Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:7–11

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:7–11, continued

وقَدْ تَقَدَّمَ حَرْفُ الأمْثالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لا يَضِلُّ بِحَرْفِ المُتَشابِهِ إلّا ذَوُو الطَّبْعِ العِوَجِ الَّذِينَ لَمْ تَرْسُخْ أقْدامُهم في الدِّينِ ولا اسْتَنارَتْ مَعارِفُهم في العِلْمِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أيِ اعْوِجاجٌ عَدَلُوا بِهِ عَنِ الحَقِّ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو مَيْلُ المائِلِ إلى ما يُزَيِّنُ لِنَفْسِهِ المَيْلَ إلَيْهِ، والمُرادُ هُنا أشَدُّ المَيْلِ الَّذِي هو مَيْلُ القَلْبِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِواءِ [و] في إشْعارِهِ ما يُلْحَقُ بِزَيْغِ القُلُوبِ مِن سَيِّئِ الأحْوالِ في الأنْفُسِ وزَلَلِ الأفْعالِ في الأعْمالِ، فَأنْبَأ تَعالى عَمّا هو الأشَدُّ وأبْهَمَ ما هو الأضْعَفُ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ في إشْعارِ هَذِهِ الصِّيغَةِ بِما تُنْبِئُ عَنْهُ (p-٢٤٣)مِن تَكَلُّفِ المُتابَعَةِ بِأنَّ مَن وقَعَ لَهُ المَيْلُ فَلَفَتَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ مَذَمَّةُ هَذا الخِطابِ، فَإذا وقَعَ الزَّلَلُ ولَمْ يَتَتابَعْ حَتّى يَكُونَ اتِّباعًا سَلِمَ مِن حَدِّ الفِتْنَةِ بِمُعالَجَةِ التَّوْبَةِ ﴿ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ فَأبْهَمَهُ إبْهامًا يُشْعِرُ بِما جَرَتْ بِهِ الكُلِّيّاتُ فِيما يَقَعُ نَبَأً عَنِ الحَقِّ وعَنِ الخَلْقِ [مِن نَحْوِ أوْصافِ النَّفْسِ كالتَّعْلِيمِ والحَكِيمِ وسائِرِ أزْواجِ الأوْصافِ كالغَضَبِ والرِّضى بِناءً عَلى الخَلْقِ] في بادِئِ الصُّورَةِ مِن نَحْوِ العَيْنِ واليَدِ والرِّجْلِ والوَجْهِ وسائِرِ بَوادِي الصُّورَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا أنَّهُ مُتَشابِهاتٌ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى لِيَتَعَرَّفَ لِلْخَلْقِ بِما جَبَلَهم عَلَيْهِ مِمّا لَوْ لَمْ يَتَعَرَّفْ لَهم بِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَفائِدَةُ إنْزالِها التَّعَرُّفُ بِما يَقَعُ بِهِ الِامْتِحانُ بِإحْجامِ الفِكْرِ عَنْهُ والإقْدامِ عَلى التَّعَبُّدِ لَهُ، فَفائِدَةُ إنْزالِهِ عَمَلٌ في المُحْكَمِ وفائِدَةُ إنْزالِهِ فِيهِ تَوَقُّفٌ عَنْهُ لِيَقَعَ الِابْتِلاءُ بِالوَجْهَيْنِ: عَمَلٍ بِالمُحْكَمِ ووُقُوفٍ عَنِ المُتَشابِهِ، «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ“» وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن تَفَكَّرَ في ذاتِ اللَّهِ تَزَنْدَقَ، ووافَقَ العُلَماءُ إنْكارَ الخَلْقِ عَنِ التَّصَرُّفِ في تَكْيِيفِ شَيْءٍ مِنهُ، كَما ذُكِرَ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: الكَيْفُ مَجْهُولٌ والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، فالخَوْضُ في المُتَشابِهِ بِدْعَةٌ، والوُقُوفُ عَنْهُ سُنَّةٌ؛ وأفْهَمَ عَنْهُ الإمامُ أحْمَدُ يَعْنِي فِيما تَقَدَّمَ في آياتِ الصِّفاتِ مِن أنَّ تَأْوِيلَها (p-٢٤٤)تِلاوَتُها، هَذا هو حَدُّ الإيمانِ ومَوْقِفُهُ، وإلَيْهِ أذْعَنَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وهُمُ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا في أعْلامِ العِلْمِ، ولَمْ يُصْغُوا إلى وهْمِ التَّخْيِيلِ والتَّمَثُّلِ بِهِ في شَيْءٍ مِمّا أنْبَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ نَفْسُهُ ولا في شَيْءٍ مِمّا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ و[كانَ فِي] تَوَقُّفِهِمْ عَنِ الخَوْضِ في المُتَشابِهِ تَفَرُّغُهم لِلْعَمَلِ في المُحْكَمِ، لِأنَّ المُحْكَمَ واضِحٌ وِجْدانِيٌّ، مُتَفَقِّهٌ عَلَيْهِ مَدارِكُ الفَطِنِ وإذْعانُ الجِبِلّاتِ ومُنَزَّلاتُ الكُتُبِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ اخْتِلافٌ بِوَجْهٍ حَتّى كانَ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، لِلُزُومِ الواجِبِ مِنَ العَمَلِ بِالمُحْكَمِ في إذْعانِ النَّفْسِ، فَكَما لا يَصْلُحُ العَراءُ عَنِ الاتِّصافِ بِالمُحْكَمِ لا يَصْلُحُ التَّرامِي إلى شَيْءٍ مِنَ الخَوْضِ في المُتَشابِهِ لِأحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ أهْلِ الدَّرَجاتِ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَبَلَ الخَلْقَ وفَطَرَهم عَلى إدْراكِ حَظٍّ مِن أنْفُسِهِمْ مِن أحْوالِهِمْ، وأوْقَفَهم عَنْ إدْراكِ ما هو راجِعٌ إلَيْهِ، فَأمْرُ اللَّهِ وتَجَلِّياتُهُ لا تُنالُ إلّا بِعِنايَةٍ مِنهُ، يَزُجُّ العَبْدُ زَجَّهُ يَقْطَعُ بِهِ الحُجُبَ الظَّلْمانِيَّةَ والنُّورانِيَّةَ (p-٢٤٥)الَّتِي فِيها مَواقِفُ العُلَماءِ؛ فَلَيْسَ في هَذا الحَرْفِ المُتَشابِهِ إلّا أخْذُ لِسانَيْنِ: لِسانِ وقْفَةٍ عَنْ حَدِّ الإيمانِ لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ المُشْتَغِلِينَ بِالِاتِّصافِ بِالتَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ والتَّقْوى والبِرِّ الَّذِي أمَرَ ﷺ أنْ يُتْبَعَ فِيهِ حَتّى يَنْتَهِيَ العَبْدُ إلى أنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ، فَيَرْفَعَ عَنْهُ عَجْزَ الوَقْفَةِ عَنِ المُتَشابِهِ، ويُنْقِذَهُ مِن حِجابِ النُّورانِيَّةِ، فَلا يُشْكِلُ عَلَيْهِ دَقِيقٌ ولا يُعْيِيهِ خَفِيٌّ بِما أحَبَّهُ اللَّهُ، وما بَيْنَ ذَلِكَ مِن خَوْضٍ دُونَ إنْقاذِ هَذِهِ العِنايَةِ فَنَقْصٌ عَنْ حَدِّ رُتْبَةِ الإيمانِ والرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكُلُّ خائِضٍ فِيهِ ناقِصٌ مِن حَيْثُ يُحِبُّ أنْ يَزِيدَ، فَهو إمّا عَجْزٌ إيمانِيٌّ مِن حَيْثُ الفَطْرُ الخُلُقِيُّ، وإمّا تَحَقُّقٌ إيقانِيٌّ تُوجِبُهُ العِنايَةُ والمَحَبَّةُ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى اتِّباعَهم لَهُ ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ أيْ تَمْيِيلِ النّاسِ عَنْ عَقائِدِهِمْ بِالشُّكُوكِ ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أيْ تَرْجِيعِهِ إلى ما يَشْتَهُونَهُ وتَدْعُوا إلَيْهِ نُفُوسُهُمُ المائِلَةُ وأهْوِيَتُهُمُ الباطِلَةُ بِادِّعاءِ أنَّهُ مَآلُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: والِابْتِغاءُ افْتِعالٌ: تَكَلُّفُ البَغْيِ، وهو شِدَّةُ الطَّلَبِ، وجَعَلَهُ تَعالى ابْتِغاءَيْنِ لِاخْتِلافِ وجْهَيْهِ، فَجَعَلَ (p-٢٤٦)الأوَّلَ فِتْنَةً لِتَعَلُّقِهِ بِالغَيْرِ وجَعَلَ الثّانِيَ تَأْوِيلًا أيْ طَلَبًا لِلْمَآلِ عِنْدَهُ، لِاقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ أهْوَنَ الزَّيْغَيْنِ. انْتَهى.

ولَمّا بَيَّنَ زَيْغَهم بَيَّنَ أنَّ نِسْبَةَ خَوْضِهِمْ فِيما لا يُمْكِنُهم عِلْمُهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ [ما] ﴿يَعْلَمُ﴾ في الحالِ وعَلى القَطْعِ ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ الشَّيْءِ في مَآلِهِ إلى مَعادِهِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا، قالَ: ولِكُلِّ بادٍ مِنَ الخَلْقِ مَآلٌ كَما أنَّ الآخِرَةَ مَآلُ الدُّنْيا ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] لِذَلِكَ كُلُّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ مَآلٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، فَيَوْمُ الخُلُودِ مَآلُ يَوْمِ الجَزاءِ، ومَآلُ الأبَدِ مَآلُ يَوْمِ الخُلُودِ؛ وأبَدُ الأبَدِ مَآلُ الأبَدِ، وكَذَلِكَ كُلُّ الخَلْقِ لَهُ مَآلٌ مِنَ الأمْرِ فَأمْرُ اللَّهِ مَآلُ خَلْقِهِ وكَذَلِكَ الأمْرُ، كُلُّ تَنْزِيلٍ أعْلى مِنهُ مَآلُ التَّنْزِيلِ الأدْنى إلى كَمالِ الأمْرِ، وكُلُّ أمْرِ اللَّهِ مَآلٌ مِن أسْمائِهِ وتَجَلِّياتِهِ، وكُلُّ تَجَلٍّ أجْلى مَآلٍ لِما دُونَهُ مِن تَجَلٍّ أخْفى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

”فَيَأْتِيهِمْ [رَبُّهُمْ] في غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، الحَدِيثَ إلى قَوْلِهِ: أنْتَ رَبُّنا“ فَكانَ تَجَلِّيهِ (p-٢٤٧)الأظْهَرُ لَهم مَآلَ تَجَلِّيهِ الأخْفى عَنْهُمْ؛ فَكانَ كُلُّ أقْرَبَ لِلْخَلْقِ مِن غَيْبِ خَلْقٍ وقائِمِ أمْرٍ وعَلِيِّ تَجَلٍّ إبْلاغًا إلى ما وراءَهُ فَكانَ تَأْوِيلَهُ، فَلَمْ تَكُنِ الإحاطَةُ بِالتَّأْوِيلِ المُحِيطِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَمّا ذَكَرَ الزّائِغِينَ ذَكَرَ الثّابِتِينَ فَقالَ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهُمُ المُتَحَقِّقُونَ في أعْلامِ العِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّسُوخَ النُّزُولُ بِالثِّقْلِ في الشَّيْءِ الرَّخْوِ لَيْسَ الظُّهُورَ عَلى الشَّيْءِ، فَلِرُسُوخِهِمْ كانُوا أهْلَ إيمانٍ، ولَوْ أنَّهم كانُوا ظاهِرِينَ عَلى العِلْمِ كانُوا أهْلَ إيقانٍ، لَكِنَّهم راسِخُونَ في العِلْمِ لَمْ يَظْهَرُوا بِصَفاءِ الإيقانِ عَلى نُورِ العِلْمِ، فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ حَدِّ التَّوَقُّفِ فَكانُوا دائِمِينَ عَلى الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ بِصِيغَةِ الدَّوامِ انْتَهى أيْ هَذا حالُهم في رُسُوخِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا قَسِيمًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ كانَ ذَلِكَ واضِحًا في كَوْنِهِ ابْتِداءً وأنَّ الوُقُوفَ عَلى ما قَبْلَهُ، ولَمّا كانَ هَذا الضَّمِيرُ مُحْتَمِلًا لِلْمُحْكَمِ فَقَطْ قالَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الكَلِمَةُ مَعْرِفَةٌ بِتَعْرِيفِ الإحاطَةِ الَّتِي أهَّلَ النُّحاةُ ذِكْرَها في وُجُوهِ التَّعْرِيفِ إلّا مَن ألاحَ مَعْناها مِنهم (p-٢٤٨)فَلَمْ يُلَقِّنْ ولَمْ يَنْقُلْ جَماعَتُهم ذَلِكَ؛ وهو مِن أكْمَلِ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّعْرِيفِ التَّعَيُّنُ بِعِيانٍ أوْ عَقْلٍ، وهي إشارَةٌ إلى إحاطَةِ ما أنْزَلَهُ عَلى إبْهامِهِ، فَكانَ مَرْجِعُ المُتَشابِهِ والمُحْكَمِ عِنْدَهم مَرْجِعًا واحِدًا، آمَنُوا بِمَحَلِّ اجْتِماعِهِ الَّذِي مِنهُ نَشَأ فُرْقانُهُ، لِأنَّ كُلَّ مُفْتَرِقٍ بِالحَقِيقَةِ إنَّما هو مَعْرُوجٌ مِن حَدِّ اجْتِماعٍ، فَما رَجَعَ إلَيْهِ الإيمانُ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا بِهِ، هو مَحَلُّ اجْتِماعِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ في إحاطَةِ الكِتابِ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ انْتَهى.

﴿مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا بِكُلِّ اعْتِبارٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِعِنْدِ وهي بِالأمْرِ الظّاهِرِ بِخِلافِ لَدُنْ إشارَةً إلى ظُهُورِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأمُّلِ، وعَبَرُوهُ عَنِ الاشْتِباهِ.

ولَمّا كانَ مَعَ كُلِّ مُشْتَبِهٍ أمْرٌ إذا دَقَّقَ النَّظَرَ فِيهِ رَجَعَ إلى مِثالٍ حاضِرٍ لِلْعَقْلِ إمّا مَحْسُوسٌ وإمّا في حَدِّ ظُهُورِ المَحْسُوسِ قالَ مُعَمِّمًا لِمَدْحِ المُتَأمِّلِينَ عَلى دِقَّةِ الأمْرِ وشِدَّةِ غُمُوضِهِ بِإدْغامِ تاءِ التَّفَعُّلِ مُشِيرًا إلى أنَّهم تَأهَّلُوا بِالرُّسُوخِ إلى الِارْتِقاءِ عَنْ رُتْبَتِهِ، مُلَوِّحًا إلى أنَّهُ لا فَهْمَ لِغَيْرِهِمْ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِن مَعانِي المُتَشابِهِ بِبَرَكَةِ إيمانِهِمْ وتَسْلِيمِهِمْ بِما نَصَبَهُ مِنَ الآياتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ ما يُمْكِنُ أنْ (p-٢٤٩)يَكُونَ إرادَةً مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وإنْ لَمْ [يَكُنْ] عَلى القَطْعِ بِأنَّهُ إرادَةٌ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ [أيْ] مِنَ الرّاسِخِينَ بِما سَمِعَ مِنَ المُتَشابِهِ ما في حِسِّهِ وعَقْلِهِ مِن أمْثالِ ذَلِكَ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ الَّذِي لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ ظاهِرُهُ، فَكانَ بَيْنَ أهْلِ الزَّيْغِ وأهْلِ التَّذَكُّرِ مُقابَلَةٌ بَعِيدَةٌ، فَمِنهم مُتَذَكِّرٌ يَنْتَهِي إلى إيقانٍ، وراسِخٌ في العِلْمِ يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ إيمانٍ، ومُتَأوِّلٌ يَرْكَنُ إلى لَبْسِ بِدْعَةٍ، وفاتِنٌ يَتَّبِعُ هَوىً؛ فَأنْبَأ جُمْلَةُ هَذا البَيانِ عَنْ أحْوالِ الخَلْقِ بِالنَّظَرِ إلى تَلَقِّي الكِتابِ كَما أنْبَأ بَيانُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ جِهاتِ تَلَقِّيهِمْ لِلْأحْكامِ انْتَهى.

3:8Page 50

رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1

ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الرّاسِخِينَ أيْقَنُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُسْتَلْزِمِ لِأنَّهُ لا عِوَجَ فِيهِ أخْبَرَ أنَّهم أقْبَلُوا عَلى التَّضَرُّعِ إلَيْهِ في أنْ يُثَبِّتَهم بَعْدَ هِدايَتِهِ ثُمَّ أنْ يَرْحَمَهم بِبَيانِ ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْهم وهو في الحَقِيقَةِ تَلْقِينٌ مِنهُ لَهم لُطْفًا بِهِمْ مُقَدِّمًا ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ مِنَ السُّؤالِ في تَطْهِيرِ القَلْبِ عَمّا لا يَنْبَغِي عَلى طَلَبِ تَنْوِيرِهِ بِما يَنْبَغِي لِأنَّ إزالَةَ المانِعِ قَبْلَ إيجادِ المُقْتَضِي عَيْنُ الحِكْمَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْنا (p-٢٥٠)﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ.

ولَمّا كانَ صَلاحُ القَلْبِ [صَلاحَ الجُمْلَةِ] و[فَسادُهُ] فَسادَها وكانَ ثَباتُ الإنْسانِ عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ مِن غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا مِمّا لَمْ يُجْرِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عادَتَهُ لِغَيْرِ المَعْصُومِينَ قالَ نازِعًا الجارَّ مُسْنِدًا الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ الجُمْلَةِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إلاحَةِ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِابْتِهالَ واقِعٌ مِن أُولِي الألْبابِ لِيَتَرَقَّوْا مِن مَحَلِّهِمْ مِنَ التَّذَكُّرِ إلى ما هو أعْلى وأبْطَنُ انْتَهى. فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ أمْرِكَ الخاصِّ بِحَضْرَتِكَ القُدْسِيَّةِ، الباطِنِ عَنْ غَيْرِ خَواصِّكَ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ فَضْلًا ومِنحَةً مِنكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنّا، ونَكَّرَها تَعْظِيمًا بِأنَّ أيْسَرَ شَيْءٍ مِنها يَكْفِي المَوْهُوبَ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ أصْلًا فَكانَ كُلُّ عَطاءٍ مِن فَضْلِهِ قالُوا وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الأمْرُ اللَّدُنِيُّ لَيْسَ مِمّا في فِطَرِ الخَلْقِ وجِبِلّاتِهِمْ وإقامَةِ حِكْمَتِهِمْ، وإنَّما هو مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِحَسَبِ العِنايَةِ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ (p-٢٥١)الوَهْبِ والهِبَةِ، وهي العَطِيَّةُ سَماحًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنَ المَوْهُوبِ انْتَهى.

3:9Page 50

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن أوَّلِ ما فَرَغَ السَّمْعُ مِنَ الكِتابِ في الفاتِحَةِ وأوَّلِ البَقَرَةِ وأثْنائِها أنَّ لِلنّاسِ يَوْمًا يُدانُونَ فِيهِ وصَلُوا بِقَوْلِهِمُ السّابِقِ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الجَمْعِ، وهو ضَمُّ ما شَأْنُهُ الِافْتِراقُ والتَّنافُرُ لُطْفًا أوْ قَهْرًا انْتَهى.

﴿النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ يُدانُونَ فِيهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا نَفْيَ الرَّيْبِ بِقَوْلِهِمْ عادِلِينَ عَنِ الخِطابِ آتِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّ المَقامَ لِلْجَلالِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُخْلِفُ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ الخُلْفِ في زَمَنِ الوَعْدِ ومَكانِهِ أبْلَغَ مِن نَفْيِ خِلافِهِ نَفْسِهِ عَبَّرَ بِالمِفْعالِ فَقالَ: ﴿المِيعادَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: هو مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ، وصِيغَ لِمَعْنى تَكَرُّرِهِ ودَوامِهِ، والوَعْدُ العَهْدُ في الخَيْرِ انْتَهى. وكُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ التَّثَبُّتُ في فَهْمِ الكِتابِ والإحْجامُ عَنْ مُشْكِلِهِ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ يَوْمَ الجَمْعِ يَوْمَ يُساقُونَ إلَيْهِ ويَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلنَّصارى: هَبْ أنَّهُ أشْكَلَ عَلَيْكم بَعْضُ أفْعالِي (p-٢٥٢)وأقْوالِي في الإنْجِيلِ فَهَلّا فَعَلْتُمْ فِعْلَ الرّاسِخِينَ فَنَزَّهْتُمُونِي عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِي مِنَ التَّناقُضِ وغَيْرِهِ، ووَكَلْتُمْ أمْرَ ذَلِكَ إلَيَّ، وعَوَّلْتُمْ في فَتْحِ مُغْلَقِهِ عَلَيَّ خَوْفًا مِن يَوْمِ الدِّينِ؟ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ لَمّا بَلَغَ الكَلامُ إلى هُنا أيْ إلى آيَةِ التَّصْوِيرِ كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكَيْفَ طَرَأ عَلَيْهِمْ ما طَرَأ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ؟ أخْبَرَ تَعالى بِشَأْنِ الكِتابِ وأنَّهُ مُحْكَمٌ ومُتَشابِهٌ، وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، فَحالُ أهْلِ التَّوْفِيقِ تَحْكِيمُ المُحْكَمِ، وحالُ أهْلِ الزَّيْغِ اتِّباعُ المُتَشابِهِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وكُلُّ هَذا بَيانٌ لِكَوْنِ الكِتابِ العَزِيزِ أعْظَمَ فُرْقانٍ وأوْضَحَ بَيانٍ إذْ قَدْ أوْضَحَ أحْوالَ المُخْتَلِفِينَ ومِن أيْنَ أتى عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الكُتُبِ، وفي أثْناءِ ذَلِكَ تَنْبِيهُ العِبادِ عَلى عَجْزِهِمْ وعَدَمِ اسْتِبْدادِهِمْ لِئَلّا يَغْتَرَّ الغافِلُ فَيَقُولَ مَعَ هَذا البَيانِ ووُضُوحِ الأمْرِ: لا طَرِيقَ إلى تَنَكُّبِ الصِّراطِ، فَنُبِّهُوا حِينَ عُلِّمُوا الدُّعاءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثُمَّ كَرَّرَ تَنْبِيهَهم لِشِدَّةِ الحاجَةِ لِيُذَّكَّرَ هَذا أبَدًا، فَفِيهِ مُعْظَمُ البَيانِ، ومِنَ اعْتِقادِ الِاسْتِبْدادِ يَنْشَأُ الشِّرْكُ الأكْبَرُ إذِ اعْتِقادُ الِاسْتِبْدادِ بِالأفْعالِ إخْراجٌ لِنِصْفِ المَوْجُوداتِ عَنْ يَدِ بارِئِها ﴿واللَّهُ خَلَقَكم (p-٢٥٣)وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فَمِنَ التَّنْبِيهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] ومِنهُ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ومِنهُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى خاتِمَتِها، هَذا مِن جَلِيِّ التَّنْبِيهِ ومُحْكَمِهِ، ومِمّا يَرْجِعُ إلَيْهِ ويَجُوزُ مَعْناهُ بَعْدَ اعْتِبارِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَمَن رَأى الفِعْلَ أوْ بَعْضَهُ لِغَيْرِهِ تَعالى حَقِيقَةً فَقَدْ قالَ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ حُذِّرُوا أشَدَّ التَّحْذِيرِ لَمّا بَيَّنَ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] ثُمَّ ارْتَبَطَتِ الآياتُ إلى آخِرِها انْتَهى.

3:10Page 51

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.

ولَمّا تَحَقَّقَ أنَّ يَوْمَ الجَمْعِ كائِنٌ لا مَحالَةَ تَحَقَّقَ أنَّ مِن نَتائِجِهِ تَحْقِيقًا لِعِزَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وانْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ لِسَتْرِهِمْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مَرْأى عُقُولِهِمْ أنَّهم يَمْتَنِعُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّهم يَفْعَلُونَ في عِصْيانِهِ وعَداوَةِ أوْلِيائِهِ فِعْلَ مَن يُرِيدُ المُغالَبَةَ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ أيْ وإنْ كَثُرَتْ، وقَدَّمَها لِأنَّ بِها قِوامَ ما بَعْدَها وتَمامَ لَذّاتِهِ، وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي لِيُفِيدَ النَّفْيَ عَنْ كُلِّ حالَةٍ وعَنِ المَجْمُوعِ فَيَكُونَ أصْرَحَ في المَرامِ (p-٢٥٤)﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمَتْ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِن إغْناءٍ مُبْتَدِئًا مِن جِهَةِ اللَّهِ، وإذا كانَتْ تِلْكَ الجِهَةُ عارِيَةً عَمّا يُغْنِي كانَ كُلُّ ما يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن بَأْسٍ واقِعًا بِهِمْ لا مانِعَ لَهُ، فَمَهْما أرادَ بِهِمْ كانَ مِن خِذْلانٍ في الدُّنْيا وبَعْثٍ بَعْدَ المَوْتِ وحَشْرٍ بَعْدَ البَعْثِ وعَذابٍ في الآخِرَةِ، فَأُولَئِكَ المُعَرَّضُونَ مِنهُ لِكُلِّ بَلاءٍ ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وفي ذَلِكَ [أعْظَمُ] تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ الزّائِغِينَ الَّذِينَ خالَفُوا الرّاسِخِينَ فَوَقَفَتْ بِهِمْ نِعَمُهُ المُقْتَضِيَةُ لِتَصْدِيقِهِ [عَنْ تَصْدِيقِهِ] لَيْسَتْ مُغْنِيَةً عَنْهم تِلْكَ النِّعَمُ شَيْئًا، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا ومَحْشُورُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ كانَ الألْيَقُ بِخِطابِها أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ فِيهِ إلى الزُّهْدِ أتَمَّ مِنَ الدُّعاءِ في غَيْرِها، والإشارَةُ فِيهِ إلى ذَلِكَ أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ في غَيْرِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قاطِعَةً لِلْقُلُوبِ النَّيِّرَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ مِن فِتْنَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن مَضْمُونِ تَرْجَمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ إطْلاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى سِرِّ التَّقْدِيرِ الَّذِي صُرِفَ عَنِ الجَوابِ فِيهِ وإظْهارِ (p-٢٥٥)سِرِّهِ مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ وعِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِمّا أظْهَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعامَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إعْلاءً لَها عَلى كُلِّ أُمَّةٍ، واخْتِصاصًا لَها بِما عَلا اخْتِصاصَ نَبِيِّها ﷺ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: أخْبِرْهم أنِّي بَرِيءٌ مِنهم وأنَّهم بَراءٌ مِنِّي لِقَوْمٍ لَمْ يُظْهَرُوا عَلى سِرِّ القَدَرِ، وقالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ أنَّ لِأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ ما قُبِلَ مِنهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، فَأفْهَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلَماءَ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ أعْمالَها لا تُقْبَلُ إلّا عَلى مَعْرِفَةِ سِرِّ التَّقْدِيرِ لِتَكُونَ قُلُوبُها بَرِيئَةً مِن أعْمالِ ظَواهِرِها، كَما قِيلَ في أثارَةٍ مِنَ العِلْمِ: مَن لَمْ يَخْتِمْ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ لَمْ يَعْمَلْ، ومَن لَمْ يَخْتِمْ عِلْمَهُ بِالجَهْلِ لَمْ يَعْلَمْ فَخَتْمُ العامِلِ عَمَلَهُ بِالعِلْمِ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ، وأنَّ المُجْرى عَلى يَدَيْهِ أمْرٌ مُقَدَّرٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأقامَهُ فِيهِ لِما خَلَقَهُ لَهُ مِن حِكْمَتِهِ مِن وصْفِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِن تَمامِ كَلِمَتِهِ في رَحْمَتِهِ أوْ عُقُوبَتِهِ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ حِكْمَةَ الحَكِيمِ، ولا حُجَّةَ لِلْعَبْدِ عَلى رَبِّهِ ولا حُجَّةَ لِلصَّنْعَةِ عَلى صانِعِها ولِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ وكَذَلِكَ العالِمُ مَتى (p-٢٥٦)لَمْ يَنْطَوِ سِرُّهُ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ وإنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عِلْمٌ، فَذَلِكَ خَتْمُ العَمَلِ بِالعِلْمِ وخَتْمُ العِلْمِ بِالجَهْلِ، فَكَما أطْلَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى سِرِّ تَقْدِيرِهِ في خَلْقِهِ أظْهَرَهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عَلى عَلَنِ قَيُّومِيَّتِهِ الَّذِي هو شاهِدُهُ في وحْيِ رَبِّهِ، كَما هو بَصِيرٌ بِسِرِّ القَدَرِ في تَفَرُّقِ أفْعالِ خَلْقِهِ، فَكانَ مَنزِلُ سُورَةِ البَقَرَةِ قِوامَ الأفْعالِ ومَنزِلُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قِوامَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ فَكانَ عَلَنُ القَيُّومِيَّةِ قِوامَ التَّنْزِيلِ لِلْكِتابِ الجامِعِ الأوَّلِ، والتَّنْزِيلُ قِوامُ إنْزالِ الكُتُبِ، وإنْزالُ الكِتابِ الجامِعِ لِتَفْسِيرِ الكُتُبِ قِوامُ تَفْصِيلِ الآياتِ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ، والإحْكامُ والتَّشابُهُ إقامَةُ الهُدى والفِتْنَةِ، والهُدى والفِتْنَةُ إقامَةُ مُتَصَرَّفِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والأحْوالُ وما دُونَها مِنَ الأفْعالِ عَلى وجْهِ جَمْعٍ يَكُونُ قِوامًا لِما تَفَصَّلَ مِن مُجْمَلِهِ وتَكَثَّرَ مِن وحْدَتِهِ وتَفَرَّقَ مِنَ اجْتِماعِهِ، ولِعُلُوِّ مَضْمُونِ هَذِهِ السُّورَةِ لَمْ يَقَعْ فِيها تَوَجُّهُ الخِطابِ بِها لِصِنْفِ النّاسِ، واخْتَصَّ خِطابُها بِالَّذِينَ آمَنُوا في عُلُوٍّ مِن مَعانِي الإيمانِ لِما ذُكِرَ مِن شَرَفِ سِنِّ الإيمانِ عَلى سِنِّ النّاسِ في تَنامِي أسْنانِ (p-٢٥٧)القُلُوبِ، وكانَ خِطابُ سُورَةِ البَقَرَةِ بِمُقْتَضى رُتْبَةِ العَقْلِ الَّذِي بِهِ يَقَعُ أوَّلُ الإصْغاءِ والِاسْتِماعِ، كَما ظَهَرَ في آياتِ الِاعْتِبارِ فِيها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] فَكانَ خِطابُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إقْبالًا عَلى أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ، بِما ظَهَرَ في أوَّلِها وخاتِمَتِها في قَوْلِهِ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] وفي خاتِمَتِها في آياتِ اعْتِبارِها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] فَبِالعَقْلِ يَقَعُ الِاعْتِبارُ لِمَنزِلِ الكِتابِ وبِاللُّبِّ يَكُونُ التَّذَكُّرُ، إيلاءً إلى الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ، وبِالجُمْلَةِ فَمَثانِي هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَفاصِيلِ آياتِها وجُمَلِ جَوامِعِها مِمّا هو أعْلَقُ بِطِيبِ الإيمانِ واعْتِبارِ اللُّبِّ، كَما أنَّ مَنزِلَ سُورَةِ البَقَرَةِ أعْلَقُ بِما هو مِن أمْرِ الأعْمالِ وإقامَةِ مَعالِمِ الإسْلامِ بِما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَلَنِ أمْرِ اللَّهِ، وبِما افْتُتِحَتْ بِهِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي جَمِيعُ الأسْماءِ أسْماءٌ لَهُ لِإحاطَتِهِ واخْتِصاصِها بِوَجْهٍ ما، فَكانَ فِيها عَلَنُ التَّوْحِيدِ وكَمالُهُ وقِوامُ تَنْزِيلِ الأمْرِ وتَطَوُّرِ الخَلْقِ في جَمِيعِ مُتَنَزِّلِها ومَثانِيها، وظَهَرَ (p-٢٥٨)فِيها تَفْصِيلُ وُجُوهِ الحِكَمِ العَلِيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَ جُمْلَةَ ذِكْرِها الآيَةُ الجامِعَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَكانَ مِن جُمْلَةِ بِناءِ الحِكْمَةِ ما هو السَّبَبُ في ظُهُورِ الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حَتّى ألْهَتْهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فانْتَهَوْا فِيهِ إلى حَدِّ الكُفْرِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] انْتَهى.

3:11Page 51

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.

ولَمّا كانَ السَّبَبُ المُقْتَضِي اسْتِمْرارَ الكُفْرِ مِنَ النَّصارى المُجادِلِينَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخَوْفَ مِمَّنْ فَوْقَهم مِن مُلُوكِ النَّصْرانِيَّةِ نَبَّهَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أوَّلِ قِصَّةِ أسْلافِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ، وما كانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُقْسَرُ بِها مُلُوكُ زَمانِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَهْرَ أسْلافِهِمْ لَهُ لَمْ تَضُرَّهم ذِلَّتُهم ولا قِلَّتُهُمْ، ولا نَفَعَتْهُ عِزَّتُهُ ولا كَثْرَةُ آلِهِ، فَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى وطَوى ذِكْرَ مَن قَبْلَهم فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ﴾ أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم ذَلِكَ شَيْئًا مِثْلُ عادَةِ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ الَّذِينَ اشْتَهَرَ لَدَيْكُمُ اسْتِكْبارُهم وعَظَمَتُهم وفَخارُهُمْ، قالَ الحَرالِّيُّ: (p-٢٥٩)الدَّأْبُ العادَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي تَتَأبَّدُ بِالتِزامِها، وآلُ الرَّجُلِ مَن إذْ أُحْصِرَ تَراءى فِيهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يَغِبْ؛ وفِرْعَوْنُ اسْمُ مَلِكِ مِصْرَ في الكُفْرِ، ومِصْرُ أرْضٌ جامِعَةٌ كُلِّيَّتَها وجُمْلَةً، إقْلِيمُها نازِلٌ مَنزِلَةَ الأرْضِ كُلِّها، فَلَها إحاطَةٌ بِوَجْهٍ ما، فَلِذَلِكَ أُعْظِمَ شَأْنُها في القُرْآنِ وشَأْنُ العالِي فِيها مِنَ الفَراعِنَةِ، وكانَ الرَّسُولُ المَبْعُوثُ إلَيْهِ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِما وراءَ أوَّلِ الخَلْقِ مِن طَلِيعَةِ ظُهُورِ الحَقِّ لِسَماعِ كَلامِهِ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، فَكانَ أوَّلَ مَن طَوى في رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ ذاتِ الواسِطَةِ، فَلِذَلِكَ بُدِئَ بِهِ في هَذا الخِطابِ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ نُبُوَّتِهِ بِما هو كَلِيمُ اللَّهِ ومُصْطَفاهُ عَلى النّاسِ، ولَحِقَ بِهِ مَن تَقَدَّمَهم بِما وقَعَتْ في نُبُوَّتِهِ مِن واسِطَةِ زَوْجٍ أوْ مَلِكٍ، وخُصَّ آلُهُ لِأنَّهُ هو كانَ عارِفًا بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَكانَ جاحِدًا لا مُكَذِّبًا انْتَهى.

﴿والَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ إنَّما هم بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وقَدْ نَقَلْتُ إلَيْكم أخْبارَهم وقُوَّتَهم واسْتِظْهارَهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا كانَتْ عادَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَّبُوا﴾ ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ مُوجِبًا لِلْعُقُوبَةِ (p-٢٦٠)كانَ مَظْهَرُ العَظَمَةِ بِهِ ألْيَقَ، فَصَرَفَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ السُّوَرِيَّةِ والصُّوَرِيَّةِ مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِما لَها مِن إضافَتِها إلَيْنا ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ ولَمّا أفْحَشُوا في التَّكْذِيبِ عَدَلَ إلى أعْظَمَ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَهْوِيلًا لِأخْذِهِمْ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ فَأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ تَنْبِيهًا عَلى باهِرِ العَظَمَةِ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ مِنَ التَّكْذِيبِ وغَيْرِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ صَرِيحَ المُؤاخَذَةِ مُناطٌ بِالذُّنُوبِ، وأنَّ المُؤاخَذَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا تَصِلُ إلى حَدِّ الِانْتِقامِ عَلى التَّكْذِيبِ، فَكانَ ما ظَهَرَ مِن أمْرِ الدُّنْيا يَقَعُ عِقابًا عَلى ما ظَهَرَ مِنَ الأعْمالِ، وما بَطَنَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ يَسْتَوْفِي العِقابَ عَلى ما أصَرَّتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عِقابُ الدُّنْيا طُهْرَةً لِلْمُؤْمِنِ لِصَفاءِ باطِنِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ويَكُونُ واقِعُ يَوْمِ الدُّنْيا كَفافَ ما جَرى عَلى ظاهِرِهِ مِنَ المُخالَفَةِ فَكَأنَّ الذَّنْبَ مِنَ المُؤْمِنِ يَقَعُ في دُنْياهُ خاصَّةً، والذَّنْبَ مِنَ الكافِرِ يَقَعُ في دُنْياهُ وأُخْراهُ مِنَ اسْتِغْراقِهِ لِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ ولَمْ يُضْمِرْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى زِيادَةِ العَظَمَةِ في عَذابِهِمْ لِمَزِيدِ اجْتِرائِهِمْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ في جَبَرُوتِهِ ولا شَيْءٍ مِن نُعُوتِهِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском