Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:9–20
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
ولَمّا أقامَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ، أتْبَعَهُ التَّهْدِيدَ والتَّهْوِيلَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا“: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ولَمّا أحاطَتْ آثارُ المُكَذِّبِينَ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ شَرْقًا وغَرْبًا، وجَنُوبًا وشَمالًا، بِدِيارِ ثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعادٍ وسَبَأٍ وقَوْمِ لُوطٍ، عَرَّفَ وأطْلَقَ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ [أيْ] سَيْرَ اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ وادِّكارٍ مِن أيِّ جِهَةٍ أرادُوا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم واقِفُونَ عِنْدَ النَّظَرِ في ظاهِرِ المُلْكِ بِأبْصارِهِمْ، قاصِرُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ في باطِنِ المَلَكُوتِ بِأفْكارِهِمْ، وفِيهِ هَزٌّ لَهم إلى امْتِطاءِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ العَلِيَّةِ، بِهَذِهِ العِبارَةِ الجَلِيَّةِ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾
ولَمّا كانَ ما حَلَّ بِالماضِينَ أمْرًا عَظِيمًا، نَبَّهَ عَلى عِظَمِهِ بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا لا قُدْرَةَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، (p-٥١)وتَذْكِيرُ العَمَلِ يُشِيرُ إلى عِظَمِ الأمْرِ ﴿عاقِبَةُ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ حالُ مَن قَرُبَ مِن زَمانِ الإنْسانِ أوْعَظَ لَهُ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ في إهْلاكِ العاصِي وإنْجاءِ الطّائِعِ، ولَمّا كانَ عِلْمُ العاقِبَةِ مَشْرُوطًا بِمَعْرِفَةِ البادِئَةِ قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هو في غايَةِ المُكْنَةِ.
[ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلظُّهُورِ والغَلَبَةِ الَّتِي إنَّما مَدارُها عَلى الشِّدَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلثَّباتِ، لا الكَثْرَةِ العارِيَةِ عَنْها، أعْرَضَ عَنْها وقالَ مُسْقِطًا ضَمِيرَ الفَصْلِ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لا يَظْهَرُ فِيهِ ادِّعاءُ العَرَبِ لِعُلُوِّهِمْ عَلى فارِسَ ولا الرُّومِ]: ﴿أشَدَّ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَرَبِ ﴿قُوَّةً﴾ أيْ في أبْدانِهِمْ وعُقُولِهِمْ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَقَّبُوا الجِبالَ، وعَمِلَوْا مِن مُتْقَنِ الصَّنائِعِ الَّتِي تَرَوْنَها مِنَ الأعْمالِ ما لَمْ يُدانِيهِ أحَدٌ مِنَ الأجْيالِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأثارُوا﴾ بِالحَرْثِ وغَيْرِهِ ﴿الأرْضِ﴾ فَأخْرَجُوا ما فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والمَعادِنِ والزُّرُوعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعادِنِ ﴿وعَمَرُوها﴾ أيْ أُولَئِكَ السّالِفُونَ ﴿أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِن إثارَةِ الأرْضِ وعِمارَتِها كَبِيرُ أمْرٍ، فَإنَّ بِلادَ العَرَبِ إنَّما هي جِبالٌ سُودٌ وفَيافِي غُبْرٌ، فَما هو إلّا تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وبَيانٌ لِضَعْفِ حالِهِمْ في دُنْياهُمُ الَّتِي لا فَخْرَ لَهم بِغَيْرِها.
(p-٥٢)ولَمّا كانُوا قَدْ وقَفُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ مَعَ السَّبَبِ الأدْنى، ولَمْ يَرْتَقُوا بِعُقُولِهِمْ إلى المَطْلُوبِ الأعْلى، أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ الدُّعاةَ يُنَبِّهُونَهم مِن رَقْدَتِهِمْ، ويُنْقِذُونَهم مِن غَفْلَتِهِمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَضَلُّوا عَنِ المَنهَجِ الواضِحِ، وعَمُوا عَنِ السَّبِيلِ الرَّحْبِ، وزاغُوا عَنْ طَرِيقِ الرَّبِّ، فَأرْسَلْنا إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ إلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ عِنْدَ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيْ عَنّا ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ مِثْلُ ما أتاكم بِهِ رَسُولُنا مِن وُعُودِنا السّابِقَةِ، وأُمُورِنا الخارِقَةِ، كَأمْرِ الإسْراءِ وما أظْهَرَ فِيهِ مِنَ الغَرائِبِ كالإخْبارِ بِأنَّ العِيرَ تَقْدُمُ في يَوْمِ كَذا يَقْدُمُها جَمَلٌ صِفَتُهُ كَذا وغَرائِرُهُ كَذا، فَظَهَرَ كَذَلِكَ، وما آمَنتُمْ كَما لَمْ يُؤْمَن مَن كانَ أشَدَّ مِنكم قُوَّةً ﴿فَما﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ ما ﴿كانَ اللَّهُ﴾ عَلى ما لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ مُرِيدًا ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَهم فِعْلَ مَن تَعُدُّونَهُ أنْتُمْ ظالِمًا بِأنْ يُهْلِكَهم في الدُّنْيا ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنهم في القِيامَةِ قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الظُّلْمَ لَها بِإيقاعِ الضُّرِّ مَوْقِعَ جَلْبِ النَّفْعِ، لِأنَّهم لا يَعْتَبِرُونَ بِعُقُولِهِمُ الَّتِي رَكَّبْناها فِيهِمْ لِيَسْتَضِيئُوا بِها فَيَعْلَمُوا الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ولا يَقْبَلُونَ مِنَ الهُداةِ إذا كَشَفُوا لَهم ما عَلَيْها مِنَ الغِطاءِ، ولا يَرْجِعُونَ (p-٥٣)عَنِ الغَيِّ إذا اضْطَرُّوهم بِالآياتِ الباهِراتِ، بَلْ يَنْتَقِلُونَ مِنَ الغَفْلَةِ إلى العِنادِ.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
ولَمّا كانَ انْتِكاسُهم بَعْدَ هَذِهِ الأسْبابِ المُسْعِدَةِ بَعِيدًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي، أوْ هي إشارَةٌ إلى تَطاوُلِ دُعاءِ الرُّسُلِ لَهم واحْتِمالِهِمْ إيّاهم فَقالَ: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا تَعَذَّرَ الِانْفِكاكُ عَنْهُ، وهو في غايَةِ الهَوْلِ كَما أشارَ إلَيْهِ تَذْكِيرُ الفِعْلِ ﴿عاقِبَةَ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا ودَلالَةً عَلى السَّبَبِ ﴿السُّوأى﴾ أيِ الحالَةُ الَّتِي هي أسْوَأُ ما يَكُونُ، وهي خَسارَةُ الأنْفُسِ بِالدَّمارِ في الدُّنْيا والخُلُودِ في العَذابِ في الأُخْرى، جَزاءً لَهم بِجِنْسِ عَمَلِهِمْ، فَإنَّهم كَما أساؤُوا الرُّسُلَ ساءَهُمُ المَلِكُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾ أيْ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ الدَّلالاتِ المَنسُوبَةِ إلى المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ عَلى عِظَمِها بِعِظَمِهِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهم ﴿بِها﴾ مَعَ كَوْنِها أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ الهُزْءِ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِهِ في كُلِّ حِينٍ مَعَ تَعْظِيمِهِ حَتّى كانَ اسْتِهْزاؤُهم بِغَيْرِها كَأنَّهُ عَدَمٌ، كَما أنَّكم أنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِما وقَعَ مِنَ الوَعْدِ في أمْرِ الرُّومِ وتَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فاحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِالأوَّلِينَ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَيُعَذِّبُكُمُ العَذابَ الأكْبَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا بَدَلًا مِن ”السُّوأى“ أوْ بَيانًا لَها بِمَعْنى أنَّهم لَمّا أساؤُوا زادَتْهم (p-٥٤)إساءَتُهم عَماوَةُ حَتّى ارْتَكَسُوا في العَمى فَوَصَلُوا إلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي هو أقْبَحُ الحالاتِ، عَكْسَ ما يُجازِي بِهِ المُؤْمِنُ مِن أنَّهُ يَزْدادُ بِإيمانِهِ هُدًى.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ، وكانَ لِلتَّصْرِيحِ مَعَ النَّفْسِ حالَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، قالَ ذاكِرًا نَتِيجَةَ ما مَضى ومُحَصِّلَهُ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وتَلْخِيصًا لِلدَّلِيلِ: ﴿اللَّهُ﴾ [أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً] ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ بَدا مِنهُ ما رَأيْتُمْ وهو يُجَدِّدُ في كُلِّ حِينٍ ما يُرِيدُ مِن ذَلِكَ كَما تُشاهِدُونَ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ ما يُبِيدُهُ، وتَرَكَ تَوْكِيدَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ لِأنَّهُ مِنَ القَضايا المُسَلِّمَةِ أنَّ مَنِ اخْتَرَعَ شَيْئًا كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى إعادَتِهِ.
ولَمّا كانَ الجَزاءُ أمْرًا مَهُولًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ [أيْ] لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مَعْنًى في أُمُورِكم كُلِّها في الدُّنْيا وإنْ كُنْتُمْ لِقُصُورِ النَّظَرِ تَنْسِبُونَها إلى الأسْبابِ، وحِسًّا بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ أبْلَغُ لِأنَّها أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ عَلى النَّسَقِ الماضِي.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
ولَمّا ذَكَرَ الرُّجُوعَ، أتْبَعَهُ بَعْضَ أحْوالِهِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ (p-٥٥)سُمِّيَتْ بِذَلِكَ إشارَةً إلى عَظِيمِ القُدْرَةِ عَلَيْها مَعَ كَثْرَةِ الخَلائِقِ عَلى ما فِيهِمْ مِنَ العُظَماءِ والكُبَراءِ والرُّؤَساءِ ﴿يُبْلِسُ﴾ أيْ يَسْكُتُ ويَسْكُنُ يَأْسًا وتَحَيُّرًا عَلى غايَةِ الذُّلِّ - بِما أشارَ إلَيْهِ تَذْكِيرُ الفِعْلِ مَعَ التَّجَدُّدِ [والِاسْتِمْرارِ] - بِما أوْمَأ إلَيْهِ المُضارِعُ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ الَّذِينَ وصَلُوا مِنَ الدُّنْيا ما مِن حَقِّهِ أنْ يَقْطَعَ لِفَنائِهِ، وقَطَعُوا مِن أسْبابِ الآخِرَةِ [ما] مِن حَقِّهِ أنْ يُوصَلَ لِبَقائِهِ، وكانُوا في غايَةِ اللَّبْسِ في الجَدَلِ ومَعْرِفَةِ كُلِّ ما يَغِيظُ الخَصْمَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ والتَّمايُلِ والتَّضاحُكِ عِنْدَ سُكُوتِ الخَصْمِ تَعَجُّبًا مِن جَرَيانِهِمْ في هَذَيانِهِمْ سُرُورًا مِنهم بِإسْكاتِهِ لِيَظُنَّ بَعْضُ مَن رَآهُ أنَّهُ انْقَطَعَ وأنَّ الحُجَّةَ لَهم.
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
ولَمّا كانَ السّاكِتُ رُبَّما أغْناهُ عَنِ الكَلامِ غَيْرُهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَقِّقًا لَهُ بِجَعْلِهِ ماضِيًا: ﴿ولَمْ يَكُنْ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِتَحْقِيرِهِمْ بِتَحْقِيرِ شُرَكائِهِمْ رَتَّبَ نَفْيَ النَّفْعِ المُوجِعِ لَهم هَذا التَّرْتِيبَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِتَرْتِيبِهِ مَعَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ فَيُقالُ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا بَعْدَهُ، ولا كانَ في عِدادِ ذَلِكَ مِن قَبْلُ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ، وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ يَصِحُّ وصْفُهُ بِالإجْرامِ لِكَوْنِهِ مِن أهْلِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ فَقَدْ يَشْفَعُ فِيهِ مَن رَبّاهُ مِنَ الشُّهَداءِ والعُلَماءِ وعامَّةِ المُؤْمِنِينَ ﴿مِن شُرَكائِهِمْ﴾ الَّذِينَ زَعَمُوهم خاصَّةً لِيَتَبَيَّنَ لَهم خَلْطُهم وجَهْلُهُمُ المُفْرِطُ في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (p-٥٦)وأمّا غَيْرُهم فَيَقَعُ مِنهم ما يُسَمّى شَفاعَةً تارَةً تَصْرِيحًا وأُخْرى تَلْوِيحًا كالشَّفاعَةِ العامَّةِ مِن نَبِيِّنا ﷺ في الخَلْقِ عامَّةً لِفَصْلِ القَضاءِ، وقَوْلُهُ ﷺ في ناسٍ بِأعْيانِهِمْ: «أصْحابِي إلَيَّ إلَيَّ، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَيَقُولُ: فَسُحْقًا سُحْقًا» [و] قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿شُفَعاءُ﴾ يُنْقِذُونَهم مِمّا هم فِيهِ وما يَسْتَقْبِلُونَهُ وإتْيانُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لا مَفْهُومَ لَهُ، لِأنَّ مَوْرِدَهُ رَدُّ اعْتِقادِهِمْ في قَوْلِهِمُ السّالِفِ، ويُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِن بَعْضِ مَن عَبَدُوهُ شَفاعَةٌ، أوْ تَلْوِيحٌ بِها كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الشُّفَعاءِ مَعَهُمْ، ذَكَرَ حالَهم مَعَ الشُّفَعاءِ فَقالَ: ﴿وكانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هو في غايَةِ الرُّسُوخِ ﴿بِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿كافِرِينَ﴾ أيْ مُتَبَرِّئِينَ مِنهم ساتِرِينَ لِأنْ يَكُونُوا اعْتَقَدُوهم آلِهَةً وعَبَدُوهم جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ فِيما لا يُغْنِيهِمْ مِنَ العِنادِ والبُهْتِ.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ رُبَّما تَشَوَّفَتْ إلى أنَّهُ هَلْ يَكُونُ بَعْدَ إبْلاسِهِمْ (p-٥٧)شَيْءٌ آخَرُ، قالَ مُفِيدًا لَهُ مُهَوِّلًا بِإعادَةِ ما مَضى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أيْ ويا لَهُ مِن يَوْمٍ، ثُمَّ زادَ في تَهْوِيلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ والكافِرُونَ فِرْقَةً لا اجْتِماعَ بَعْدَها، هَؤُلاءِ في عِلِّيِّينَ، وهَؤُلاءِ في أسْفَلِ سافِلِينَ. حَكى لِي بَعْضُ القُضاةِ مِن أصْحابِي - عَفا اللَّهُ عَنْهُ - وهو يُبْكِي أنَّهُ رَأى مَنامًا مُهَوِّلًا، وذَلِكَ أنَّهُ رَأى القِيامَةَ قَدْ قامَتْ، والنّاسُ يُحْشَرُونَ - عَلى ما وُصِفَ في الأحادِيثِ - في صَعِيدٍ واحِدٍ عَرايا خائِفِينَ حائِرِينَ، يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَإذا شَخْصٌ مِمّا لَهُ أمْرٌ قَدْ أشارَ بِسَوْطٍ مَعَهُ وخَطَّ بِهِ في الأرْضِ فَقَسَمَهم قِسْمَيْنِ فَقالَ: هَؤُلاءِ مُطِيعُونَ، وهَؤُلاءِ عُصاةٌ، قالَ: فَكُنْتُ في العُصاةِ، وفي الحالِ غابَ عَنّا الطّائِعُونَ، فَلَمْ نَرَ مِنهم أحَدًا ثُمَّ خَطَّ بِذَلِكَ السَّوْطِ مَرَّةً أُخْرى فَقَسَّمَنا قِسْمَيْنِ فَقالَ: هَؤُلاءِ عُصاةُ الأقْوالِ، وهَؤُلاءِ عُصاةُ الأفْعالِ، قالَ: فَكُنْتُ في عُصاةِ الأفْعالِ، ثُمَّ غابَ في الحالِ عَنّا عُصاةُ الأقْوالِ، فَلَمْ نَرَ مِنهم أحَدًا وبَقِينا نَحْنُ مِنّا الجالِسُ ومِنّا المُضْطَّجِعُ، ونَحْنُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُصاةِ الأقْوالِ، فَبَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ جاءَ آتٍ إلى شَخْصٍ إلى جانِبِي فَأخَذَهُ مِن كَعْبِهِ ثُمَّ نَشَطَهُ فَأخْرَجَ جِلْدَهُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ جِرابٌ نُزِعَ عَنْ شَيْءٍ فِيهِ يابِسٍ، فَحَصَلَ لِي مِن ذَلِكَ (p-٥٨)ذُعْرٌ شَدِيدٌ فَبَيْنا أنا كَذَلِكَ إذْ آتٍ جاءَنِي مِن ورائِي، فَألْقى عَلَيَّ جُوخَةً فَجَعَلَها عَلى أكْتافِي وأدارَها عَلى أفْخاذِي فَسَتَرَنِي بِها ولَكِنْ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ لُبْسِ المَخِيطِ، قالَ: واسْتَيْقَظْتُ وأنا عَلى ذَلِكَ فَقَصَصْتُهُ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ فَقالَ: احْمَدِ اللَّهَ عَلى كَوْنِكَ مِن عُصاةِ الأفْعالِ، وأخَذَ مِن سَتْرِي بِالجُوخَةِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ أنِّي أحُجُّ، فَبَشَّرَنِي بِذَلِكَ فَحَجَجْتُ في ذَلِكَ العامِ - واللَّهُ تَعالى المَسْؤُولُ في التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ كُلِّها.
ولَمّا تَقَدَّمَ هُنا ذِكْرُ عِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها لِلنَّباتِ ووَعَظَ مَن جَعَلَها أكْبَرَ هَمِّهِ بِأنَّها لَمْ تَدُمْ [لَهُ] ولا أغْنَتْ عَنْهُ شَيْئًا، ذَكَرَ أنَّهُ جَزى مَن أعْرَضَ عَنْها بِقَلْبِهِ لِاتِّباعِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ أعْظَمَ ما يَرى مِن زَهْرَتِها ونَضْرَتِها وبَهْجَتِها عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ فَقالَ: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ أيْ لا أقَلَّ مِنها [وهِيَ] أرْضٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا مُنْبَسِطَةٌ واسِعَةٌ ذاتُ ماءٍ غَدَقٍ ونَباتٍ مُعْجَبٍ بَهِجٍ - هَذا أصْلُها في اللُّغَةِ [و] قالَ الطَّبَرِيُّ: ولا تَجِدُ أحْسَنَ مَنظَرًا ولا أطْيَبَ نَشْرًا مِنَ الرِّياضِ.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ أيْ يُسَرُّونَ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ كُلَّ وقْتٍ سُرُورًا تُشْرِقُ لَهُ الوُجُوهُ، وتَبَسَّمُ الأفْواهُ، وتَزْهُو العُيُونُ، فَيَظْهَرُ حُسْنُها وبَهْجَتُها، فَتَظْهَرُ (p-٥٩)النِّعْمَةُ بِظُهُورِ آثارِها عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وأيْسَرِها.
قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ - أيِ الحَبَرَةُ - في اللُّغَةِ أثَرٌ في حُسْنٍ، وقالَ غَيْرُهُ: حَبَرَهُ - إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ، وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا ما كَشَفَتْهُ أنْوارُ العُقُولِ،
﴿وكَذَّبُوا﴾ عِنادًا ﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي لا أصْدَقُ مِنها ولا أضْوَأُ مِن أنْوارِها، بِما لَها مِن عَظَمَتِنا ﴿ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا في بَيانِهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿فِي العَذابِ﴾ أيِ الكامِلِ لا غَيْرِهِ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مِن أيِّ مَحْضَرٍ كانَ، بِالسَّوْقِ الحَثِيثِ، والزَّجْرِ العَنِيفِ، فَإذا وصَلُوا إلى مَقَرِّهِ وكَّلَ بِهِمْ مَن يُدِيمُ كَوْنَهم كَذَلِكَ - لِإفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّوامَ، فَلا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهم.
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَبْدَأ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمَعادَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، وأنَّهم كَذَّبُوا بِهِ، وكانَ تَكْذِيبُهم بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِاعْتِقادِ نَقائِصَ [كَثِيرَةٍ] مِنها العَجْزُ وإخْلافُ الوَعْدِ وتَرْكُ الحِكْمَةِ، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ يُنَزِّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ ويَأْمُرَ بِتَنْزِيهِها، لِأنَّ ذَلِكَ يَدْفَعُ عَنِ المُنَزِّهِ مَضارَّ الوَعِيدِ، ويَرْفَعُهُ إلى مَسارِ الوَعْدِ، فَقالَ ذاكِرًا مِن أفْعالِهِ العالِيَةِ الَّتِي لا مَطْمَعَ لِغَيْرِهِ في القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِنها ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ الَّذِي يَلْزَمُ اعْتِقادَهُمْ، لافِتًا الكَلامَ عَنْ صِيغَةِ العَظَمَةِ [إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ.
﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ] بِمَجامِعِ التَّسْبِيحِ بِأنْ تَقُولُوا هَذا القَوْلَ الَّذِي هو عِلْمُهُ، فَهو (p-٦٠)مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أوْقاتَ التَّسْبِيحِ إشارَةً إلى ما فِيها مِنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ وإلى ما يَتَجَدَّدُ فِيها مِنَ النِّعَمِ ووُجُودِ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإبْداعِ الدّالِّ عَلى البَعْثِ، فَقالَ دالًّا عَلى الِاسْتِغْراقِ بِنَزْعِ الخافِضِ مُقَدِّمًا المَحْوَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى البَعْثِ الَّذِي النِّزاعُ فِيهِ وهو الأصْلُ، لافِتًا الكَلامَ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أشَدُّ تَنْبِيهًا: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أيْ أوَّلَ دُخُولِ اللَّيْلِ بِإذْهابِ النَّهارِ وتَفْرِيقِ النُّورِ، فَيَعْتَرِيكُمُ المَلَلُ، ويُداخِلُكُمُ الفُتُورُ والكَسَلُ، عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وأكَّدَ النَّدْبَ إلى التَّسْبِيحِ بِإعادَةِ المُضافِ فَقالَ: ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ بِتَحْوِيلِ الأمْرِ فَتَقُومُونَ أحْياءً بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ أمْواتًا فَتَجِدُونَ نَهارًا قَدْ أضاءَ بَعْدَ لَيْلٍ كانَ دَجى، [فَتَفْعَلُونَ ما هو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِنَ الحَرَكَةِ والسَّعْيِ في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وأرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَهُ الحَمْدُ في هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ].
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى خُصُوصِ التَّنْزِيهِ، أتْبَعَهُ ما يُعْرَفُ بِعُمُومِ الكَمالِ، فَقالَ ذاكِرًا لِوَقْتِ كَمالِ النَّهارِ وكَمالِ الظَّلامِ، وتَذْكِيرًا بِما يَحْدُثُ عِنْدَهُما لِلْآدَمِيِّ مِنَ النَّقْصِ بِالفُتُورِ والنَّوْمِ اعْتِراضًا بَيْنَ الأوْقاتِ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِّ التَّحْمِيدِ إلى التَّسْبِيحِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ [مَعَ] النَّزاهَةِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ تَنَزُّهَهُ مَلَأ الأزْمانَ، وكانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا (p-٦١)لِمَلْءِ الأكْوانِ، وكانَ إثْباتُ الكَمالِ أبْيَنُ شَرَفًا مِنَ التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ، صَرَّحَ فِيهِ بِالقَبِيلَيْنِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْرامُ العالِيَةُ كُلُّها الَّتِي تَحْرِيكُها - مَعَ أنَّها مِنَ الكِبَرِ في حَدٍّ لا يُحِيطُ بِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ - سَبَبٌ لِلْإمْساءِ والإصْباحِ وغَيْرِهِما مِنَ المَنافِعِ ﴿والأرْضِ﴾ الَّتِي فِيها مِنَ المَنافِعِ ما يَجِلُّ عَنْ إحاطَتِكم بِهِ مَعَ أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَظَهَرَ لَكم ذَلِكَ بِرُؤْيَةٍ ما وراءَها [هُوَ] شَأْنُ كُلِّ مُظِلٍّ مَعَ كُلِّ مُقِلٍّ كَما تُشاهِدُونَ السَّحابَ ونَحْوَهُ.
ولَمّا خَصَّ الإمْساءَ والإصْباحَ، عَمَّ فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، لِأنَّ وقْتَ النَّوْمِ الدّالَّ عَلى النَّقْصِ أوْلى بِإثْباتِ الكَمالِ فِيهِ: ﴿وعَشِيًّا﴾ أيْ مِنَ الزَّوالِ إلى الصَّباحِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أيْ تَدْخُلُونَ في شِدَّةِ الحَرِّ، وسُبْحانَهُ اللَّهِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّسْبِيحَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إرادَتِهِ ثانِيًا، والحَمْدَ ثانِيًا دَلِيِلًا عَلى إرادَتِهِ أوَّلًا، ولَعَلَّ المُرادَ بِالإظْهارِ هُنا ما هو أعَمُّ مِن وقْتِ الظُّهْرِ لِيَكُونَ المُرادُ بِهِ مِن حِينِ يَزُولُ اسْمُ الصَّباحِ مِن وقْتِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَحْدُثَ اسْمُ المَساءِ، وهو مِنَ الظُّهْرِ إلى الغُرُوبِ - قالَهُ ابْنُ طَرِيفٍ (p-٦٢)فِي كِتابِهِ الأفْعالِ ونَقَلَهُ عَنِ الإمامِ عَبْدِ الحَقِّ في كِتابِهِ الواعِي، وذَلِكَ حِينَ اسْتِبْدادِ النَّهارِ فَيَكُونُ كَمالُهُ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الأوْلى، وهَذا مَعَ هَذِهِ الدَّقائِقِ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أيْ سَبِّحُوهُ بِالخُضُوعِ لَهُ بِالصَّلاةِ في وقْتِ المَساءِ بِصَلاةِ العَصْرِ والمَغْرِبِ، وفي وقْتِ الصَّباحِ بِالصُّبْحِ، وفي العَشِيِّ بِالعِشاءِ، وفي الإظْهارِ بِالظُّهْرِ، وفي هَذا التَّخْرِيجِ مِنَ الحُسْنِ بَيانُ الِاهْتِمامِ بِالصَّلاةِ الوُسْطى، فابْتَدَأ سُبْحانَهُ بِالعَصْرِ الَّتِي قَوْلُها أصَحُّ الأقْوالِ، ودُخُولُ المَغْرِبِ في حَيِّزِها بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ والقَصْدُ الثّانِي، وثَنّى بِالصُّبْحِ وهي تَلِيها في الأصَحِيَّةِ وهُما القَرِيبَتانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن صَلّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ» - رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «مَن صَلّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» - أسْنَدَهُ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ عِمارَةَ بْنِ رُوبِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ورَواهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: «لَنْ يَلِجَ النّارَ أحَدٌ صَلّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها» - يَعْنِي الفَجْرَ والعَصْرَ «”كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقالَ:“ إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ، لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكم "، ثُمَّ قَرَأ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ (p-٦٣)قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]» رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الصَّحِيحِ«يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ»يَدْخُلُ هُنا.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
ولَمّا ذَكَرَ دَلالَةً عَلى البَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوَحْدانِيَّةِ مُطْلَقَ التَّحْوِيلِ الَّذِي هو إحْياءٌ في المَعْنى بَعْدَ إماتَةٍ، أتْبَعَهُ الإحْياءَ والإماتَةَ حَقِيقَةً، صاعِدًا مِن ذِكْرِ البَعْثِ تَصْرِيحًا بِما كانَ ألْقاهُ تَلْوِيحًا فَقالَ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ كالإنْسانِ والطّائِرِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ كالنُّطْفَةِ والبَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ﴾ كالبَيْضَةِ والنُّطْفَةِ ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ عَكْسَ ذَلِكَ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ بِاخْضِرارِ النَّباتِ.
ولَمّا كانَ مِنَ الأراضِي ما لا يَنْبُتُ إلّا بَعْدَ مُدَّةِ إنْزالِ المَطَرِ، ومِنها ما يَنْبُتُ مِن حِينِ إنْزالِ المَطَرِ عَقِبَ تَحَطُّمِ ما كانَ بِها مِنَ النَّباتِ سَواءً، أسَقَطَ الجارَّ هُنا تَنْبِيهًا عَلى الأمْرِ الثّانِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، فَهو أنْسَبُ لِهَذا السِّياقِ ولِمَقْصُودِ السُّورَةِ، ولِأنَّهُ جَعَلَ فِيهِ قُوَّةَ إحْيائِها عَلى الدَّوامِ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِيُبْسِهِ وتَهَشُّمِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يَفْعَلُ عَلى سَبِيلِ التَّكَرُّرِ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٦٤)﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ فِعْلِهِ هَذا الفِعْلَ البَدِيعَ مِن إخْراجِهِ لِهَذا الحَيِّ حِسًّا ومَعْنًى مِنَ المَيِّتِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْسامِكم فِيها مِنَ التُّرابِ الَّذِي كانَ حَيًّا بِحَياتِكم - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ. وبَناهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ بِخِلافٍ عَنْهُ لِلْفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّهم لِقُوَّةِ تَهَيُّئِهِمْ لِقَبُولِ البَعْثِ صارُوا كَأنَّهم يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ - رَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في زِياداتِ المُسْنَدِ «عَنْ لَقِيطِ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ خَرَجَ وافِدًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ صاحِبٌ لَهُ يُقالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ عاصِمِ بْنِ مالِكِ بْنِ المُنْتَفِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: فَخَرَجْتُ أنا وصاحِبِي حَتّى قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْسِلاخِ رَجَبٍ، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِن صَلاةِ الغَداةِ فَقامَ في الغَداةِ خَطِيبًا إلى أنْ قالَ: ”[ألا] اسْمَعُوا تَعِيشُوا ألا اجْلِسُوا ألا اجْلِسُوا، [قالَ]: فَجَلَسَ النّاسُ فَقُمْتُ أنا وصاحِبِي [حَتّى] إذا فَرَغَ لَنا فُؤادُهُ وبَصَرُهُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللَّهِ وهَزَّ رَأْسَهُ فَقالَ: ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفاتِيحِ الخَمْسِ مِنَ الغَيْبِ فَذَكَرَهُ حَتّى ذَكَرَ البَعْثَ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَجْمَعُنا بَعْدَ ما تُفَرِّقُنا الرِّياحُ (p-٦٥)والبِلى والسِّباعُ؟ قالَ: أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في آلاءِ اللَّهِ، الأرْضُ أشْرَفْتَ عَلَيْها وهي مُدِرَّةٌ بالِيَةٌ فَقُلْتُ: لا تَحْيا أبَدًا، ثُمَّ أرْسَلَ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْها السَّماءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إلّا أيّامًا حَتّى أشْرَقْتَ [عَلَيْها] وهي شُرْفَةٌ واحِدَةٌ، ولَعَمْرُ إلَهِكَ لَهو أقْدَرُ عَلى أنْ يَجْمَعَكم مِنَ الماءِ كَما أنَّهُ يَجْمَعُ نَباتَ الأرْضِ فَتَخْرُجُونَ“».
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا مِن آياتِ اللَّهِ [الَّتِي] تُشاهِدُونَها كُلَّ حِينٍ دَلالَةً عَلى بَعْثِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ التَّذْكِيرَ بِما هو أصْعَبُ مِنهُ في مَجارِي العاداتِ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ﴾ أيْ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِكم. ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا [بِإيجادِهِ لِأصْلِهِمْ مِن تُرابٍ] يَزِيدُ عَلى البَعْثِ في الإعْجابِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، وكانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ إنَّما مَكانٌ مَرَّةً واحِدَةً، قالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي: ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ ﴿مِن تُرابٍ﴾ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلُ اتِّصافٍ ما بِحَياةٍ.
ولَمّا كانَ ابْتِداءُ الإنْسانِ مِنَ التُّرابِ في غايَةِ العَجَبِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدِ إخْراجِكم مِنهُ ﴿إذا أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ أيْ فاجَأْتُمْ كَوْنَكم لَكم بُشْرَةً هي في غايَةِ التَّماسُكِ والِاتِّصالِ مَعَ اللِّينِ (p-٦٦)عَكْسَ ما كانَ لَكم مِنَ الوَصْفِ إذا كُنْتُمْ تُرابًا، وأسْنَدَ الِانْتِشارَ إلى المُبْتَدَأِ المُخاطَبِ [لا] إلى الخَبَرِ لِأنَّ الخِطابَ أدَلُّ عَلى المُرادِ فَقالَ: ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ تَبْلُغُونَ بِالنَّشْرِ كُلَّ مَبْلَغٍ بِالِانْتِقالِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ مَعَ العَقْلِ والنُّطْقِ، ولَمْ يَخْتِمْ هَذِهِ الآيَةَ بِما خَتَمَ بِهِ ما بَعْدَها دَلالَةً عَلى أنَّها جامِعَةٌ لِجَمِيعِ الآياتِ، ودَلالَةً عَلى جَمِيعِ الكَمالاتِ، وخَتَمَ ما بَعْدَها بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النّاسَ أهْمَلُوا النَّظَرَ فِيها عَلى وُضُوحِها، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَجْعَلُوها نُصْبَ أعْيُنِهِمْ، دَلالَةً عَلى كُلِّ ما نَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وأخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وكَذَلِكَ أكَّدَ في الإخْبارِ إعْلامًا بِأنَّهم صارُوا لِإهْمالِها في حَيِّزِ الإنْكارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences