Al-Biqa'iLuqman · 31:17–22

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:17–22

31:17Page 412

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

ولَمّا نَبَّهَهُ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإقامَتِهِ لِلْحِسابِ، أمَرَهُ مِمّا يَدَّخِرُهُ لِذَلِكَ تَوَسُّلًا إلَيْهِ، وتَخَضُّعًا لَدَيْهِ، وهو رَأْسُ ما يَصْلُحُ بِهِ العَمَلُ ويُصَحِّحُ التَّوْحِيدَ ويُصَدِّقُهُ، فَقالَ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ مُكَرِّرًا لِلْمُناداةِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَنْبِيهًا عَلى فَرْطِ النَّصِيحَةِ لِفَرْطِ الشَّفَقَةِ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيْ بِجَمِيعِ حُدُودِها وشُرُوطِها ولا تَغْفُلْ عَنْها، سَعْيًا في نَجاةِ نَفْسِكَ وتَصْفِيَةِ سِرِّكَ، فَإنَّ إقامَتَها - وهي الإتْيانُ بِها عَلى النَّحْوِ المَرْضِيِّ - مانِعَةٌ مِنَ الخَلَلِ في العَمَلِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّها الإقْبالُ عَلى مَن وحَّدْتَهُ فاعْتَقَدْتَ أنَّهُ الفاعِلُ وحْدَهُ وأعْرَضْتَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِأنَّهُ في التَّحْقِيقِ عَدَمٌ، ولِهَذا الإقْبالِ والإعْراضِ كانَتْ ثانِيَةَ التَّوْحِيدِ، وتَرَكَ ذِكْرَ الزَّكاةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِن حِكْمَتِهِ تَخَلِّيهِ وتَخَلِّي ولَدِهِ مِنَ الدُّنْيا حَتّى مِمّا يَكْفِيهِمْ لِقُوتِهِمْ.

ولَمّا أمَرَ بِتَكْمِيلِهِ في نَفْسِهِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ الحَقِّ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَكْمِيلَهُ لِنَفْسِهِ بِتَكْمِيلِ غَيْرِهِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ الخَلْقِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا (p-١٧٤)كانَ النّاسُ في هَذِهِ الدّارِ سَفَرًا، وكانَ المُسافِرُ إنْ أهْمَلَ رَفِيقَهُ حَتّى أُخِذَ أوْشَكَ أنْ يُؤْخَذَ هُوَ، أمَرَهُ بِما يُكْمِلُ نَجاتَهُ بِتَكْمِيلِ رَفِيقِهِ، وقَدَّمَهُ - وإنْ كانَ مِن جَلْبِ المَصالِحِ - لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ المُنْكِرِ، وأمّا تَرْكُ المُنْكِرِ فَلا يَسْتَلْزِمُ فِعْلَ الخَيْرِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تَأْتِ مُنْكَرًا، لَمْ يَتَناوَلْ ذَلِكَ في العُرْفِ إلّا الكَفَّ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ، لا فِعْلَ الطّاعَةِ، فَقالَ: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ كُلَّ مَن تَقْدِرُ عَلى أمْرِهِ تَهْذِيبًا لِغَيْرِكَ شَفَقَةً عَلى نَفْسِكَ بِتَخْلِيصِ أبْناءِ جِنْسِكَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ سَفِينَةً لِسَفَرِ مَن فِيها إلى رَبِّهِمْ، وكانَتِ المَعاصِي مُفْسِدَةً لَها، وكانَ فَسادُ السَّفِينَةِ مُغْرِقًا لِكُلِّ مَن فِيها: مَن أفْسَدَها ومَن أهْمَلَ المُفْسِدَ ولَمْ يَأْخُذْ عَلى يَدِهِ، وكانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ نَهْيًا عَنِ المُنْكَرِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وانْهَ﴾ أيْ كُلَّ مَن قَدَرْتَ عَلى نَهْيِهِ ﴿عَنِ المُنْكَرِ﴾ حُبًّا لِأخِيكَ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَحْقِيقًا لِنَصِيحَتِكَ، وتَكْمِيلًا لِعِبادَتِكَ، لِأنَّهُ ما عَبَدَ اللَّهَ أحَدٌ تَرَكَ غَيْرَهُ يَتَعَبَّدُ لِغَيْرِهِ، ومِن هَذا الطِّرازِ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:

؎ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ

لِأنَّهُ أمَرَهُ أوَّلًا بِالمَعْرُوفِ، وهو الصَّلاةُ النّاهِيَةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ، فَإذا أمَرَ نَفْسَهُ ونَهاها، ناسَبَ أنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ ويَنْهاهُ، وهَذا وإنْ كانَ (p-١٧٥)مِن قَوْلِ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ في سِياقِ المَدْحِ لَهُ كُنّا مُخاطَبِينَ بِهِ.

ولَمّا كانَ القابِضُ عَلى دِينِهِ في غالِبِ الأزْمانِ كالقابِضِ عَلى الجَمْرِ، لِأنَّهُ يُخالِفُ المُعْظَمَ فَيَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ لا سِيَّما إنْ أمَرَهم ونَهاهُمْ، قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ﴾ صَبْرًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى ما﴾ أيِ الَّذِي، وحَقَّقَ بِالماضِي أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُصِيبَةِ لِيَكُونَ الإنْسانُ عَلى بَصِيرَةٍ، فَقالَ: ﴿أصابَكَ﴾ أيْ في عِبادَتِكَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ بِواسِطَةِ العِبادِ أوْ لا كالمَرَضِ ونَحْوِهِ، وقَدْ بَدَأ هَذِهِ الوَصِيَّةَ بِالصَّلاةِ وخَتَمَها بِالصَّبْرِ لِأنَّها مِلاكُ الِاسْتِعانَةِ

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] واخْتِلافُ المُخاطَبِ في المَوْضِعَيْنِ أوَجَبَ اخْتِلافَ التَّرْتِيبَيْنِ، المُخاطَبُ هَنا مُؤْمِنٌ مُتَقَلِّلٌ، وهُناكَ كافِرٌ مُتَكَثِّرٌ.

ولَمّا كانَ ما أحْكَمَهُ لَهُ عَظِيمُ الجَدْوى، وجَعَلَ خِتامَهُ الصَّبْرَ الَّذِي هو مِلاكُ الأعْمالِ والتُّرُوكِ كُلِّها، نَبَّهَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ والِاسْتِئْنافِ إيماءً إلى التَّبْجِيلِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي أوْصَيْتُكَ بِهِ لا سِيَّما الصَّبْرُ عَلى المَصائِبِ: ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ (p-١٧٦)مَعْزُوماتِها، تَسْمِيَةً لِاسْمِ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ، أيِ الأُمُورُ المَقْطُوعُ بِها المَفْرُوضَةُ أوِ القاطِعَةُ الجازِمَةُ بِجَزْمِ فاعِلِها، أيِ الَّتِي هي أهْلٌ لِأنْ يَعْزِمَ عَلَيْها العازِمُ، ويَنْحُوَ إلَيْها بِكُلِّيَّتِهِ الجازِمُ، فَلا مَندُوحَةَ في تَرْكِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ.

31:18Page 412

وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨

And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.

ولَمّا كانَ مِن آفاتِ العِبادَةِ لا سِيَّما الأمْرُ والنَّهْيُ - لِتَصَوُّرِهِما بِصُورَةِ الِاسْتِعْلاءِ - الإعْجابُ إلى الكِبْرِ، قالَ مُحَذِّرًا مِن ذَلِكَ مُعَبِّرًا عَنِ الكِبْرِ بِلازِمِهِ، لِأنَّ النَّفْيَ الأعَمَّ نَفْيٌ لِلْأخَصِّ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ المَطْلُوبَ في الأمْرِ والنَّهْيِ اللِّينُ لا الفَظاظَةُ والغِلْظَةُ الحامِلانِ عَلى النُّفُورِ: ﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ أيْ لا تُمِلْهُ مُتَعَمِّدًا إمالَتَهُ بِإمالَةِ العُنُقِ مُتَكَلِّفًا لَها صَرْفًا عَنِ الحالَةِ القاصِدَةِ، وأصْلُ الصُّعْرِ داءُ يُصِيبُ البَعِيرَ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُصاعِرْ، والمُرادُ بِالمُفاعَلَةِ والتَّفْعِيلِ تَعَمُّدُ فِعْلِ ذَلِكَ لِأجْلِ الكِبْرِ حَتّى يَصِيرَ خُلُقًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ المُصَعِّرُ مِنَ الكِبْرِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الَّتِي لا تُذَمُّ، أشارَ إلى المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلنّاسِ﴾ بِلامِ العِلَّةِ، أيْ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ (p-١٧٧)لِأجْلِ الإمالَةِ عَنْهُمْ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا تَهاوُنًا بِهِمْ مِنَ الكِبْرِ، بَلْ أقْبِلْ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِكَ كُلِّهِ مُسْتَبْشِرًا مُنْبَسِطًا مِن غَيْرِ كِبْرٍ ولا عُلُوٍّ، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما يَلْزَمُهُ فَقالَ: ﴿ولا تَمْشِ﴾ ولَمّا كانَ في أُسْلُوبِ التَّواضُعِ وذَمِّ الكِبْرِ، ذَكَّرَهُ بِأنَّ أصْلَهُ تُرابٌ، وهو لا يَقْدِرُ أنْ يَعْدُوَهُ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ وأوْقَعَ المَصْدَرَ مَوْقِعَ الحالِ أوِ العِلَّةِ فَقالَ: ﴿مَرَحًا﴾ أيِ اخْتِيالًا وتَبَخْتُرًا، أيْ لا تَكُنْ مِنكَ هَذِهِ الحَقِيقَةُ لِأنَّ ذَلِكَ مَشْيُ أشَرٍ وبَطَرٍ وتَكَبُّرٍ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَظْلِمَ صاحِبُهُ ويُفْحِشَ ويَبْغِيَ، بَلِ امْشِ هَوْنًا فَإنَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِكَ إلى التَّواضُعِ، فَتَصِلُ إلى كُلِّ خَيْرٍ، فَتَرْفُقُ بِكَ الأرْضُ إذا صِرْتَ فِيها حَقِيقَةً بِالكَوْنِ في بَطْنِها.

ولَمّا كانَتْ غايَةُ ذَلِكَ الرِّياءَ لِلنّاسِ والفَخْرَ عَلَيْهِمُ المُثْمِرَ لَبُغْضَتِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ بُغْضَةِ اللَّهِ تَعالى، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظُنُّ أنْ إسْباغَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الكِبْرُ إلّا لَهُ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ المُطْلَقَةِ. ولَمّا كانَ حُبُّ اللَّهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حُبُّ النّاسِ مَحْبُوبًا لِلنُّفُوسِ، وكانَ فَواتُ المَحْبُوبِ أشُقَّ عَلى النُّفُوسِ مِن وُقُوعِ المَحْذُورِ، وكانَتْ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ قالَ: ﴿لا يُحِبُّ﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، ولَوْ قالَ ”يُبْغِضُ“ لِاحْتِمالِ التَّقْيِيدِ بِالحالِ، ولَمّا كانَ النَّشْرُ المُشَوِّشُ أفْصَحَ لِقُرْبِ الرُّجُوعِ (p-١٧٨)تَدَلِّيًا فِيما تَرَقّى فِيهِ المُقْبِلُ قالَ: ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أيْ مُراءٍ لِلنّاسِ في مَشْيِهِ تَبَخْتُرًا يَرى لَهُ فَضْلًا عَلى النّاسِ فَيَشْمَخُ بِأنْفِهِ، وذَلِكَ فِعْلُ المَرِحِ ﴿فَخُورٍ﴾ يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ، وذَلِكَ فِعْلُ المُصَعِّرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الكِبْرِ الَّذِي تَرَدّى بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمَن نازَعَهُ إيّاهُ قَصَمَهُ.

31:19Page 412

وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩

And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."

ولَمّا كانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ أمْرًا بِأضْدادِهِ، وكانَ الأمْرُ بِإطْلاقِ الوَجْهِ يَلْزَمُ مِنهُ الإنْصافُ في الكَلامِ، وكانَ الإنْصافُ في الكَلامِ والمَشْيُ لا عَلى طَرِيقِ المَرَحِ والفَخْرِ رُبَّما دَعا إلى الِاسْتِماتَةِ في المَشْيِ والحَدِيثِ أوِ الإسْراعِ في المَشْيِ والسِّرِّ والجَهْرِ بِالصَّوْتِ فَوْقَ الحَدِّ، قالَ مُحْتَرِسًا في الأمْرِ بِالخُلُقِ الكَرِيمِ عَمّا يُقارِبُ الحالَ الذَّمِيمَ: ﴿واقْصِدْ﴾ أيِ اعْدِلْ وتَوَسَّطْ ﴿فِي مَشْيِكَ﴾ لا إفْراطَ ولا تَفْرِيطَ مُجانِبًا لِوَثْبِ الشُّطّارِ ودَبِيبِ المُتَماوِتِينَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَّصارى، والقَصْدُ في الأفْعالِ كالقِسْطِ في الأوْزانِ - قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ، وهو المَشْيُ الهَوْنُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَصَنُّعٌ لِلْخَلْقِ لا بِتَواضُعٍ ولا بِتَكَبُّرِ ﴿واغْضُضْ﴾ أيِ انْقُصْ، ولِأجْلِ ما (p-١٧٩)ذَكَرَ قالَ: ﴿مِن صَوْتِكَ﴾ بِإثْباتِ ”مِن“ أيْ لِئَلّا يَكُونَ صَوْتُكَ مُنْكَرًا، وتَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ الحاجَةِ حِمارًا، وأمّا مَعَ الحاجَةِ كالأذانِ فَهو مَأْمُورٌ بِهِ.

ولَمّا كانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ العادَةِ مُنْكَرًا كَما كانَ خَفْضُهُ دُونَها تَماوُتًا أوْ دَلالًا وتَكَبُّرًا، وكانَ قَدْ أشارَ إلى النَّهْيِ عَنْ هَذا بِـ ”مِن“ فَأفْهَمُ أنَّ الطَّرَفَيْنِ مَذْمُومانِ، عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ الأوَّلِ دالًّا بِصِيغَةِ ”أفْعَلَ“ عَلى اشْتِراكِ الرَّفْعِ كُلِّهِ في النَّكارَةِ ذاكِرًا أعْلاها تَصْوِيرًا لَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ تَنْفِيرًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿إنَّ أنْكَرَ﴾ أيْ أفْظَعَ وأبْشَعَ وأوْحَشَ ﴿الأصْواتِ﴾ [أيْ كُلِّها] المُشْتَرِكَةِ في النَّكارَةِ بِرَفْعِها فَوْقَ الحاجَةِ، وأخْلى الكَلامَ عَنْ لَفْظِ التَّشْبِيهِ فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ تَصْوِيرًا لِصَوْتِ الرّافِعِ صَوْتَهُ فَوْقَ الحاجَةِ بِصُورَةِ النِّهاقِ وجَعَلَ المُصَوِّتَ كَذَلِكَ حِمارًا، مُبالَغَةً في التَّهْجِينِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن كَراهَةِ اللَّهِ لَهُ بِمَكانٍ [فَقالَ]: ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ، لِما لَهُ مِنَ الغُلُوِّ (p-١٨٠)المُفْرِطِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وأوَّلُهُ زَفِيرٌ وآخِرُهُ شَهِيقٌ، وهُما فِعْلُ أهْلِ النّارِ، وأفْرَدَهُ لِيَكُونَ نَصًّا عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الِاجْتِماعَ شَرْطٌ في ذَلِكَ ولِذِكْرِ الحِمارِ مَعَ ذَلِكَ مِن بَلاغَةِ الذَّمِّ والشَّتْمِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ ولِذَلِكَ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ، وهَذا يُفْهِمُ أنَّ الرَّفْعَ مَعَ الحاجَةِ غَيْرُ مَذْمُومٍ فَإنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ ولا مُسْتَبْشَعٍ، ولَقَدْ دَعَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى مَعالِي الأخْلاقِ، وهي أُمَّهاتُ الفَضائِلِ الثَّلاثِ: الحِكْمَةِ والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ، وأمَرَتْ بِالعَدْلِ فِيها، وهي وظِيفَةُ التَّقْسِيطِ الَّذِي هو الوَسَطُ الَّذِي هو مَجْمَعُ الفَضائِلِ، ونَهَتْ عَنْ مَساوِئِ الأخْلاقِ، وهي الأطْرافُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الرَّذائِلِ الحاصِلُ بِالإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فَإقامَةُ الصَّلاةِ الَّتِي هي رُوحُ العِبادَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى العِلْمِ هي سِرُّ الحِكْمَةِ والنَّهْيِ، أمَرَ بِالشَّجاعَةِ ونَهى عَنِ الجُبْنِ، وفي النَّهْيِ عَنِ التَّصْعِيرِ وما مَعَهُ نَهْيٌ عَنِ التَّهَوُّرِ، والقَصْدُ في المَشْيِ و[الغَضُّ فِي] الصَّوْتِ أمْرٌ بِالعِفَّةِ ونَهْيٌ عَنِ الِاسْتِماتَةِ والجُمُودِ والخَلاعَةِ والفُجُورِ، وفي النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِماتَةِ نَهْيٌ عَمّا قَدْ يَلْزَمُها مِنَ الجَرِيزَةِ، وهي الفِكْرُ بِالمَكْرِ المُؤَدِّي إلى اللَّعْنَةِ، وعَنِ الِانْحِطاطِ إلى البَلَهِ والغَفْلَةِ، والكافِلُ بِشَرْحِ هَذا ما قالَهُ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في الكَلامِ عَلى الإجْماعِ مِن تَلْوِيحِهِ، قالَ: إنَّ الخالِقَ تَعالى وتَقَدَّسَ قَدْ رَكَّبَ في الإنْسانِ ثَلاثَ قُوى: إحْداها (p-١٨١)مَبْدَأُ إدْراكِ الحَقائِقِ، والشَّوْقُ إلى النَّظَرِ في العَواقِبِ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، ويُعَبِّرُ عَنْها بِالقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ المَلَكِيَّةِ، والثّانِيَةُ مَبْدَأُ جَذْبِ المَنافِعِ وطَلَبُ المَلاذِّ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتُسَمّى القُوَّةَ الشَّهَوِيَّةَ والبَهِيمِيَّةَ والنَّفْسَ الأمّارَةَ، والثّالِثَةُ مَبْدَأُ الإقْدامِ عَلى الأهْوالِ والشَّوْقِ إلى التَّسَلُّطِ والتَّرَفُّعِ، وهي القُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والسَّبُعِيَّةُ والنَّفْسُ اللَّوّامَةُ، ويَحْدُثُ مِنِ اعْتِدالِ الحَرَكَةِ الأُولى الحِكْمَةُ، والثّانِيَةِ العِفَّةُ، والثّالِثَةِ الشَّجاعَةُ، فَأُمَّهاتُ الفَضائِلِ هي هَذِهِ الثَّلاثُ، وما سِوى ذَلِكَ إنَّما هو مِن تَفْرِيعاتِها وتَرْكِيباتِها، وكُلٌّ مِنها مُحْتَوِشٌ بَطِرٌ في إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ هُما رَذِيلَتانِ، أمّا الحِكْمَةُ فَهي مَعْرِفَةُ الحَقائِقِ عَلى ما هي [عَلَيْهِ] بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ، وهي العِلْمُ النّافِعُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةٍ النَّفْسِ ما لَها وما عَلَيْها المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وإفْراطُها الجَرْبَزَةُ، وهي اسْتِعْمالُ الفِكْرِ فِيما لا يَنْبَغِي كالمُتَشابِهاتِ، وعَلى وجْهٍ لا يَنْبَغِي، كَمُخالِفَةِ الشَّرائِعِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ قُلْتُ: وهي بِجِيمٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ زايٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَرَبْزِ - بِالضَّمِّ، وهو الخَبُّ، أيِ الخِداعُ الخَبِيثُ. (p-١٨٢)واللَّهُ أعْلَمُ، وتَفْرِيطُها الغَباوَةُ الَّتِي هي تَعْطِيلُ القُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ بِالإرادَةِ والوُقُوفِ عَنِ اكْتِسابِ العُلُومِ النّافِعَةِ، وأمّا الشَّجاعَةُ فَهي انْقِيادُ السَّبُعِيَّةِ لِلنّاطِقَةِ لِيَكُونَ إقْدامُها عَلى حَسَبِ الرَّوِيَّةِ مِن غَيْرِ اضْطِرابٍ في الأُمُورِ الماثِلَةِ، حَتّى يَكُونَ فِعْلُها جَمِيلًا، وصَبْرُها مَحْمُودًا، وإفْراطُها التَّهَوُّرَ، أيِ الإقْدامُ عَلى ما لا يَنْبَغِي، وتَفْرِيطُها الجُبْنُ، أيِ الحَذَرُ عَمّا لا يَنْبَغِي، وأمّا العِفَّةُ فَهي [انْقِيادُ] البَهِيمَةِ لِلنّاطِقَةِ، لِتَكُونَ تَصَرُّفاتُها بِحَسَبِ اقْتِضاءِ النّاطِقَةِ، لِتَسْلَمَ عَنِ اسْتِعْبادِ الهَوى إيّاها، واسْتِخْدامِ اللَّذّاتِ، وإفْراطِها الخَلاعَةُ والفُجُورُ، أيِ الوُقُوعُ في ازْدِيادِ اللَّذّاتِ عَلى ما يَجِبُ، وتَفْرِيطُها الجُمُودُ، أيِ السُّكُوتُ عَنْ طَلَبِ الذّاتِ بِقَدْرِ ما رَخَّصَ فِيهِ العَقْلُ والشَّرْعُ إيثارًا لا خِلْقَةً، فالأوْساطُ فَضائِلُ، والأطْرافُ رَذائِلُ، وإذا امْتَزَجَتِ الفَضائِلُ الثَّلاثُ حَصَلَتْ مِنِ اجْتِماعِها حالَةٌ مُتَشابِهَةٌ هي العَدالَةُ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ عَبَّرَ عَنِ العَدالَةِ بِالوَساطَةِ، أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها» والحِكْمَةُ في النَّفْسِ البَهِيمِيَّةِ بَقاءُ البَدَنِ الَّذِي هو مُرَكَّبُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ لِيَصِلَ إلى كَمالِها اللّائِقِ بِها، ومَقْصِدُها المُتَوَجِّهُ إلَيْهِ، وفي السَّبُعِيَّةِ كَسْرُ البَهِيمِيَّةِ وقَهْرُها ودَفْعُ الفَسادِ المُتَوَقَّعِ مِنِ اسْتِيلائِها، واشْتَرَطَ التَّوَسُّطَ في أفْعالِها لِئَلّا تَسْتَعْبِدَ النّاطِقَةُ هَواهُما وتَصْرِفاها (p-١٨٣)عَنْ كَمالِها ومَقْصِدِها. انْتَهى.

31:20Page 413

أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠

Do you not see that Allāh has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ الجُمَلُ، رافِعَةً أعْناقَها عَلى المُشْتَرِي وزُحَلَ، قابِلَةً لِمَن يُرِيدُ عَمَلَها مَعَ الكَسَلِ، والضَّجَرِ في الفِكْرِ والمَلَلِ، وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الآياتِ المَسْمُوعَةَ هُدًى لِقَوْمٍ وضَلالٌ لِآخَرِينَ، وكانَ مِنَ الغَرائِبِ أنَّ شَيْئًا واحِدًا يُؤَثِّرُ شَيْئَيْنِ مُتَضادَّيْنِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما دَلَّ عَلى أنَّهُ مِن بالِغِ الحِكْمَةِ بِوُجُوهٍ مُرْضِيَةٍ مُشْرِقَةٍ مُضِيئَةٍ، لَكِنَّها بِمَسالِكَ دَقِيقَةٍ وإشاراتٍ خَفِيَّةٍ، إلى أنْ خَتَمَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّكَبُّرِ، ورَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ الحاجَةِ، إشارَةً إلى أنَّ فاعِلَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ غَيْرُ حَكِيمٍ، وكانَ التَّكَبُّرُ عَلى النّاسِ والتَّعالِي عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الفَضْلِ في النِّعْمَةِ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ المُلْكَ يَخْضَعُ لَهُ تارَةً لِمُجَرَّدِ عَظَمَتِهِ، وتارَةً خَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ، وتارَةً رَجاءً لِنِعْمَتِهِ، أبْرَزَ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْبَ ما وصَفَ بِهِ الآياتِ المَسْمُوعَةَ مِن تَأْثِيرِ الضِّدَّيْنِ في حالَةٍ واحِدَةٍ في شاهِدِ الآياتِ المَرْئِيَّةِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ، لِما أمَرَ بِهِ لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العِبادَةِ والتَّذَلُّلِ، وأنَّ إلَيْهِ المَرْجِعَ، وهو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ كُلَّ ما تَرى خَلَقَهُ مُذَكِّرًا بِأنَّ النِّعْمَةَ إنَّما هي مِنهُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَفْخَرَ بِما آتاهُ غَيْرُهُ، ولَوْ وُكِلَ فِيهِ إلى نَفْسِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، مُحَذِّرًا مَن سَلْبِها (p-١٨٤)عَنِ المُتَكَبِّرِ وإعْطائِها لِلذَّلِيلِ المُحْتَقَرِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَوْا﴾ أيِ تَعْلَمُوا عِلْمًا هو في ظُهُورِهِ كالمُشاهَدَةِ أيُّها المُشْتَرُونَ لَهْوَ الحَدِيثِ، المُتَكَبِّرُونَ عَلَيَّ المُقْبِلِينَ عَلى اللَّهِ، المُتَخَلِّينَ عَنِ الدُّنْيا، الَّذِينَ قُلْنا لَهم رَدًّا عَنِ الشِّرْكِ وإبْعادًا عَنِ الهَوى والإفْكِ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزِ لِكُلِّ كَمالٍ ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿ما في السَّماواتِ﴾ بِالإنارَةِ والإظْلامِ، والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإنْعامِ، وأكَّدَهُ بِإعادَةِ المَوْصُولِ والجارِّ، لِأنَّ المَقامَ حَقِيقٌ بِهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ بِكُلِّ ما يُصْلِحُكم فَتَعْلَمُوا أنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ، ما لِأحَدٍ مِمَّنْ دُونَهُ فِيهِ شَيْءٌ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، فَهو قادِرٌ عَلى تَعْسِيرِهِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ويُحْضِرُهُ لَكم وإنْ كانَ في أخْفى الأماكِنِ ﴿وأسْبَغَ﴾ أيْ أطالَ وأوْسَعَ وأتَمَّ وأفْضَلَ عَنْ قَدْرِ الحاجَةِ وأكْمَلَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ ﴿نِعَمَهُ﴾ [أيْ] (p-١٨٥)واحِدَةٌ تَلِيقُ بِالدُّنْيا، في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِإسْكانِ العَيْنِ و[تاءِ] تَأْنِيثٍ مَنصُوبَةٍ مُنَوَّنَةٍ تَنْوِينَ تَعْظِيمٍ، مُشِيرًا إلى أنَّها ذاتُ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ المَدَنِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِجَعْلِ تاءِ التَّأْنِيثِ ضَمِيرًا لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ فَتْحِ العَيْنِ لِيَكُونَ جَمْعًا ﴿ظاهِرَةً﴾ وهي ما تُشاهِدُونَها مُتَذَكِّرِينَ لَها ﴿وباطِنَةً﴾ وهي ما غابَتْ عَنْكم فَلا يُحِسُّونَها، أوْ تُحِسُّونَها وهي خَفِيَّةٌ عَنْكُمْ، لا تَذْكُرُونَها إلّا بِالتَّذْكِيرِ، وكُلٌّ مِنكم يَعْرِفُ ذَلِكَ عَلى الإجْمالِ، فاعْبُدُوهُ لِما دَعَتْ إلَيْهِ مَجَلَّةُ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَكُونُوا مِنَ المُحْسِنِينَ، حَذَرًا مِن سَلْبِ نِعَمِهِ، وإيجابِ نِقَمِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [لقمان: ١٠]

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ومَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنكم أيُّها الخَلْقُ يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ تَعالى وحْدَهُ فَمِنَ النّاسِ مَن أذْعَنَ وأنابَ وسَلَّمَ لِكُلِّ ما دَعا إلَيْهِ كِتابُهُ الحَكِيمُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الكَرِيمِ فَكانَ مِنَ الحُكَماءِ المُحْسِنِينَ فاهْتَدى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُظْهِرًا مَوْضِعَ [ضَمِيرِ] المُخاطَبِينَ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ النَّوْسُ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلِاضْطِرابِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿ألَمْ تَرَوْا﴾ ويَكُونَ (p-١٨٦)﴿ألَمْ تَرَوْا﴾ دَلِيلًا عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ أُشِيرَ إلى الآياتِ حالَ كَوْنِها هُدًى لِمَن ذَكَرَ والحالُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي اللَّهْوَ، ألَمْ تَرَوْا دَلِيلًا عَلى [أنَّ] مِنَ النّاسِ المُعانِدَ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم جَمِيعَ العالَمِ وأنْعَمَ عَلَيْكم بِما أنْعَمَ والحالُ أنَّ مِنَ النّاسِ ﴿مَن يُجادِلُ﴾ فَلا لَهْوَ أعْظَمُ مِن جِدالِهِ، ولا كِبْرَ مِثْلُ كِبْرِهِ، ولا ضَلالَ مِثْلُ ضَلالِهِ، وأظْهَرَ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى هَذا المُجادِلِ، وإشارَةً إلى قُبْحِ المُجادَلَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى النِّعَمِ فَقالَ تَعالى: ﴿فِي اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ في ظُهُورِ وجُودِهِ وأوْصافِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى بِوَجْهٍ، وكانَ المُجادِلُ قَدْ يَكُونُ فَهِمًا، قالَ: ﴿بِغَيْرِ﴾ أيْ بِكَلامٍ مُتَّصِفٍ بِأنَّهُ غَيْرُ ﴿عِلْمٍ﴾ أيْ بَلْ بِألْفاظٍ هي في رَكاكَةِ مَعانِيها لِعَدَمِ اسْتِنادِها إلى حِسٍّ ولا عَقْلٍ مُلْحَقَةٌ بِأصْواتِ الحَيَواناتِ العُجْمِ، فَكانَ بِذَلِكَ حِمارًا تابِعًا لِلْهَوى.

ولَمّا كانَ المَعْنى قَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ القاصِرِينَ، لِوُرُودِهِ عَلى لِسانِ مَن لا يُعْتَبَرُ، فَإذا أُضِيفَ إلى كَبِيرٍ تُؤُمِّلَ ولَمْ يُبادِرْ إلى رَدِّهِ لِاسْتِعْظامِهِ، فَظَهَرَ عَلى طُولِ حِسِّهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ النَّفْيِ الحَقِيقَةِ بِهِ، لِأنَّ المَوْضِعَ لَها، وعَدَلَ عَنْها أوَّلًا لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَذْمُومَ إنَّما هو المُجادِلُ إذا كانَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالعِلْمِ (p-١٨٧)[وإنْ كانَ جِدالُهُ مُتَّصِفًا بِالعِلْمِ]: ﴿ولا هُدًى﴾ أيْ وارِدٍ عَمَّنْ عُهِدَ مِنهُ سَدادُ الأقْوالِ والأفْعالِ بِما أبْدى مِنَ المُعْجِزاتِ والآياتِ البَيِّناتِ، فَوَجَبَ أخْذُ أقْوالِهِ مُسَلَّمَةً وإنْ لَمْ يَظْهَرْ مَعْناها.

ولَمّا كانَ القَوْلُ قَدْ يَكُونُ مَقْبُولًا لِاسْتِنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَكُنْ أصْلًا مَعْقُولًا، قالَ: ﴿ولا كِتابٍ﴾ أيْ مِنَ اللَّهِ؛ ووَصْفُهُ بِما هو لازِمُهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿مُنِيرٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ غايَةَ البَيانِ، مُبَيِّنٌ لِغَيْرِهِ عَلى عادَةِ بَيانِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ يَكُونُ أُرِيدَ بِالوَصْفِ الإعْجازُ لِإظْهارِهِ قَطْعًا أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ كِتابِ اللَّهِ كَذَلِكَ.

31:21Page 413

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?

ولَمّا كانَ المُجادِلُ بِغَيْرِ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ تابِعًا هَواهُ مُقَلِّدًا مِثْلَهُ قَطْعًا، وكانَ حالُ المُجادِلِينَ هَذا لِظُهُورِ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ عَجَبًا، عَجَّبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ بِإقامَتِهِمْ عَلى الضَّلالِ مَعَ إيضاحِ الأدِّلَةِ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ﴾ أيْ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ. ولَمّا كانَ ضَلالُ الجَمْعِ أعْجَبَ مِن ضَلالِ الواحِدِ، [وكانَ التَّعْجِيبُ مِن جِدالِ الواحِدِ] تَعْجِيبًا مِن جِدالِ الِاثْنَيْنِ فَأكْثَرَ مِن بابِ الأُولى، [أفْرَدَ أوَّلًا[ وجَمَعَ هُنا فَقالَ: ﴿لَهُمُ﴾ أيْ لِلْمُجادِلِينَ هَذا الجِدالَ: ﴿اتَّبِعُوا ما﴾ أيِ ابْذُلُوا جُهْدَكم في تَبَعِ الَّذِي، وأظْهَرَ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ أيْضًا فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ آباءَكُمُ الأوَّلِينَ، وهو الَّذِي لا عَظِيمَ إلّا هو ﴿قالُوا﴾ (p-١٨٨)جُمُودًا: لا نَفْعَلُ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ وإنْ جاهَدْنا بِالأنْفُسِ والأمْوالِ ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ لِأنَّهم أثْبَتُ مِنّا عُقُولًا، وأقَوْمُ قِيلًا، وأهْدى سَبِيلًا.

ولَمّا كانُوا لا يَسْلُكُونَ طَرِيقًا حِسِّيًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، كانَ التَّقْدِيرُ: أتَتَّبِعُونَهم لَوْ كانَ الهَوى يَدْعُوهم فِيما وجَدْتُمُوهم عَلَيْهِ إلى ما يُظَنُّ فِيهِ الهَلاكُ، لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ﴾ أيِ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ، وهو أعْدى أعْدائِهِمْ، دَلِيلَهم فَهو ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ إلى الضَّلالِ فَيُوقِعُهم فِيما يُسْخِطُ الرَّحْمَنَ فَيُؤَدِّيهِمْ ذَلِكَ ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ في ضَلالِهِمْ وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ، وأطْلَقَ العَذابَ عَلى سَبَبِهِ.

31:22Page 413

۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢

And whoever submits his face [i.e., self] to Allāh while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allāh will be the outcome of [all] matters.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن جادَلَ في اللَّهِ فَلا مُتَمَسَّكَ لَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ في شَرْحِ حالِ أضْدادِهِمْ: ﴿ومَن يُسْلِمْ﴾ أيْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ ﴿وجْهَهُ﴾ أيْ قَصْدَهُ وتَوَجُّهَهُ وذاتَهُ كُلَّها. ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ إثْباتَ الحِكْمَةِ، عَدّى الفِعْلَ بِـ ”إلى“ تَنْبِيهًا عَلى إتْقانِ الطَّرِيقِ بِالوَسائِطِ مِنَ النَّبِيِّ أوِ الشَّيْخِ وحَسُنَ الِاسْتِرْشادُ في ذَلِكَ، فَقالَ مُعَلِّقًا بِما تَقْدِيرُهُ: ساتِرًا وواصِلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، (p-١٨٩)فَلَمْ يَبْقَ لِنَفْسِهِ أمْرٌ أصْلًا، فَهو لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِأمْرٍ مِن أوامِرِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿مُحْسِنٌ﴾ أيْ مُخْلِصٌ بِباطِنِهِ كَما أخْلَصَ بِظاهِرِهِ فَهو دائِمًا في حالِ الشُّهُودِ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ أيْ أوْجَدَ الإمْساكَ بِغايَةِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ في بادِئَةِ الأُمُورِ لِتَرْقِيَةِ نَفْسِهِ مِن حَضِيضِها إلى أوْجِ الرُّوحِ عَلى أيْدِي المُسْلِكِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم لِدِينِهِ، العارِفِينَ بِأخْطارِ السَّيْرِ وعَوائِقِ الطَّرِيقِ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ الَّتِي هي أوْثَقُ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ فَلا سُقُوطَ لَهُ أصْلًا، فَلْيَسْرُرْكَ شُكْرُهُ فَإنَّ رَبَّهُ يُعْلِيهِ إلى كُلِّ مُرادٍ ما دامَ مُتَمَسِّكًا بِها تَمْثِيلًا لِحالِ هَذا السّائِرِ بِحالِ مَن سَقَطَ في بِئْرٍ، أوْ أرادَ أنْ يَرْقى جَبَلًا، فادَّعى لَهُ صاحِبُهُ حَبْلًا ذا عُرًى فَأخَذَ بِأوْثَقِها، فَهو يَعْلُو بِهِ إذا جَرَّهُ صَدِيقُهُ. وهو قادِرٌ [عَلى جَرِّهِ] لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ انْفِصامٍ، لِأنَّ مُتَمَسَّكَهُ في غايَةِ الإحْكامِ.

ولَمّا كانَ الكُلُّ صائِرِينَ إلَيْهِ، رافِدِينَ عَلَيْهِ: مَنِ اسْتَمْسَكَ بِالأوْثَقِ، ومَنِ اسْتَمْسَكَ بِالأوْهى، ومَن لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ، إلّا أنَّ الأوَّلَ صائِرٌ مَعَ السَّلامَةِ، وغَيْرُهُ مَعَ العَطَبِ، قالَ مُظْهِرًا تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ ولِئَلّا يُقَيِّدَ بِحَيْثِيَّةٍ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَصِيرُ إلى اللَّهِ سالِمًا، فَإلى اللَّهِ عاقِبَتُهُ لا مَحالَةَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ تَصِيرُ ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ كَما أنَّهُ كانَتْ مِنهُ بادِئَتُها، وإنَّما خَصَّ العاقِبَةَ لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِالبادِئَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском