Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:93–104

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:93–104

3:93Page 62

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel [i.e., Jacob] had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muḥammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ دَيْدَنَ أهِلِ الكَمالِ؛ عَلى وجْهٍ يُقَرِّرُ بِهِ ما مَضى مِنَ الإخْبارِ بِعَظِيمِ اجْتِراءِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الكَذِبِ بِأمْرٍ حِسِّيٍّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾؛ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مُطْلَقًا؛ وغَيْرِها؛ ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أكْلُهُ؛ كَما كانَ حِلًّا لِمَن قَبْلَهُمْ؛ عَلى أصْلِ الإباحَةِ؛ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾؛ تَبَرُّرًا؛ وتَطَوُّعًا؛ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾؛ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ اسْتِجْلابًا لِبَنِيهِ إلى ما يَرْفَعُهم بَعْدَ اجْتِذابِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى ما يَضُرُّهُمْ؛ ولا يَنْفَعُهُمْ؛ ولَمّا كانُوا؛ بِما أغْرَقُوا فِيهِ مِنَ الكَذِبِ؛ رُبَّما قالُوا: إنَّما حَرَّمَ ذَلِكَ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَّوْراةِ؛ قالَ: (p-٣)﴿مِن قَبْلِ﴾؛ وأثْبَتَ الجارَّ لِأنَّ تَحْرِيمَهُ كانَ في بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمانِ؛ لا مُسْتَغْرِقًا لَهُ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى التَّجَدُّدِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ﴾؛ وكانَ قَدْ تَرَكَ لُحُومَ الإبِلِ؛ وألْبانَها؛ وكانَتْ أحَبَّ الأطْعِمَةِ إلَيْهِ؛ لِلَّهِ؛ وإيثارًا لِعِبادِهِ - كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلْزامًا لِلْيَهُودِ بِاعْتِقادِ النَّسْخِ الَّذِي طَعَنُوا بِهِ في هَذا الدِّينِ؛ في أمْرِ القِبْلَةِ؛ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ؛ لِيَصِيرَ عُذْرًا لَهم في التَّخَلُّفِ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ؛ فَكانُوا يَقُولُونَ: ”لَمْ تَزَلِ الشُّحُومُ؛ وما ذُكِرَ مَعَها حَرامًا عَلى مَن قَبْلَنا؛ كَما كانَتْ حَرامًا عَلَيْنا“؛ فَأمَرَ بِجَوابِهِمْ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِلْيَهُودِ؛ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾؛ أيْ: لِتَدُلَّ لَكُمْ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ فِيما ادَّعَيْتُمُوهُ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِها؛ فَبانَ كَذِبُهُمْ؛ فافْتُضِحُوا فَضِيحَةً لا مِثْلَ لَها في الدُّنْيا؛

3:94Page 62

فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩٤

And whoever invents about Allāh untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿فَمَنِ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مَن ﴿افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: في أمْرِ المَطاعِمِ؛ أوْ غَيْرِها.

ولَمّا كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ إيقاعِ الكَذِبِ في أيِّ زَمَنٍ كانَ؛ لا عَنْ إيقاعِهِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: البَيانِ العَظِيمِ الظّاهِرِ جِدًّا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ الأباغِضُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ خاصَّةً؛ (p-٤)لِتَعَمُّدِهِمُ الكَذِبَ عَلى مَن هو مُحِيطٌ بِهِمْ؛ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ﴿الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: المُتَناهُو الظُّلْمِ بِالمَشْيِ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ فِعْلَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا في مَوْضِعِهِ؛ وذَلِكَ بِتَعَرُّضِهِمْ إلى أنْ يَهْتِكَهُمُ التّامُّ العِلْمِ؛ ويُعَذِّبُهُمُ الشّامِلُ القُدْرَةِ.

3:95Page 62

قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٥

Say, "Allāh has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."1

ولَمّا اتَّضَحَ كَذِبُهُمْ؛ وافْتُضِحَ تَدْلِيسُهم - لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِكِتابِهِمْ؛ فَلَمْ يَأْتُوا بِهِ؛ صارَ ظاهِرًا كالشَّمْسِ؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا لَبْسَ؛ ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا تَمادِيًا في الكَذِبِ - أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ أنْكَرُوا النَّسْخَ؛ فَأقَمْتُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ مِن كِتابِهِمْ؛ ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ؛ وتُخْبِرُ بِهِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وغَيْرِهِ مِن بَنِيهِ؛ أسْلافِكُمْ؛ وتَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكُمْ؛ هو ولا أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لِأتَيْتُمْ بِالتَّوْراةِ؛ نافِيًا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَأخُّرُهم عَنِ الإتْيانِ بِها لِعِلَّةٍ يَعْتَلُّونَ بِها غَيْرِ ذَلِكَ؛ وإذْ قَدْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ (تَعالى) في جَمِيعِ ما قالَ؛ وجَبَ اتِّباعُهُ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ وأعْظَمُهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ فَإنَّها الجامِعَةُ لِلْمَحاسِنِ.

ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ بِهَذا الدَّلِيلِ المُحْكَمِ؛ لَزِمَ قَطْعًا أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا؛ (p-٥)ولا نَصْرانِيًّا؛ ولا مُشْرِكًا؛ وقَدْ أقَرُّوا بِأنْ مِلَّتَهُ هي الحَقُّ؛ وأنَّهم أتْباعُهُ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبُ اتِّباعِهِ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهِ؛ فَبانَ كالشَّمْسِ صِدْقُهُ؛ لا فِيما افْتَرَوْهُ هم مِنَ الكَذِبِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -:﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ وهي الإسْلامُ؛ أيْ: الِانْقِيادُ لِلدَّلِيلِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: تابِعًا لِلْحُجَّةِ إذا تَحَرَّرَتْ؛ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَأْلُوفٍ؛ ولَمّا كانَ ﷺ مَفْطُورًا عَلى الإسْلامِ؛ فَلَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِ شَيْءٌ مِنَ العِوَجِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دِينٌ غَيْرُ الإسْلامِ؛ نَفى الكَوْنَ؛ فَقالَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: بِعُزَيْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ؛ كالأحْبارِ الَّذِينَ تُقَلِّدُونَهُمْ؛ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى ضِدِّ ما دَعا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

3:96Page 62

إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Bakkah [i.e., Makkah] - blessed and a guidance for the worlds.

ولَمّا ألْزَمَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عَلى النَّسْخِ أنَّهم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّباعَها؛ بَعْدَ بَيانِ أنَّها هي ما عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وأتْباعُهُ؛ أخْبَرَ عَنِ البَيْتِ الَّذِي يُخَوِّلُ إلَيْهِ التَّوَجُّهَ في الصَّلاةِ؛ فَعابُوهُ عَلى أهْلِ الإسْلامِ أنَّهُ أعْظَمَ شَعائِرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ الَّتِي كَفَرُوا بِتَرْكِها؛ ولِذَلِكَ أبْلَغَ في تَأْكِيدِهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ﴾؛ (p-٦)أيْ: مِنَ البُيُوتِ الجامِعَةِ لِلْعِبادَةِ؛ ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: عَلى العُمُومِ؛ مُتَعَبَّدًا؛ واجِبًا عَلَيْهِمْ قَصْدُهُ وحَجُّهُ بِما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ واسْتِقْبالُهُ في الصَّلاةِ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ بِناءَ "وُضِعَ؛ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ وضْعَهُ كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ أيْ: البَلْدَةِ الَّتِي تَدُقُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ؛ ويَزْدَحِمُ النّاسُ فِيها ازْدِحامًا لا يَكُونُ في غَيْرِها مِثْلُهُ؛ ولا قَرِيبٌ مِنهُ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَدُقَّ هَذا النَّبِيُّ الَّذِي أظْهَرْتُهُ مِنها الأعْناقَ مِن كُلِّ مَن ناوَأهُ؛ ويَزْدَحِمَ النّاسُ عَلى الدُّخُولِ في دِينِهِ ازْدِحامًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ فَإنْ فاتَكم ذَلِكَ خِبْتُمْ في الدّارَيْنِ غايَةَ الخَيْبَةِ؛ ودامَ ذُلُّكُمْ؛ وصَغارُكُمْ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُبارَكًا﴾؛ أيْ: عَظِيمَ الثَّباتِ؛ كَثِيرَ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومَن قَبْلَهُمْ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ فَعابَ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلَهم مِنَ النَّسْخِ ما أنْكَرُوهُ عَلى مَوْلاهُمْ؛ وذَلِكَ نَسْخُهم لِما شَرَعَهُ مِن حُجَّةٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ؛ تَحْرِيفًا مِنهُمْ؛ مِثالًا لِما قَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنْ كَذِبِهِمْ؛ وهَذا أمْرٌ شَهِيرٌ يُسَجَّلُ عَلَيْهِمْ بِالمُخالَفَةِ؛ ويُثْبِتُ لِلْمُؤْمِنِينَ (p-٧)المُؤالَفَةَ؛ فَإنَّ حَجَّ البَيْتِ الحَرامِ؛ وتَعْظِيمَهُ؛ مِن أعْظَمِ ما شَرَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيَرِ وغَيْرِها؛ وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ؛ وقَدْ حَجَّهُ أنْبِياؤُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأسْلافُهُمْ؛ إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ويَعْقُوبُ؛ والأسْباطُ؛ وغَيْرُهم مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأتْباعِهِمْ؛ كَما رُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى إنَّ في بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في حَجِّهِ إلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومِنَ المُحالِ عادَةً أنْ يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ ومِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّهم قَدْ تَرَكُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ العَظِيمَةَ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم دَعْوى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مَعَ انْسِلاخِهِمْ مِن مُعْظَمِ شَرائِعِهِ!

3:97Page 62

فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it [i.e., the Ḥaram] shall be safe. And [due] to Allāh from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves [i.e., refuses] - then indeed, Allāh is free from need of the worlds.1

ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾؛ وقَوْلِهِ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أثَرُ قَدَمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الحَجَرِ؛ حَيْثُ قامَ لِتَغْسِلَ كَنَّتُهُ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ؛ أعْرَبَهُ أبُو حَيّانَ بَدَلًا؛ أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ المَوْصُولِ الَّذِي هو خَبَرُ ”إنَّ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَمَقامُ إبْراهِيمَ“؛ وأعْرَبَهُ غَيْرُهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِ: ”آياتٌ“؛ وهو وحْدَهُ آياتٌ؛ لِعِظَمِهِ؛ ولِتَعَدُّدِ ما فِيهِ مِن تَأْثِيرِ القَدَمِ؛ وحِفْظِهِ (p-٨)إلى هَذا الزَّمانِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مَنقُولًا؛ وتَذْكِيرِهِ بِجَمِيعِ قَضايا إبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ أمْنُ أهْلِهِ في بِلادِ النَّهْبِ والغاراتِ الَّتِي لَيْسَ بِها حاكِمٌ يُفْزَعُ إلَيْهِ؛ ولا رَئِيسٌ يُعَوَّلُ في ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ مِن أدَلِّ الآياتِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ أهْلِهِ؛ ﴿كانَ آمِنًا﴾؛ أيْ: عَرِيقًا في الأمْنِ؛ أوْ: ”فَأمِّنُوهُ بِأمانِ اللَّهِ“؛ وتَحْوِيلُ العِبارَةِ عَنْ ”وأمِنَ داخِلُهُ“؛ لِأنَّ هَذا أدَلُّ عَلى المُرادِ مِن تَمَكُّنِ الأمْنِ؛ وفِيهِ بِشارَةٌ بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

ولَمّا أوْضَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَراءَتَهم مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ بَعْدَ دَعْواهم - بُهْتانًا - أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ؛ وكانَتِ المُخالَفَةُ في الواجِبِ أدَلَّ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿عَلى النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ فَأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ دَلالَةً عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَنِ الأُسْتاذِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ في ﴿اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ [الكهف: ٧٧]؛ في ”الكَهْفِ“؛ (p-٩)وذَلِكَ لِئَلّا يُدَّعى خُصُوصَةٌ بِالعَرَبِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾؛ أيْ: زِيارَتُهُ زِيارَةً عَظِيمَةً؛ وأظْهَرَ أيْضًا تَنْصِيصًا عَلَيْهِ؛ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ؛ تَفْخِيمًا لِقَدْرِهِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالبَيْتِ؛ لِأنَّهُ في الزِّيارَةِ؛ وعادَةُ العَرَبِ زِيارَةُ مَعاهِدِ الأحْبابِ؛ وأطْلالِهِمْ؛ وأماكِنِهِمْ؛ وحِلالَهُمْ؛ وأعْظَمُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزِّيارَةِ عِنْدَهُمُ الحَجُّ؛ ثُمَّ ”مَن“؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدَلًا مِن ”النّاسِ“؛ تَأْكِيدًا بِالإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ؛ وحَمْلًا عَلى الشُّكْرِ بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ التَّشْدِيدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿إلَيْهِ سَبِيلا﴾؛ فَمَن حَجَّهُ كانَ مُؤْمِنًا.

ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”ومَن لَمْ يَحُجَّهُ؛ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ؛ كَفَرَ بِالنِّعْمَةِ؛ إنْ كانَ مُعْتَرِفًا بِالوُجُوبِ؛ وبِالمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ إنْ جَحَدَ“؛ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بِالنِّعْمَةِ؛ أوْ بِالدِّينِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ ﴿غَنِيٌّ﴾؛ ولَمّا كانَ غِناهُ مُطْلَقًا؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مَوْضِعَ ”عَنْهُ“ -: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: طائِعِهِمْ؛ وعاصِيهِمْ؛ صامِتِهِمْ وناطِقِهِمْ؛ رَطْبِهِمْ؛ ويابِسِهِمْ؛ فَوَضَحَ بِهَذِهِ الآيَةِ وما شاكَلَها أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِهِ؛ كَما وضَحَ بِما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِمْ؛ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ بَراءَتُهُ مِنهُمْ؛ (p-١٠)والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ لِأنَّ إثْباتَ فَرْضِهِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى كُفْرِ مَن أباهُ؛ وإثْباتَ ”ومَن كَفَرَ“؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى إيمانِ مَن حَجَّهُ.

3:98Page 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - البَراهِينَ؛ وأحْكَمَ الدَّلائِلَ عَقْلًا وسَمْعًا؛ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ شُبْهَةٌ؛ ولَمْ يُبادِرُوا الإذْعانَ؛ بَلْ زادُوا في الطُّغْيانِ؛ وكادُوا أنْ يُوقِعُوا الضِّرابَ والطِّعانَ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ أعْرَضَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ خِطابِهِمْ؛ إيذانًا بِشَدِيدِ الغَضَبِ؛ ورابِعِ الِانْتِقامِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ؛ الَّذِي يَكُونُ قَتْلُهم عَلى يَدِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ وأثْبَتَ أداةً دالَّةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوقِعُونَ الكُفْرَ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: وهي - لِكَوْنِهِ الحائِزَ بِجَمِيعِ الكَمالِ - البَيِّناتُ؛ نَقْلًا وعَقْلًا؛ الدّالَّةُ عَلى أنَّكم عَلى الباطِلِ؛ لِما وضَحَ مِن أنَّكم عَلى غَيْرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ذَكَرَ شَهادَتَهُ (تَعالى)؛ فَقالَ مُهَدِّدًا: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ اللَّهَ - الَّذِي هو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ فَلا إلَهَ غَيْرُهُ؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ -؛ ﴿شَهِيدٌ عَلى﴾؛ كُلِّ؛ ﴿ما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ (p-١١)- سُبْحانَهُ - السِّرَّ وأخْفى؛ وإنْ حَرَّفْتُمْ وأسْرَرْتُمْ“؛

3:99Page 62

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ إيذانًا بِالِاسْتِقْلالِ؛ تَقْرِيعًا آخَرَ لِزِيادَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ التَّكْفِيرَ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: المُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ؛ واتِّباعِ الوَحْيِ؛ كُرِّرَ هَذا الوَصْفُ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّهُ أبْعَدُ في التَّقْرِيعِ - أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ كُفْرِكُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ القَهْرُ؛ والعِزُّ؛ والعَظَمَةُ؛ والِاخْتِصاصُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وسَبِيلُهُ: دِينُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ وقَدَّمَهُ اهْتِمامًا بِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ: ﴿مَن آمَنَ﴾؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿تَبْغُونَها﴾؛ أيْ: السَّبِيلَ؛ ﴿عِوَجًا﴾؛ أيْ: بِلَيِّكم ألْسِنَتَكُمْ؛ وافْتِرائِكم عَلى اللَّهِ؛ ولَمْ يَفْعَلْ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ أعْرَضَ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ ما فَعَلَ مِن قَبْلُ؛ إذْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ - تَعالى جَدُّهُ؛ وتَعاظَمَ مَجْدُهُ - إذْ قالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]؛ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ وقالَ أبُو البَقاءِ - في إعْرابِهِ -: ”إنَّ“تَبْغُونَ”؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في“تَصُدُّونَ”؛ أوْ مِنَ السَّبِيلِ؛ (p-١٢)لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ راجِعَيْنِ إلَيْها؛ فَلِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ وعِوَجًا حالٌ“؛ انْتَهى.

وقالَ صاحِبُ القامُوسِ - في بَناتِ الواوِ -: ”بَغا الشَّيْءَ بَغْوًا“: نَظَرُ إلَيْهِ كَيْفَ هُوَ؛ وقالَ - في بَناتِ الياءِ -: ”بَغَيْتُهُ أبْغِيهِ“: طَلَبْتُهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ عِوَجًا حالًا - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أصْوَبُ مِن جَعْلِهِ مَفْعُولًا - كَما قالَ في الكَشّافِ -؛ ويَكُونُ ”تَبْغُونَ“؛ إمّا يائِيًّا؛ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ”تُرِيدُونَها مُعْوَجَّةً؛ أوْ ذاتَ عِوَجٍ“؛ فَإنَّ ”طَلَبَ“؛ بِمَعْنى: أرادَ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ واوِيًّا بِمَعْنى: ”تَرَوْنَها ذاتَ عِوَجٍ“؛ أيْ: ”تَجْعَلُونَها في نَظَرِكُمْ“؛ يَعْنِي: ”تَتَكَلَّفُونَ وصْفَها بِالعِوَجِ؛ مَعَ عِلْمِكم بِاسْتِقامَتِها“؛ لَكِنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الصَّحِيحِ: «”ابْغِنِي أحْجارًا أسَتَنْفِضْ بِهِنَّ“؛» يُؤَيِّدُ قَوْلَ صاحِبِ الكَشّافِ.

ولَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمْ؛ وإرادَتَهُمُ العِوَجَ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ قالَ مُوَبِّخًا: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾؛ أيْ: بِاسْتِقامَتِها بِشَهادَتِكم بِاسْتِقامَةِ دِينِ إبْراهِيمَ؛ مَعَ قِيامِ أدِلَّةِ السَّمْعِ؛ والعَقْلِ؛ أنَّها دِينُهُ؛ وأنَّ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ أوْلى النّاسِ بِهِ؛ (p-١٣)لِانْقِيادِهِمْ لِلْأدِلَّةِ؛ ولَمّا كانَ الشَّهِيدُ قَدْ يَغْفُلُ؛ وكانُوا يُخْفُونَ مَكْرَهم في صَدِّهِمْ؛ هَدَّدَهم بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ؛ ولَهُ صِفاتُ الكَمالِ كُلُّها؛ ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛

3:100Page 62

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

ولَمّا تَمَّ إيذانُهُ بِالسُّخْطِ عَلى أعْدائِهِ؛ وأبْلَغَ في إنْذارِهِمْ عَظِيمَ انْتِقامِهِ؛ إنْ دامُوا عَلى إضْلالِهِمْ؛ أقْبَلَ بِالبِشْرِ عَلى أحِبّائِهِ؛ مُواجِهًا لَهم بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ وصَفِيِّ غَنائِهِ؛ مُحَذِّرًا لَهم الِاغْتِرارَ بِالمُضِلِّينَ؛ ومُنَبِّهًا؛ ومُرْشِدًا؛ ومُذَكِّرًا؛ ودالًا عَلى ما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِدَقِيقِ مَكْرِ اليَهُودِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾؛ أتى بِهَذا اللَّفْظِ لَمّا كانَ المُحَذَّرُ مِنهُ الِافْتِراقَ؛ والمُقاطَعَةَ؛ الَّذِي يَأْتِي عَيْبُ أهْلِ الكِتابِ بِهِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: القاطِعِينَ بَيْنَ الأحْبابِ؛ مِثْلِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي مَكَرَ بِكم إلى أنْ أوْقَعَ الحَرْبِ بَيْنَكُمْ؛ فَلَوْلا النَّبِيُّ الَّذِي رَحِمَكم بِهِ رَبُّكُمْ؛ لَعُدْتُمْ إلى شَرِّ ما كُنْتُمْ فِيهِ؛ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ وزادَ في تَقْبِيحِ هَذا الحالِ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِإسْقاطِ الجارِّ إلى الِاسْتِغْراقِ زَمانَ البُعْدِ -: ﴿بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ (p-١٤)؛ أيْ: غَرِيقِينِ في صِفَةِ الكُفْرِ؛ فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ؛ ما أخْسَرَها! وطَرِيقَةٍ؛ ما أجْوَرَها!

3:101Page 63

وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.

ولَمّا حَذَّرَهم مِنهم عَظَّمَ عَلَيْهِمْ طاعَتَهم بِالإنْكارِ؛ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ؛ مَعَ ما هم عَلَيْهِ؛ بَعْدَ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ؛ مِنَ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَكَيْفَ تُطِيعُونَهم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عَداوَتَهُمْ؟“ -: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَقَعُ مِنكم ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى﴾؛ أيْ: تُواصَلُ بِالقِراءَةِ؛ ﴿عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ البَيِّناتِ؛ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾؛ الهادِي مِنَ الضَّلالَةِ؛ المُنْقِذُ مِنَ الجَهالَةِ؛ فَتَكُونُونَ قَدْ جَمَعْتُمْ إلى مُوافَقَةِ العَدُوِّ؛ مُخالَفَةَ الوَلِيِّ؛ وأنْتُمْ بِعَيْنِهِ؛ وفِيكم أمِينُهُ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّهُ مَن“؛ ﴿يَعْتَصِمْ﴾؛ أيْ: ”يُجْهِدْ نَفْسَهُ في رَبْطِ أُمُورِهِ“؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ في جَمِيعِ أحْوالِهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ولَمّا (p-١٥)كانَ مَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى مَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مُتَوَقِّعًا لِلْفَلاحِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَقُّعِ مَقْرُونَةً؛ بِفاءِ السَّبَبِ؛ فَقالَ:﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾؛ وعَبَّرَ بِالمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

3:102Page 63

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢

O you who have believed, fear Allāh as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

ولَمّا انْقَضى هَذا التَّحْذِيرُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ والتَّعْجِيبُ؛ والتَّرْغِيبُ؛ أمَرَ بِما يُثْمِرُ ذَلِكَ مِن رِضاهُ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: صَدِّقُوا دَعْواكم بِتَقْوى ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ فَأدِيمُوا الِانْقِيادَ لَهُ؛ بِدَوامِ مُراقَبَتِهِ؛ ولا تَقْطَعُوا أمْرًا دُونَهُ؛ ﴿ولا تَمُوتُنَّ﴾؛ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُنْقادُونَ أتَمَّ الِانْقِيادِ؛ ونُقِلَ عَنِ العارِفِ أبِي الحَسَنِ الشّاذِلِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أصْلِ الدِّينِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ في فُرُوعِهِ.

3:103Page 63

وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣

And hold firmly to the rope1 of Allāh all together and do not become divided. And remember the favor of Allāh upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allāh make clear to you His verses that you may be guided.

ولَمّا كانَ عَزْمُ الإنْسانِ فاتِرًا؛ وعَقْلُهُ قاصِرًا؛ دَلَّهم - بَعْدَ أنْ أوْقَفَتْهُمُ التَّقْوى - عَلى الأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ؛ المُتَكَفِّلِ بِالحِفْظِ مِن جَمِيعِ الزَّلّاتِ؛ فَقالَ: ﴿واعْتَصِمُوا﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم الِارْتِباطَ الشَّدِيدَ؛ والِانْضِباطَ العَظِيمَ؛ ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ دِينِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ الَّتِي نَهَجَها لَكُمْ؛ ومَهَّدَها؛ وأصْلُ الحَبْلِ: السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ (p-١٦)إلى البُغْيَةِ؛ والحاجَةِ؛ وكُلُّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تُزْلَقَ رِجْلُهُ عَنْهُ إذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ الخَوْفَ؛ ولا يَخْفى دِقَّةُ الصِّراطِ بِما ورَدَ بِهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ؛ وهَذا الدِّينُ مِثالُهُ؛ فَصُعُوبَتُهُ وشِدَّتُهُ عَلى النُّفُوسِ؛ بِما لَها مِنَ النَّوازِعِ؛ والحُظُوظِ؛ مِثالُ دِقَّتِهِ؛ فَمَن قَهَرَ نَفْسَهُ؛ وحَفِظَها عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ؛ حُفِظَ عَنِ السُّقُوطِ عَمّا هو مِثالُهُ.

ولَمّا أفْهَمَ كُلٌّ مِنَ الضَّمِيرِ؛ والحَبْلِ؛ والِاسْمِ الجامِعِ؛ إحاطَةَ الأمْرِ بِالكُلِّ؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لا تَدَعُوا أحَدًا مِنكم يَشِذُّ عَنْها؛ بَلْ كُلَّما عَثَرْتُمْ عَلى أحَدٍ فارَقَها؛ ولَوْ قَيْدَ شِبْرٍ؛ فَرُدُّوهُ إلَيْها؛ ولا تُناظِرُوهُ؛ ولا تُهْمِلُوا أمْرَهُ؛ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ؛ فَيَخْتَلَّ النِّظامُ؛ وتَتْعَبُوا عَلى الدَّوامِ؛ بَلْ لا تَزالُوا كالرّابِطِ رَبْطًا شَدِيدًا حُزْمَةَ نِبْلٍ بِحَبْلٍ؛ لا يَدَعُ واحِدَةً مِنها تَنْفَرِدُ عَنِ الأُخْرى؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ ثُمَّ ذَكَّرَهم نِعْمَةَ الِاجْتِماعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ باعِثٌ عَلى شُكْرِها؛ وهو باعِثٌ (p-١٧)عَلى عَلى إدامَةِ الِاعْتِصامِ والتَّقْوى؛ وبَدَأ مِنها بِالدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أُسُّ الأُخْرَوِيَّةِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧]؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يا مَنِ اعْتَصَمَ بِعِصامِ الدِّينِ؛ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾؛ مُتَنافِرِينَ أشَدَّ تَنافُرٍ؛ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ بِالجَمْعِ عَلى هَذا الصِّراطِ القَوِيمِ؛ والمَنهَجِ العَظِيمِ؛ ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾؛ قَدْ نَزَعَ ما في قُلُوبِكم مِنَ الإحَنِ؛ وأزالَ تِلْكَ الفِتَنَ؛ والمِحَنَ.

ولَمّا ذَكَرَ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْقَذَتْهم مِن هَلاكِ الدُّنْيا؛ ثَنّى بِما تَبِعَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةِ الدِّينِ الَّتِي عَصَمَتْ مِنَ الهَلاكِ الأبَدِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا﴾؛ أيْ: حَرْفٍ؛ وطَرْفِ ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾؛ بِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾

ولَمّا تَمَّ هَذا البَيانُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الغَرِيبِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن يَقُولُ: "لِلَّهِ دَرُّ هَذا البَيانِ! ما أغْرَبَهُ مِن بَيانٍ! - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ البَعِيدِ المَنالِ؛ البَدِيعِ المِثالِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ؛ الشّامِلَةُ قُدْرَتُهُ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿لَكم آياتِهِ﴾؛ وعَظَّمَ الأمْرَ (p-١٨)بِتَخْصِيصِهِمْ بِهِ؛ وإضافَةِ الآيِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ دَقائِقِ الكُفّارِ في إرادَةِ إضْلالِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم عِنْدَ مَن يَنْظُرُكم حالَ مَن تُرْجى وتُتَوَقَّعُ هِدايَتُهُ؛ هَذا التَّرَجِّي حالُكم فِيما بَيْنَكُمْ؛ وأمّا هو - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِالسَّعِيدِ؛ والشَّقِيِّ؛ ثُمَّ الأمْرُ إلَيْهِ؛ فَمَن شاءَ هَداهُ؛ ومَن أرادَ أرْداهُ.

3:104Page 63

وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.

ولَمّا عابَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الكُفّارَ بِالضَّلالِ؛ ثُمَّ بِالإضْلالِ؛ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالهُدى في أنْفُسِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ الأمْرَ بِهِدايَةِ الغَيْرِ بِالِاجْتِماعِ؛ وكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِماعِ المُؤَكَّدِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ رُبَّما أفْهَمَ الوُجُوبَ؛ لِتَفَرُّدِ الجَمِيعِ في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِن جُزْئِيّاتِ العِبادَةِ؛ في كُلِّ وقْتٍ؛ عَلى سَبِيلِ الِاجْتِماعِ؛ مَعَ الإعْراضِ عَنْ كُلِّ عائِقٍ عَنْ ذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ وسِيلَةً؛ أوْ لا؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ؛ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ - مُنَبِّهًا عَلى الرِّضا بِإيقاعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ؛ سَواءٌ كانَ بِالبَعْضِ؛ أوِ الكُلِّ؛ كَما هو شَأْنُ فُرُوضِ الكِفاياتِ -: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ يَقْصِدَها غَيْرُها؛ ويَكُونَ بَعْضُها قاصِدًا بَعْضًا؛ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ شَيْءٍ ائْتِلافًا؛ واجْتِماعًا في (p-١٩)كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى البَدَلِ؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ؛ ﴿إلى الخَيْرِ﴾؛ أيْ: بِالجِهادِ؛ والتَّعْلِيمِ؛ والوَعْظِ؛ والتَّذْكِيرِ.

ولَمّا عَمَّ كُلَّ خَيْرٍ؛ خَصَّ؛ لِيَكُونَ المَخْصُوصُ مَأْمُورًا بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ دَلالَةً عَلى جَلِيلِ أمْرِهِ؛ وعَلِيِّ قَدْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِنَ الدِّينِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ فِيهِ؛ بِحَيْثُ لا يَخْلُو وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ عَنْ قَوْمٍ قائِمِينَ بِذَلِكَ؛ وهو تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنْ يُلازِمُوا ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - مِن أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ؛ حِينَ اسْتَفَزَّهُمُ الشَّيْطانُ بِمَكْرِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ في التَّذْكِيرِ بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ؛ وإعْلامٌ بِأنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُفْهِمًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنَّهم يَنالُونَ بِذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا؛ ولَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُرَغِّبًا -: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ العَظِيمُو النَّفْعِ؛ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾؛ حَقَّ الإفْلاحِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الِاجْتِماعَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو بِالقُلُوبِ الجاعِلَةِ لَهم كالجَسَدِ الواحِدِ؛ ولا يَضُرُّ فِيهِ صَرْفُ بَعْضِ الأوْقاتِ إلى المَعاشِ؛ وتَنْعِيمِ البَدَنِ بِبَعْضِ المُباحاتِ؛ وإنْ كانَ الأكْمَلُ صَرْفَ الكُلِّ بِالنِّيَّةِ إلى العِبادَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском