Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:79–92
3:79Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ ما أرادَ مِن كِتْمانِهِمْ لِلْحَقِّ مَعَ الإشارَةِ إلى بَعْضِ تَوابِعِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ المُقْتَضِي لِلْكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلّا بِواسِطَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَهْما كانَ القَوْلُ كَذِبًا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اقْتَضى أنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا لِلْمَنسُوبِ إلَيْهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ هو الَّذِي شَرَعَهُ، وذَلِكَ مُوجِبٌ لِأنْ يُدَّعى أنَّ النَّبِيَّ دَعا إلى عِبادَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٤٦٧)المُقْتَضِيَةِ لِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ ما لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أنَّهم كاذِبُونَ فِيما يَدَّعُونَهُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَنَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم ذَلِكَ أوْ شَيْئًا مِنهُ عَلى وجْهٍ شامِلٍ لَهُ ولِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ وبِسِياقٍ هو بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ صَحَّ ولا تُصُوِّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِبَشَرٍ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مِن عِيسى وعُزَيْرٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِهِما ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿الكِتابَ والحُكْمَ﴾ أيِ الحِكْمَةَ المُهَيِّئَةَ لِلْحُكَمِ، وهي العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ والعَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ، لِأنَّ أصْلَها الإحْكامُ، وهو وضْعُ الشَّيْءِ في مَحَلِّهِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ فَسادُهُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ وهي الخَبَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُقْتَضِي لِأتَمِّ الرِّفْعَةِ، يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ الأمْرَ الجَلِيلَ ويَنْصِبُهُ لِلدُّعاءِ إلى اخْتِصاصِهِ اللَّهَ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ﴿ثُمَّ﴾ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ ﴿يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ تَجَوُّزًا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ والمُبادَرَةِ (p-٤٦٨)لِامْتِثالِ أمْرِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذْ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ مَن أُوتِيَ نُبُوَّةً وحِكْمَةً - وهو بَشَرٌ - في غايَةِ البُعْدِ عَنِ ادِّعاءِ مِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ - لا سِيَّما تَغَيُّرُ بَشْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى انْفِعالاتِهِ - مُسْتَقِلَّةٌ بِالإبْعادِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوى، فَلَمْ يَبْقَ لَهم مُسْتَنَدٌ، لا مِن جِهَةِ عَقْلٍ ولا مِن طَرِيقِ نَقْلٍ، فَصارَ قَوْلُ مِثْلِ ذَلِكَ مُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي هو مُتَلَبِّسٌ بِها، فَصَحَّ قَطْعًا انْتِفاؤُهُ عَنْهُ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَكُونُ لَهُ أتْبَعَهُ ما لَهُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ يَقُولُ ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ أيْ تابِعِينَ طَرِيقَ الرَّبِّ مَنسُوبِينَ إلَيْهِ بِكَمالِ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ، والألِفُ والنُّونُ زِيدَتا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِهِمْ في المُتابَعَةِ ورُسُوخِهِمْ في العِلْمِ اللَّدُنِيِّ، فَإنَّ الرَّبّانِيَّ هو الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وطاعَتِهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا ماتَ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ بِهِ مُعَلِّمِينَ لَهُ ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ فَإنَّ فائِدَةَ الدَّرْسِ العِلْمُ، وفائِدَةَ العِلْمِ العَمَلُ، ومِنهُ الحَثُّ عَلى الخَيْرِ والمُراقَبَةِ لِلْخالِقِ.
3:80Page 60
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِنَ البَشَرِ داعِيًا إلى نَفْسِهِ (p-٤٦٩)وأثْبَتَ أنَّهُ يَكُونُ ولا بُدَّ داعِيًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ أثْبَتَ أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، لِأنَّ بَعْضَ الشَّياطِينِ يُحْكِمُ مَكْرَهُ بِإبْعادِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِالدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ عَلى وجْهِ الشِّرْكِ لا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ رَبّانِيًّا كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ البَشَرُ ﴿أنْ تَتَّخِذُوا﴾ أتى بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إيذانًا بِأنَّ الفِطَرَ مَجْبُولَةٌ عَلى التَّوَجُّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ﴿المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ﴾ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ﴿أرْبابًا﴾ أيْ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مِن دُونِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ كانَ فِيها أدْنى شائِبَةٍ فَهي باطِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ تَبْرِئَةً لِعِبادَةِ الخُلَّصِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى غَنِيٌّ، لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأحْكامِهِ، أوْ مُتَهَيِّئُونَ لِلتَّوْحِيدِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى.
3:81–82Page 60
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١
And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."
فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢
And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما مَضى أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الرُّسُلِ كُفْرٌ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ فَخَصَّ في ذِكْرِهِمْ وعَمَّمَ، ذَكَرَ قانُونًا كُلِّيًّا لِمَعْرِفَةِ الرَّسُولِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكاذِبِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ كافَّةً، والمَعْنى: ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ (p-٤٧٠)الإنْعامِ عَلَيْكم بِالإسْلامِ والإنْعامِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلى النّاسِ - الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذا أتاهُمْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكَفِّرًا لِغَيْرِهِ وكافِرًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَما﴾ أيْ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: لَما ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ: آتَيْناكُمْ، أوْفَقُ لِسِياقِ الجَلالَةِ - قالَهُ الجَعْبَرِيُّ ﴿مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ أيْ أمَرْتُكم بِها بِشَرْعٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَأمَرْتُمْ بِذَلِكَ مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ أيْ مِن عِنْدِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُعْلِمُ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَقالَ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أيْ أنْتُمْ وأُمَمُكم ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أيْ عَلى مَن يُخالِفُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا المِيثاقَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: إنْ، زادَ في تَأْكِيدِهِ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ أيْ يا مَعْشَرَ النَّبِيِّينَ ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ﴾ أيِ العَهْدِ المُعَظَّمِ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ ﴿إصْرِي﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ، فَإنَّهُ يَشُدُّ في نَفْسِهِ بِالتَّوْثِيقِ والتَّوَثُّقِ، ويَشْتَدُّ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلى النُّفُوسِ لِما لَها مِنَ النُّزُوعِ إلى الإطْلاقِ عَنْ (p-٤٧١)عَهْدِ التَّقَيُّدِ بِنَوْعٍ مِنَ القُيُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ أيْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: ما قالَ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ يا أنْبِياءُ! بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، أوْ يا مَلائِكَةُ! عَلَيْهِمْ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ مَن ﴿تَوَلّى﴾ أيْ مِنكم أوْ مِن أُمَمِكُمُ الَّذِي بَلَغَهم ذَلِكَ عَنْ نُصْرَةِ نَبِيٍّ مَوْصُوفٍ بِما ذَكَرَ.
ولَمّا كانَ المُسْتَحِقُّ لِغايَةِ الذَّمِّ إنَّما هو مَنِ اتَّصَلَ تَوَلِّيهِ بِالمَوْتِ لَمْ يَقْرِنِ الظَّرْفَ بِجارٍّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ المِيثاقِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ بِما فِيهِ مِنَ الوَثاقَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالخُرُوجِ العَظِيمِ عَنْ دائِرَةِ الحَقِّ.
3:83Page 60
أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣
So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?
ولَمّا كانَ المُدْرِكُ لِكُلِّ نَبِيٍّ إنَّما هم أُمَّةُ النَّبِيِّ الَّذِي قَبْلَهُ، وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ ويُخالِفُونَهُ قالَ - خاتِمًا لِهَذِهِ القِصَصِ بَعْدَ الشَّهادَةِ بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ بِما بَدَأها بِهِ في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةِ إلى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] عَلى وجْهِ الإنْكارِ والتَّهْدِيدِ عاطِفًا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿أفَغَيْرَ﴾ أيْ أتَوَلَّوْا فَفَسَقُوا، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم غَيْرُ دِينِ اللَّهِ، وأُورِدَ بِأنَّ تَقْدِيمَ (p-٤٧٢)”غَيْرَ“ يُفْهِمُ أنَّ الإنْكارَ مُنْحَطٌّ عَلى طَلَبِهِمُ اخْتِصاصًا لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُرادَ كَما لا يَخْفى، وأُجِيبُ بِأنَّ تَقْدِيمَهُ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِهِ في الإنْكارِ، والِاخْتِصاصَ مُتَأخِّرٌ مُراعاتُهُ عَنْ نَكْبَةِ غَيْرِهِ - كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ ﴿دِينِ اللَّهِ﴾ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَبْغُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ بِفِسْقِهِمْ، أوْ أتَوَلَّيْتُمْ - عَلى قِراءَةِ الخِطابِ ﴿ولَهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَهُ خاصَّةً ﴿أسْلَمَ﴾ أيْ خَضَعَ بِالِانْقِيادِ لِأحْكامِهِ والجَرْيِ تَحْتَ مُرادِهِ وقَضائِهِ، لا يَقْدِرُونَ عَلى مُغالَبَةِ قَدَرِهِ بِوَجْهٍ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهم مَن لَهم قُوَّةُ الدِّفاعِ بِالبَدَنِ والعَقْلِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ﴿طَوْعًا﴾ بِالإيمانِ أوْ بِما وافَقَ أغْراضَهم ﴿وكَرْهًا﴾ بِالتَّسْلِيمِ لِقَهْرِهِ في إسْلامِ أحَدِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ أعْوانُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ إلى أكْرَهِ ما يَكْرَهُ وهو صاغِرٌ داخِرٌ، لا يَسْتَطِيعُ أمْرًا ولا يَجِدُ نَصْرًا ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ بِالحَشْرِ، لا تُعالِجُونَ مَقَرًّا ولا تَلْقَوْنَ (p-٤٧٣)مَلْجَأً ولا مَفَرًّا، فَإذا كانُوا كَذَلِكَ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّفَصِّي مِن قَبْضَتِهِ بِنَوْعِ قُوَّةٍ ولا حِيلَةٍ في سُكُونٍ ولا حَرَكَةٍ فَكَيْفَ يُخالِفُونَ ما أتاهم مِن أمْرِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهم رُسُلُهُ بِما أتى بِهِ كُلٌّ مِنهم مِنَ المُعْجِزَةِ! ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُعانِدَ لِلرَّسُولِ ﷺ مُعانِدٌ لِلْمُرْسِلِ.
3:84Page 61
قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤
Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."
ولَمّا تَمَّ تَنْزِيهُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الدُّعاءِ إلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ هَدَّدَ مَن تَوَلّى، فَكانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: أنا مُقْبِلٌ غَيْرُ مُتَوَلٍّ فَما أقُولُ وما أفْعَلُ؟ قالَ مُخاطِبًا لِرَأْسِ السّامِعِينَ لِيَكُونَ أجْدَرَ لِامْتِثالِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ لافِتًا لِمَن نَفَعَهُ هَذا التَّذْكِيرُ والتَّهْدِيدُ فَأقْبَلَ ﴿آمَنّا﴾ أنا ومَن أطاعَنِي مِن أُمَّتِي - مُبَكِّتًا لِأهْلِ الكِتابِ بِما تَرَكُوهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ أبْنائِهِ، وأبَوْهُ وجادَلُوا فِيهِ عُدْوانًا وادَّعَوْهُ؛ ثُمَّ فَصَّلَ المَأْمُورَ بِالإيمانِ بِهِ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ.
ولَمّا كانَ الإنْزالُ عَلى الشَّيْءِ مَقْصُودًا بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقالَ: ﴿وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةً ولِأتْباعِهِ مَجازًا، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّها سُورَةُ التَّوْحِيدِ (p-٤٧٤)﴿وما أُنْـزِلَ عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أبِينا ﴿وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيِ ابْنَيْهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ابْنِ إسْحاقَ ﴿والأسْباطِ﴾ أيْ أوْلادِ يَعْقُوبَ.
ولَمّا كانَ ما نالَهُ صاحِبا شَرِيعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكِتابَيْنِ المُنَزَّلَيْنِ عَلَيْهِما والمُعْجِزاتِ المَمْنُوحَيْنِ بِها أعْظَمَ مِمّا كانَ لِمَن قَبْلَهُما غَيَّرَ السِّياقَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِن أوْلادِ الأسْباطِ مِنَ التَّوْراةِ والشَّرِيعَةِ ﴿وعِيسى﴾ مِن ذُرِّيَّةِ داوُدَ مِنَ الإنْجِيلِ والشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ النَّظَرُ هُنا إلى الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرَ لِكَوْنِها سُورَةَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أخْلَقُ بِهِ وأغْرَقُ فِيهِ ناسَبَ الإعْراءُ عَنِ التَّأْكِيدِ بِما في البَقَرَةِ، ونَظَرَ إلى الكُلِّ لَمْحًا واحِدًا فَقالَ: ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ أيْ كافَّةً مِنَ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ لِيَكُونَ الإيمانُ بِالمُنْزَلِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ لِشَرَفِهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وإلى العِبادِ عامَّةً بِإرْسالِهِمْ إلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾ أيْ لِلَّهِ وما أنْزَلَ مِن عِنْدِهِ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ عَلى طَرِيقِ الإخْلاصِ والرِّضى.
3:85Page 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
(p-٤٧٥)ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإظْهارِ الإيمانِ بِهَذا القَوْلِ، وكانَ ذَلِكَ هو الإذْعانَ الَّذِي هو الإسْلامُ قالَ - مُحَذِّرًا مِنَ الرِّدَّةِ عَنْهُ عاطِفًا عَلى ﴿آمَنّا﴾ [آل عمران: ٨٤] ومُظْهِرًا لِما مِن حَقِّهِ الإضْمارُ لَوْلا إرادَةُ التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى مُخالَفَةِ الفِطْرَةِ الأُولى -: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ أيْ يَتَطَلَّبْ ﴿غَيْرَ﴾ دِينِ ﴿الإسْلامِ﴾ الَّذِي هو ما ذَكَرَ مِنَ الانْقِيادِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُشْتَمِلِ عَلى الشَّرائِعِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي أساسُها الإيمانُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ حَقِيقَةً بِإظْهارِ اتِّباعِ الرُّسُلِ أوْ مَجازًا بِالكَوْنِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى بِما أشْعَرَ بِهِ الِابْتِغاءُ - كَما تَقَدَّمَ، وكَرَّرَ الإسْلامَ في هَذا السِّياقِ كَثِيرًا لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ المُصَدِّقِ حَثًّا عَلى تَمامِ الِانْقِيادِ لَهُ ﴿دِينًا﴾ وأتى بِالفاءِ الرّابِطَةِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها ومَرْبُوطٌ بِهِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ أيْ في الدُّنْيا، وأشْعَرَ تَرْتِيبُ هَذا عَلى السَّبَبِ بِأنَّهُ يُرْجى زَوالُ السَّبَبِ لِأنَّهُ مِمّا عَرَضَ لِلْعَبْدِ كَما جَرى في الرِّدَّةِ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنَّهُ رَجَعَ إلى الإسْلامِ أكْثَرُ المُرْتَدِّينَ وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا يُقْبَلُ مِنهم في الآخِرَةِ، مَعَ زِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِالخَسارَةِ - وهي حِرْمانُ الثَّوابِ - المُنافِيَةِ لِمَقاصِدِهِمْ، والقَصْدُ الأعْظَمُ بِهَذا أهْلُ الكِتابِ مَعَ العُمُومِ لِغَيْرِهِمْ لِإقْرارِهِمْ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (p-٤٧٦)وتَوَقُّعِهِمْ لَهُ، عالِمِينَ قَطْعًا بِصِدْقِهِ لِما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ.
3:86Page 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِخَسارَةِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ شَرَعَ يَسْتَدِلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مَعَ ما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ ناسٍ بِهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَهُ ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ رَبِّهِمْ وبِما ذَكَرَ مِمّا أتَتْ بِهِ رُسُلُهُ إعْراضًا عَنْهُ وعَنْهُمْ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِكَمالِ الذَّمِّ مَنِ اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ إلى المَوْتِ قالَ مِن غَيْرِ جارٍّ: ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا ﴿أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ القاطِعَةُ بِأنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ قَطْعًا، لا شَيْءَ أقْوى مِن بَيانِهِ ولا أشَدَّ مِن ظُهُورِهِ بِما أشْعَرَ بِهِ إسْقاطُ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن جاءَ.
ولَمّا كانَ الحائِدُ عَنِ الدَّلِيلِ بَعْدَ البَيانِ لا يُرْجى في الغالِبِ عَوْدُهُ كانَ الِاسْتِبْعادُ بِكَيْفَ مُوَضِّحًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ لِأجْلِ التَّصْرِيحِ بِالمُرادِ: أُولَئِكَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لِظُلْمِهِمْ بِوَضْعِهِمْ ثَمَرَةَ الجَهْلِ بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُؤَكَّدِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ مَوْضِعَ ثَمَرَةِ العِلْمِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ المَعْلُومِ تَقْدِيرُهُ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يَهْدِي (p-٤٧٧)القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ لِكَوْنِهِ جَبَلَهم عَلى ذَلِكَ، تَحْذِيرًا مِن مُطْلَقِ الظُّلْمِ،
3:87Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
ولَمّا عُلِمَتْ بَشاعَةُ خِيانَتِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وهي غَضَبُهُ وطَرْدُهُ ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ حَتّى أنَّهم هم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَإنَّ الكافِرَ يُطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ عَلى هُدىً ويَصِيرُ يَلْعَنُ الكافِرَ ظانًّا أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ، وهَذا اللَّعْنُ واقِعٌ عَلَيْهِمْ حالَ تَلَبُّسِهِمْ بِالفِعْلِ لِوَضْعِهِمُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَصارَ كُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ يُبْعِدُهم لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لِتَبْدِيلِهِمُ الحَسَنَ بِالسَّيِّئِ، وحَذَرًا مِن فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَهُ
3:88Page 61
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيِ اللَّعْنَةِ دائِمًا.
ولَمّا كانَ المُقِيمُ في الشِّدَّةِ قَدْ تَنْقُصُ شِدَّتُهُ عَلى طُولٍ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ مُفِيدًا أنَّ عَلَيْهِمْ مَعَ مُطْلَقِ الشِّدَّةِ بِالطَّرْدِ شَدائِدَ أُخْرى بِالعُقُوبَةِ. ولَمّا كانَ المُعَذَّبُ عَلى شَيْءٍ رُبَّما اسْتَمْهَلَ وقْتًا ما لِيَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ لِيَعْتَذِرَ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُؤَخَّرُونَ لِلْعِلْمِ بِحالِهِمْ باطِنًا وظاهِرًا حالًا ومَآلًا، ولِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، لَمْ يُتْرَكْ شَيْءٌ مِنها (p-٤٧٨)لِأنَّ المُقِيمَ لَها مُنَزَّهٌ عَنِ العَجْزِ والنِّسْيانِ.
3:89Page 61
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا انْخَلَعَتِ القُلُوبُ بِهَذِهِ الكُرُوبِ نَفَّسَ عَنْها سُبْحانَهُ وتَعالى مُشِيرًا إلى أنَّ فِيهِمْ - وإنِ اسْتُبْعِدَ رُجُوعُهم - مَوْضِعًا لِلرَّجاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ رَجَعُوا إلى رَبِّهِمْ مُتَذَكِّرِينَ لِإحْسانِهِ، ولَمّا كانَ التّائِبُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ ما بَعْدَ الإيمانِ بِالكُفْرِ، وكانَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً ولَوْ قَلَّ زَمَنُها أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الِارْتِدادِ حَيْثُ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مِنَ الثَّمَراتِ الحَسَنَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهم لِأنَّ اللَّهَ ﴿غَفُورٌ﴾ يَمْحُو الزَّلّاتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِإعْطاءِ المَثُوباتِ، هَذِهِ صِفَةٌ لَهم ولِكُلِّ مَن تابَ مِن ذَنْبِهِ.
3:90Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.
ولَمّا رَغَّبَ في التَّوْبَةِ رَهَّبَ مِنَ التَّوانِي عَنْها فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ وأوامِرِهِ، وأسْقَطَ الجارَّ لِما مَضى مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ لِفَظاعَتِهِ وقُبْحِهِ وشَناعَتِهِ جَدِيرًا بِالنَّفْرَةِ عَنْهُ والبُعْدِ مِنهُ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِاسْتِبْعادِ إيقاعِهِ، فَكَيْفَ بِالتَّمادِي عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِالِازْدِيادِ مِنهُ! وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أيْ بِأنْ تَمادَوْا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُبادِرُوا (p-٤٧٩)بِالتَّوْبَةِ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أيْ إنْ تابُوا، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَتُوبُونَ تَوْبَةً نَصُوحًا يَدُومُونَ عَلَيْها ويُصْلِحُونَ ما فَسَدَ، أوْ لَنْ تُوجَدَ مِنهم تَوْبَةٌ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها القَبُولُ لِأنَّهم زادُوا عَنْ أهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ بِالتَّمادِي، ولَمْ يَأْتِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، مُهَيَّؤُونَ لِلْكُفْرِ مِن أصْلِ الجِبِلَّةِ، فَلا يَتُوبُونَ أبَدًا تَوْبَةً صَحِيحَةً، فالعِلَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الطَّبْعُ لا الذَّنْبُ، وهَذا شامِلٌ لِمَن تابَ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ مِنهُ كَأبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ، ولِمَن لَمْ يَتُبْ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الضّالُّونَ﴾ أيِ الغَرِيقُونَ في الضَّلالِ وإلَيْهِ أشارَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٣] لِوُقُوعِهِمْ في أبْعَدِ شِعابِهِ وأضْيَقِ نِقابِهِ، فَأنّى لَهم بِالرُّجُوعِ مِنهُ والتَّفَصِّي عَنْهُ!
3:91Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ الخُصُوصِيَّةَ بِذَلِكَ لائِنًا لَهم فِيهِ إلى حَدٍّ أُيِسَ مَعَهُ مِن رُجُوعِهِمْ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى حالِهِمْ في الآخِرَةِ فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم (p-٤٨٠)أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ تَفْوِيتُ مَحَلِّها بِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ هَذا الكُفْرَ أوْ غَيْرَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ: التّائِبُونَ تَوْبَةً صَحِيحَةً وهُمُ الَّذِينَ أصْلَحُوا، والتّائِبُونَ تَوْبَةً فاسِدَةً، والواصِلُونَ كُفْرَهم بِالمَوْتِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ ولَمّا كانَ المَوْتُ كَذَلِكَ سَبَبًا لِلْخُلُودِ في النّارِ لِأنَّ السِّياقَ لِلْكُفْرِ والمَوْتِ عَلَيْهِ، صَرَّحَ بِنَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ كائِنًا مَن كانَ، ورَبَطَهُ بِالفاءِ فَقالَ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ أيْ بِسَبَبِ شَناعَةِ فِعْلِهِمُ الَّذِي هو الِاجْتِراءُ عَلى الكُفْرِ ثُمَّ المَوْتُ عَلَيْهِ ﴿مِن أحَدِهِمْ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ أيْ مِنَ الذَّهَبِ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ قَبُولُ ذَلِكَ لَوْ بَذَلَهُ هِبَةً أوَ هَدِيَّةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ لَوْ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ تَجِيءُ مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ ﷺ «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ» فَكَوْنُهُ (p-٤٨١)جاءَ عَلى فَرَسٍ يُؤْذِنُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأمّا هُنا فَلَمّا كانَ قَبُولُ الفِدْيَةِ واجِبًا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ - كَما مَرَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] كانَ بِحَيْثُ رُبَّما ظُنَّ أنَّ بَذْلَهُ - عَلى طَرِيقِ الِافْتِداءِ يُخالِفُ بَذْلَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ حَتّى يَجِبَ قَبُولُهُ، فَنَصَّ عَلَيْهِ؛ وأيْضًا فَحالَةُ الِافْتِداءِ حالَةٌ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي - قالَهُ أبُو حَيّانَ. فالمَعْنى: لا يُقْبَلُ مِن أحَدِهِمْ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ الذَّهَبِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ عَلى حالِ الِافْتِداءِ، والمُرادُ بِالمِثالِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ؛ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى مَلْءِ الأرْضِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يَدْخُلُ تَحْتَ أوْهامِ النّاسِ ويَجْرِي في مُحاوَراتِهِمْ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ولِعَظَمَتِهِ أغْرَقَ في النَّفْيِ بَعْدَهُ بِزِيادَةِ الجارِّ فَقالَ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ يَنْصُرُونَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فانْتَفى عَنْهم كُلُّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْقاذِ.
3:92Page 62
لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢
Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.
(p-١)ولَما كانَ آخِرُ هَذِهِ القِصَصِ في الحَقِيقَةِ إبْطالَ كُلِّ ما خالَفَ الإسْلامَ؛ الَّذِي هو مَعْنى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] - وما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما جَرُّهُ - خَتَمَ الآيَةَ بِدَعْوى أنَّ المُخالِفِينَ مِنَ الخاسِرِينَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ لا يُقْبَلُ إنْفاقُهُ لِلْإنْقاذِ مِمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الشَّدائِدِ؛ لا بِدَفْعٍ لِقاهِرٍ؛ ولا بِتَقْوِيَةٍ لِناصِرٍ؛ فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُفِيدُ فِيهِ الإنْفاقُ؛ وأيِّ وُجُوهِهِ أنْفَعُ؛ فَأُرْشِدُ إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّ الأحَبَّ مِنهُ أجْدَرُ بِالقَبُولِ؛ رُجُوعًا إلى ما قَرَّرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ قَبْلَ آيَةِ الشَّهادَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ مِن صِفَةِ عِبادِهِ المُنْفِقِينَ؛ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾؛ وهو كَمالُ الخَيْرِ؛ ﴿حَتّى تُنْفِقُوا﴾؛ أيْ: في وُجُوهِ الخَيْرِ؛ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ ما تَقْتَضُّونَ؛ كَما تَرَكَ إسْرائِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى. (p-٢)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أنْفَقْتُمْ مِنهُ؛ عَلِمَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ فَأنالَكم بِهِ البِرَّ؛ وإنْ تَيَمَّمْتُمُ الخَبِيثَ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ؛ فَأنْفَقْتُمُوهُ؛ لَمْ تَبَرُّوا؛ وكانَ كُلٌّ مِنَ المَحَبَّةِ والكَراهَةِ؛ أمْرًا خَفِيًّا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ المَحْبُوبِ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا بِهِ؛ إظْهارًا لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ: ”هَلْ تَعْلَمُ كَذا“: ”لا أعْلَمُ إلّا هُوَ“ - فَقالَ: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَهَذا كَما تَرى احْتِباكٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences