Al-Biqa'iLuqman · 31:32–34

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:32–34

31:32Page 414

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢

And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.

ولَمّا كانُوا يُسارِعُونَ إلى الكَفْرِ بَعْدَ انْفِصالِهِمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وإلْباسِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، الَّتِي عَرَفَتْهم ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّالِفَةُ مِن حَقِّيَتِهِ وحْدَهُ وعُلُوِّهِ وكِبَرِهِ وبُطْلانِ شُرَكائِهِمْ، أعْرَضَ عَنْهم (p-٢٠٧)وجْهَ الخِطابِ لِأنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا بَعْدَ الوُضُوحِ إيذانًا بِاسْتِحْقاقٍ شَدِيدِ الغَضَبِ والعَذابِ، فَقالَ مُعَجِّبًا عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وأمّا غَيْرُ الصَّبّارِ الشَّكُورِ فَلا يَرَوْنَ ما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ في [حالِ] رَخائِهِمْ: ﴿وإذا غَشِيَهُمْ﴾ أيْ عَلاهم وهم فِيها حَتّى صارَ كالمُغَطّى لَهُمْ؛ لِأنَّهُ مَنَعَهم مِن أنَّ تَمْتَدَّ أبْصارُهم كَما كانَتْ ﴿مَوْجٌ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَهُ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ اضْطِرابِهِ وإيتانِهِ شَيْئًا في أثَرِ شَيْءٍ مُتَتابِعًا يَرْكَبُ بَعْضُهُ كَأنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِنَ الحَرَكَةِ والِازْدِحامِ ﴿كالظُّلَلِ﴾ [أيْ] حَتّى كانَ كَأطْرافِ الجِبالِ المُظْلِمَةَ لِمَن يَكُونُ إلى جانِبِها، [ولِلْإشارَةِ إلى خُضُوعِهِمْ غايَةَ الخُضُوعِ كَرَّرَ الاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ]: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيْ مُسْتَحْضِرِينَ لِما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن كَمالِهِ بِجَلالِهِ وجَمالِهِ، عالِمِينَ بِجَمِيعِ مَضْمُونِ الآيَةِ السّالِفَةِ مِن حَقِّيَتِهِ وعُلُوِّهِ وكِبَرِهِ وبُطْلانِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يَدْعُونَ شَيْئًا سِواهُ بِألْسِنَتِهِمْ ولا قُلُوبِهِمْ لِما اضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ مِن آياتِ الجَلالِ، وقَسْرِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ والكَمالِ، واقْتَضى الحالُ في سُورَةِ الحِكْمَةِ حُذِفَ ما دَعَوْا بِهِ لِتَعْظِيمِ الأمْرِ [فِيهِ] لِما اقْتَضاهُ مِنَ الشَّدائِدِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

ولَمّا كانَ القَتْلُ بِالسَّيْفِ أسْهَلَ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يُقالَ عَنْهُمْ: إنَّهم (p-٢٠٨)أقَرُّوا بِشَيْءٍ هم لَهُ مُنْكِرُونَ لِأجْلِ الخَوْفِ خَوْفِ السُّبَّةِ بِذَلِكَ والعارِ حَتّى قالَ مَن قالَ: لَوْلا أنْ يُقالَ إنِّي ما أسْلَمْتُ إلّا جَزَعًا مِنَ المَوْتِ فَيُسَبَّ بِذَلِكَ بَنِيَّ مِن بَعْدِي لَأسْلَمْتُ. بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهم وقَعُوا بِما فَعَلُوا عِنْدَ خَوْفِ الغَرَقِ في ذَلِكَ، وأعْجَبُ مِنهُ رُجُوعُهم إلى الكُفْرِ عِنْدَ الإنْجاءِ، لِما فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مِن كُفْرانِ الإحْسانِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن أعْظَمِ الشُّنَعِ، فَقالَ دالًّا بِالفاءِ عَلى قُرْبِ اسْتِحالِتِهِمْ وطَيْشِهِمْ وجَهالَتِهِمْ: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ﴾ أيْ خَلَّصَهم رافِعًا لَهُمْ، تَنْجِيَةً لَهم عَظِيمَةً بِالتَّدْرِيجِ مِن تِلْكَ الأهْوالِ ﴿إلى البَرِّ﴾ نَزَلُوا عَنْ تِلْكَ المَرْتَبَةِ الَّتِي أخْلَصُوا فِيها الدِّينَ، وتَنْكَبُّوا سَبِيلَ المُفْسِدِينَ وانْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ نِعْمَةِ الإنْجاءِ ورَبَطَ بِها إشارَةً إلى أنَّ المُؤَثِّرَ لِهَذا الِانْقِسامِ إنَّما هو الِاضْطِرارُ إلى الإخْلاصِ في البَحْرِ والنَّجاةِ مِنهم أنَّهُ كانَ مِنهم ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ مُتَكَلِّفٌ لِلتَّوَسُّطِ والمَيْلِ لِلْإقامَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهو الإخْلاصُ في التَّوْحِيدِ الَّذِي ألْجَأهُ إلَيْهِ الِاضْطِرارُ، وهم قَلِيلٌ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّبْعِيضِ، ومِنهم جاحِدٌ لِلنِّعْمَةِ مُلْقٍ لِجِلْبابِ الحَياةِ في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، (p-٢٠٩)وهُوَ الأكْثَرُ، كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ [و] دَلَّ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّصْرِيحِ فِيهِ بِالتَّبْعِيضِ، وما يَقْتَصِدُ إلّا كُلُّ صَبّارٍ شَكُورٍ، إمّا حالًا وإمّا مالًا ﴿وما يَجْحَدُ﴾ وخَوَّفَ الجاحِدَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها الِانْتِقامُ، فَقالَ صارِفًا القَوْلَ إلَيْهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ يُنْكِرُها مَعَ عِظَمِها ولا سِيَّما بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها ﴿إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ أيْ شَدِيدُ الغَدْرِ عَظِيمُهُ لِما نَقَضَ مِنَ العَهْدِ الهادِي إلَيْهِ العَقْلُ والدّاعِي إلَيْهِ الخَوْفُ ﴿كَفُورٍ﴾ أيْ عَظِيمُ الكُفْرِ لِإحْسانِ مَن هو مُتَقَلِّبٌ في نِعَمِهِ، في سِرِّهِ وعَلَنِهِ، وحَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ، ولا نِعْمَةَ إلّا وهي مِنهُ، ومِن هُنا جاءَتِ المُبالَغَةُ في الصِّفَتَيْنِ، وعُلِمَ أنَّهُما طِباقٌ ومُقابَلَةٌ لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ ذِكْرُ المُقْتَصِدِ أوَّلًا عَلى ”ومِنهم جاحِدٌ“ ثانِيًا، وحَصْرُ الجُحُودِ في الكَفُورِ ثانِيًا عَلى حَصْرِ الِاقْتِصادِ في الشَّكُورِ أوَّلًا، قالَ البَغَوِيُّ: قِيلَ: نَزَلَتْ في عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ حِينَ هَرَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عامَ الفَتْحِ إلى البَحْرِ فَجاءَهم رِيحٌ عاصِفٌ - يَعْنِي: فَقالَ الرُّكّابُ عَلى عادَتِهِمْ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم هَهُنا شَيْئًا - فَقالَ عِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ أنْجانِي اللَّهُ مِن هَذا لَأرْجِعَنَّ إلى مُحَمَّدٍ ولَأضَعَنَّ يَدِي في يَدِهِ فَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَرَجَعَ عِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مَكَّةَ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وقالَ (p-٢١٠)مُجاهِدٌ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ [مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مُقْتَصِدٌ في القَوْلِ] أيْ مِنَ الكُفّارِ، لِأنَّ بَعْضَهم كانَ أشَدَّ قَوْلًا وأعْلى في الِافْتِراءِ مِن بَعْضٍ.

31:33Page 414

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣

O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].

ولَمّا ظَهَرَتْ بِما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَقائِقُ الحِكْمَةِ، وانْتَشَرَتْ في الخافِقَيْنِ ألْوِيَةُ العَظَمَةِ ونُفُوذُ الكَلِمَةِ، وأعْرَبَتْ ألْسُنُ القُدْرَةِ عَنْ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا مِنَ العُجْمَةِ، فَظَهَرَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الصَّيْرُورَةِ إلى يَوْمِ الفَصْلِ وخَتَمَ بِالمُكَذِّبِ، أمَرَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ عامَّةً عاصِيَهم ومُطِيعَهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِ، وخَوَّفَهم ما هم صائِرُونَ إلَيْهِ، مُنادِيًا لَهم بِأدْنى أوْصافِهِمْ لِما لَهم مِنَ الذَّبْذَبَةِ كَما عُرِفَ بِهِ الحالُ الَّذِي شُرِحَ آنِفًا فَقالَ:﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ عامَّةً، ولَفَتَ الكَلامَ إلى الوَصْفِ المُذَكِّرِ بِالإحْسانِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ والَّذِي لا إلَهَ [لَكُمْ] غَيْرُهُ، لِأنَّهُ لا مُحْسِنَ إلَيْكم غَيْرُهُ، اتِّقاءً يَدُومُ وأنْتُمْ في غايَةِ الِاجْتِهادِ فِيهِ، لا كَما فَعَلْتُمْ عِنْدَ ما رَأيْتُمْ مِن أهْوالِ البَحْرِ.

ولَمّا كانَتْ وحْدَةُ [الإلَهِ] المَلِكِ تُوجِبُ الخَوْفَ مِنهُ، لِأنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ، وكانَ أنْ عُهِدَ مِنهُ أنَّهُ لا يَسْتَعْرِضُ عِبادَةً لِمُجازاتِهِمْ عَلى (p-٢١١)أعْمالِهِمْ لا يَخْشى كَما يَخْشى إذا عَلِمَ مِنهُ أنْ يَسْتَعْرِضَهم قالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا﴾ لا يُشْبِهُ الأيّامَ، ولا يُعَدُّ هَوْلُ البَحْرِ ولا غَيْرُهُ عِنْدَ أدْنى هَوْلٍ مِن أهْوالِهِ شَيْئًا بِوَجْهٍ.

ولَمّا كانَ المُجْرِمُ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ عِنْدَ المَلِكِ مَن يَدْفَعُ [عَنْهُ] فَتَرَ ذَلِكَ مِن خَوْفِهِ، وكانَ ما بَيْنَ الوالِدِ والوَلَدِ مِنَ الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ والعَطْفِ والرَّحْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى المُحاماةِ والنُّصْرَةِ والفِداءِ بِالنَّفْسِ والمالِ أعْظَمُ مِمّا بَيْنَ غَيْرِهِما، فَإذا انْتَفى إغْناءُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ انْتَفى غَيْرُهُما بِطْرِيقِ الأُولى قالَ: ﴿لا يَجْزِي﴾ أيْ يُغْنِي فِيهِ، ولَعَلَّهُ حَذَفَ الصِّلَةَ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الحالَ لَهم دائِمًا إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أقامَ في هَذِهِ الدّارِ أسْبابًا سَتَرَ قُدْرَتَهُ بِها، فَصارَ الجاهِلُ يُحِيلُ الأمْرَ ويُسْنِدُهُ إلَيْها، وأمّا هُناكَ فَتَزُولُ الأسْبابُ، ويَنْجَلِي غَمامُ الِارْتِيابِ، ويَظْهَرُ اخْتِصاصُ العَظَمَةِ بِرَبِّ الأرْبابِ.

ولَمّا كانَتْ شَفَقَةُ الوالِدِ - مَعَ شُمُولِها لِجَمِيعِ أيّامِ حَياتِهِ - أعْظَمَ [فَهُوَ يُؤْثِرُ حَياةَ ولَدِهِ عَلى حَياتِهِ ويُؤْثِرُ أنْ يَحْمِلَ بِنَفْسِهِ الآلامَ والأمْوالَ] بَدَأ بِهِ فَقالَ: ﴿والِدٌ﴾ كائِنًا مَن كانَ ﴿عَنْ ولَدِهِ﴾ [أيْ] لا يُوجَدُ مِنهُ ولا يَتَجَدَّدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجَزاءِ (p-٢١٢)وإنَّ تَحَقَّقَ أنَّ الوَلَدَ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّ الوالِدَ لا يَزالُ تَدْعُوهُ الوالِدِيَّةُ إلى الشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ، وتُجَدِّدُ عِنْدَهُ العَطْفَ والرِّقَّةَ، والمَفْعُولُ إمّا مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ أشُدُّ في النَّفْيِ وآكَدُ، وإمّا مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما في الشِّقِّ الَّذِي بَعْدَهُ.

ولَمّا كانَ الوَلَدُ لا يُتَوَقَّعُ مِنهُ الإغْناءُ عَنْ والِدِهِ في الهَزاهِزِ إلّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، أخَّرَهُ في عِبارَةٍ دالَّةٍ عَلى ثَباتِ السَّلْبِ العامِّ فَقالَ: ﴿ولا مَوْلُودٌ﴾ أيَّ مَوْلُودٍ كانَ ﴿هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ﴾ وإنْ عُلِمَ أنَّهُ بَعْضُهُ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الجَزاءِ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ ”هُوَ“ إشْعارٌ بِأنَّ المَنفِيَّ نَفْعُهُ بِنَفْسِهِ، فَفِيهِ تَرْجِيَةٌ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْذَنُ لَهُ في نَفْعِهِ إذا وُجِدَ الشَّرْطَ، وعَبَّرَ هُنا بِالِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّ الوَلَدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ دَيْدَنًا لِما لِأبِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ، والفِعْلُ يُطْلَقُ عَلى مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الِاتِّصافُ بِمَأْخَذِ اشْتِقاقِهِ، فَعَبَّرَ بِهِ في الأبِ لِأنَّهُ لا حَقَّ لِلْوَلَدِ عَلَيْهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مُلازَمَةَ الدَّفْعِ عَنْهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ ومِمّا يَتَّصِفُ بِهِ فَلا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وذَلِكَ كَما أنَّ المَلِكَ لَوْ خاطَ صَحَّ أنْ يَقُولَ في تِلْكَ الحالِ: أنَّهُ يَخِيطُ، ولا يَصِحُّ ”خَيّاطٌ“ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن صَنْعَتِهِ، ولا مِن شَأْنِهِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ لِسانَ حالِهِمْ يَقُولُ: هَلْ هَذا اليَوْمُ كائِنٌ (p-٢١٣)حَقًّا؟ أُجِيبَ هَذا السُّؤالُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِمَكانِ إنْكارِهِمْ، لافِتًا القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ الوَفاءِ لَهُ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ مَعاقِدِ العِزِّ والجَلالِ ﴿حَقٌّ﴾ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ وعَدَ بِهِ عَلى جَلالِ جَلالِهِ، وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وكَمالِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ في وهْمٍ فَضْلًا عَنْ أوْهامِكم أنْ يَخْلُفَهُ مَعَ [أنَّ] أدْناكم - أيُّها العَرَبُ كافَّةً - لا يَرى أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ وإنِ ارْتَكَبَ في ذَلِكَ الأخْطارَ، وعانى فِيهِ الشَّدائِدَ الكِبارَ، فَلَمّا ثَبَتَ أمْرُهُ، وكانَ حُبُّهم لِسَجْنِ هَذا الكَوْنِ المَشْهُودِ يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، لَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ في هَذا الكَوْنِ مِنَ المُسْتَلِذّاتِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ مُؤَكِّدًا لِعِظَمِ الخَطْبِ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ بِزُخْرُفِها، و[لا] ما يُبْهِجُ مَن لا تَأمُّلَ لَهُ مِن فانِي رَوْنَقِها، وكَرَّرَ الفِعْلَ والتَّأْكِيدَ إشارَةً إلى أنَّ ما لَهم مِنَ الإلْفِ بِالحاضِرِ مُعَمٍّ لَهم عَمّا فِيهِ مِنَ الزُّورِ، والخِداعِ الظّاهِرِ والغُرُورِ، فَقالَ مُظْهِرًا غَيْرَ مُضْمِرٍ لِأجَلِ زِيادَةِ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ ولا مُكافِئُ لَهُ مَعَ وِلايَتِهِ لَكم ﴿الغَرُورُ﴾ [أيْ] الكَثِيرُ الغُرُورِ (p-٢١٤)المَبالِغُ فِيهِ، وهو الشَّيْطانُ الَّذِي لا أحْقَرَ مِنهُ، لَمّا جَمَعَ مِنَ البُعْدِ والطَّرْدِ والِاحْتِراقِ مَعَ عَداوَتِهِ بِما يُزَيِّنُ لَكم مِن أمْرِها، ويُلْهِيكم بِهِ مِن تَعْظِيمِ قَدْرِها، ويُنْسِيكُمُوهُ مِن كَيْدِها وغَدْرِها، وتَعَبِها وشَرِّها، وأذاها وضُرِّها، فَيُوجِبُ ذَلِكَ لَكُمُ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلا تُعِدُّونَهُ مَعادًا، فَلا تَتَّخِذُونَ لَهُ زادًا، لِما اقْتَرَنَ بِغُرُورِهِ مِن حِلْمِ اللَّهِ وإمْهالِهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الغِرَّةُ أنْ يَعْمَلَ المَعْصِيَةَ ويَتَمَنّى المَغْفِرَةَ.

31:34Page 414

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤

Indeed, Allāh [alone] has knowledge of the Hour and sends down the rain and knows what is in the wombs.1 And no soul perceives what it will earn tomorrow, and no soul perceives in what land it will die. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

ولَمّا كانَ مِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّ لِسانَ حالِهِمْ بَعْدَ السُّؤالِ عَنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ اليَوْمِ يُسْألُ عَنْ وقْتِهِ كَما مَضى في غَيْرِ آيَةٍ، ويَأْتِي في آخِرِ الَّتِي بَعْدَها، إمّا تَعَنُّتًا واسْتِهْزاءً وإمّا حَقِيقَةً، أجابَ عَنْ ذَلِكَ ضامًّا إلَيْهِ أخَواتِهِ مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما الآتِي، لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ لَها السُّورَةُ، مُرَتِّبًا لَها عَلى الأبْعَدِ فالأبْعَدِ عَنْ عِلْمِ الخَلْقِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما يَعْتَقِدُونَ في كُهّانِهِمْ مُظْهِرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ غَيْرَ مُضْمِرٍ لِشِدَّةِ اقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ وجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ ﴿عِنْدَهُ﴾ أيْ خاصَّةً، ولَوْ قِيلَ لَهُ مَثَلًا ما أفادَ الحُضُورَ، ولَوْ قِيلَ ”لَدَيْهِ“ لَأوْهَمَ التَّعْبِيرُ بِـ”لَدى“ (p-٢١٥)الَّتِي هي لِلْحُضُورِ أنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِها جِدًّا، وأوْهَمَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى يَتَفاوَتُ تَعَلُّقُهُ بِالأشْياءِ بِخُصُوصٍ أوْ عُمُومٍ لِأجْلِ أنَّ ”لَدى“ أخَصُّ مِن عِنْدَ فَكانَتْ عِنْدَ أوْفَقَ لِلْمُرادِ، فَإنَّها أفادَتِ التَّمَكُّنَ مِنَ العِلْمِ مَعَ احْتِمالِ تَأخُّرِها [وسَلِمَتْ] مِن تَطَرُّقِ احْتِمالٍ فاسِدٍ إلَيْها ﴿عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ وقْتُ قِيامِها، لا عِلْمَ لِغَيْرِهِ بِذَلِكَ أصْلًا.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ نَصَبَ عَلَيْها أماراتٍ تُوجِبُ ظُنُونًا في قُرْبِها، وكَشَفَ بَعْضَ أمْرِها، عَبَّرَ تَعالى بِالعِلْمِ، ولَمّا كانُوا قَدْ ألَحُّوا في السُّؤالِ عَنْ وقْتِها، وكانَتْ أبْعَدَ الخَمْسِ عَنْ عِلْمِ الخَلْقِ، وكانَتْ شَيْئًا واحِدًا لا يَتَجَزَّأُ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] أبْرَزَها سُبْحانَهُ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ، وهَذا هو المِفْتاحُ الأوَّلُ مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ يَنْفَتِحُ بِهِ مِنَ العُلُومِ ما يَجِلُّ عَنِ الحَصْرِ عَنْ قِيامِ الأنْفُسِ بِأبْدانِها، ماثِلَةً عَلى مَذاقِها بِجَمِيعِ أرْكانِها، وأشْكالِها وألْوانِها، وسائِرِ شَأْنِها، وطَيَرانِ الأرْواحِ بِالنَّفْخِ إلَيْها واحْتِوائِها عَلَيْها عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ، وتَغايُرِ صُوَرِهِمْ وأطْوالِهِمْ، وتَبايُنِ ألْسِنَتِهِمْ وأعْمالِهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، وعَجائِبِ المَقْدُورِ، ثُمَّ سَعْيِهِمْ إلى المَوْقِفِ ثُمَّ وُقُوفِهِمْ، ثُمَّ حِسابِهِمْ إلى اسْتِقْرارِ الفَرِيقَيْنِ في الدّارَيْنِ، هَذا إلى مَوْجِهِمْ (p-٢١٦)مِن شِدَّةِ الزِّحامِ، والكُرُوبِ العِظامِ بَعْضًا في بَعْضٍ. يَطْلُبُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم في الحِسابِ حَتّى يَقُومَ المُصْطَفى ﷺ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ إلى انْتِقاضِ السَّماواتِ، وانْكِدارِ ما فِيها مِنَ النَّيِّراتِ، ونُزُولِ المَلائِكَةِ بَعْدَ قِيامِهِمْ مِن مَنامِهِمْ، وهم مَن لا يُحْصِي أهْلُ سَماءٍ مِنهم كَثْرَةً، كَيْفَ وقَدْ أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ يُصَلِّي هَذا إلى تَبَدُّلِ الأراضِي وزَوالِ الجِبالِ، ونَسْفِ الأبْنِيَةِ والرَّوابِي والتِّلالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ.

المِفْتاح الثّانِي: آيَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ عَلى قِيامِ السّاعَةِ، وأدَلُّ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ وهو إنْزالُ المَطَرِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنِ الِاخْتِلاطِ في أعْماقِ الأراضِي بِالتُّرابِ الَّذِي كانَ نَباتًا ثُمَّ إعادَتُهُ نَبْتًا [كَما] كانَ مِن قَبْلُ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِهِ، ومَقادِيرِهِ وأشْكالِهِ، وأغْصانِهِ وأفْنانِهِ، ورَوائِحِهِ وطَعُومِهِ، ومَنافِعِهِ وطَبائِعِهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ، وأحْوالِهِ وفُنُونِهِ، الَّتِي لا يُحِيطُ بِها عِلْمًا إلّا خالِقُها ومُبْدِعُها وصانِعُها.

ولَمّا كانُوا يَنْسُبُونَ الغَيْثَ إلى الأنْواءِ أسْنَدَ الإنْزالَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيُفِيدَ الِامْتِنانَ، وعَبَّرَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ فَقالَ: ﴿ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ﴾ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ القائِمَةِ مَقامَ التَّسْوِيرِ بِـ ”كُلٍّ“ (p-٢١٧)وقَدْ أفادَ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِالعِلْمِ بِوَقْتِهِ ومَكانِهِ ومِقْدارِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ شَيْئًا حَقِيقَةً لَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ وقْتَ فِعْلِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ إلّا مِن قِبَلِهِ.

المِفْتاحُ الثّالِثُ: عِلْمُ الأجِنَّةِ وهو الرُّتْبَةُ الثّانِيَةُ في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ الكاشِفِ عَنْ تَخْطِيطِها وتَصْوِيرِها، وتَشْكِيلِها وتَقْدِيرِها، عَلى وصْفَيِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، مَعَ الوُضُوحِ أوِ الإشْكالِ، والوَحْدَةِ أوِ الكَثْرَةِ، والتَّمامِ أوِ النَّقْصِ - إلى ما هُناكَ مِنِ اخْتِلافِ المَقادِيرِ والطَّبائِعِ، والأخْلاقِ والشَّمائِلِ، والأكْسابِ والصَّنائِعِ، والتَّقَلُّباتِ في مِقْدارِ العُمْرِ والرِّزْقِ في الأوْقاتِ والأماكِنِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي لا يُحْصِيها إلّا بارِئُ النَّسَمِ، ومُحْيِي الرَّمَمِ. ولَمّا كانَتْ لِلْخَلْقِ في ذَلِكَ لِكَثْرَةِ المُلابَساتِ والمُعالَجاتِ ظُنُونٌ في وُجُودِ الحَمْلِ أوَّلًا، ثُمَّ في كَوْنِهِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى ثانِيًا، ونَحْوُ ذَلِكَ بِما ضَرَبَ عَلَيْهِ مِنَ الأماراتِ النّاشِئَةِ عَنْ طُولِ التَّجارِبِ، وكَثْرَةِ المُمارَسَةِ، عَبَّرَ بِالعِلْمِ فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى حَيٌّ أوْ مَيِّتٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِتَجَدُّدِ الأجْنِحَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، والكَلامُ في اللّامِ والِاخْتِصاصِ (p-٢١٨)بِالعِلْمِ كالَّذِي قَبْلَهُ سَواءً.

المِفْتاحُ الرّابِعُ: الكَسْبُ النّاشِئُ عَمّا في الأرْحامِ الفاتِحُ لِكُنُوزِ السَّعادَةِ وآفاتِ الشَّقاوَةِ والمُسْفِرُ عَنْ حَقائِقِ الضَّمائِرِ في صِدْقِها عِنْدَ البَلاءِ وكَذِبِها، وعَنْ مَقادِيرِ العَزائِمِ ورُتَبِ الغَرائِزِ، وعَنْ أحْوالِ النّاسِ عِنْدَ ذَلِكَ في الصَّداقَةِ والعَداوَةِ والذَّكاءِ والغَباوَةِ والصَّفاءِ والكَدَرِ والسَّلامَةِ والحِيَلِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ والعِلَلِ، في اخْتِلافِ الأُمُورِ، وعَجائِبِ المَقْدُورِ، في الخُيُورِ والشُّرُورِ، مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ إلّا مُبْدِعُهُ، وغارِزُهُ في عِبادِهِ ومُودِعُهُ، ولِكَوْنِ الإنْسانِ - مَعَ أنَّهُ ألْصَقُ الأشْياءِ وألْزَمُهُ لَهُ - لا يَعْلَمُهُ مَعَ إيساعِهِ الحِيلَةَ [فِي] مَعْرِفَتِهِ، عَبَّرَ فِيهِ بِالدِّرايَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الحِيلَةِ بِتَصْرِيفِ الفِكْرِ وإجالَةِ الرَّأْيِ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ مادَّةَ ”دَرى“ تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، ومِن لَوازِمِهِ إعْمالُ الحِيلَةِ وإمْعانُ النَّظَرِ، فَهي أخَصُّ مِن مُطْلَقِ العِلْمِ فَقالَ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ أيْ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ وغَيْرِها ما وأكَّدَ المَعْنى بِـ ”ذا“ وتَجْرِيدِ الفِعْلِ فَقالَ: ذا تَكَسُّبٍ غدًا أيْ في المُسْتَقْبَلِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي نَفْيِ عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ مَعَ كَوْنِهِ ألْصَقَ الأشْياءِ بِهِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى نَفْيٍ عِلْمِ ما قَبْلَهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أخْفى مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ إثْباتُ عِلْمِهِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَصارَ عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ، (p-٢١٩)وعُلِمَ أيْضًا أنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى العَبْدِ الأعْلى طَرِيقُ الكَسْبِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَخْلُوقًا لَهُ لَعَلِمَهُ قَطْعًا، فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خالِقُهُ، فَعَلِمَ اخْتِصاصَهُ بِعِلْمِهِ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا.

المِفْتاحُ الخامِسُ: مَكانُ المَوْتِ الَّذِي هو خِتامُ الأمْرِ الدُّنْيَوِيِّ وطَيُّ سِجِلِّ الأثَرِ الشُّهُودِيِّ، وابْتِداءُ الأمْرِ الأُخْرَوِيِّ المَظْهَرِ لِأحْوالِ البَرْزَخِ في النُّزُولِ مَعَ المُنْتَظِرِينَ لِبَقِيَّةِ السَّفَرِ إلى دائِرَةِ البَعْثِ وحالَةِ الحَشْرِ إلى ما هُنالِكَ مِن رِبْحٍ وخُسْرانٍ، وعِزٍّ وهَوانٍ، وما لِلرُّوحِ مِنَ الِاتِّصالِ بِالجَسَدِ والرُّتْبَةِ في العُلُوِّ والسُّفُولِ، والصُّعُودِ والنُّزُولِ، إلى ما وراءَ ذَلِكَ إلى ما لا آخِرَ مِمّا لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَهُ وجُمَلَهُ وكُلِّيّاتِهِ وجُزْئِيّاتِهِ إلّا مُخْتَرِعُهُ وبارِئُهُ ومُصْطَنِعُهُ.

ولَمّا كانَ لا يَعْلَمُهُ الإنْسانُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ مِن شِدَّةِ حَذَرِهِ مِنهُ [وحُبِّهِ] لَوْ أنْفَقَ جَمِيعَ ما يَمْلِكُهُ لِكَيْ يَعْلَمَهُ، عَبَّرَ عَنْهُ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ النّافِي والمُسْنَدِ: ﴿وما تَدْرِي﴾ وأظْهَرَ لِأنَّهُ أوْضَحُ وألْيَقُ بِالتَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿نَفْسٌ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِ ﴿بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِأيِّ وقْتٍ، لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِانْفِكاكِ عَنِ الوَقْتِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْ مَكانٍ مُعَيَّنٍ، وإحاطَةِ العِلْمِ بِكَراهَةِ كُلِّ أحَدٍ لِلْمَوْتِ، فَكانَ [ذَلِكَ] أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى جَهْلِهِ بِمَوْضِعِ (p-٢٢٠)مَوْتِهِ إذْ عَلِمَ بِهِ لَبَعُدَ عَنْهُ ولَمْ يَقْرَبْ مِنهُ، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ حَدِيثَ المَفاتِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةُ»، ولَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أشْراطِ السّاعَةِ فَأخْبَرَهُ بِبَعْضِها وقالَ: «خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ﴾» - إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَدْ دَلَّ الحَدِيثُ قَطْعًا عَلى أنَّ الآيَةَ فِيما يَنْفَرِدُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِلْمِهِ، وقَدْ رَتَّبَها سُبْحانَهُ هَذا التَّرْتِيبَ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكْمَةِ وعَلِمَ سِرَّ إتْيانِهِ بِها تارَةً في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وتارَةً في فِعْلِيَّةٍ، وتارَةً لَيْسَ فِيها ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ، وأُخْرى يُذْكَرُ فِيها، ويُسْنَدُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَكِنْ لا عَلى وجْهِ الحَصْرِ، وتارَةً بِنَفْيِ العِلْمِ مِن غَيْرِهِ فَقَطْ مِن غَيْرِ إسْنادٍ لِلْفِعْلِ إلَيْهِ، وعُلِمَ سِرُّ قَوْلِهِ ”بِأيِّ أرْضٍ“ دُونَ أيِّ وقْتٍ، كَما في بَعْضِ [طُرُقِ] الحَدِيثِ.

ولَمّا كانَ قَدْ أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ اخْتِصاصَ العِلْمِ عَنِ الخَلْقِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، أثْبَتَ بَعْدَها ما هو أعْلَمُ لِتَدْخُلَ فِيهِ ضِمْنًا فَيَصِيرُ مُخْبِرًا (p-٢٢١)بِعِلْمِهِ لَها مَرَّتَيْنِ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ بَعْضَ ما يُخْبِرُ بِهِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إنْكارَهم لِبَعْضِ عِلْمِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِأوْصافِ الكَمالِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والجَلالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ شامِلُ العِلْمِ لِلْأُمُورِ كُلِّها، كُلِّيّاتِها وجُزْئِيّاتِها، فَأثْبَتَ العِلْمَ المُطْلَقَ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ نَفاهُ عَنِ الغَيْرِ في هَذِهِ الخَمْسِ تارَةً نَصًّا وأُخْرى بِطَرِيقِ الأوْلى أوْ بِاللّازِمِ، فانْطَبَقَ الدَّلِيلُ عَلى الدَّعْوى. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

ولَمّا أثْبَتَ العِلْمَ عَلى هَذا الوَجْهِ، أكَّدَهُ لِأجْلِ ما سِيقَتْ لَهُ السُّورَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ خَبايا الأُمُورِ، وخَفايا الصُّدُورِ، كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها وجَلاياها، كُلٌّ عِنْدِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَهو الحَكِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ولِذَلِكَ أخْفى هَذِهِ المَفاتِيحَ عَنْ عِبادِهِ، لِأنَّهُ لَوْ أطْلَعَهم عَلَيْها لَفاتَ كَثِيرٌ مِنَ الحِكَمِ، بِاخْتِلافِ هَذا النِّظامِ، عَلى ما فِيهِ مِنَ الإحْكامِ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ - بِإثْباتِهِ الحِكْمَةَ بِإثْباتِ العِلْمِ [والخَبَرِ] مَعَ تَقْرِيرِ أمْرِ السّاعَةِ الَّتِي هي مِفْتاحُ الدّارِ الآخِرَةِ - عَلى أوَّلِها المُخْبِرِ بِحِكْمَةِ صِفَتِهِ الَّتِي مَن عَلِمَها حَقَّ عِلْمِها، وتَخَلَّقَ بِما دَعَتْ إلَيْهِ وحَضَّتْ عَلَيْهِ لا سِيَّما الإيقانُ بِالآخِرَةِ، كانَ حَكِيمًا خَبِيرًا عَلِيمًا مُهَذَّبًا [مَهْدِيًّا] مُقَرَّبًا عَلِيًّا، فَسُبْحانَهُ مَن هَذا كَلامُهُ، وتَعالى كِبْرِياؤُهُ وعَزَّ مَرامُهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ وهو اللَّطِيفُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском