Al-Biqa'iAr‑Rum · 30:47–56

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:47–56

30:47Page 409

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أذاقَهُ مِن رَحْمَتِهِ، ومَن كَفَرَ أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن نِقْمَتِهِ، وكانَ السِّياقُ كُلُّهُ لِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، وكانَتِ الرِّياحُ مُبَشِّراتٍ ومُنْذِراتٍ كالرُّسُلِ، وكانَتْ مَوْصُوفَةً بِالخَيْرِ كَما في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» وكانَتْ في كَثْرَةِ مَنافِعِها وعُمُومِها إنْ كانَتْ نافِعَةً، ومَضارِّها إنْ كانَتْ ضارَّةً، أشْبَهَ شَيْءٍ بِالرُّسُلِ في إنْعاشِ قَوْمٍ وإهْلاكِ آخَرِينَ، وما يَنْشَأُ عَنْها كَما (p-١١٦)يَنْشَأُ عَنْهم.

كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: البُخارِيُّ في العِلْمِ، ومُسْلِمٌ في المَناقِبِ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِنها طَيِّبَةً فَقَبِلَتِ الماءَ وأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها طائِفَةٌ أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلَتْ بِهِ» ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى﴾ [الروم: ١٠] أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ تَسْبِيبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] فَلَقَدْ أرْسَلْناكَ بَشِيرًا لِمَن أطاعَ بِالخَيْرِ، ونَذِيرًا لِمَن عَصى بِالشَّرِّ، قَوْلُهُ مُسَلِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، وأتْباعِهِ، ولَفَتَ الكَلامَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ لِاقْتِضاءِ سِياقِ الِانْتِقامِ لَها، وأكَّدَ إشارَةً إلى أنَّ الحالَ بِاشْتِدادِهِ (p-١١٧)وصَلَ إلى حالَةِ اليَأْسِ، أوْ لِإنْكارِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إرْسالَ البَشَرِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العِزَّةِ.

ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِالإخْبارِ بِأنَّ عادَتَهُ ما زالَتْ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى نَصْرِ أوْلِيائِهِ، قالَ مُعَلِّمًا بِإثْباتِ الجارِّ أنَّ الإرْسالَ بِالفِعْلِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ، أوْ أنَّ الكَلامَ في خُصُوصِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ مُقَدَّمًا لَهُ عَلى ﴿رُسُلا﴾ أوَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ بِتَخْصِيصِ إرْسالِ غَيْرِهِ بِما قَبْلَ زَمانِهِ، وقالَ: ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ إعْلامًا بِأنَّ بَأْسَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يَنْفَعُ فِيهِ قَرِيبٌ ولا بَعِيدٌ، وزادَ في التَّسْلِيَةِ بِالتَّذْكِيرِ إشارَةً إلى شِدَّةِ أذى القَوْمِ لِأنْبِيائِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ”إلى قَوْمِها“ .

ولَمّا كانَ إرْسالُ اللَّهِ سَبَبًا لا مَحالَةَ لِلْبَيانِ الَّذِي لا لَبْسَ مَعَهُ قالَ: ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ فانْقَسَمَ قَوْمُهم إلى مُسْلِمِينَ ومُجْرِمِينَ ﴿فانْتَقَمْنا﴾ أيْ فَكانَتْ مُعاداةُ المُسْلِمِينَ لِلْمُجْرِمِينَ فِينا سَبَبًا لِأنّا انْتَقَمْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِإجْرامِهِمْ، وهو قَطْعُ ما أمَرْناهم بِوَصْلِهِ اللّازِمِ مِنهُ وصْلُ ما أُمِرُوا بِقَطْعِهِ، فَوَصَلُوا الكُفْرَ وقَطَعُوا الإيمانَ، فَخَذَلْناهم وكانَ حَقًّا عَلَيْنا قَهْرُ المُجْرِمِينَ، إكْرامًا لِمَن عادَوْهم فِينا، وأنْعَمْنا عَلى الَّذِينَ آمَنُوا فَنَصَرْناهم.

ولَمّا كانَ مَحَطُّ الفائِدَةِ إلْزامَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بِما تَفَضَّلَ بِهِ، قَدَّمَهُ (p-١١٨)تَعْجِيلًا لِلسُّرُورِ وتَطْيِيبًا لِلنُّفُوسِ فَقالَ: ﴿وكانَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الثَّباتِ والدَّوامِ ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ بِما أوْجَبْناهُ لِوَعْدِنا الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ ﴿نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ الوَصْفِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَمْ يَزَلْ هَذا دَأْبَنا في كُلِّ مِلَّةٍ عَلى مَدى الدَّهْرِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي إهْمالُها، فَلْيَعْتَدَّ هَؤُلاءِ لِمِثْلِ هَذا، ولِيَأْخُذُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ لِيَنْظُرُوا مَنِ المَغْلُوبُ وهَلْ يَنْفَعُهم شَيْءٌ؟ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا الإهْلاكُ الَّذِي هو أثَرُ الخِذْلانِ لِدَلالَةِ النَّصْرِ عَلَيْهِ، وثانِيًا الإنْعامُ لِدَلالَةِ الِانْتِقامِ عَلَيْهِ.

30:48Page 409

ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨

It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى البَعْثِ وإقامَةِ الوُجُودِ بِتَصْرِيفِهِ الرِّياحَ كَيْفَ يَشاءُ وأتْبَعَهُ آيَةَ التَّسْلِيَةِ والتَّهْدِيدِ، وكانَ عَذابُ المَذْكُورِينَ فِيها بِالرِّيحِ أوْ ما هي سَبَبُهُ أوْ لَها مَدْخَلٌ فِيهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الإعْلامَ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ سُبْحانَهُ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ آيَةِ الرِّياحِ لَلَخَّصَ عَلى تَدَبُّرِها، مُؤَكِّدًا لِأمْرِ البَعْثِ ومُصَرِّحًا بِهِ، فَقالَ ثانِيًا الكَلامَ عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ النِّقْمَةُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ الَّذِي نَظَرُهُ إلى النِّعْمَةِ أكْثَرُ مِن نَظَرِهِ إلى النِّقْمَةِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي يُرْسِلُ﴾ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالكَمالِ فَلا كُفُؤَ لَهُ: ﴿الرِّياحَ﴾ مُضْطَرِبَةً (p-١١٩)هائِجَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ ساكِنَةً، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالجَمْعِ خِلافًا لِابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَنْبِيهٌ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ في كَوْنِهِ يَفْعَلُ ما ذَكَرَهُ بِأيِّ رِيحٍ أرادَ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ.

ولَمّا أسْنَدَ الإثارَةَ إلى الرِّياحِ، نَزَعَ الإسْنادَ إلَيْها في البَسْطِ والتَّقْطِيعِ فَإنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ قُوَّةَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِيُعْلِمَ أنَّ الكُلَّ فِعْلُهُ فَقالَ: ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ بَعْدَ اجْتِماعِهِ ﴿فِي السَّماءِ﴾ أيْ جِهَةِ العُلُوِّ.

ولَمّا كانَ أمْرُ السَّحابِ في غايَةِ الإعْجابِ في وُجُودِهِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ وأشْكالُهُ وألْوانُهُ وجَمِيعُ أحْوالِهِ في اجْتِماعِهِ وافْتِراقِهِ [وكَثافَتِهِ] وما فِيهِ مِن مَطَرٍ ورَعْدٍ وبَرْقٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، أشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ كانُوا قَدْ عَدُّوها [هُنا] شَرْطِيَّةً فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ كَما ﴿يَشاءُ﴾ في أيِّ ناحِيَةٍ [شاءَ قَلِيلًا] تارَةً كَمَسِيرَةِ ساعَةٍ أوْ يَوْمٍ، وكَثِيرًا أُخْرى كَمَسِيرَةِ أيّامٍ عَلى أوْضاعٍ مُخْتَلِفَةٍ تَدُلُّكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ وحْدَهُ بِاخْتِيارِهِ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِذَلِكَ كَوْنَهُ عَلى هَيْئَةِ الِاتِّصالِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُهُ﴾ أيْ إذا أرادَ ﴿كِسَفًا﴾ أيْ قِطَعًا غَيْرَ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ (p-١٢٠)اتِّصالًا يَمْنَعُ نُزُولَ الماءِ ﴿فَتَرى﴾ أيْ بِسَبَبِ إرْسالِ اللَّهِ لَهُ أوْ بِسَبَبِ جَعْلِهِ ذا مَسامَّ وفُرَجٍ، يا مَن لَهُ أهْلِيَّةُ الرُّؤْيَةِ، أوْ يا أشْرَفَ خَلْقِنا الَّذِي لا يَعْرِفُ هَذا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ سِواهُ ﴿الوَدْقَ﴾ أيِ المَطَرُ المُتَقاطِرُ القَرِيبُ الواسِعُ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيِ السَّحابِ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ في حالَتَيِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُرُورَ عِبادِهِ لِما يَرْجُونَ مِن أثَرِهِ وإنْ كانُوا كَثِيرًا ما يُشاهِدُونَ تَخَلُّفَ الأثَرِ لِعَوارِضَ يُنْتِجُها سُبْحانَهُ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ مُشِيرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ إلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وتَحَقُّقِ إنْعامِهِ: ﴿فَإذا أصابَ﴾ [أيِ اللَّهُ] ﴿بِهِ مَن﴾ أيِّ أرْضٍ مَن ﴿يَشاءُ﴾ ونَبَّهَ عَلى [أنَّ] ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ أصْلًا شَيْءٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ تَزَلْ عِبادَتُهُ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، وهم جَدِيرُونَ بِمُلازَمَةِ شُكْرِهِ، والخُضُوعِ لِأمْرِهِ، خاصًّا لَهم بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، وبَيَّنَ خِفَّتَهم بِإسْراعِهِمْ إلى الِاسْتِبْشارِ مَعَ احْتِمالِ العاهاتِ، جامِعًا رَدًّا عَلى مَعْنى ”مَن“ أوْ عَلى ”العِبادِ“ لِأنَّ الخِفَّةَ مِنَ الجَماعَةِ أفْحَشُ فَقالَ: ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ يَظْهَرُ عَلَيْهِمُ البِشْرُ، وهو السُّرُورُ الَّذِي تُشْرِقُ لَهُ البَشَرَةُ حالَ الإصابَةِ ظُهُورًا بالِغًا عَظِيمًا [بِما] يَرْجُونَهُ مِمّا يَحْدُثُ عَنْهُ مِنَ الأثَرِ النّافِعِ مِنَ الخِصْبِ والرُّطُوبَةِ واللِّينِ؛

30:49Page 409

وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩

Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.

(p-١٢١)ثُمَّ بَيَّنَ طَيْشَهم وعَجْزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ في الزَّمَنِ الماضِي كَوْنًا مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِهِمْ، وبَيْنَ قُرْبِ يَأْسِهِمْ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ دَلالَةً عَلى سُرْعَةِ انْفِعالِهِمْ وكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ بِالجارِّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ﴾ أيِ المَطَرُ بِأيْسَرِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ عِظَمَ خِفَّتِهِمْ وعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الِاسْتِبْشارِ سِواهُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلِ زَمانٍ يُمْكِنُ أنْ يُدَّعى لَهم فِيهِ تَسَبُّبٌ في المَطَرِ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ ساكِتِينَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ تَحَيُّرًا ويَأْسًا وانْقِطاعًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حِيلَةٌ، ولا لِمَعْبُوداتِهِمْ صَلاحِيَّةٌ لَهُ بِاسْتِقْلالٍ ولا وسِيلَةٍ.

30:50Page 409

فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠

So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.

ولَمّا انْكَشَفَ بِذَلِكَ الغِطاءُ، وزاحَتِ الشُّبَهُ، أعْرَضَ سُبْحانَهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ”تَرى“ لِمَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الرُّؤْيَةِ إيذانًا بِأنَّهُ لا فَهْمَ لَهم مُلْتَفِتًا إلى خُلاصَةِ الخَلْقِ الصّالِحِ لِلتَّلَقِّي [عَنْهُ] قائِلًا مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فانْظُرْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ تَعْظِيمِ النِّعْمَةِ، وأنَّ الرِّزْقَ أكْثَرُ مِنَ الخَلْقِ، [عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ] إشارَةً إلى تَأمُّلِ الأقْصى بَعْدَ تَأمُّلِ الأدْنى فَقالَ: ﴿إلى آثارِ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ سَبَبٌ سِوى سَبْقِ رَحْمَتِهِ لِغَضَبِهِ قالَ: ﴿رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ لِلْجامِعِ لِمَجامِعِ العِظَةِ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَنْبِيهًا عَلى (p-١٢٢)ما في ذَلِكَ مِن تَناهِي العَظَمَةِ في تَنَوُّعِ الزُّرُوعِ بَعْدَ سُقْيا الأرْضِ واهْتِزازِها بِالنَّباتِ واخْضِرارِ الأشْجارِ واخْتِلافِ الثِّمارِ، وتَكَوُّنِ الكُلِّ مِن ذَلِكَ الماءِ.

ولَمّا كانَ هَذا مِنَ الخَوارِقِ العَظِيمَةِ، ولَكِنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَ حَتّى صارَ مَأْلُوفًا، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ أيْ هَذا الأثَرُ أوِ اللَّهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿الأرْضَ﴾ بِإخْراجِ ما ذُكِرَ مِنها.

ولَمّا كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلى تَجْدِيدِ إحْيائِها دائِمَةً - عَلى ما أشارَ إلَيْهِ المُضارِعُ ودَعا إلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ، أشارَ إلى ذَلِكَ أيْضًا بِتَرْكِ الجارِّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِانْعِدامِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا دالًّا عَلى القُدْرَةِ عَلى إعادَةِ المَوْتى ولا بُدَّ لِأنَّهُ مِثْلُهُ سَواءً، فَإنَّ جَمِيعَ ما لا يُنْبِتُهُ الآدَمِيُّونَ يَتَفَرَّقُ في الأرْضِ بَعْدَ كَوْنِهِ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ، ويَتَفَتَّتُ بِحَيْثُ يَصِيرُ تُرابًا، فَإذا نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ عادَ كَما كانَ أوْ أحَسَنَ قالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ العَظِيمَ الشَّأْنِ الَّذِي قَدَرَ عَلى هَذا ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ كُلِّها مِنَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ، أيْ ما زالَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ثابِتًا لَهُ هَذا الوَصْفُ ولا يَزالُ ﴿وهُوَ﴾ مَعَ ذَلِكَ (p-١٢٣)﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ القُدْرَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى كُلِّ مُمْكِنٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.

30:51Page 410

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١

But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1

ولَمّا كانَ تَكْرارُ مُشاهَدَتِهِمْ لِمِثْلِ هَذا الِاقْتِدارِ لا يُفِيدُهم عِلْمًا بِاللَّهِ تَعالى، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، لافِتًا الكَلامَ إلى سِياقِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ عَفْوِهِ سُبْحانَهُ مَعَ تَمامِ القُدْرَةِ، مُؤَكِّدًا لَهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ عَدَمُ الِاسْتِفادَةِ بِالمَواعِظِ، مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْعامَهُ أكْثَرُ مِنِ انْتِقامِهِ، مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ لِإنْكارِهِمُ الكُفْرَ: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا﴾ بَعْدَ وُجُودِ هَذا الأثَرِ الحَسَنِ ﴿رِيحًا﴾ عَقِيمًا ﴿فَرَأوْهُ﴾ أيِ الأثَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلرِّيحِ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ ﴿مُصْفَرًّا﴾ قَدْ ذَبُلَ وأخَذَ في التَّلَفِ مِن شِدَّةِ يُبْسِ الرِّيحِ إمّا بِالحَرِّ أوِ البَرْدِ ﴿لَظَلُّوا﴾ أيْ لَدامُوا وعِزَّتِنا لَها يُجَدِّدُونَ الكُفْرَ أبَدًا وإنْ كانَ ”ظَلَّ“ مَعْناهُ: دامَ نَهارًا، وعَبَّرَ بِالماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ نَحْوُ ”لِيَظَلَّنَّ واللَّهِ“ تَأْكِيدًا لِتَحْقِيقِهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالظُّلُولِ لِأنَّ مُدَّةَ النَّوْمِ لا تَجْدِيدَ فِيها لِلْكُفْرِ، ولِذَلِكَ أتى فِيها بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ حَيْثُ قالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدَ اصْفِرارِهِ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بِيَأْسِهِمْ مِن رَوْحِ اللَّهِ وجُحُودِهِمْ لِما أسْلَفَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ بَعْدَ ما تَكَرَّرَ مِن تَعَرُّفِهِ سُبْحانَهُ (p-١٢٤)إلَيْهِمْ بِالإحْسانِ، بَعْدَ [ما] التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ، وكانَ وكانَ فَلا هم عِنْدَ السَّرّاءِ بِالرَّحْمَةِ شَكَرُوا، وعِنْدَ الضَّرّاءِ بِالنِّقْمَةِ صَبَرُوا، بَلْ لَمْ يَزِيدُوا هُناكَ عَلى الِاسْتِبْشارِ، ولا نَقَصُوا هُنا شَيْئًا مِن تَجْدِيدِ الكُفْرِ والإصْرارِ، فَلَمْ يَزالُوا لِعَدَمِ اسْتِبْصارِهِمْ عَلى الحالَةِ المَذْمُومَةِ، ولَمْ يَسْبِقُوا في إزالَةِ النِّقَمِ، [ولا إنالَةِ النِّعَمِ، فَكانُوا أضَلَّ مِنَ النَّعَمِ].

30:52Page 410

فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢

So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ مِن حالِهِمْ في سُرْعَةِ الحُزْنِ والفَرَحِ في حالَتَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ وإصْرارِهِمْ عَلى تَجْدِيدِ الكُفْرِ دَلِيلًا عَلى خِفَّةِ أحْلامِهِمْ، وسُوءِ تَدَبُّرِهِمْ، فَإنَّهم لا لِلْآياتِ المَرْئِيَّةِ يَعُونَ، ولا لِلْمَتْلُوَّةِ عَلَيْهِمْ يَسْمَعُونَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّعْرِيفَ بِأنَّ أمْرَهم لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وهو قَدْ جَعَلَهم [أمْواتَ] المَعانِي، فَقالَ مُمَثِّلًا لَهم بِثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ، وأكَّدَهُ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ حالُهم كَذَلِكَ والنَّبِيُّ ﷺ شَدِيدُ السَّعْيِ في إسْماعِهِمْ والجُهْدِ في ذَلِكَ: ﴿فَإنَّكَ﴾ أيِ اسْتِدامُتُهم لِكُفْرِهِمْ هَذا تارَةً في الرَّخاءِ وتارَةً في الشِّدَّةِ وُقُوفًا مَعَ الأثَرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ما إلى المُؤَثِّرِ وأنْتَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ، وتُنَبِّهُهم عَلى بَدائِعِ بَيِّناتِهِ بِسَبَبِ أنَّكَ ﴿لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ أيْ لَيْسَ في قُدْرَتِكَ إسْماعُ الَّذِينَ لا حَياةَ لَهُمْ، فَلا نَظَرَ ولا سَمْعَ، أوْ مَوْتى القُلُوبِ، إسْماعًا (p-١٢٥)يَنْفَعُهُمْ، لِأنَّهُ مِمّا اخْتَصَّ بِهِ سُبْحانَهُ، وهَؤُلاءِ مِنهم مَن هم مِثْلُ الأمْواتِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَتَمَ عَلى مَشاعِرِهِمْ ﴿ولا تُسْمِعُ﴾ أيْ أنْتَ في قِراءَةِ الجَماعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿الصُّمَّ﴾ أيِ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم أصْلًا، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ الفِعْلَ مِن سَمِعَ ورَفَعَ الصُّمَّ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَن ماتَ أوْ ماتَ قَلْبُهُ ولا يَسْمَعُ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ ﴿الدُّعاءَ﴾ إذا دَعَوْتَهُمْ، ثُمَّ لَمّا كانَ الأصَمُّ قَدْ يُحِسُّ بِدُعائِكَ إذا كانَ مُقْبِلًا بِحاسَّةِ بَصَرِهِ قالَ: ﴿إذا ولَّوْا﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ ولَمْ يَقُلْ: ولَّتْ، إشارَةً إلى قُوَّةِ التَّوَلِّي لِئَلّا يُظَنُّ أنَّهُ أُطْلِقَ عَلى المُجانَبَةِ مَثَلًا، ولِذا بَنى مِن فاعِلِهِ حالًا هي قَوْلُهُ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾

30:53Page 410

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].

ولَمّا بَدَأ بِفاقِدِ حاسَّةِ السَّمْعِ لِأنَّها أنْفَعُ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ إنَّما يُفارِقُ غَيْرَهُ مِنَ البَهائِمِ بِالكَلامِ، أتْبَعَها حاسَّةَ البَصَرِ مُشِيرًا بِتَقْدِيمِ الضَّمِيرِ إلى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ في هِدايَتِهِمُ اجْتِهادَ مَن كَأنَّهُ يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ تَدْرِيبًا لِغَيْرِهِ في الِاقْتِصادِ في الأُمُورِ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ﴾ أيْ بِمُوجِدٍ لَهم هِدايَةً وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ، (p-١٢٦)هَذا في قِراءَةِ الجَماعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ، وجَعَلَهُ حَمْزَةُ فِعْلًا مُضارِعًا مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن هَدى، فالتَّقْدِيرُ: وما أنْتَ تُجَدِّدُ هِدايَةَ العُمْيِ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ إذا ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ فَأبْعَدُوا وإنْ كانَ أدْنى ضَلالٍ، بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ، وإنْ أتْعَبْتَ نَفْسَكَ في نَصِيحَتِهِمْ، فَإنَّهم لا يَسْلُكُونَ السَّبِيلَ إلّا وأيْدِيهِمْ في يَدِكَ ومَتى غَفَلْتَ عَنْهم وأنْتِ لَسْتَ بِقَيُّومٍ رَجَعُوا إلى ضَلالِهِمْ، فالمَنفِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ ما تَقْتَضِيهِ الِاسْمِيَّةُ مِن دَوامِ الهِدايَةِ مُؤَكَّدًا، وقِراءَةُ حَمْزَةَ ما يَقْتَضِيهِ المُضارِعُ مِنَ التَّجَدُّدِ وفي الَّتِي قَبْلَها ما تَقْتَضِيهِ الفِعْلِيَّةُ المُضارَعَةُ مِنَ التَّجَدُّدِ ما دامَ مَشْرُوطًا بِالإدْبارِ، وفي الأُولى تَجَدُّدُ السَّماعِ مُطْلَقًا فَهي أبْلَغُ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَها، فَمَمْثُولُ الصِّنْفِ الأوَّلِ [مَن] لا يَقْبَلُ الخَيْرَ بِوَجْهٍ ما مِثْلُ أبِي جَهْلٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، والثّانِي مَن [قَدْ] يُقارِبُ مُقارَبَةً ما مِثْلُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حِينَ كانَ يَقُولُ لَهُمْ: خُلُّوا بَيْنَ هَذا الرَّجُلِ وبَيْنَ النّاسِ، فَإنْ أصابُوهُ فَهو ما أرَدْتُمْ وإلّا فَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، والثّالِثُ المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ في الكُلِّ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ أنَكَأُ، واللَّهُ المُوَفِّقِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ إيغالِهِمْ في الكُفْرِ، بَيَّنَهُ [بِبَيانِ أنَّ المُرادَ مَوْتُ القَلْبِ وصَمَمُهُ وعَماهُ لا الحَقِيقِيُّ] بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما (p-١٢٧)﴿تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ يُجَدِّدُ إيمانَهُ مَعَ الِاسْتِمْرارِ مُصَدِّقًا ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ فِيهِ قابِلِيَّةُ ذَلِكَ دائِمًا، فَهو يُذْعِنُ لِلْآياتِ المَسْمُوعَةِ، ويَعْتَبِرُ بِالآياتِ المَصْنُوعَةِ، وأشارَ بِالإفْرادِ في الشَّرْطِ إلى أنَّ لَفْتَ الواحِدِ عَنْ رَأْيِهِ أقْرَبُ مِن لَفْتِهِ وهو مَعَ غَيْرِهِ، وأشارَ بِالجَمْعِ في الجَزاءِ إلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إنْ سُلِكَتْ كَثُرَ التّابِعُ فَقالَ: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَبُولِهِمْ لِذَلِكَ أنَّهم ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِلدَّلِيلِ غايَةَ الِانْقِيادِ غَيْرُ جامِدَيْنِ مَعَ التَّقْلِيدِ.

30:54Page 410

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤

Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلالاتِ، تارَةً في الأجْسامِ، وتارَةً في القُوى، وأكْثَرَ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الحُجَجِ البَيِّناتِ، وخَتَمَ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ هَذِهِ البَراهِينَ إلّا مَن حَسُنَتْ طَوِيَّتُهُ، فَلانَتْ لِلْأدِلَّةِ عَرِيكَتُهُ، وطارَتْ في فَيافِي المَقادِيرِ بِأجْنِحَةِ العُلُومِ فِكْرَتُهُ ورَوَيَّتُهُ، وصَلَ بِذَلِكَ دَلِيلًا جامِعًا بَيْنَ القُدْرَةِ عَلى الأعْيانِ والمَعانِي إبْداءً وإعادَةً، ولِذَلِكَ لَفَتَ الكَلامَ إلى الِاسْمِ الجامِعِ ولَفَتَهُ إلى الخِطابِ لِلتَّعْمِيمِ والِاسْتِعْطافِ بِالتَّشْرِيفِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ ولا وهْمَ يُنْكِرُونَها، فَكَأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، فَإنَّهُ لا انْفِكاكَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الجامِعُ لِصِفاتِ (p-١٢٨)الكَمالِ [وحْدَهُ].

ولَمّا كانَ تَعْرِيفُ المَوْصُولِ ظاهِرًا غَيْرَ مُلْبِسٍ، عَبَّرَ بِهِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَدَمِ. ولَمّا كانَ مَحَطُّ حالِ الإنْسانِ وما عَلَيْهِ أساسُهُ وجِبِلَّتُهُ الضَّعْفَ، وأضْعَفُ ما يَكُونُ في أوَّلِهِ قالَ: ﴿مِن ضَعْفٍ﴾ أيْ مُطْلَقٍ، بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ بِخِلافٍ عَنْ حَفْصٍ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَوِيَ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الباقِينَ بِالضَّمِّ، أوْ مِنَ الماءِ المَهِينِ إلى ما شاءَ اللَّهُ مِنَ الأطْوارِ، ثُمَّ ما شاءَ اللَّهُ مِن سِنِّ الصَّبِيِّ.

ولَمّا كانَتْ تَقْوِيَةُ [المَعْنى] الضَّعِيفِ مِثْلَ إحْياءِ الجَسَدِ المَيِّتِ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ عَنْ سَبَبٍ وتَصْيِيرٍ بِالتَّطْوِيرِ في أطْوارِ الخَلْقِ بِما يُقِيمُهُ مِنَ الأسْبابِ، ولَمّا كانَ لَيْسَ المُرادُ الِاسْتِغْراقَ عَبَّرَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾ ولَمّا كانَ الضَّعْفُ الَّذِي تَكُونُ عَنْهُ القُوَّةُ غَيْرَ الأوَّلِ، أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ فَقالَ: ﴿ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ بِكِبَرِ العَيْنِ والأثَرِ مِن حالِ التَّرَعْرُعِ إلى القُوَّةِ بِالبُلُوغِ إلى التَّمامِ في أحَدٍ وعِشْرِينَ عامًا، وهو ابْتِداءُ سَنِّ الشَّبابِ إلى سَنِّ الِاكْتِمالِ بِبُلُوغِ الأشُدِّ في [اثْنَيْنِ و] أرْبَعِينَ عامًا فَلَوْلا تَكَرُّرُ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ لَكانَ خَرْقُ العادَةِ في إيجادِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ إعادَةِ الشَّيْخِ شابًّا بَعْدَ هَرَمِهِ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ في (p-١٢٩)شَبابٍ تَقْوى بِهِ القُلُوبُ، وتَحْمى لَهُ الأُنُوفُ، وتَشْمَخُ مِن جَرّائِهِ النُّفُوسُ ﴿ضَعْفًا﴾ رَدًّا لِما لَكَمَ إلى أصْلِ حالِكم.

ولَمّا كانَ بَياضُ الشَّعْرِ يَكُونُ غالِبًا مِن ضَعْفِ المِزاجِ قالَ: ﴿وشَيْبَةً﴾ وهي بَياضٌ في الشِّعْرِ ناشِئٌ مَن بَرْدٍ في المِزاجِ ويُبْسٍ يَذْبُلُ بِهِما الجِسْمُ، ويُنْقِصُ الهِمَّةَ والعِلْمَ، وذَلِكَ بِالوُقُوفِ مِنَ الثّالِثَةِ والأرْبَعِينَ، وهو أوَّلُ سِنِّ الِاكْتِهالِ وبِالأخْذِ في النَّقْصِ بِالفِعْلِ بَعْدَ الخَمْسِينَ إلى أنْ يَزِيدَ النَّقْصُ في الثّالِثَةِ والسِّتِّينَ، وهو أوَّلُ سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ، ويَقْوى الضَّعْفُ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ هي العادَةَ الغالِبَةَ وكانَ النّاسُ مُتَفاوِتِينَ فِيها، وكانَ مِنَ النّاسِ مَن يَطْعَنُ في السِّنِّ وهو قَوِيٌّ، أنْتَجَ ذَلِكَ كُلَّهُ - ولا بُدَّ - التَّصَرُّفُ بِالِاخْتِيارِ مَعَ شُمُولِ العِلْمِ وتَمامِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ أيِ البالِغُ العِلْمِ فَهو يُسَبِّبُ ما أرادَ مِنَ الأسْبابِ لِما يُرِيدُ إيجادَهُ أوْ إعْدامَهُ ﴿القَدِيرُ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إبْطالِ شَيْءٍ مِن أسْبابِهِ، فَلِذَلِكَ لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ أرادَهُ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ فِيهِ أصْلًا، وقَدَّمَ صِفَةَ العِلْمِ لِاسْتِتْباعِها لِلْقُدْرَةِ الَّتِي المَقامُ لَها، فَذِكْرُها إذَنْ تَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ، وعِبارَةٌ بَعْدَ إشارَةٍ.

30:55Page 410

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥

And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.

(p-١٣٠)ولَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَوْمَ يُرِيدُ مَوْتَكم تَمُوتُونَ، لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْ لَحْظَةِ الأجَلِ ولا تَسْتَقْدِمُونَ، قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ الَّتِي هي إعادَةُ الخَلائِقِ الَّذِينَ كانُوا بِالتَّدْرِيجِ في أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ لا يَعْلَمُ مِقْدارَها إلّا اللَّهُ تَعالى في أقَلِّ مِن لَمْحِ البَصَرِ، ولِذا سُمِّيَتْ بِالسّاعَةِ إعْلامًا بِيُسْرِها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الإجْرامِ جَرْيًا مِنهم عَلى دَيْدَنِ الجَهْلِ في الجَزْمِ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا: ﴿ما﴾ أيْ إنَّهم ما ﴿لَبِثُوا﴾ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أيْ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُعْجِبًا لِأنَّهُ كَلامٌ كَذِبٌ بِحَيْثُ يُؤَرِّثُ أشَدَّ الفَضِيحَةِ والخِزْيِ في ذَلِكَ الجَمْعِ الأعْظَمِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُغْنٍ شَيْئًا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لَهُ: فَلا عَجَبَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ إلى شُكُوكِها ﴿كانُوا﴾ في الدُّنْيا كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الصَّوابِ الَّذِي مَنشَأُهُ تَحَرِّي الصِّدْقِ والإذْعانِ لِلْحَقِّ إلى الباطِلِ الَّذِي مَنشَأُهُ تَحَرِّي المُغالَبَةِ بِصَرْفِنا لَهُمْ، (p-١٣١)فَإنَّهُ لا فَرْقَ في قُدْرَتِنا وعِلْمِنا بَيْنَ حَياةٍ وحَياةٍ، ودارٍ ودارٍ، ولَعَلَّهُ بَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ انْقِيادِهِمْ إلى الباطِلِ مَعَ أيِّ صارِفٍ كانَ.

30:56Page 410

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦

But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1

ولَمّا وصَفَ الجاهِلِينَ، أتْبَعَهُ صِفَةَ العُلَماءِ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ﴾ [و] عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى شُكْرِ مَن آتاهُمُوهُ، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى تَسْهِيلِ أخْذِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَلِيلِ والحَقِيرِ، وأتْبَعَهُ ما لا يُشْرِقُ أنْوارَهُ ويُبْرِزُ ثِمارَهُ غَيْرُهُ، فَقالَ: ﴿والإيمانَ﴾ إشارَةً إلى تَفَكُّرِهِمْ في جَمِيعِ الآياتِ الواضِحَةِ والغامِضَةِ مُقْسِمِينَ كَما أقْسَمَ أُولَئِكَ مُحَقِّقِينَ مَقالَهم مُواجِهِينَ لِلْمُجْرِمِينَ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا مُؤَكِّدِينَ ما أنْكَرَ أُولَئِكَ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في إخْبارِ قَضاءِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ الَّذِي كَتَبَهُ في كِتابِهِ الَّذِي كانَ يُخْبِرُ بِهِ الدُّنْيا ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وأمّا تَعْيِينُ مُدَّةِ اللُّبْثِ فَأخْفاهُ عَنْ عِبادِهِ، ولَمّا أعْلَمَ القُرْآنُ أنَّ غايَةَ البَرْزَخِ البَعْثُ، وصَدَقَ في إخْبارِهِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَهَذا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ ما كُنّا نَقُولُهُ وتُكَذِّبُونَنا فِيهِ، نَقُولُ لَكُمُ الآنَ حَيْثُ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَكْذِيبٍ: هَذا ﴿يَوْمِ البَعْثِ﴾ [أيْ] الَّذِي آمَنّا بِهِ وكُنْتُمْ (p-١٣٢)تُنْكِرُونَهُ، قَدْ كانَ طِبْقَ ما [كُنّا] نَقُولُهُ لَكُمْ، فَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِكُمْ، وكُنْتُمْ تَدَّعُونَ الخَلاصَ فِيهِ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكاذِيبِ قَصْدًا لِلْمُغالَبَةِ، فَما كُنْتُمْ صانِعِينَ عِنْدَ حُضُورِهِ فاصْنَعُوهُ الآنَ، تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّهُ لا فائِدَةَ في تَحْرِيرِ مِقْدارِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا ولا في البَرْزَخِ، وإنَّما الفائِدَةُ في التَّصْدِيقِ بِما أخْبَرَ بِهِ الكِتابُ حَيْثُ كانَ التَّصْدِيقُ نافِعًا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قَدْ أتى كَما كُنّا بِهِ عالِمِينَ، فَلَوْ كانَ لَكم نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ لَصَدَّقْتُمُونا في إخْبارِنا بِهِ فَنَفَعَكم ذَلِكَ الآنَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّكم كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَكم في إنْكارِكم لَهُ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم عِلْمٌ أصْلًا، لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ العِلْمِ مِن أبْوابِهِ، والتَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِأسْبابِهِ، فَلِذَلِكَ كَذَّبْتُمْ بِهِ فاسْتَوْجَبْتُمْ جَزاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском