرْءِ الَّذِي هو مَخْصُوصٌ بِالخَلْقِ لِيَظْهَرَ انْتِظامُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سِلْكِ الجَمِيعِ ذَرْءًا، وأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ الذَّرْءِ لَبْسُ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَكانَ نَصْبُ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ تَكْيِيفًا لِهَذا الِاصْطِفاءِ المُسْتَخْلَصِ عَلى وجْهِ الذَّرِّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ النُّحاةُ حالًا. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَؤُلاءِ الَّذِينَ اصْطَفاهُمْ، وكانَ مَدارُ (p-٣٤٩)أمْرِ الِاصْطِفاءِ عَلى العِلْمِ، ومَدارُ ما يُقالُ لَهم وفِيهِمْ مِمّا يَكُونُ كُفْرًا أوْ إيمانًا عَلى السَّمْعِ خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى الآيَةَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ بِإحاطَتِهِ ما يُرِيدُ: ﴿واللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ اصْطَفاهم عَلى تَمامِ العِلْمِ بِهِمْ تَرْغِيبًا في أحْوالِهِمْ والِاقْتِداءِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ.
3:35Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ هُنا بَيانَ الكَراماتِ في آلِ عِمْرانَ لا سِيَّما في الوِلادَةِ، وكانَ آدَمُ المُمَثَّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أمْرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ سُورَةِ الكِتابِ المُثْمِرِ لِلْعِلْمِ، وكَذا بَيانُ كَثِيرٍ مِمّا اصْطَفى بِهِ إبْراهِيمَ وآلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ بِالكَلامِ لِذُرِّيَّتِهِ، وكانَ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِن ذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهُ في عَمُودِ النَّسَبِ، ولَيْسَ في أمْرِ وِلادَتِهِ ما هو خارِجٌ عَنِ العادَةِ قالَ طاوِيًا لِمَن قَبْلُ: ﴿إذْ﴾ أيِ اذْكُرْ جَوابًا لِمَن يُجادِلُكَ في أمْرِهِمْ ويَسْألُكَ عَنْ حالِهِمْ حِينَ ﴿قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ وهي حامِلٌ.
وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ مَن ذُكِرَ في الِاصْطِفاءِ إنَّما ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اخْتَصَّ التَّفْصِيلُ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ سائِرِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ، وكانَ في هَذِهِ المُناظَرَةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ حَظٌّ مِنَ التَّكافُؤِ مِن حَيْثُ ذَكَرَ أمْرَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٣٥٠)فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، فَذَكَرَ خَلْقَ المَثَلِ المُناظِرِ لَهُ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لِسُورَةِ البَقَرَةِ وهي هَذِهِ السُّورَةُ، فَعادَ تَوْقِيتُ هَذا القَوْلِ إلى غايَةِ هَذا الِاصْطِفاءِ، فَأنْبَأ عَنِ ابْتِداءِ ما اخْتَصَّ مِنهُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ امْرَأةِ عِمْرانَ حِينَ أجْرى عَلى لِسانِها وأخْطَرَ بِقَلْبِها أنْ تَجْعَلَ ما في بَطْنِها نَذْرًا، فَفَصَّلَ ما بِهِ خَتَمَ مِنَ اصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ولِذَلِكَ عُرِّفَتْ أُمُّ مَرْيَمَ في هَذا الخِطابِ بِأنَّها امْرَأةُ عِمْرانَ لِيَلْتَئِمَ التَّفْصِيلُ بِجُمْلَتِهِ السّابِقَةِ ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ وكانَ نَذْرُ الوَلَدِ شائِعًا في بَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مَعْهُودًا في الذُّكُورِ لِصَلاحِهِمْ لِسَدانَةِ بَيْتِ اللَّهِ والقِيامِ بِهِ، فَأكْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَرْيَمَ لِما كَمُلَ لَهُ الرِّجالُ - كَما قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ» فَذَكَرَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ عَلَيْها السَّلامُ، فَكانَ مِن كَمالِها خُرُوجُ والِدَتِها عَنْها، وكانَ أصْلُهُ مِنَ الأُمِّ الَّتِي لَها الإشْفاقُ، فَكانَ خُرُوجُها أكْمَلَ مِن خُرُوجِ الوَلَدِ لِأنَّها لَها في زَمَنِ الحَمْلِ والرَّضاعِ والتَّرْبِيَةِ إلى أنْ يَعْقِلَ الوَلَدُ أباهُ فَحِينَئِذٍ يَتَرَقّى إلى حِزْبِ أبِيهِ، ولِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أُرِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ عِنْدَ تَمْيِيزِهِ، وخَرَجَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ عَنْ حَمْلِها وهو في بَطْنِها حِينَ ما هو أعْلَقُ بِها - (p-٣٥١)انْتَهى. ونَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِهِ ﴿مُحَرَّرًا﴾ أيْ لا اعْتِراضَ ولا حُكْمَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ، قالَ الحَرالِّيُّ: والتَّحْرِيرُ طَلَبُ الحُرِّيَّةِ، والحُرِّيَّةُ رَفْعُ اليَدِ عَنِ الشَّيْءِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وفي الإتْيانِ بِصِيغَةِ التَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ إشْعارٌ بِمُضِيِّ العَزِيمَةِ في قَطْعِ الوِلايَةِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لِتُسَلِّمَ وِلايَتَهُ لِلَّهِ تَعالى. انْتَهى.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ولَمّا كانَ حُسْنُ إجابَةِ المَهْتُوفِ بِهِ المُلْتَجَإ إلَيْهِ عَلى حَسَبِ إحاطَةِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ عَلَّلَتْ سُؤالَها في التَّقَبُّلِ بِأنْ قَصَرَتِ السَّمْعَ والعِلْمَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَتْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَقالَتْ كَما قالَ سَلَفُها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ فَلا يَسْمَعُ أحَدٌ قَوْلِي مِثْلَ سَمْعِكَ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ نِيَّتِي مِثْلَ عِلْمِكَ ولا أنا، فَإنْ كانَ فِيهِما شَيْءٌ لا يَصْلُحُ فَتَجاوَزْ عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences