Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:30–38
30:30Page 407
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
ولَمّا تَحَرَّرَتِ الأدِلَّةُ، وانْتَصَبَتِ الأعْلامُ، واتَّضَحَتِ الخَفايا، وصَرَّحَتِ الإشاراتُ، وأفْصَحَتْ ألْسُنُ العِباراتِ، أقْبَلَ عَلى خُلاصَةِ الخَلْقِ، إيذانًا بِأنَّهُ لا يَفْهَمُ ذَلِكَ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ مُمَثِّلًا لِإقْبالِهِ واسْتِقامَتِهِ وثَباتِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ أيْ قَصْدَكَ كُلَّهُ ﴿لِلدِّينِ﴾ أيْ نَصْبًا بِحَيْثُ تَغِيبُ عَمّا سِواهُ، فَلا تَلْتَفِتُ عَنْهُ أصْلًا فَلا تَنْفَكُّ عَنِ المُراقَبَةِ، فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ سَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ، وقَوَّمَ لَهُ وجْهَهُ.
ثُمَّ عَرَّضَ بِجَلافَةِ أهْلِ الضَّلالِ وغَشاوَتِهِمْ، وكَثافَتِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، وجُمُودِهِمْ وقَساوَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ هَيِّنًا لَيِّنًا نافِذَ الصَّبْرِ نِيِّرَ البَصِيرَةِ سارِيَ الفِكْرِ سَرِيعَ الِانْتِقالِ طائِرَ الخاطِرِ، (p-٨٤)ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الأمْرَ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ وإنْ كانُوا فِيهِ مُتَفاوِتِينَ كَما تَراهم إذا كانُوا صِغارًا أسْهَلُ شَيْءٍ انْقِيادًا، ولَكِنَّهُ لَمّا يَكْشِفْ لَهُمُ الحالَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَنْ أنَّ انْقِيادَهم كانَ خَطَأ يَصِيرُونَ يُدَرِّبُونَ أنْفُسَهم عَلى المُخالَفَةِ دائِمًا حَتّى تَصِيرَ لِبَعْضِهِمْ طَبْعًا تَجْرِيبِيًّا فَيَصِيرَ أقْسى شَيْءٍ وأجْمَدَهُ بَعْدَ أنْ كانَ أسْهَلَ شَيْءٍ وأطْوَعَهُ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ هَذا مِن قُرَناءِ السُّوءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، ولِهَذا نَهى أنْ يُوعَدَ الطِّفْلُ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ: رَوى أحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ المُنْذِرِيُّ: ولَمْ يَسْمَعْ مِنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن قالَ لِصَبِيٍّ: تَعالَ هاكَ! ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهي كِذْبَةٌ»، ولِأبِي داوُدَ والبَيْهَقِيِّ وابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنْ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ - قالَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا: زِيادٌ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ - أنَّ أُمَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ لَهُ: تَعالَ أُعْطِيكَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما أرَدْتِ أنْ تُعْطِيهِ؟ قالَتْ: تَمْرًا، فَقالَ: أما إنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ“»، فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم صِحَّةَ دِينِهِ بِأمْرٍ هو في (p-٨٥)أنْفُسِهِمْ، كَما بَيَّنَ بُطْلانَ دِينِهِمْ بِأمْرٍ هو في أنْفُسِهِمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أيِ الزَمْ فِطْرَةَ المَلِكِ الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ، وهي الخِلْقَةُ [الأوْلى] الَّتِي خَلَقَ عَلَيْها البَشَرَ، والطَّبْعُ الأوَّلُ، [وقالَ الغَزالِيُّ في آخِرِ كِتابِ العِلْمِ مِنَ الإحْياءِ في بَيانِ العَقْلِ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ كُلُّ آدَمِيٍّ فُطِرَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى بَلْ عَلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، أعْنِي أنَّها كالمُتَضَمِّنَةِ فِيهِ لِقُرْبِ اسْتِعْدادِهِ لِلْإدْراكِ. انْتَهى]، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ﴾ أيْ كُلُّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ ﴿عَلَيْها﴾ كُلُّهُمُ الأشْقِياءُ والسُّعَداءُ، وهي سُهُولَةُ الِانْقِيادِ وكَرَمُ الخُلُقِ الَّذِي هو في الصُّورَةِ فِطْرَةُ الإسْلامِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ المُشاهَدَ مِن جَمِيعِ الأطْفالِ سَلامَةُ الطِّباعِ وسَلاسَةُ الِانْقِيادِ [لِظاهِرِ الدَّلِيلِ]، لَيْسَ مِنهم في ذَلِكَ عُسْرٌ كَما في الكِبارِ إنْ تَفاوَتُوا في ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالفِطْرَةِ قَبُولُهم لِلْحَقِّ وتَمَكُّنُهم مِن إدْراكِهِ، كَما تَجِدُ الأخْرَسَ يُدْرِكُ [أمْرَ] المَعادِ إدْراكًا بَيِّنًا، ولَهُ فِيهِ مَلَكَةٌ راسِخَةٌ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الصَّحِيحَيْنِ وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عِنْدَ أحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (p-٨٦)«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» - وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ - فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيها مِن جَدْعاءَ حَتّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَها» فَلِذَلِكَ الجَدْعُ والوَسْمُ وشَقُّ الأُذُنِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِثالٌ لِلْأخْلاقِ الَّتِي يَتَعَلَّمُها الطِّفْلُ مِمَّنْ يُعامِلُهُ بِها مِنَ الغِشِّ والكَذِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذا حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مُسْلِمٍ في صِفَةِ النّارِ والنَّسائِيِّ في فَضائِلِ القُرْآنِ وأبِي داوُدَ الطَّيالِسِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ: ”كُلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي“ حُنَفاءَ كُلَّهم ”وأنَّهم أتَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهُمْ، وأمَرَتْهم أنْ يُشْرِكُوا بِي ما لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطانَهُ“» ولَكِنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَكَّنُ إلّا بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ في الحالِ بِما يَخْلُقُ في باطِنِ المَخْذُولِ مِنَ الباعِثِ وفي الماضِي مِنَ الطَّبائِعِ الَّتِي هَيَّأهُ بِها لِمِثْلِ ذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «(p-٨٧)اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» وآيَةُ سُبْحانَ ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم ﷺ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَتَبَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ، قالُوا: أفَلا نَتَّكِلُ عَلى كِتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فالكِتابُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَبْناهُ عَلى أنَّ فُلانًا مِن أهْلِ النّارِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلْ كَذا وكَذا، فَأرادُوا أنْ يَجْعَلُوهُ حُجَّةً لَهم فاعْلَمُوا أنَّ في ذَلِكَ أمْرَيْنِ لا يُبْطِلُ أحَدُهُما الآخَرَ: باطِنٌ هو العِلَّةُ المُوجِبَةُ في حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو العِلْمُ، وظاهِرٌ هو السِّمَةُ اللّازِمَةُ في حَقِّ العُبُودِيَّةِ وهو العَمَلُ، وهو أمارَةُ مُخَيِّلَةٍ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةَ العِلْمِ، عُولِمُوا بِذَلِكَ لِيَتَعَلَّقَ خَوْفُهم بِالباطِنِ المُغَيَّبِ عَنْهُمْ، ورَجاؤُهم بِالظّاهِرِ البادِي لَهُمْ، والخَوْفُ والرَّجاءُ مَدْرَجَتا العُبُودِيَّةِ لِيَسْتَكْمِلُوا بِذَلِكَ صِفَةَ الإيمانِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أمْرانِ: الرِّزْقُ المَقْسُومُ مَعَ الأمْرِ بِالمَكْسَبِ، والأجَلُ المَحْتُومُ مَعَ المُعالَجَةِ بِالطِّبِّ، فالمُغَيَّبُ فِيهِما عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ والظّاهِرُ سَبَبٌ مُخَيَّلٌ، وقَدِ اصْطَلَحَ خَواصُّهم وعَوامُّهم عَلى أنَّ الظّاهِرَ مِنهُما لا يُتْرَكُ بِالباطِنِ - ذَكَرَ مَعْناهُ الرّازِي في اللَّوامِعِ عَنِ الخَطّابِيِّ.
ولَمّا كانَتْ سَلامَةُ الفِطْرَةِ الأُولى أمْرًا مُسْتَمِرًّا، قالَ: ﴿لا تَبْدِيلَ﴾ (p-٨٨)ولِعِظَمِ المَقامِ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ فَقالَ: ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَجْعَلَ طِفْلًا في أوَّلِ أمْرِهِ خَبِيثَ الفِطْرَةِ لا يَنْقادُ لِما يُقادُ إلَيْهِ ولا يَسْتَسْلِمُ لِمَن يُرَبِّيهُ، وكُلَّما كَبُرَ وطَعَنَ في السَّنِّ رَجَعَ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِن كُفْرٍ أوْ إيمانٍ، أوْ طاعَةٍ أوْ عِصْيانٍ، أوْ نُكْرٍ أوْ عِرْفانٍ، قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتّى يَنْساقَ إلى ذَلِكَ عِنْدَ البُلُوغِ أوْ بَعْدَهُ، فَإنْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ جُوزِيَ بِما كانَ اللَّهُ يَعْلَمُهُ مِنهُ أنَّهُ يَعْمَلُهُ طَبَعِيًّا ويَمُوتُ عَلَيْهِ كالغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَحَّ الخَبَرُ بِأنَّهُ طُبِعَ عَلى الكُفْرِ، ولا يُعَذَّبُ بِما يَكُونُ عارِضًا مِنهُ ويَعْلَمُ أنَّهُ سَيَكُونُ لَوْ كانَ كَأبَوَيِ الغُلامِ لِما وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ مِن أنَّهُ لَوْ عاشَ لَأرْهَقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا، فَقَدْ عَلِمَ مِنهُما الكُفْرَ حِينَئِذٍ فَلَمْ يُؤاخَذا بِهِ لِأنَّهُ عارِضٌ لا طَبَعِيٌّ، فالعِبْرَةُ بِالمَوْتِ، ومَن طُبِعَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَمُتْ عَلى غَيْرِهِ، فَحَقِّقْ هَذا تَعْلَمْ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ لا مِنَ الكِتابِ ولا مِنَ السُّنَّةِ - واللَّهُ الهادِي.
ولَمّا كانَ المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ كَيْفَما مالَ أمْرًا لا يُكْتَنَهُ قَدْرُهُ ولا يُنالُ إلّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ وهو الِاهْتِزازُ لِلدَّلِيلِ واتِّباعُ ما يُشِيرُ إلَيْهِ ويُحِثُّ عَلَيْهِ (p-٨٩)﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ قَدْ تَدَرَّبُوا في اتِّباعِ الأهْوِيَةِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الشُّبَهِ فَصارُوا بِحَيْثُ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا حَتّى يُمَيِّزُوا الحَقَّ مِنَ الباطِلِ لِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَفاءِ.
30:31Page 407
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنْ كانَ في هَذا المَيْدانِ، وسَمَتْ هِمَّتُهُ إلى مُسابَقَةِ الفُرْسانِ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ولَمْ يُعَوِّلْ أصْلًا عَلَيْهِ، كادَتْ نَفْسُهُ تَطِيرُ، وكانَتْ عادَةُ القَوْمِ أنْ يُخاطِبُوا القَوْمَ لِمُخاطَبَةِ رَئِيسِهِمْ تَعْظِيمًا لَهُ وحَثًّا لَهم عَلى التَّحَلِّي بِما خَصَّ بِهِ، جُبِرَتْ قُلُوبُهم وشُرِحَتْ صُدُورُهم فَبُيِّنَتْ لَهم حالٌ مِن ضَمِيرِ ”أقِمْ“ أوْ مِنَ العامِلِ في ”فِطْرَتَ“ إعْلامًا بِأنَّهم مُرادُونَ بِالخِطابِ، مُشارٌ إلَيْهِمْ بِالصَّوابِ، فَقالَ: ﴿مُنِيبِينَ﴾ أيْ راجِعِينَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِمُجاذَبَةِ النَّفْسِ والفِطْرَةِ الأوْلى ﴿إلَيْهِ﴾ تَعالى بِالنُّزُوعِ عَمّا اكْتَسَبْتُمُوهُ مِن رَدِيءِ الأخْلاقِ إلى تِلْكَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُنْقادَةِ لِلدَّلِيلِ، المَيّالَةِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلى المَحَجَّةِ إلّا الأمْرُ بِلُزُومِها خَوْفًا مِنَ الزَّيْغِ عَنْها دَأْبَ المَرَّةِ الأُولى. قالَ عاطِفًا عَلى ﴿فَأقِمْ﴾ [الروم: ٣٠] ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ خافُوا أنْ تَزِيغُوا عَنْ سَبِيلِهِ يُسْلِمْكم في أيْدِي أُولَئِكَ المُضِلِّينَ، فَإذا (p-٩٠)خِفْتُمُوهُ فَلَزِمْتُمُوها كُنْتُمْ مِمَّنْ تَخَلّى عَنِ الرَّذائِلِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ تَصِيرُوا مِمَّنْ تَحَلّى بِالفَضائِلِ - هَكَذا دَأْبُ الدِّينِ أبَدًا تَخْلِيَةٌ ثُمَّ تَحْلِيَةٌ: أوَّلُ الدُّخُولِ إلى الإسْلامِ التَّنْزِيهُ، وأوَّلُ الدُّخُولِ في القُرْآنِ الِاسْتِعاذَةُ، وهو أمْرٌ ظاهِرٌ مَعْقُولٌ، مِثالُهُ مَن أرادَ أنْ يَكْتُبَ في شَيْءٍ إنْ مَسَحَ ما فِيهِ مِنَ الكِتابَةِ انْتَفَعَ بِما كَتَبَ، وإلّا أفْسَدَ الأوَّلَ ولَمْ يَقْرَأِ الثّانِيَ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ الشِّرْكُ مِنَ الشَّرِّ بِمَكانٍ لَيْسَ هو لِغَيْرِهِ، أكَّدَ النَّهْيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا ما ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تَكُونُوا مِمَّنْ يَدْخُلُ في عِدادِهِمْ بِمُوادَدَةٍ أوْ مُعاشَرَةٍ أوْ عَمَلٍ تُشابِهُونَهم فِيهِ فَإنَّهُ «مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهُمْ» وهو عامٌّ في كُلِّ شِرْكٍ سَواءٌ كانَ بِعِبادَةِ صَنَمٍ أوْ نارٍ أوَغَيْرِهِما، أوْ بِالتَّدَيُّنِ بِما يُخالِفُ النُّصُوصَ مِن أقْوالِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
30:32Page 407
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ، نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلى بُطْلانِهِ بِما لا أوْضَحُ مِنهُ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا التَّوَقُّفُ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُتَّصِفًا بِنَفْيِ شَيْءٍ وإثْباتِهِ في حالَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ مُبْدِلًا: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ لَمّا فارَقُوا ﴿دِينَهُمْ﴾ الَّذِي هو الفِطْرَةُ الأُولى، فَعَبَدَ كُلُّ قَوْمٍ مِنهم شَيْئًا ودانُوا دِينًا غَيْرَ دِينِ مَن سِواهُمْ، وهو مَعْنى ﴿وكانُوا﴾ أيْ بِجُهْدِهِمْ وجِدِّهِمْ في [تِلْكَ] المُفارَقَةِ المُفَرِّقَةِ ﴿شِيَعًا﴾ (p-٩١)أيْ فِرَقًا مُتَحالِفِينَ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهم تُشايِعُ مَن دانَ بِدِينِها عَلى مَن خالَفَهم حَتّى كَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا واسْتَباحُوا الدِّماءَ والأمْوالَ، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهم كُلَّهم لَيْسُوا عَلى الحَقِّ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا يُتَعَجَّبُ مِن وُقُوعِهِ، زادَهُ عَجَبًا بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ أيْ مِنهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً مِن خاصِّ ما عِنْدَهم مِنَ الضَّلالِ الَّذِي انْتَحَلُوهُ ﴿فَرِحُونَ﴾ ظَنًّا مِنهم أنَّهم صادَفُوا الحَقَّ وفازُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
30:33Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
ولَمّا حَصَلَ مِن هَذا القَطْعِ مِن كُلِّ عاقِلٍ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ ضالٌّ، فَكانَ الحالُ جَدِيرًا بِالسُّؤالِ، عَنْ وجْهِ الخَلاصِ مِن هَذا الضَّلالِ، أُشِيرَ إلَيْهِ أنَّهُ لُزُومُ الِاجْتِماعِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِن فاعِلِ ”فَرِحُونَ“ فَقالَ تَعالى: ﴿وإذا﴾ وكانَ الأصْلُ: مَسَّهُمْ، ولَكِنَّهُ قِيلَ [لِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقْصُودِ السُّورَةِ مِن قَصْرِ ذَلِكَ عَلى الإنْسانِ كَما هي العادَةُ في أكْثَرِ السُّوَرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ العالَمِ]: ﴿مَسَّ النّاسَ﴾ تَقْوِيَةً لِإرادَةِ العُمُومِ [إشارَةً إلى كُلِّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ النَّوْسِ وهو التَّحَرُّكُ، مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ والجَماداتِ لَوْ نَطَقَتْ ثُمَّ اضْطَرَبَتْ لَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ولَمْ تَعْدِلْ عَنْهُ كَما أنَّها الآنَ كَذَلِكَ بِألْسِنَةِ أحْوالِها، فَهَذا هو الإجْماعُ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ نِزاعٌ] (p-٩٢)﴿ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يُشارِكْهُ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ أحَدٌ [فِي جَمِيعِ مُدَّةِ مَسِّهِمْ بِذَلِكَ الضُّرِّ - بِما أشارَ إلَيْهِ الظَّرْفُ] - حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُنِيبِينَ﴾ أيْ راجِعِينَ مِن جَمِيعِ ضَلالاتِهِمُ الَّتِي فَرَّقَتْهم عَنْهُ ﴿إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا فَرَجَ لَهم عِنْدَ شَيْءٍ غَيْرِهِ، هَذا دَيْدَنُ الكُلِّ لا يَخْرِمُ عَنْهُ أحَدٌ مِنهم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، ولا في أزْمَةٍ مِنَ الأزَماتِ، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ في أواخِرِ العَنْكَبُوتِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ في فِطْرَةِ كُلِّ إنْسانٍ، وأنَّهم إنْ غَفَلُوا في السَّرّاءِ فَلا شَكَّ أنَّهم يَلُوذُونَ إلَيْهِ في حالِ الضَّرّاءِ.
ولَمّا كانَ كُلُّ واقِعٍ في شِدَّةٍ مُسْتَبْعِدًا كُلَّ اسْتِبْعادٍ الخَلاصَ مِنها قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ بِأداةِ البُعْدِ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ [مُسْنِدًا الرَّحْمَةَ إلَيْهِ تَعْظِيمًا لِلْأدَبِ وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ]. ولَمّا كانَ السِّياقُ كُلُّهُ لِلتَّوْحِيدِ، فَكانَتِ العِنايَةُ بِاسْتِحْضارِ المَعْبُودِ بِاسْمِهِ وضَمِيرِهِ أتَمَّ قالَ: ﴿مِنهُ﴾ مُقَدِّمًا ضَمِيرَهُ دالًّا بِتَقْدِيمِ الجارِّ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وقالَ: ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ خَلاصًا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ أهْلَكَهُمْ، فَلا سَبَبَ لِإنْعامِهِ سِوى كَرَمِهِ، ودَلَّ عَلى شِدَّةِ إسْراعِهِمْ في كُفْرانِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِأداةِ المُفاجَأةِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ طائِفَةٌ هي أهْلٌ لِمُفارَقَةِ الحَقِّ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ دائِمًا، المُجَدِّدِ لَهم (p-٩٣)هَذا الإحْسانَ مِن هَذا الضُّرِّ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بَدَلَ ما لَزِمَهم مِن أنَّهم يَشْكُرُونَ فَعُلِمَ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا مَعْدِلَ عَنْهُ الإنابَةُ في كُلِّ حالٍ إلَيْهِ كَما أجْمَعُوا في وقْتِ الشَّدائِدِ عَلَيْهِ، وأنَّ غَيْرَهُ مِمّا فَرَّقَهم ضَلالٌ، لا يُعَدُّ لَهُ قُبالًا ولا ما يَعْدِلُهُ قُبالٌ.
30:34Page 408
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
ولَمّا كانَ [هَذا] الفِعْلُ مِمّا لا يَفْعَلُهُ إلّا شَدِيدُ الغَباوَةِ أوِ العِنادِ، وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ، رَبا بِهِمْ عَنْ مَنزِلَةِ البُلْهِ إلى ما الجُنُونُ خَيْرٌ مِنهُ تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما﴾ ولَفَتَ الكَلامَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي مِن عَظَمَتِها أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُنا أمْنًا مِن أنْ يَقَعُوا في شِدَّةٍ أُخْرى فَنُهْلِكَهم بِما أغْضَبُونا، أوْ تَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى أنْ نُخَلِّصَهم مَتى وقَعُوا في أمْثالِها، فَما أضَلَّ عُقُولَهم وأسْفَهَ آراءَهُمْ! .
ولَمّا كانَ فِعْلُهم هَذا سَبَبًا لِغايَةِ الغَضَبِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِتَهْدِيدِهِ مُلْتَفِتًا إلى المُخاطَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أيْ بِما أرَدْتُمْ فِيهِ بِالشِّرْكِ مِنِ اجْتِماعِكم عِنْدَ الأصْنامِ وتَواصُلِكم بِها وتَعاطُفِكُمْ، وسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّمَتُّعِ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَكُونُ لَكم بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عِلْمٌ فَتَعْرِفُونَ إذا حَلَّ بِكُمُ البَلاءُ وأحاطَ بِكم جَمِيعًا المَكْرُوهُ هَلْ يَنْفَعُكم شَيْءٌ (p-٩٤)مِنَ الأصْنامِ أوْ مَنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَهُ يَدًا بِعِبادَتِها ووافَقْتُمُوهُ في التَّقَرُّبِ إلَيْها.
30:35Page 408
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
ولَمّا بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] ووَصَلَ بِهِ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ في غايَةِ التَّواصُلِ، عادَ لَهُ مُلْتَفِتًا إيذانًا بِالتَّهاوُنِ بِهِمْ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ إبْعادًا لَهم عَنْ جَنابِهِ حَيْثُ جَلّى لَهم هَذِهِ الأدِلَّةَ واسْتَمَرُّوا في خَطَرِ إغْضابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ أنْـزَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ أيْ دَلِيلًا واضِحًا قاهِرًا ﴿فَهُوَ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّلْطانُ لِظُهُورِ بَيانِهِ ﴿يَتَكَلَّمُ﴾ كَلامًا مَجازِيًّا بِدَلالَتِهِ وإفْهامِهِ، ويَشْهَدُ ﴿بِما﴾ أيْ بِصِحَّةِ الَّذِي ﴿كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿بِهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِن مُتابَعَتِهِ لِتَزُولَ عَنْهُمُ المَلامَةُ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لازَمُوا الشِّرْكَ مُلازَمَةً صَيَّرَتْهُ لَهم خَلْقًا لا يَنْفَكُّ.
30:36Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
ولَمّا بانَ بِهَذَيْنِ المُتَعادِلَيْنِ أنَّهُ لَمْ يَضْطَرَّهم إلى الإشْراكِ عُرْفٌ في أنْفُسِهِمْ مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ، ولا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ظاهِرٌ، ولا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ قاهِرٌ، فَبانَ أنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا عَقْلًا ولا نَقْلًا، بَلْ هم أسْرى الهَوى المَبْنِيِّ عَلى مَحْضِ الجَهْلِ، وكانَ قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَقِبَ العَدِيلِ الأوَّلِ، لَمَّحَ هُنا، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِإغْناءٍ الأوَّلِ عَنْهُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ خالَفُوا فِيهِ العادَةَ المُسْتَمِرَّةَ، والدَّلالَةَ الشُّهُودِيَّةَ المُسْتَقِرَّةَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وإذا مَسَّ﴾ [الروم: ٣٣] دالًّا عَلى خِفَّةِ أحْلامِهِمْ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ: ﴿وإذا﴾ مُعَبِّرًا (p-٩٥)بِأداةِ التَّحْقِيقِ إشارَةً إلى أنَّ الرَّحْمَةَ أكْثَرُ مِنَ النِّقْمَةِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ في مَقامِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى سَعَةِ جُودِهِ فَقالَ: ﴿أذَقْنا﴾ [وجَرى الكَلامُ عَلى النَّمَطِ الماضِي في العُمُومِ لِمُناسَبَةِ مَقْصُودِ السُّورَةِ في أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ فَقالَ]: ﴿النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً مِن غِنًى ونَحْوِهِ لا سَبَبَ لَها إلّا رَحْمَتُنا ﴿فَرِحُوا بِها﴾ أيْ فَرَحَ مُطْمَئِنٍّ بَطِرٍ آمِنٍ مِن زَوالِها، ناسِينَ شُكْرَ مَن أنْعَمَ بِها، وقالَ: ﴿وإنْ﴾ بِأداةِ الشَّكِّ دَلالَةً عَلى أنَّ المَصائِبَ أقَلُّ وُجُودًا، وقالَ: ﴿تُصِبْهُمْ﴾ غَيْرَ مُسْنِدٍ لَها إلَيْهِ تَأْدِيبًا لِعِبادِهِ وإعْلامًا بِغَزِيرِ كَرَمِهِ ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أيْ شِدَّةً تَسُوءُهم مِن قَحْطٍ ونَحْوِهِ.
ولَمّا كانَتِ المَصائِبُ مُسَبَّبَةً عَنِ الذُّنُوبِ، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَلِكَ مُنْكِرًا قُنُوطَهم وهم لا يَرْجِعُونَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي عُوقِبُوا بِسَبَبِها: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِنَ المُخالَفاتِ، مُسْنِدًا لَهُ إلى اليَدِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ بِها ﴿إذا هُمْ﴾ أيْ بَعْدَ ما ساءَهم وُجُودُها مَساءَةً نَسُوا بِها ما خُوِّلُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وجُمِّلُوا بِهِ مِن مَلابِسِ الكَرَمِ ﴿يَقْنَطُونَ﴾ أيْ فاجَؤُوا اليَأْسَ، مُجَدِّدِينَ لَهُ في كُلِّ حِينٍ مِن أحْيانِ نُزُولِها وإنْ كانُوا يَدْعُونَ رَبَّهم في كَشْفِها ويَسْتَعِينُونَهُ لِصَرْفِها مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِضِدِّ ذَلِكَ في كِلا الشِّقَّيْنِ في أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ مُتَكَرِّرًا، ولِذَلِكَ أنْكَرَ عَلَيْهِ عَدَمَ (p-٩٦)الرُّؤْيَةِ دالًّا بِواوِ العَطْفِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ألَمْ يَرَوْا في أنْفُسِهِمْ تَبَدُّلَ الأحْوالِ، قائِلًا:
30:37Page 408
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ بِالمُشاهَدَةِ والإخْبارِ رُؤْيَةً مُتَكَرِّرَةً، [فَيَعْلَمُوا عِلْمًا هو في ثَباتِهِ كالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ، وعَبَّرَ بِالرُّؤْيَةِ الصّالِحَةِ لِلْبَصَرِ والبَصِيرَةِ لِأنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ إثْباتُ الأمْرِ كُلِّهِ لِلَّهِ، ولا يَكْفِي فِيهِ إلّا بَذْلُ الجُهْدِ وإمْعانُ النَّظَرِ، والسِّياقُ لِذَمِّ القُنُوطِ الَّذِي يَكْفِي في بَقِيَّةِ المُشاهَدَةِ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ، بِخِلافِ الزُّمَرِ الَّتِي مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى صِدْقِ الوَعْدِ الكافِي فِيهِ مُطْلَقُ العِلْمِ].
ولَمّا كانَ في البَسْطِ والقَبْضِ جَمْعٌ بَيْنَ جَلالٍ وجَمالٍ، لَفَتَ الكَلامَ بِذِكْرِ الِاسْمِ الجامِعِ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ يُكَثِّرُهُ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ، وأنَّ هَذا شَأْنُهُ دائِمًا مَعَ الشَّخْصِ الواحِدِ في أوْقاتٍ مُتَعاقِبَةٍ مُتَباعِدَةٍ ومُتَقارِبَةٍ، ومَعَ الأشْخاصِ ولَوْ في الوَقْتِ الواحِدِ، فَلَوِ اعْتَبَرُوا حالَ قَبْضِهِ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْطُرُوا، ولَوِ اعْتَبَرُوا حالَ بَسْطِهِ لَمْ يَقْنَطُوا، بَلْ كانَ حالُهُمُ الصَّبْرَ في البَلاءِ، والشُّكْرَ في الرَّخاءِ، والإقْلاعَ عَنِ السَّيِّئَةِ الَّتِي نَزَلَ بِسَبَبِها القَضاءُ، فَقَدْ عَرَفَ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُتَقَيِّدُونَ دائِمًا بِالحالَةِ الرّاهِنَةِ.
يَغْلَطُونَ في الأُمُورِ المُتَكَرِّرَةِ المُشاهَدَةِ، فَلا عَجَبَ في تَقَيُّدِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.
(p-٩٧)ولَمّا لَمْ يُغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنهم في اسْتِجْلابِ الرِّزْقِ [قُوَّتُهُ] وغَزارَةُ عَقْلِهِ ودِقَّةُ مَكْرِهِ [وكَثْرَةُ] حِيَلِهِ، ولا ضَرَّهُ ضَعْفُهُ وقِلَّةُ عَقْلِهِ وعَجْزُ حِيلَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا عَظِيمًا ومَنزِعًا مَعَ شِدَّةِ ظُهُورِهِ وجَلالَتِهِ خَفِيًّا دَقِيقًا كَما قالَ بَعْضُهُمْ:
؎كَمْ عاقِلٍ عاقِلٍ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ ∗∗∗ وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزُوقًا
أشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ عَمَلَهم في شِدَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِالسَّعْيِ في الدُّنْيا عَمَلُ مَن يَظُنُّ تَحْصِيلَها إنَّما هو عَلى قَدْرِ الِاجْتِهادِ في الأسْبابِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الإقْتارِ في وقْتٍ والإغْناءِ في آخَرَ والتَّوْسِيعِ عَلى شَخْصٍ والتَّقْتِيرِ عَلى آخَرَ، والأمْنِ مِن زَوالِ الحاضِرِ مِنَ النِّعَمِ مَعَ تَكَرُّرِ المُشاهَدَةِ لِلزَّوالِ في النَّفْسِ والغَيْرِ، واليَأْسِ مِن حُصُولِها عِنْدَ المِحْنَةِ مَعَ كَثْرَةِ وِجْدانِ الفَرَجِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أسْرارِ الآيَةِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ واضِحاتٍ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا فاعِلَ في الحَقِيقَةِ إلّا هو لَكِنْ ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي هِمَمٍ وكِفايَةٍ لِلْقِيامِ بِما يَحِقُّ لَهم أنْ يَقُومُوا فِيهِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ ويُدِيمُونَ تَجْدِيدَهُ كُلَّ وقْتٍ لِما يَتَواصَلُ عِنْدَهم (p-٩٨)مِن قِيامِ الأدِلَّةِ، بِإدامَةِ التَّأمُّلِ والإمْعانِ في التَّفَكُّرِ، والِاعْتِمادِ في الرِّزْقِ عَلى مَن قالَ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] أيْ مِن طالِبِ عِلْمٍ فَيُعانَ عَلَيْهِ فَلا يَفْرَحُونَ بِالنِّعَمِ إذا حَصَلَتْ خَوْفًا مِن زَوالِها إذا أرادَ القادِرُ، ولا يَغْتَمُّونَ بِها إذا زالَتْ رَجاءً في إقْبالِها فَضْلًا مِنَ الرّازِقِ، لِأنَّ «أفْضَلَ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ» بَلْ هم بِما عَلَيْهِمْ مِن وظائِفِ العِبادَةِ واجِبِها ومَندُوبِها مُعَرَّضُونَ عَمّا سِوى ذَلِكَ، وقَدْ وكَّلُوا أمْرَ الرِّزْقِ إلى مَن تَوَلّى أمْرَهُ وفَرَغَ مِن قَسْمِهِ وقامَ بِضَمانِهِ، وهو القَدِيرُ العَلِيمُ.
30:38Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
ولَمّا أفْهَمُ ذَلِكَ عَدَمَ الِاكْتِراثِ بِالدُّنْيا لِأنَّ الِاكْتِراثَ بِها لا يَزِيدُها، والتَّهاوُنَ بِها لا يَنْقُصُها، فَصارَ ذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا تَعْجِيلَ النَّكَدِ بِالكَدِّ والنَّصَبِ، وكانَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ السَّيِّئَةَ مِن أسْبابِ المَحْقِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإقْبالَ عَلى إنْفاقِها في حُقُوقِها إعْراضًا عَنْها وإيذانًا بِإهانَتِها وإيقانًا بِأنَّ ذَلِكَ هو اسْتِيفاؤُها واسْتِثْمارُها واسْتِنْماؤُها، فَقالَ خاصًّا بِالخَطابِ أعْظَمَ المُتَأهِّلِينَ لِتَنْفِيذِ أوامِرِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في نُفُوسِ الأتْباعِ، وأجْدَرُ بِحُسْنِ القَبُولِ مِنهم والسَّماعِ: ﴿فَآتِ﴾ يا خَيْرَ الخَلْقِ! ﴿ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ بادِئًا بِهِ لِأنَّهُ أحَقُّ النّاسِ بِالبَرِّ، [صِلَةً] لِلرَّحِمِ وجُودًا وكَرَمًا (p-٩٩)﴿والمِسْكِينَ﴾ سَواءٌ كانَ ذا القُرْبى أوْ لا ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ كَذَلِكَ، والحَقُّ الَّذِي ذُكِرَ لَهُما الظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ النَّفْلُ لا الواجِبُ، لِعَدَمِ ذِكْرِ بَقِيَّةِ الأصْنافِ، ودَخَلَ الفَقِيرُ مِن بابِ الأوْلى.
ولَمّا أمَرَ بِالإيتاءِ، رَغَّبَ فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإيتاءُ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ أغْنى الأغْنِياءِ فَهو لا يَقْبَلُ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ لا رِياءَ فِيهِ، قالَ مُعَرِّفًا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قاصِرًا عَلى مَن خُصَّ بِالخِطابِ بَلْ كُلُّ مَن تَأسّى بِهِ نالَتْهُ بَرَكَتُهُ ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، ولَمّا كانَ الخُرُوجُ عَنِ المالِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، رَغَّبَ فِيهِ بِذِكْرِ الوَجْهِ الَّذِي هو أشْرَفُ ما في الشَّيْءِ المُعَبَّرِ بِهِ هُنا عَنِ الذّاتِ و[بِتَكْرِيرِ] الِاسْمِ الأعْظَمِ المَأْلُوفِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ [فَقالَ]: ﴿وجْهَ اللَّهِ﴾ أيْ عَظَمَةَ المَلِكِ الأعْلى، فَيَعْرِفُونَ مِن حَقِّهِ ما يَتَلاشى عِنْدَهم عَلى [كُلِّ] ما سِواهُ فَيُخْلِصُونَ لَهُ ﴿وأُولَئِكَ﴾ العالُو الرُّتْبَةِ لِغِناهم عَنْ كُلِّ فانٍ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [أيِ] الَّذِينَ لا يَشُوبُ فَلاحَهم شَيْءٌ مِنَ الخَيْبَةِ، وأمّا غَيْرُهم فَخائِبٌ، أمّا إذا لَمْ يُنْفِقْ فَواضِحٌ، وأمّا مَن أنْفَقَ عَلى وجْهِ الرِّياءِ بِالسُّمْعَةِ والرِّياءِ فَإنَّهُ خَسِرَ مالَهُ، وأبْقى عَلَيْهِ وبالَهُ، وأمّا مَن أنْفَقَ عَلى وجْهِ الرِّياءِ الحَقِيقِيِّ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعْرِيفًا بِعَظِيمِ فُحْشِهِ (p-١٠٠)صارِفًا الخِطابَ عَنِ المَقامِ الشَّرِيفِ الَّذِي كانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، تَعْرِيفًا بِتَنَزُّهِ جَنابِهِ عَنْهُ، وبَعْدَ تِلْكَ الهِمَّةِ العَلِيَّةِ والسَّجايا الطّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ مِنهُ، إلى جِهَةِ مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهم فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences