Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:57–60
30:57Page 410
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الروم: ١٥] في أشْكالِها مِنَ الآياتِ دالًّا عَلى أنَّ هَذِهِ الدُّنْيا دارُ العَمَلِ، وأنَّ دارَ الآخِرَةِ دارُ الجَزاءِ، وأنَّ البَرْزَخَ هو حائِلٌ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ في واحِدَةٍ مِنهُما ما لِلْأُخْرى، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَقُومُ السّاعَةُ، وتَقَعُ هَذِهِ المُقاوَلَةُ ﴿لا يَنْفَعُ﴾ أيْ نَفْعًا ما ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ وضَعُوا الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ وهي ما تُثْبِتُ عُذْرَهُمْ، وهو إيساغُ الحِيلَةِ في وجْهٍ يُزِيلُ ما ظَهَرَ مِنَ (p-١٣٣)التَّقْصِيرِ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم وإنْ بالَغُوا في إثْباتِهِ، والعِبارَةُ شَدِيدَةٌ جِدًّا مِن حَيْثُ كانَتْ تُعْطِي أنَّ مَن وقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ ما يَوْمًا ما كانَ هَذا حالَهُ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَكُونُ مِنهم مَعاذِيرُ، وتَرَقُّقٌ كَثِيرٌ، وتَذَلُّلٌ كَبِيرٌ، فَلا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ وهي أبْلَغُ مِن قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِتَذْكِيرِهِ بِتَأْوِيلِ العُذْرِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْفَعِ الِاعْتِذارُ الكَثِيرُ لَمْ يَنْفَعِ القَلِيلُ [الَّذِي] دَلَّ عَلَيْهِ المُجَرَّدُ ولا عَكْسَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مُتَوَجِّهَةً لِلْكَفَرَةِ وقِراءَةُ الكُوفِيِّينَ لِلْعُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ مِنهم مَن يَنْفَعُهُ الِاعْتِذارُ فَيُعْفى عَنْهُ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما ورَدَ في «آخِرِ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا [مِنها] أنَّهُ يَسْألُ في صَرْفِ وجْهِهِ [عَنْها] ويُعاهِدُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ [لا] يَسْألُهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإذا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ رَأى شَجَرَةً عَظِيمَةً فَيَسْألُ أنْ يُقَدِّمَهُ إلى ظِلِّها فَيَقُولُ اللَّهُ: ألَسْتَ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمَواثِيقَ [أنْ لا تَسْألَ]؟ فَيَقُولُ: بَلى! يا رَبِّ! ولَكِنْ لا أكُونُ أشْقى خَلْقِكَ - الحَدِيثُ، وفِيهِ ”ورَبُّهُ يَعْذُرُهُ“» فَهَذا قَدْ قَبِلَ عُذْرَهُ (p-١٣٤)فِي الجُمْلَةِ، ولا يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يُزِيلَ العُتْبَ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالعَمَلِ، وقَدْ فاتَ مَحَلُّهُ، فَأتَتِ المَغْفِرَةُ مِن وراءِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ولَمّا كانَ العِتابُ مِن سُنَّةِ الأحْبابِ قالَ: ﴿ولا هُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ وضَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ يُطْلَبُ مِنهم ظاهِرًا أوْ باطِنًا بِتَلْوِيحٍ أوْ تَصْرِيحٍ أنْ يُزِيلُوا ما وقَعُوا فِيهِ مِمّا يُوجِبُ العُتْبَ، وهو المَوْجِدَةُ عَنْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ فِيهِ المَعْتُوبُ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالطّاعَةِ وقَدْ فاتَ مَحَلُّها بِكَشْفِ الغِطاءِ لِفَواتِ الدّارِ الَّتِي تَنْفَعُ فِيها الطّاعاتُ لِكَوْنِها إيمانًا بِالغَيْبِ، والعِبارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يُعاتَبُونَ عِتابًا يُلَذِّذُهم.
30:58Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
ولَمّا أبانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ طُرُقَ الإيمانِ أيَّ بَيانٍ، وألْقَتْ عَلى وُجُوهِ أهْلِ الطُّغْيانِ غايَةَ الخِزْيِ والهَوانِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: لَقَدْ أتَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ خاصَّةً بَعْدَ عُمُومِ ما في سائِرِ القُرْآنِ بِكُلِّ حُجَّةٍ لا تَقُومُ لَها الأمْثالُ، ولَمْ نُبْقِ لِأحَدٍ عُذْرًا ولا شَيْئًا مِن إشْكالٍ، لِكَوْنِها لَيْسَ لَها في وُضُوحِها مِثالٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ صارِفًا الكَلامَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ تَقْبِيحًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِما يَأْتِي مِن قَبْلِهِ وتَرْهِيبًا مِنَ الأخْذِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم (p-١٣٥)يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ، ومَن أقَرَّ مِنهم مَعَ الكُفْرِ فَكُفْرُهُ قائِمٌ مُقامَ إنْكارِهِ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا﴾ .
ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ فِيها بِالنّاسِ أكْثَرَ، قالَ: ﴿لِلنّاسِ﴾ فَقَدَّمَهم في الذِّكْرِ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ عامَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ مَعْنًى غَرِيبٍ هو أوْضَحُ وأثْبَتُ مِن أعْلامِ الجِبالِ، في عِبارَةٍ هي أرْشَقُ مِن سائِرِ الأمْثالِ.
ولَمّا كانَ المَخْتُومُ عَلى مَشاعِرِهِمْ مِنهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ. وكانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، قالَ مُقْسِمًا تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ في الِاقْتِراحاتِ خاصًّا مِن أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ رَأسَهُمْ، دَلالَةً عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ في القُلُوبِ مِنَ العِظَمِ بِمَكانَةٍ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، مُعَبِّرًا بِالشَّرْطِ إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، عاطِفًا عَلى نَحْوِ: فَلَمْ يَنْفَعْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ: ﴿ولَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ أيِ النّاسَ عامَّةً ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ دَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى صِدْقِكَ مُعْجِزَةً، غَيْرَ ما جِئْتَهم بِهِ مِمّا اقْتَرَحُوهُ ووَعَدُوا الإيمانَ بِهِ مَرْئِيَّةً كانَتْ أوْ مَسْمُوعَةً ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ حَكَمْنا بِكُفْرِهِمْ غِلْظَةً وجَفاءً، ودَلَّ عَلى [فَرْطِ] عِنادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ولَمّا كانَ التَّخْصِيصُ بِالغِلْظَةِ أشَدَّ عَلى النَّفْسِ، ضَمَّ إلَيْهِ أتْباعَهُ تَسْلِيَةً وبَيانًا لِعَظِيمِ شِقاقِهِمْ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الآتِي بِالآيَةِ وأتْباعِهِ (p-١٣٦)﴿إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ مِن أهْلِ العَرافَةِ في الباطِلِ بِالإتْيانِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ في صُورَةِ ما لَهُ حَقِيقَةٌ، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَقُولُونَ: نَحْنُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُؤْمِنُونَ.
30:59Page 410
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ أنَّ مَن يَدَّعِي العَقْلَ يُصِرُّ عَلى التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ، ولا يُصْغِي لِدَلِيلٍ، ولا يَهْتَدِي لِسَبِيلٍ، قالَ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن سَألَهُ: هَلْ يَكُونُ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ؟ ومُرَغِّبًا في العِلْمِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ العَظِيمِ جِدًّا، ولَمّا كانَ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِناسٍ هِدايَةً ولِناسٍ ضَلالَةً جامِعًا إلى العَظَمَةِ تَمامَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، صَرَفَ الخِطابَ عَنْها إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ فَقالَ: ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، فَمَهْما أرادَ كانَ، عادَةً مُسْتَمِرَّةً، ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِمْ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ فَقالَ: ﴿عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُجَدِّدُونَ - أيْ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ - العِلْمَ بِأنْ لا يَطْلُبُوا عِلْمَ ما يَجْهَلُونَهُ مِمّا حَقَّقَهُ هَذا الكِتابُ مِن عُلُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ رِضًى مِنهم بِما عِنْدَهم مِن جَهالاتٍ سَمَّوْها دَلالاتٍ، وضَلالاتٍ ظَنُّوها هِداياتٍ وكَمالاتٍ.
30:60Page 410
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
ولَمّا كانَ هَذا مُذَكِّرًا بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ بَعْدَ الإياسِ مِن إيمانِهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ عَلى إنْذارِهِمْ مَعَ هَذا الجَفاءِ والرَّدِّ بِالباطِلِ (p-١٣٧)والأذى، فَإنَّ الكُلَّ فِعْلُنا لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ عَنْ إرادَتِنا.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ أمْرُهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ إنْفاذَ مِثْلِ ذَلِكَ في مَحَلِّ الإنْكارِ لِعِظَمِ المُخالِفِينَ وكَثْرَتِهِمْ مُظْهَرًا غَيْرَ مُضْمَرٍ لِئَلّا يَظُنُّ التَّقْيِيدَ بِحَيْثِيَّةِ الطَّبْعِ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ في كُلِّ ما وعَدَكَ بِهِ الَّذِي مِنهُ نَصْرُكَ وإظْهارُ دِينِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ونَصْرِ مَن قارَبَ أتْباعَكَ في التَّمَسُّكِ بِكِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ وإنْ كانَ قَدْ نُسِخَ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ ﴿حَقٌّ﴾ أيْ ثابِتٌ جِدًّا يُطابِقُهُ الواقِعُ كَما يَكْشِفُ عَنْهُ الزَّمانُ، وتَأْتِي بِهِ مَطايا الحَدَثانِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَعْجَلْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أيْ يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ ويَطْلُبُ أنْ تَخِفَّ بِاسْتِعْجالِ النَّصْرِ خَوْفًا مِن عَواقِبِ تَأْخِيرِهِ أوْ بِتَفْتِيرِكَ عَنِ التَّبْلِيغِ، بَلْ كُنْ بَعِيدًا مِنهم بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ والصَّدْعِ بِمُرِّ الحَقِّ مِن غَيْرِ مُحاباةٍ ما، بُعْدًا لا يَطْمَعُونَ مَعَهُ أنْ يَحْتالُوا في خِفَّتِكَ في ذَلِكَ بِنَوْعِ احْتِيالٍ، وقِراءَةُ ”يَسْتَحِقَنَّكَ“ مِنَ الحَقِّ (p-١٣٨)مَعْناها: أيْ لا يَطْلُبُ مِنكَ الحَقَّ الَّذِي هو الفَصْلُ العَدْلُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم أيْ لا تَطْلُبُهُ أنْتَ، فَهو مِثْلُ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا تَنْهى نَفْسَكَ وأنْتَ تُرِيدُ نَهْيَهُ عَنِ الكَوْنِ بِحَيْثُ تَراهُ، والنَّهْيُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالثَّقِيلَةِ أشَدُّ مِنهُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالخَفِيفَةِ، فَقِراءَةُ الجَماعَةِ مُصَوَّبَةٌ إلى أصْلِ الدِّينِ، أيْ لا تَفْعَلْ مَعَهم فِعْلًا يُطْمِعُهم في أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ فِيهِ، وقِراءَةُ رُوَيْسٍ إلى نَحْوِ الأمْوالِ فَإنَّهُ كانَ يَتَألَّفُهم بِالإيثارِ بِها، ولا شَكَّ أنَّهُ إذا آثَرَهم عَلى أكابِرِ المُسْلِمِينَ أطْمَعَهم ذَلِكَ في أنْ يَطْلُبُوا أنْ يَمِيلَ مَعَهُمْ، وما أفادَ هَذا إلّا تَحْوِيلُ النَّهْيِ، ولَوْ قِيلَ: لا تَخِفَّنَّ مَعَهُمْ، لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، ولا يُقالُ عَكْسَ هَذا مِن أنَّ النَّهْيَ في الثَّقِيلَةِ أخْفُّ لِأنَّهُ نُهِيَ عَنِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ فَيَبْقى أصْلُ الفِعْلِ.
وكَذا ما صَحِبَهُ تَأْكِيدٌ خَفِيفٌ، وفي الخَفِيفَةِ غَيْرُ المُؤَكَّدِ تَأْكِيدًا خَفِيفًا فَلا يَبْقى غَيْرُ أصْلِ الفِعْلِ فَهو أبْلَغُ، لِأنَّ النُّونَ لَمْ تَدْخُلْ إلّا بَعْدَ دُخُولِ النّاهِي فَلَمْ تُفِدْ إلّا قُوَّةَ النَّهْيِ لا قُوَّةَ المَنهِيِّ عَنْهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ أذى الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِوُعُودِنا تَصْدِيقًا ثابِتًا في القَلْبِ بَلْ هم إمّا شاكُّونَ فَأدْنى شَيْءٍ يُزَلْزِلُهم كَمَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، أوْ مُكَذِّبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ ولِمَن قارَبَهم في التَّمَسُّكِ بِكِتابٍ أصْلُهُ صَحِيحٌ، فَهم يُبالِغُونَ في العَداوَةِ والتَّكْذِيبِ حَتّى أنَّهم لَيُخاطِرُونَ في وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، (p-١٣٩)كَأنَّهم عَلى ثِقَةٍ وبَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، فَإذا صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في ذَلِكَ بِإظْهارٍ عَنْ قَرِيبٍ عَلِمُوا كَذِبَهم عِيانًا، وعَلِمُوا - إنْ كانَ لَهم عِلْمٌ - أنَّ الوَعْدَ بِالسّاعَةِ لِإقامَةِ العَدْلِ عَلى الظّالِمِ والعَوْدِ بِالفَضْلِ عَلى المُحْسِنِ كَذَلِكَ يَأْتِي وهم صاغِرُونَ، ويُحْشَرُونَ وهم داخِرُونَ،
﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فَقَدِ انْعَطَفَ آخِرُها عَلى أوَّلِها عَطْفَ الحَبِيبِ عَلى الحَبِيبِ، واتَّصَلَ بِهِ اتِّصالَ القَرِيبِ بِالقَرِيبِ، والتَحَمَ التِحامَ النَّسِيبِ بِالنَّسِيبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences