Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:13–25
32:13Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
ولَمّا لَمْ يَذْكُرْ لَهم جَوابًا، عُلِمَ أنَّهُ لِهَوانِهِمْ، لِأنَّهُ ما جَرَّأهم عَلى (p-٢٥١)العِصْيانِ إلّا صِفَةُ الإحْسانِ، فَلا يَصْلُحُ لَهم إلّا الخِزْيُ والهَوانُ، ولِأنَّ الإيمانَ لا يَصِحُّ إلّا بِالغَيْبِ قَبْلَ العِيانِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّ ضَلالَهم مَعَ الإمْعانِ في البَيانِ، لِعَجَزَ عَنْ هِدايَتِهِمْ أوْ تَوانٍ، قالَ عاطِفًا [عَلى] ما تَقْدِيرُهُ: إنِّي لا أرُدُّكم لِأنِّي لَمْ أُضِلَّكم في الدُّنْيا لِلْعَجْزِ عَنْ هِدايَتِكم فِيها، بَلْ لِأنِّي لَمْ أُرِدْ إسْعادَكُمْ، ولَوْ شِئْتُ لَهَدَيْتُكُمْ، [صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَها:] ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَأْبى أنْ يَكُونَ لِغَيْرِنا شَيْءٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ أوْ يَكُونُ في مِلْكِنا ما لا نُرِيدُ ﴿لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ﴾ أيْ: مُكَلَّفَةٍ لِأنَّ الكَلامَ فِيها ﴿هُداها﴾ أيْ: جَعَلْنا هِدايَتَها ورُشْدَها وتَوْفِيقَها لِلْإيمانِ وجَمِيعِ ما يَتْبَعُهُ مِن صالِحِ الأعْمالِ في يَدِها مُتَمَكِّنَةً مِنها.
ولَمّا اسْتَوْفى الأمْرُ حَدَّهُ مِنَ العَظَمَةِ، لَفَتَ الكَلامَ إلى الإفْرادِ، دَفْعًا لِلتَّعَنُّتِ وتَحْقِيقًا لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ العَظَمَةُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: لَمْ أشَأْ ذَلِكَ لِأنَّهُ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ وأنا مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ، لِأنَّ الإخْلافَ إمّا لِعَجْزٍ أوْ نِسْيانٍ أوْ حاجَةٍ ولا شَيْءَ مِن ذَلِكَ يَلِيقُ بِجَنابِي، أوْ يَحِلُّ بِساحَتِي، وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ (p-٢٥٢)الَّتِي هي مَحَلُّ إهانَتِي وتَجَهُّمِ أعْدائِي بِما تَجَهَّمُوا أوْلِيائِي ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيِ: الجِنِّ طائِفَةِ إبْلِيسَ، وكَأنَّهُ أنَّثَهم تَحْقِيرًا لَهم عِنْدَ مَن يَسْتَعْظِمُ أمْرَهم لِما دَعا إلى تَحْقِيرِهِمْ مِن مَقامِ الغَضَبِ وبَدَأ بِهِمْ لِاسْتِعْظامِهِمْ لَهم ولِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] فَلِذَلِكَ شِئْتُ كُفْرَ الكافِرِ وعِصْيانَ العاصِي بَعْدَ أنْ جَعَلْتُ لَهُمُ اخْتِيارًا، وغَيَّبْتُ العاقِبَةَ عَنْهُمْ، فَصارَ الكَسْبُ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ ظاهِرًا، والخَلْقُ في الحَقِيقَةِ والمَشِيئَةُ لِي.
32:14Page 416
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا القَوْلِ الصّادِقِ أنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ عَذابِهِمْ، قالَ مُجِيبًا لِتَرَقُّقِهِمْ إذْ ذاكَ نافِيًا لِما قَدْ يُفْهِمُهُ كَلامُهم مِن أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى العِبادَةِ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنهُ بِسَبَبِ ما حَقَّ مَعِي مِنَ القَوْلِ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ [وأكَّدَهُ] وبَيَّنَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ أيْ عَمِلْتُمْ - في الإعْراضِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِهَذا المَوْقِفِ الَّذِي تُحاسَبُونَ فِيهِ ويَظْهَرُ فِيهِ العَدْلُ - عَمَلَ النّاسِي لَهُ مَعَ أنَّهُ مَرْكُوزٌ في طِباعِكم أنَّهُ لا يَسُوغُ لِذِي عِلْمٍ وحِكْمَةٍ أنْ يَدَعَ عَبِيدَهُ (p-٢٥٣)يَمْرَحُونَ في أرْضِهِ ويَتَقَلَّبُونَ في رِزْقِهِ، ثُمَّ لا يُحاسِبُهم عَلى ذَلِكَ ويُنْصِفُ مَظْلُومُهُمْ، فَكانَ الإعْراضُ عَنْهُ مُسْتَحَقًّا لِأنْ يُسَمّى نِسْيانًا مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا ومِن جِهَةِ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لَهُ مِنَ البَراهِينِ، ما مَلَأ الأكْوانَ صارَ كَأنَّهُ ظَهَرَ، ورُوِيَ ثُمَّ نُسِيَ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَوْقَهم لِذَلِكَ أوِ اسْتَأنَفَ لِبَيانِ المُجازاةِ بِهِ مُؤَكِّدًا في مَظْهَرِ العَظَمَةِ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ في الخَلاصِ، ولِذا عادَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ عامَلْناكم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ولَكم مِنَ الحَقارَةِ مُعامَلَةَ النّاسِي لَكُمْ، فَأوْرَدْنا النّارَ كَما أقْسَمْنا أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ إلّا يَرِدُها، ثُمَّ أخْرَجْنا أهْلَ وُدِّنا وتَرَكْناكم فِيها [تَرْكَ] المَنسِيِّ.
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِهِمْ بِالذَّوْقِ مُجْمَلًا، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لَهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ أيِ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ لا آخِرَ لَهُ. ولَمّا كانَ قَدْ خَصَّ [السَّبَبَ] فِيما مَضى، عَمَّ هُنا فَقالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ مَن لَمْ يَخَفْ أمْرَ البَعْثِ ناوِينَ أنَّكم لا تَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ.
32:15Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] قَدْ أشارَ إلى أنَّ الحامِلَ لَهم عَلى الكُفْرِ الكِبَرُ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَسَّمَ النّاسَ قِسْمَيْنِ (p-٢٥٤)لِأجْلِ الدّارَيْنِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ذِكْرِ عَلامَةِ أهْلِ الإيمانِ كَما ذُكِرَتْ عَلامَةُ أهْلِ الكُفْرانِ، فَقالَ مُعَرِّفًا أنَّ المُجْرِمِينَ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِنا ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ، في أيِّ وقْتٍ كانَ، قَبْلَ كَشْفِ الغِطاءِ وبَعْدَهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أيْ بادَرُوا إلى السُّجُودِ مُبادَرَةَ مَن كَأنَّهُ سَقَطَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، خُضَّعًا لِلَّهِ مِن شِدَّةِ تَواضُعِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ وإخْباتِهِمْ لَهُ خُضُوعًا ثابِتًا دائِمًا ﴿وسَبَّحُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّنْزِيهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن تَرْكِ العَبَثِ المُؤَدِّي إلى تَضْيِيعِ الحِكْمَةِ ومَن غَيْرِهِ مُتَلَبِّسِينَ ﴿بِحَمْدِ﴾ ولَفْتَ الكَلامَ إلى الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِتَنْزِيهِهِمْ وحَمْدِهِمْ تَنْبِيهًا لَهم فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِإثْباتِهِمْ لَهُ الإحاطَةَ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا تَواضُعَهُمْ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ لا يُجَدِّدُونَ طَلَبَ الكِبَرِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ الهادِي ولا يُوجِدُونَهُ خُلُقًا لَهم راسِخًا في ضَمائِرِهِمْ.
32:16Page 416
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
ولَمّا كانَ المُتَواضِعُ رُبَّما نُسِبَ إلى الكَسَلِ، نَفى ذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّالِفَةُ مِن خَوْفِهِمْ: ﴿تَتَجافى﴾ أيْ تَرْتَفِعُ ارْتِفاعَ مُبالِغٍ في الجَفاءِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، وبَشَّرَ بِكَثْرَتِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ (p-٢٥٥)بِجَمْعِ الكَثْرَةِ فَقالَ: ﴿جُنُوبُهُمْ﴾ بَعْدَ النَّوْمِ ﴿عَنِ المَضاجِعِ﴾ أيِ الفُرُشِ المُوَطَّأةِ المُمَهَّدَةِ الَّتِي هي [مَحَلُّ] الرّاحَةِ والسُّكُوِنِ والنَّوْمِ، فَيَكُونُونَ عَلَيْها كالمَلْسُوعِينَ، لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِقْرارِ عَلَيْها، في اللَّيْلِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الخَلْوَةِ ومَحَطُّ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ بِما تَهْواهُ النُّفُوسُ، [قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والأرْبَعِينَ مِن عَوارِفِهِ عَنِ المُحِبِّينَ: قِيلَ: نَوْمُهم نَوْمُ الفَرْقى، وأكْلُهم أكْلُ المَرْضى، وكَلامُهم ضَرُورَةٌ، فَمَن نامَ عَنْ غَلَبَةٍ بِهَمٍّ مُجْتَمِعٍ مُتَعَلِّقٍ بِقِيامِ اللَّيْلِ وُفِّقَ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وإنَّما النَّفْسُ إذا طَعِمَتْ ووُطِّنَتْ عَلى النَّوْمِ اسْتَرْسَلَتْ فِيهِ، وإذا أُزْعِجَتْ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ لا تَسْتَرْسِلُ في الِاسْتِقْرارِ، وهَذا الِانْزِعاجُ في النَّفْسِ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ هو التَّجافِي الَّذِي قالَ اللَّهُ، لِأنَّ الهَمَّ بِقِيامِ اللَّيْلِ وصِدْقِ العَزِيمَةِ يَجْعَلُ بَيْنَ الجِنْبِ والمَضْجَعِ سَواءً وتَجافِيًا.]
ولَمّا كانَ هِجْرانُ المَضْجَعِ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ العِبادَةِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَها، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وأظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي جَرَّأهم عَلى السُّؤالِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَهم بِإحْسانِهِ: ثُمَّ عَلَّلَ دُعاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا﴾ أيْ مِن سُخْطِهِ وعِقابِهِ، [فَإنَّ أسْبابَ الخَوْفِ مِن نَقائِصِهِمْ كَثِيرَةٌ سَواءٌ عَرَفُوا سَبَبًا يُوجِبُ خَوْفًا أوْ لا، فَهم (p-٢٥٦)لا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ لِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ] ﴿وطَمَعًا﴾ أيْ في رِضاهُ المُوجِبِ لِثَوابِهِ، وعَبَّرَ بِهِ دُونَ الرَّجاءِ إشارَةً إلى أنَّهم لِشِدَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِنَقائِصِهِمْ لا يَعُدُّونَ أعْمالَهم شَيْئًا بَلْ يَطْلُبُونَ فَضْلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ، [وإذا كانُوا يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَهم مَعَ السَّبَبِ أرْجى، فَهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِهِ.]
ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ تَقْطَعُ عَنِ التَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، فَرُبَّما دَعَتْ نَفْسُ العابِدِ إلى التَّمَسُّكِ بِما في يَدِهِ خَوْفًا مِن نَقْصِ العِبادَةِ عَنِ الحاجَةِ لِتَشَوُّشِ الفِكْرِ والحَرَكَةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، حَثَّ عَلى الإنْفاقِ مِنهُ اعْتِمادًا عَلى الخَلّاقِ الرَّزّاقِ الَّذِي ضَمِنَ الخَلْفَ لِيَكُونُوا بِما ضَمِنَ لَهم أوْثَقَ مِنهم بِما عِنْدَهُمْ، وإيذانًا بِأنَّ الصَّلاةَ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ في الرِّزْقِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] فَقالَ لَفْتًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرِّزْقَ مِنهُ وحْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا، لا حَوْلَ مِنهم ولا قُوَّةَ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ في جَمِيعِ وُجُوهِ القُرَبِ الَّتِي شَرَعْناها لَهم.
32:17Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَزاءِ المُتَواضِعِينَ، أشارَ إلى جَزائِهِمْ بِفاءِ السَّبَبِ، إشارَةً إلى أنَّهُ هو الَّذِي وفَّقَهم لِهَذِهِ الأعْمالِ بِرَحْمَتِهِ، وجَعَلَها سَبَبًا إلى دُخُولِ جَنَّتِهِ، ولَوْ شاءَ لَكانَ (p-٢٥٧)غَيْرَ ذَلِكَ [فَقالَ:] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ النُّفُوسِ مَقْرُبَةً ولا غَيْرَها ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ مِنَ العالِمِ بِمَفاتِيحِ الغُيُوبِ وخَزائِنِها كَما كانُوا يُخْفُونَ أعْمالَهم بِالصَّلاةِ في جَوْفِ اللَّيْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يُراؤُونَ بِها، ولَعَلَّهُ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ تَعْظِيمًا لَهُ بِذَهابِ الفِكْرِ في المَخْفِيِّ كُلَّ مَذْهَبٍ أوْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أخْفَوْا نَوافِلَ أعْمالِهِمْ لِأجْلِهِ، وسَكَّنَ حَمْزَةُ الياءَ عَلى أنَّهُ لِلْمُتَكَلِّمِ سُبْحانَهُ لَفْتًا لِأُسْلُوبِ العَظْمَةِ إلى أُسْلُوبِ المُلاطَفَةِ، والسِّرُّ مُناسَبَتُهُ لِحالِ الأعْمالِ.
ولَمّا كانَتِ العَيْنُ لا تَقَرُّ فَتَهْجَعُ إلّا عِنْدَ الأمْنِ والسُّرُورِ قالَ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ نَفِيسٍ سارٍّ تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم لِأجْلِ ما أقْلَعُوها عَنْ قَرارِها بِالنَّوْمِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما أفْهَمَتْهُ فاءُ السَّبَبِ فَقالَ: ﴿جَزاءً﴾ أيْ أخْفاها لَهم لِجَزائِهِمْ ﴿بِما كانُوا﴾ [أيْ] بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «”قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ“، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ الآيَةُ».
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
(p-٢٥٨)ولَمّا كانُوا أهْلَ بَلاغَةٍ ولَسَنٍ، وبَراعَةٍ: وجَدَلٍ، فَكانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: ما لَهُ إذا كانَ ما تَزْعُمُونَ مِن أنَّهُ لا يُبالِي بِشَيْءٍ ولا يَنْقُصُ مِن خَزائِنِهِ شَيْءٌ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ، لا يُسَوِّي بَيْنَ الكُلِّ في إدْخالِ الجَنَّةِ، والمَنِّ بِالنَّعِيمِ فَيَعُمُّهم بِالرَّحْمَةِ الظّاهِرَةِ كَما عَمَّهم بِها في الدُّنْيا كَما هو دَأْبُ المُحْسِنِينَ؟ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّ المانِعَ مِنهُ خُرُوجُهُ عَنِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ دارُ الجَزاءِ، وهَذِهِ دارُ العَمَلِ، فَبَيْنَهُما بَوْنٌ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ مِن رُسُوخِهِ جَبَلِيٌّ ﴿مُؤْمِنًا﴾ أيْ راسِخًا في التَّصْدِيقِ العَظِيمِ بِجَمِيعِ ما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ ﴿كَمَن كانَ﴾ [ولَمّا كانَ السِّياقُ مَنسُوقًا عَلى دَلِيلِ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] الآيَةِ، فَكانَ الكافِرُ خارِجًا عَنْ مُحِيطِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يَخْفى بِوَجْهٍ عَلى أحَدٍ لَهُ سَمْعٌ وبَصَرٌ وفُؤادٌ، اقْتَضى الحالُ التَّعْبِيرَ بِالفِسْقِ الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنْ مُحِيطٍ فَقالَ:] ﴿فاسِقًا﴾ أيْ راسِخًا في الفِسْقِ خارِجًا عَنْ دائِرَةِ الإذْعانِ.
ولَمّا تَوَجَّهَ الِاسْتِفْهامُ إلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، عَبَّرَ عَنْ مَعْناهُ مُصَرِّحًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ إشارَةٌ - بِالحَمْلِ عَلى لَفْظِ ”مَن“ مَرَّةً ومَعْناها أُخْرى - إلى أنَّهُ لا يَسْتَوِي جَمْعٌ مِن هَؤُلاءِ بِجَمْعٍ مِن أُولَئِكَ ولا فَرْدٌ بِفَرْدٍ.
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
(p-٢٥٩)ولَمّا نَفى اسْتِواءَهُمْ، أتْبَعَهُ حالَ كُلٍّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مُعَبِّرًا بِالجَمْعِ لِأنَّ الحُكْمَ بِإرْضائِهِ وإسْخاطِهِ بِفَهْمِ الحِكَمِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مِن بابِ الأوْلى فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ أيِ الجَنّاتُ المُخْتَصَّةُ دُونَ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ مَمَرٍّ، دُونَ النّارِ الَّتِي هي دارُ مَفَرٍّ لا مَقَرٍّ، بِتَأهُّلِها لِلْمَأْوى الكامِلِ في هَذا الوَصْفِ بِما أشارَ إلَيْهِ بِ ”ال“ ثابِتُونَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، كَما تَبَوَّءُوا الإيمانَ الَّذِي هو أهْلٌ لِلْإقامَةِ فَلَمْ يَبْغُوا بِهِ بَدَلًا ﴿نُـزُلا﴾ أيْ عِدادًا لَهم أوَّلَ قُدُومِهِمْ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ، وهو أوْفَقُ لِلْمَقامِ كَما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ عَلى ما لاحَ ﴿بِما كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ دائِمًا عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ، فَإنَّ أعْمالَهم مِن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الجَنّاتُ نُزُلًا فَما ظَنُّكَ بِما بَعْدَ ذَلِكَ! وهو لَعَمْرِي ما أشارَ إلَيْهِ [قَوْلَهُ] ﷺ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهم كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، فَإيّاكَ أنْ يَخْدَعَكَ خادِعٌ أوْ يَغُرَّكَ مُلْحِدٌ
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ خَرَجُوا عَنْ دائِرَةِ الإيمانِ الَّذِي هو مَعْدِنُ التَّواضُعِ وأهْلٌ لِلْمُصاحَبَةِ والمُلازَمَةِ ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ أيِ الَّتِي لا صَلاحِيَةَ فِيها لِلْإيواءِ بِوَجْهٍ (p-٢٦٠)مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِالعِلْمِ بِأنَّهم مُجْتَهِدُونَ في الخَلاصِ مِنها، قالَ مُسْتَأْنِفًا لِشَرْحِ حالِهِمْ: ﴿كُلَّما أرادُوا﴾ [أيْ] وهم مُجْتَمِعُونَ فَكَيْفَ إذا أرادَ بَعْضُهم ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُزادُ في عَذابِهِمْ بِأنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ ما يَظُنُّونَ بِهِ القُدْرَةَ عَلى الخُرُوجِ مِنها كَما كانُوا يَخْرُجُونَ [بِفُسُوقِهِمْ مِن مُحِيطِ الأدِلَّةِ و] مِن دائِرَةِ الطّاعاتِ إلى بَيْداءِ المَعاصِي والزَّلّاتِ، فَيُعالِجُونَ الخُرُوجَ فَإذا ظَنُّوا أنَّهُ تَيَسَّرَ لَهم وهم بَعْدُ في غَمَراتِها ﴿أُعِيدُوا﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ مِن أيِّ مَن أمَرَ بِذَلِكَ ﴿فِيها﴾ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلًا، ولا يَزالُ هَذا دَأْبَهم أبَدًا ﴿وقِيلَ﴾ أيْ مِن أيِّ قائِلٍ وُكِّلَ بِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ عِنْدَ الإعادَةِ إهانَةً لَهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ﴾
ولَمّا وصَفَ عَذابَهم في النّارِ كانَ أحَقَّ بِالوَصْفِ عِنْدَ بَيانِ سَبَبِ الإهانَةِ بِالأمْرِ بِالذَّوْقِ مَعَ أنَّهُ أحَقُّ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُضافًا مُحَدَّثًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو لَكم كالجِبِلّاتِ، وأشارَ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَتَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ تَكْذِيبٍ، فَكَأنَّهُ مُخْتَصٌّ فَقالَ: ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَإنَّ الإعادَةَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الخُرُوجِ أمْكَنُ في التَّصْدِيقِ بِاعْتِبارِ التَّجَدُّدِ في كُلِّ آنٍ.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
(p-٢٦١)ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ الآنَ يَتَمَنَّوْنَ إصابَتَهم بِشَيْءٍ مِنَ الهَوانِ في هَذِهِ الدّارِ، لِأنَّ نُفُوسَ البَشَرِ مَطْبُوعَةٌ عَلى العَجَلَةِ، بَشَّرَهم بِذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ عَذابَ القَبْرِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا [لَهُ] لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لِعَذابِ ما بَعْدَ المَوْتِ ولِلْإصابَةِ في الدُّنْيا بِما هم مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ أيْ أجْمَعِينَ بِالمُباشَرَةِ والتَّسْبِيبِ، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَتَلاشى عِنْدَها كَثْرَتُهم وقُوَّتُهم ﴿مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، بِأيْدِيكم وغَيْرِها، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ في غايَةِ الكَثْرَةِ والنِّعْمَةِ، فَأذاقَهُمُ الجَدْبَ سِنِينَ مُتَوالِيَةً، وفَرَّقَ شَمَلَهم وقَتَلَهم وأسَرَهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ بِما أرادَ سُبْحانَهُ؛ ثُمَّ أكَّدَ الإرادَةَ لِما قَبْلَ الآخِرَةِ وحَقَّقَها بِقَوْلِهِ، مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِلْغَيْرِيَّةِ والسُّفُولِ: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ أيِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ في الآخِرَةِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ فِسْقِهِ عِنْدَ مَن يُنْظِرُهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ، رَجَعَ كَثِيرٌ مِنهم خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، فَلَمّا رَأوْا مَحاسِنَ الإسْلامِ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ فِيهِ رَغْبَةً ولَهُ حُبًّا.
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
(p-٢٦٢)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَرْجِعُونَ [عَنْ] ظُلْمِهِمْ فَإنَّهم ظالِمُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ:] ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ مِنهم هَكَذا [كانَ] الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي صارُوا أظْلَمَ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ وصَرَفَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ اسْتِعْطافًا وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهُ إلّا مِنهُ.
ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الوُضُوحِ أقْصى الغاياتِ، فَكانَ الإعْراضُ عَنْها مُسْتَبْعَدًا بَعْدَهُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ البُعْدِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ ضِدَّ ما عَمِلَهُ الَّذِينَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ خَرُّوا سُجَّدًا، ويَجُوزَ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى بابِها لِلتَّراخِي، لِيَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن وقَعَ لَهُ التَّذْكِيرُ بِها في وقْتٍ ما، فَأخَذَ يَتَأمَّلُ فِيها ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ ولَوْ بِألْفِ عامٍ فَهو أظْلَمُ الظّالِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما دُونَ ذَلِكَ عَنْ بابِ الأوْلى لِأنَّهُ أجْدَرُ بِعَدَمِ النِّسْيانِ، فَهي أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفاءِ كَما في سُورَةِ الكَهْفِ، ويَكُونُ عَدَلَ إلى الفاءِ هُناكَ شَرْحًا لِما يَكُونُ مِن حالِهِمْ، عِنْدَ بَيانِ سُؤالِهِمْ، الَّذِي جَعَلُوا بَيانَهُ آيَةَ الصِّدْقِ، والعَجْزِ عَنْ آيَةِ الكَذِبِ.
ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلسُّؤالِ عَنْ جَزائِهِمْ، و[كانَ] قَدْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”مَن“ تَنْبِيهًا عَلى قَباحَةِ الظُّلْمِ مِن كُلِّ فَرْدٍ، (p-٢٦٣)قالَ جامِعًا لِأنَّ إهانَةَ الجَمْعِ دالَّةٌ عَلى إهانَةِ الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى، مُؤَكِّدًا لِأنَّ إقْدامَهم عَلى التَّكْذِيبِ كالإنْكارِ لِأنْ تَجاوَزُوا عَلَيْهِ، صارِفًا وجْهَ الكَلامِ عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿إنّا﴾ مِنهُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ نَصًّا في التَّعْمِيمِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ مُعَيِّنًا لِنَوْعِ ظُلْمِهِمْ تَبْشِيعًا لَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [أيِ] القاطِعِينَ لِما يَسْتَحِقُّ الوَصْلَ خاصَّةً ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهم مِنَ العَذابِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ عَلى مُجَرَّدِ العَدادِ في الظّالِمِينَ، فَكَيْفَ وقَدْ كانُوا أظْلَمَ الظّالِمِينَ؟ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَدُلُّ عَلى دَوامِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إمّا باطِنًا بِالِاسْتِدْراجِ بِالنِّعَمِ، وإمّا ظاهِرًا بِإحْلالِ النِّقَمِ، وفي الآخِرَةِ بِدَوامِ العَذابِ عَلى مَرِّ الآبادِ.
32:23Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ نَفْيَ الرَّيْبِ عَنْ تَنْزِيلِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّ العالَمِينَ، ودَلَّ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ إنَّما هو ظُلْمٌ وعِنادٌ بِما خَتَمَهُ بِالتَّهْدِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الآياتِ بِالِانْتِقامِ، و[كانَ] قَدِ انْتَقَمَ سُبْحانَهُ مِمَّنِ اسْتَخَفَّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وبَعْدَ إنْزالِهِ، وكانَ أوَّلَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ (p-٢٦٤)مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ فَتْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ وآمَنَ بِهِ جَمِيعُهم وألَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ وأنْقَذَهم مِن أسْرِ القِبْطِ عَلى يَدِهِ، ذَكَّرَ بِحالَةِ تَسْلِيَةٍ وتَأْسِيَةٍ لِمَن أقْبَلَ وتَهْدِيدًا لِمَن أعْرَضَ، وبِشارَةً بِإيمانِ العَرَبِ كُلِّهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ بِهِ وخَلاصِ أهْلِ اليَمَنِ مِنهم مِن أسْرِ الفُرْسِ بِسَبَبِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ العَظِيمَ لا يُرَدُّ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ [أيِ الجامِعِ لِلْأحْكامِ] وهو التَّوْراةُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ أيْضًا، وكانَ قَوْمُهُ قَدْ تَرَكُوا اتِّباعَ كَثِيرٍ مِنهُ لا سِيَّما فِيما قَصَّ مِن صِفاتِ نَبِيِّنا ﷺ وفِيما أمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِهِ، وكانَ هَذا إعْراضًا مِنهم مِثْلَ إعْراضِ الشّاكِّ في الشَّيْءِ، وكانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا يُخالِفُونَ أوامِرَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ وحِينًا إثْرَ حِينٍ، تَسَبَّبَ عَنِ الإيتاءِ المَذْكُورِ قَوْلَهُ تَعْرِيضًا بِهِمْ وإعْلامًا بِأنَّ العَظِيمَ قَدْ يُرِيدُ [رَدَّ] بَعْضِ أوامِرِهِ لِحِكْمَةٍ دَبَّرَها: ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا، بِما أشارَ إلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ وإثْباتُ نُونِهِ، (p-٢٦٥)فَيُفْهِمُ العَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الواقِعِ مِنَ الأُمَّةِ عَلى ما بَيَّنَهُ ﷺ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ شَكٍّ ﴿مِن لِقائِهِ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ في ذَلِكَ فِعْلَ الشّاكِّ في لِقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [لِلْكِتابِ] مِنّا وتَلَقِّيهِ لَهُ بِالرِّضا والقَبُولِ والتَّسْلِيمِ، كَما فَعَلَ المُدَّعُونَ لِاتِّباعِهِ والعَمَلِ بِكِتابِهِ في الإعْراضِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ، أوْ لا تَفْعَلْ فِعْلَ الشّاكِّ في لِقائِكَ الكِتابَ مِنّا وإنْ نَسَبُوكَ إلى الِافْتِراءِ وإنْ تَأخَّرَ بَعْضُ ما يُخْبِرُ بِهِ فَسَيَكُونُ هُدًى لِمَن بَقِيَ مِنهُمْ، وعَذابًا لِلْماضِينَ، ولا يَبْقى خَبَرُ ما أخْبَرَ بِهِ أنَّهُ كائِنٌ إلّا كانَ طِبْقَ ما أخْبَرَ بِهِ، فَإنَّكَ لَتُلَقّاهُ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وقَدْ صَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَلَقِّي كِتابِهِ ودُعائِهِ حَتّى ماتَ عَلى أحْسَنِ الأحْوالِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ [عَلَيْهِ] فِيهِ فَما شَكَّ أحَدٌ مِنَ الثّابِتِينَ في إيتائِنا إيّاهُ الكِتابَ لِأجْلِ إعْراضِ مَن أعْرَضَ، ولا زَلْزَلَةَ إدْبارِ مَن أدْبَرَ، وانْتَقَمْنا مِمَّنْ أعْرَضَ عَنْهُ فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ آمَنَ بِكَ في شَكٍّ مِن إيتائِنا الكِتابَ لَكَ لِإعْراضِ مَن أعْرِضُ، فَسَنُهْلِكُ مَن حَكَمْنا بِشَقائِهِ انْتِقامًا مِنهُ، ونُسْعِدُ الباقِينَ بِهِ.
ولَمّا أشارَ إلى إعْراضِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِ العَرَبِ عَنْ كِتابِهِمْ، ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ فَعَلُوا بِذَلِكَ الضَّلالِ ضِدَّ ما أنْزَلَ لَهُ الكِتابَ، فَقالَ مُمْتَنًّا عَلى (p-٢٦٦)بَنِي إسْرائِيلَ ومُبَشِّرًا لِلْعَرَبِ: ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيْ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَعْلًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا عَظِيمًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾
32:24Page 417
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
وأشارَ إلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ بِعَظَمَتِنا، مَعَ ما في طَبْعِ الإنْسانِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى ﴿أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ البَيانَ ويَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِهِ ﴿بِأمْرِنا﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا فِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ جَعْلِهِ ذَلِكَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ ولِأجْلِهِ - عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالكَسْرِ والتَّخْفِيفِ - أوْ حِينَ صَبَّرَهم عَلى قَبُولِ أوامِرِنا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ، وإنْ كانَ الصَّبْرُ أيْضًا إنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهم ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿يُوقِنُونَ﴾ لا يَرْتابُونَ في شَيْءٍ مِنها ولا يَفْعَلُونَ فِعْلَ الشّاكِّ فِيهِ الإعْراضَ، وكانَ ذَلِكَ [لَهُمْ] جِبِلَّةً جَبَلْناهم عَلَيْها.
32:25Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
ولَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ ”مِنهُمْ“ أنَّهُ كانَ مِنهم مَن يَضِلُّ عَنْ أمْرِ اللَّهِ ويَصُدُّ عَنْهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَوَعُّدًا لِلْكافِرِينَ، اسْتِئْنافًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِمَن يَظُنُّ أنَّهُ لا بَعْثَ، ولَفْتَ القَوْلِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إشارَةً إلى ما يَظْهَرُ مِن شَرَفِهِ ﷺ [فِي ذَلِكَ اليَوْمِ] مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ وغَيْرِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ لِيُعَظِّمَ (p-٢٦٧)ثَوابَكَ ويُعْلِي ما بِكَ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ مِنَ الهادِينَ والمُضِلِّينَ والضّالِّينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالقَضاءِ الحَقِّ، فَيُعْلِي أمْرَ المَظْلُومِ ويُرْدِي كَيْدَ الظّالِمِ ﴿فِيما كانُوا﴾ جِبِلَّةً، طَبْعًا ﴿فِيهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الِاخْتِلافَ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَسَبَ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، وأمّا غَيْرُ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ فالحُكْمُ فِيهِ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ لا بَيْنَهُمْ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى وجْهِ القَصْدِ فَيَقَعُ في مَحَلِّ العَفْوِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences