Al-Biqa'iAr‑Rum · 30:4

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:4, continued

قالَ ابْنُ مِسْكَوَيْهِ: فَلَمّا ظَهَرَتْ فارِسُ عَلى الرُّومِ جَلَسَ فَرْخانُ يَشْرَبُ فَقالَ لِأصْحابِهِ: لَقَدْ رَأيْتُ كَأنِّي جالِسٌ عَلى سَرِيرِ كِسْرى، فَبَلَغَتْ مَقالَتُهُ كِسْرى فَكَتَبَ إلى شَهْرَبَرازَ: إذا أتاكَ كِتابِي هَذا فابْعَثْ إلَيَّ بِرَأْسِ فَرْخانَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: أيُّها المَلِكُ إنَّكَ لَنْ تَجِدَ مِثْلَ فَرْخانَ، فَإنَّ لَهُ نِكايَةً في العَدُوِّ وصَوْتًا فَلا تَفْعَلْ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّ في رِجالِ فارِسَ خَلَفًا مِنهُ (p-٢٥)فَعَجِّلْ إلَيَّ بِرَأْسِهِ، فَراجَعَهُ فَغَضِبَ كِسْرى وبَعَثَ بَرِيدًا إلى أهْلِ فارِسَ: إنِّي قَدْ نَزَعْتُ عَنْكم شَهْرَبَرازَ واسْتَعْمَلْتُ فَرْخانَ، ثُمَّ دَفَعَ إلى البَرِيدِ صَحِيفَةً صَغِيرَةً وقالَ: إذا ولِيَ الفَرْخانُ المُلْكَ وانْقادَ لَهُ أخُوهُ فَأعْطِهِ، فَلَمّا قَرَأ شَهْرَبَرازُ الكِتابَ قالَ: سَمْعًا وطاعَةً، ونَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وجَلَسَ فَرْخانُ ودَفَعَ البَرِيدُ الصَّحِيفَةَ إلَيْهِ فَقالَ: ائْتُونِي بِشَهْرَبَرازِ، فَقَدَّمَهُ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ فَقالَ: لا تَعْجَلْ حَتّى أكْتُبَ وصِيَّتِي، قالَ: افْعَلْ. فَدَعا بِسَفَطٍ وأعْطاهُ ثَلاثَ صَحائِفَ، وقالَ: كُلُّ هَذا راجَعْتُ فِيكَ كِسْرى و[أنْتَ] أرَدْتَ أنْ تَقْتُلَنِي بِكِتابٍ واحِدٍ، فَرَدَّ المُلْكَ عَلى أخِيهِ، فَكَتَبَ شَهْرَبَرازُ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةً لا تَحْمِلُها البُرُدُ و[لا] تَبْلُغُها الصُّحُفُ فالقَنِي، ولا تَلْقَنِي إلّا في خَمْسِينَ رُومِيًّا، فَإنِّي أيْضًا ألْقاكَ في خَمْسِينَ فارِسًا، فَأقْبَلَ قَيْصَرُ في خَمْسِمِائَةِ رُومِيٍّ، وجَعَلَ يَضَعُ العُيُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ في الطَّرِيقِ، وخافَ أنْ يَكُونَ قَدْ مَكَرَ بِهِ حَتّى أتاهُ عُيُونُهُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا خَمْسُونَ رَجُلًا، ثُمَّ بَسَطَ لَهُما والتَقَيا في قُبَّةِ دَيْباجٍ ضُرِبَتْ لَهُما، واجْتَمَعا ومَعَ كُلِّ [واحِدٍ] مِنهُما سِكِّينٌ، ودَعَوْا تَرْجُمانًا بَيْنَهُما، فَقالَ شَهْرَبَرازُ: إنَّ الَّذِينَ خَرَّبُوا مَدائِنَكَ، وبَلَغُوا مِنكَ [و] مِن جُنْدِكَ ما بَلَغُوا أنا وأخِي بِشَجاعَتِنا وكَيْدِنا، وإنَّ (p-٢٦)كِسْرى حَسَدَنا فَأرادَ أنْ أقْتُلَ أخِي فَأبَيْتُ، ثُمَّ أمَرَ أخِي أنْ يَقْتُلَنِي فَقَدْ خَلَعْناهُ جَمِيعًا فَنَحْنُ نُقاتِلُهُ مَعَكَ، فَقالَ: قَدْ أصْبُتُما ووُفِّقْتُما ثُمَّ أشارَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ أنَّ السِّرَّ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإذا جاوَزَ اثْنَيْنِ فَشا، قالَ صاحِبُهُ: أجَلْ، فَقاما جَمِيعًا إلى التَّرْجُمانِ بِسِكِّينَيْهِما فَقَتَلاهُ، واتَّفَقا عَلى قِتالِ كِسْرى، فَتَعاوَنَ شَهْرَبَرازُ وهِرَقْلُ عَلى كِسْرى، فَغَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ. وذَكَرَ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ في أوائِلِ فُتُوحِ مِصْرَ نَحْوَ هَذا الحَدِيثِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْألُ الهُرْمُزانَ عَنْ سَبَبِ ظُهُورِ الرُّومِ عَلى كِسْرى فَأخْبَرَهُ [بِهِ]، وكانَ مِمّا تَمَكَّنَ الخِلافُ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ كانَ طَلَبُ الَّذِينَ هَرَبُوا بَعْدَ قَتْلِ قائِدِهِمْ راهَزادَ، وأمَرَ بِأنْ يُعاقَبُوا عَلى انْهِزامِهِمْ، فَأحْوَجَهم بِهَذا إلى الخِلافِ عَلَيْهِ وطَلَبِ الحِيَلِ لِنَجاةِ أنْفُسِهِمْ مِنهُ، فَإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ الَّتِي غُلِبَتِ الرُّومُ فِيها بِأذْرِعاتٍ أوِ الأُرْدُنِّ فَهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ - أيْ أقْرَبُها - إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، وإنْ كانَتْ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالنَّظَرِ إلى كِسْرى - هَذا ما حَقَّتْ فِيهِ الآيَةُ في ظاهِرِ العِبارَةِ وصَرِيحِها [مَعَ] ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِن إدالَةِ العَرَبِ عَلى الفُرْسِ أيْضًا في هَذا الوَقْتِ في وقْعَةِ ذِي قارٍ - كَما بَيَّنْتُهُ في شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ المُسَمّى ”نَظْمُ الجَواهِرِ مِن سِيرَةِ سَيِّدِ الأوائِلِ والأواخِرِ“ (p-٢٧)وسَيَأْتِي مُلَخَّصُهُ قَرِيبًا - حَتّى يُقالَ: إنَّ نُصْرَةَ الرُّومِ والعَرَبِ ونُصْرَةَ المُسْلِمِينَ في بَدْرٍ كانَتْ في آنٍ واحِدٍ.

ومِن أعاجِيبِ ما دَخَلَ تَحْتَ مَفْهُومِ الآيَةِ مِن لَطائِفَ المُعْجِزاتِ في باطِنِ الإشارَةِ وتَلْوِيحِها أنَّ زَمانَنا هَذا كانَ قَدْ غَلَبَ فِيهِ عَلى مُلْكِ مِصْرَ جُنْدُها الغُرَباءُ مِنَ التُّرْكِ وغَيْرُهم ثُمَّ اخْتَصَّ بِهِ الشَّراكِسَةُ مِنهم مِن نَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ، وهم مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ كِتابٌ في الأصْلِ وإنْ كانَ إسْلامُهم قَدْ جَبَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ وكانُوا إذا ماتَ أحَدُهم ولَهُ ابْنٌ ولَّوُا ابْنَهُ لِأجْلِ مَمالِيكِهِ واتِّباعِ أبِيهِ إلى أنْ يَعْمَلُوا الحِيلَةَ في خَلْعِهِ، وكانَ أكْثَرُ أوْلادِهِمْ يَكُونُ صَغِيرًا أوْ في حُكْمِهِ حَتّى كانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وسِتِّينَ وثَمانِمِائَةٍ، فَصادَفَ أنَّ المُتَوَلِّيَ بِها مِن أوْلادِهِمُ المُؤَيَّدُ أحْمَدُ بْنُ الأشْرَفِ إينالُ العَلائِيُّ، وكانَ قَدْ ناهَزَ الأرْبَعِينَ، وكانَ عِنْدَهُ حَزْمٌ ودَهاءٌ، وزادَتْ مُدَّةُ وِلايَتِهِ بَعْدَ أبِيهِ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ جِدًّا، وكانَ الأمِيرُ الكَبِيرُ خَشْقَدَمَ أحَدَ مَمالِيكِ المُؤَيَّدِ شَيْخٍ وهو رُومِيٌّ، وكانَتْ عادَتُهم [أنَّهُمْ] إذا خَلَعُوا أحَدًا مِن أبْناءِ المُلُوكِ ولَوِ المَلِكَ مَن كانَ في الإمْرَةِ الكُبْرى، فاخْتارَ (p-٢٨)الشَّراكِسَةُ وِلايَتَهُ وإنْ كانَ مِن غَيْرِهِمْ عَلى وِلايَةِ مَن وُلِدَ في الإسْلامِ في بِلادِ العَرَبِ، فَأعْمَلُوا الحِيلَةَ في أمْرِهِ إلى أنْ أجْمَعَ أمْرُهم ورَأْيُهم كُلِّهِمْ عَلى خَلْعِهِ حَتّى مَمالِيكُهُ ومَمالِيكُ أبِيهِ، فَقامُوا في ذَلِكَ قَوْمَةَ رَجُلٍ واحِدٍ في أواخِرِ شَهْرِ رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ المَذْكُورَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدْ لَهُ ناصِرًا أسْلَمَ نَفْسَهُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن وُثُوبِهِمْ عَلَيْهِ، فَعَرَضُوا الوِلايَةَ عَلى شَخْصٍ مِنهم فَلَمْ يَرَ التَّقَدُّمَ عَلى أكْبَرَ مِنهُ في الرُّتْبَةِ فَأشارَ إلى الأمِيرِ الكَبِيرِ فَوَلَّوْهُ، ثُمَّ اجْتَهَدَ بَعْضُهم في نَزْعِهِ فَلَمْ يُقَدِّرْهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَجْمَعْ كَلِمَتَهم عَلى أحَدٍ، وقامَ هو في الأمْرِ بِجِدٍّ عَظِيمٍ وحَزْمٍ، ولِينٍ في شِدَّةٍ وعَزْمٍ، حَتّى اسْتَحْكَمَ أمْرُهُ، وعَظُمَ قَدْرُهُ، وحُسِبَ عَدَدُ ”بِضْعٍ“ بِالجُمَلِ فَإذا هو اثْنانِ وسَبْعُونَ وثَمانِمِائَةٍ، وهو مِقْدارُ ما مَضى مِنَ السِّنِينَ مِن حِينِ نُزُولِ الآيَةِ إلى حِينِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ أنَّ نَصْرَ أهْلِ فارِسٍ عَلى الرُّومِ كَما مَضى كانَ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتِ الآيَةُ، فَإذا قُلْنا: إنَّ نُزُولَها كانَ في شَهْرِ رَمَضانَ مِن تِلْكَ السَّنَةِ، كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسِتِّ سِنِينَ إذا جَعَلْنا كَسْرَ الثّامِنَةِ سَنَةً، وقَدْ كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ في سابِعَ عَشَرَ شَهْرَ رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ في الشَّهْرِ السّابِعِ، فَيَكُونُ نَصْرُ الرُّومِ إذا صَحَّحْنا كَما هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ (p-٢٩)لا يُعْتَقَدَ غَيْرُهُ لِدَلالَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلَيْهِ كَما تَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ أنَّهُ في سَنَةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ في آخِرِ السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن حِينِ نُزُولِ الآيَةِ، ويَكُونُ وِلايَةُ السُّلْطانِ خَشْقَدَمَ لِكَوْنِها في أواخِرِ شَهْرِ رَمَضانَ في ابْتِداءِ سَنَةِ سِتٍّ وسِتِّينَ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها السِّتَّ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ كانَتِ الجُمْلَةُ ثَمانِيَمِائَةٍ واثْنَيْنِ وسَبْعِينَ عَلى عَدَدِ ”بِضْعٍ“ المَنظُومِ في الآيَةِ [سَواءً]، وإنْ صَحَّحْنا كَما أيَّدَهُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سُفْيانَ أنَّ نَصْرَ الرُّومِ كانَ وقْتَ الحُدَيْبِيَةِ وذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وكَما قُلْنا: كانَ نُزُولُ الآيَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِشَهْرَيْنِ ونَحْوِهِما، صَحَّ أنَّ نَصْرَ الرُّومِ كانَ عِنْدَ دُخُولِ السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن نُزُولِ الآيَةِ كَما في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ [نِيارٍ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ المُوافِقُ لِعَدَدِ البِضْعِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ وثَمانِمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها غُلِبَ شَخْصٌ مِنَ الرُّومِ، وذَلِكَ أنَّ الظّاهِرَ خَشْقَدَمَ ماتَ في رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ وثَمانِمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَوَلّى بَعْدَهُ الأمِيرَ الكَبِيرَ يَلَبِيَةَ وهو مِنَ الشَّراكِسَةِ، فَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُ الأمْرُ، فَخُلِعَ في جُمادى الأُولى مِنها، ووَلّى الأمِيرَ الكَبِيرَ تَمْرَبَغا ولُقِّبَ الظّاهِرَ وهو رُومِيٌّ، فَكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الباهِراتِ إنْ وافَقَ هَذا الأمْرُ العَدَدَ المَذْكُورَ عَلى كِلْتا الرِّوايَتَيْنِ: رِوايَةِ مَن قالَ: (p-٣٠)إنَّ النَّصْرَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ورِوايَةِ مَن قالَ: كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، ولَوْلا وِلايَةُ يَلَبِيَةَ ما صَحَّ إلّا أحَدُهُما، إنَّ في ذَلِكَ لِعِبْرَةً، هَذا إنْ عَدَدْنا آحادَ السِّنِينَ، وإنْ عَدَدْناها مِئاتٍ فَهو في بِضْعٍ مِنها، فَإنَّهُ في المِائَةِ التّاسِعَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ الأُسْتاذُ أبُو الحَكَمِ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ بُرْجانَ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: حِكْمَةُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ في دَوائِرِ التَّقْدِيرِ أنْ يَرْجِعَ فِيها أواخِرُ الكَلِمِ عَنْ أوائِلِها، ومِنَ الدَّوائِرِ مُقَدَّرَةٌ، ومِنها مُوَسَّعَةٌ عَلى مِقْدارِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فِيها وبِها، ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ الرُّومِ أنَّهم غُلِبُوا في أدْنى الأرْضِ وهي بَلَدُ الشّامِ، كانَ إخْبارًا مِنهُ عَمّا يَكُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وبِشارَةً بَشَّرَ بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، يَعْنِي أنَّ مَعْنى ”غُلِبَتْ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ إنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى فارِسَ كانَ المَعْنى وقَعَ غَلَبُها، وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ كانَ المَعْنى: قَرُبَ زَمانُ غَلَبِها عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قالَ: فَكانَ ذَلِكَ في زَمانِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، غَلَبَهم في بِلادِ الشّامِ، واسْتَخْرَجَ بَيْتَ المَقْدِسِ عَنْ أيْدِيهِمْ.

والبِضْعُ مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ فَكانَ ذَلِكَ داخِلَ بِضْعِ أسابِيعَ سِنِينَ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ إلى ثَمانٍ (p-٣١)وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الفَتْحُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّصِلُ ويَتَّسِعُ إلى نِهايَةٍ سَبَقَتْ في التَّقْدِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَوْدَ التَّقْدِيرِ بِاسْتِيلاءِ الرُّومِ عَلى بَعْضِ أطْرافِ الشّامِ ثُمَّ بِاسْتِنْقاذِ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ مِنهُمْ، ونَظَرَ إلى ذَلِكَ تارَةً بِحَسَبِ الأسابِيعِ وتارَةً بِحَسَبِ آحادِ المِئاتٍ، وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، وصَحَّحَ وُقُوعَهُ في البِضْعِ بِالغالِبِيَّةِ والمَغْلُوبِيَّةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وهو مِن بَدائِعِ الأنْظارِ، ودَقائِقِ الأسْرارِ الكِبارِ.

ولَمّا كانَ تَغْلِيبُ مُلْكٍ عَلى مُلْكٍ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ، وكانَ الإخْبارُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ أهْوَلَ، ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأمْرُ﴾ ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ العِنايَةَ بِالرُّومِ، فَكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ غَلَبَ فارِسَ لَهم في تِلْكَ الواقِعَةِ وتَأْخِيرَ نَصْرِهِمْ إلى البِضْعِ رُبَّما كانَ لِمانِعٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إزالَتِهِ، نَفى ذَلِكَ بِإثْباتِ الجارِّ المُفِيدِ لِأنَّ أمْرَهُ تَعالى مُبْتَدِئٌ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي كانَ قَبْلَ غَلَبِهِمْ حَتّى لَمْ تَغْلِبْهم فارِسُ إلّا بِهِ، وهو مُبْتَدِئٌ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي بَعْدَهُ، فالتَّأْخِيرُ بِهِ لا بِغَيْرِهِ، لِحِكْمَةٍ دَبَّرَها سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [أيْ] قَبْلَ دَوْلَةِ أهْلِ فارِسَ عَلى الرُّومِ ثُمَّ دَوْلَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، لا إلى غايَةٍ تَكُونُ مَبْدَأً لِاخْتِصاصِهِ بِالأُمُورِ فِيهِ سُبْحانَهُ غَلَبُوهم ﴿ومِن بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ دَوْلَةِ الرُّومِ عَلَيْهِمْ ودَوْلَتِهِمْ عَلى الرُّومِ [لا إلى غايَةٍ] فِيهِ أيْضًا غَلَبَهُمُ الرُّومُ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ (p-٣٢)هُوَ الَّذِي أفْهَمَ أنَّ زَمَنَ غَلَبَةِ فارِسَ لَهم وما بَعْدَهُ مِنَ البِضْعِ مَذْكُورٌ دُخُولُهُ في أمْرِهِ مَرَّتَيْنِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ، تَلاها بِمُعْجِزَةٍ أُخْرى، وهو أنَّ أهْلَ الإسْلامِ لا يَكُونُ لَهم ما يُهِمُّهم فَيُسَرُّونَ بِنَصْرِهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَغَلَّبَ الرُّومُ عَلى فارِسَ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ مِن أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском