Al-Biqa'iSaba · 34:12–15

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Saba 34:12–15

34:12Page 429

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

(p-٤٦٢)ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن آياتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخَتَمَها بِالحَدِيدِ، أتْبَعَهُ ابْنَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُشارَكَتِهِ [لَهُ] في الإنابَةِ، وبَدَأ مِن آياتِهِ بِما هو مِن أسْبابِ تَكْوِينِهِ سُبْحانَهُ لِلْحَدِيدِ [فَقالَ]: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ أيْ عِوَضًا مِنَ الخَيْلِ الَّتِي عَقَرَها لِلَّهِ ﴿الرِّيحَ﴾ أيْ مُسَّخَّرَةً عَلى قِراءَةِ شُعْبَةَ، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ: سَخَّرْناها لَهُ حالَ كَوْنِها ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ أيْ تَحْمِلُهُ وتَذْهَبُ بِهِ وبِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ بِالغَداةِ وهي مِنَ الصَّباحِ إلى نِصْفِ النَّهارِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ كانَ يَغْدُو مِن إيلِيا فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ ﴿ورَواحُها﴾ [أيْ] مِنَ الظُّهْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ ﴿شَهْرٌ﴾ أيْ مَسِيرَتُهُ، فَهَذِهِ آيَةٌ سَماوِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كَما رَفَعَ بِساطَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَصَلَ مِن جُنُودِهِ وآلاتِهِمْ ثُمَّ وضَعَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَضَعَ ما يَشاءُ مِنَ السَّماءِ فَيُهْلِكَ مَن تَقَعُ عَلَيْهِ، وهَذا كَما سَخَّرَ اللَّهُ الرِّيحَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ الأحْزابِ فَكانَتْ تَهُدُّ خِيامَهم وتَكْفَأُ طَعامَهم وتَضْرِبُ وُجُوهَهم بِالحِجارَةِ والتُّرابِ وهي لا تُجاوِزُ عَسْكَرَهم إلى أنْ هَزَمَهم [اللَّهُ] بِها، وكَما حَمَلَتْ شَخْصَيْنِ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤٦٣)تَعالى عَنْهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَألْقَتْهُما في جَبَلَيْ طَيٍّ، وتَحْمِلُ مَن أرادَ اللَّهُ مِن أوْلِياءِ أُمَّتِهِ كَما هو في غايَةِ الشُّهْرَةِ ونِهايَةِ الكَثْرَةِ، وأمّا أمْرُ الإسْراءِ والمِعْراجِ فَهو مِنَ الجَلالَةِ والعِظَمِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّفَهُ في آياتِ السَّماءِ بِحَبْسِ المَطَرِ تارَةً وإرْسالِهِ أُخْرى.

ولَمّا ذَكَرَ الرِّيحَ، أتْبَعَها ما هي مِن أسْبابِ تَكْوِينِهِ فَقالَ: ﴿وأسَلْنا لَهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ النُّحاسَ أذَبْناهُ لَهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ عَيْنُ ماءٍ، وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّهُ [تَعالى] يَفْعَلُ في الأرْضِ ما يَشاءُ، فَلَوْ أرادَ لَأسالَها كُلَّها فَهَلَكَ مَن عَلَيْها، ولَوْ أرادَ لَجَعَلَ بَدَلَ الإسالَةِ الخَسْفَ والإزالَةَ.

ولَمّا ذَكَرَ الرِّيحَ والنُّحاسَ الَّذِي لا يُذابُ عادَةً إلّا بِالنّارِ، ذَكَرَ ما أغْلَبُ عَناصِرِهِ النّارُ، وهو في الخِفَّةِ والإقْدارِ عَلى الطَّيَرانِ كالرِّيحِ فَقالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ مِن ﴿الجِنِّ﴾ أيِ الَّذِينَ سَتَرْناهم عَنِ العُيُونِ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ أمْكَنَهُ اللَّهُ مِنهم غايَةَ الإمْكانِ في غَيْبَتِهِ وحُضُورِهِ قالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ ظَنُّ ظانٍّ أنَّ لَهُمُ اسْتِبْدادًا بِأعْمالِهِمْ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ المُحْسِنِ إلَيْهِ لَهُ ولَهم بِما يُرِيدُ فِعْلَهُ.

(p-٤٦٤)ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ بِأمْرِهِ، زادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن عَمِلَ بِأمْرِنا أثَبْناهُ جَنّاتِ النَّعِيمِ: ﴿ومَن يَزِغْ﴾ أيْ يَمِلْ، مِن زاغَ يَزِيغُ ويَزُوغُ ﴿مِنهُمْ﴾ مُجاوِزًا وعادِلًا ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ [أيْ عَنِ الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ] أيْ أمْرِهِ الَّذِي هو مِن أمْرِنا ﴿نُذِقْهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي أمْكَنّا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها مِمّا أمْكَنّاهُ فِيهِ مِن ذَلِكَ ﴿مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في الدُّنْيا مَجازًا وفي الآخِرَةِ حَقِيقَةً، وهَذا كَما أمْكَنَ اللَّهُ نَبِيَّنا ﷺ مِن ذَلِكَ العِفْرِيتِ فَخَنَقَهُ وهَمَّ بِرَبْطِهِ حَتّى يَتَلَعَّبَ بِهِ صِبْيانُ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرَكَهُ تَأدُّبًا مَعَ أخِيهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما سَألَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، وأمّا الأعْمالُ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها إقامَةُ الدِّينِ فَأغْناهُ اللَّهُ فِيها عَنِ الجِنِّ بِالمَلائِكَةِ الكِرامِ، وسَلَّطَ جَمْعًا مِن صَحابَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى جَماعَةٍ مِن مَرَدَةِ الجانِّ مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا وكَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ ومِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَضَ عَلى شَخْصٍ مِنهم كانَ يَسْرِقُ مِن تَمْرِهِ وقالَ: لَقَدْ عَلِمَتِ الجِنُّ ما فِيهِمْ [مَن هُوَ] أشَدُّ مِنِّي ومِنهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى صَدَقَةِ المُسْلِمِينَ [فَأتاهُ] شَيْطانٌ مِنهم يَسْرِقُ وتَصَوَّرَ لَهُ بِصُوَرٍ مِنها صُورَةُ فِيلٍ فَضَبَطَهُ بِهِ فالتَفَّتْ يَداهُ (p-٤٦٥)عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، فَشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ وأخْبَرَهُ أنَّهُ مِن جِنِّ نُصَيْبِينَ وأنَّهم كانَتْ لَهُمُ المَدِينَةُ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ أخْرَجَهم [مِنها] وسَألَهُ أنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ عَلى أنْ لا يَعُودَ ومِنهم بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنْهم أجْمَعِينَ [صارَعَ الشَّيْطانَ فَصَرَعَهُ عُمَرُ، ومِنهم عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قاتَلَ الشَّيْطانَ فَصَرَعَهُ عَمّارٌ، وأدْمى أنْفَ الشَّيْطانِ بِحَجَرٍ، ولِذَلِكَ وغَيْرِهِ كانَ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: عَمّارٌ الَّذِي أجارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ ذَكَرَها كُلَّها البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وذَكَرْتُ تَخْرِيجَ أكْثَرِها في كِتابِي مَصاعِدِ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ، وأمّا عَيْنُ القِطْرِ فَهي ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ والمُلْكِ في الدُّنْيا والخُلْدِ فِيها ثُمَّ الجَنَّةُ فاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا أجُوعُ يَوْمًا وأشْبَعُ يَوْمًا» الحَدِيثُ، فَشَمِلَ ذَلِكَ مِن رَوْضَةِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إلى عَيْنِ الذَّهَبِ المُصَفّى إلى ما دُونَ ذَلِكَ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قالَ: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهْبًا، قُلْتُ: لا يا رَبِّ! ولَكِنْ أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ يَوْمًا، أوْ قالَ ثَلاثًا أوْ نَحْوَ (p-٤٦٦)ذَلِكَ، فَإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ وذَكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وحَمِدْتُكَ» ولِلطَّبَرانِيِّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ والبَيْهَقِيِّ في الزُّهْدِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أعْرِضَ عَلَيْكَ أنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبالَ تِهامَةَ زُمُرُّدًا وياقُوتًا وذَهَبًا وفِضَّةً، فَإنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا وإنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبَدًا، فَأوْمَأ إلَيْهِ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ نَبِيًّا عَبْدًا»

رَواهُ ابْنُ حِبّانَ [فِي صَحِيحِهِ] مُخْتَصَرًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَهُ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُوتِيتُ بِمَقالِيدِ الدُّنْيا عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ عَلى قَطِيفَةٍ مِن سُنْدُسٍ» وفي البُخارِيِّ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ أوْ مَفاتِيحَ» [الأرْضِ] هَذا [ما] يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ، وقَدْ زِيدَ ﷺ عَلى ذَلِكَ بِأنْ أيَّدَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في خَزائِنِ السَّماءِ (p-٤٦٧)تارَةً بِشَقِّ القَمَرِ، وتارَةً بِرَجْمِ النُّجُومِ، وتارَةً بِاخْتِراقِ السَّماواتِ، وتارَةً بِحَبْسِ المَطَرِ وتارَةً بِإرْسالِهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ.

34:13Page 429

يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣

They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ الجِنَّ، ذَكَرَ حالَهم في أعْمالِهِمْ، دَلالَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَتَصَرَّفُ في السَّماءِ والأرْضِ وما فِيهِما [ومَن فِيهِما] بِما يَشاءُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ شاءَ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ عَمَلَهُ ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ أيْ أبْنِيَةٍ شَرِيفَةٍ مِن قُصُورٍ [ومَساكِنَ] وغَيْرِها هي أهْلٌ لِأنْ يُحارِبُ عَلَيْها أوْ مَساجِدَ، والمِحْرابُ مُقَدَّمُ كُلِّ مَسْجِدٍ ومَجْلِسٍ وبَيْتٍ، وكانَ مِمّا عَمِلُوهُ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ جُدْرانُهُ بِالحِجارَةِ العَجِيبَةِ البَدِيعَةِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ، وعُمُدُهُ بِأساطِينِ المَها الأبْيَضِ [الصّافِي] مُرَصَّعًا سُقُوفُهُ وجُدْرانُهُ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والدُّرِّ والياقُوتِ والمِسْكِ والعَنْبَرِ وسائِرِ الطِّيبِ، وبَسَطَ أرْضَهُ بِألْواحِ الفَيْرُوزِ حَتّى كانَ أبْهى بَيْتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ أيْ صُورًا حِسانًا عَلى تِلْكَ الأبْنِيَةِ فِيها أسْرارٌ غَرِيبَةٌ كَما ذَكَرُوا أنَّهم صَنَعُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ في أعْلاهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ ذِراعَيْنِ، وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ، ولَمْ تَكُنِ التَّصاوِيرُ مَمْنُوعَةً.

(p-٤٦٨)ولَمّا ذَكَرَ القُصُورَ وزِينَتَها، ذَكَرَ آلاتِ المَأْكَلِ لِأنَّها أوَّلُ ما تُطْلَبُ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ في المَسْكَنِ فَقالَ: ﴿وجِفانٍ﴾ أيْ صِحافٍ وقِصاعٍ يُؤْكَلُ فِيها ﴿كالجَوابِ﴾ جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى إلَيْهِ الماءُ، أيْ يُجْمَعُ قِيلَ: كانَ يَجْلِسُ عَلى الجَفْنَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ.

ولَمّا ذَكَرَ الصِّحافَ عَلى وجْهٍ يُعْجَبُ مِنهُ ويُسْتَعْظَمُ، ذَكَرَ ما يُطْبَخُ فِيهِ طَعامُها فَقالَ: ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أيْ ثابِتاتٍ ثَباتًا عَظِيمًا بِأنْ لا يَنْزِعَ عَنْ أثافِيِّها لِأنَّها لِكِبَرِها كالجِبالِ. ولَمّا ذَكَرَ المَساكِنَ وما تَبِعَها، أتْبَعَها الأمْرَ بِالعَمَلِ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ ومَن تَبِعَهُ لا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنِ العِبادَةِ فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا﴾ أيْ وقُلْنا لَهُمْ: تَمَتَّعُوا واعْمَلُوا، دَلَّ عَلى مَزِيدِ قُرْبِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ النِّداءِ وعَلى شَرَفِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِالآلِ فَقالَ: ﴿آلَ داوُدَ﴾ أيْ كُلَّ ما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ﴿شُكْرًا﴾ أيْ لِأجْلِ الشُّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ، وهو تَعْظِيمُهُ في مُقابَلَةِ نِعَمِهِ لِيَزِيدَكم مِن فَضْلِهِ [أوِ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ شاكِرِينَ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ: اشْكُرُوا شُكْرًا، لِأنَّ ”اعْمَلُوا“ فِيهِ مَعْنى ”اشْكُرُوا“ مِن حَيْثُ أنَّ العَمَلَ لِلْمُنْعِمِ شُكْرٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَنْتَصِبَ بِاعْمَلُوا مَفْعُولًا بِهِمْ مَعْناهُ أنّا سَخَّرْنا لَكُمُ الجِنَّ يَعْمَلُونَ لَكم ما شِئْتُمْ فاعْمَلُوا أنْتُمْ شُكْرًا - عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ - ] ﴿وقَلِيلٌ﴾ (p-٤٦٩)أيْ قُلْنا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ قَلِيلٌ.

ولَمّا لَمْ يَقْتَضِ الحالُ العَظَمَةَ لِأنَّها مُبالَغَةٌ في الشُّكْرِ ألْيَقُ، أسْقَطَ مَظْهَرَها فَقالَ: ﴿مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ المُتَوَفِّرِ الدَّواعِي بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِن قَلْبِهِ ولِسانِهِ وبَدَنِهِ عَلى الشُّكْرِ بِأنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيما يُرْضِيهِ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ فَعُولٍ إشارَةً إلى أنَّ مَن يَقَعُ مِنهُ مُطْلَقُ الشُّكْرِ كَثِيرٌ، وأقَلُّ ذَلِكَ حالَ الِاضْطِرارِ.

34:14Page 429

فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤

And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2

ولَمّا كانَ رُبَّما اسْتُبْعِدَ مَوْتُ مَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِن ضَخامَةِ المُلْكِ بِنُفُوذِ الأمْرِ وسَعَةِ الحالِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ، أشارَ إلى سُهُولَتِهِ بِقُرْبِ زَمَنِهِ وسُرْعَةِ إيقاعِهِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى بُطْلانِ تَعْظِيمِهِمْ لِلْجِنِّ بِالإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ بَعْدَ تَنْبِيهِهِمْ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ بِاسْتِخْدامِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ، ولِذَلِكَ عادَ إلى مَظْهَرِ الجَلالِ فَقالَ: ﴿قَضَيْنا﴾ وحَقَّقَ صِفَةَ القُدْرَةِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿المَوْتَ ما دَلَّهُمْ﴾ أيْ جُنُودَهُ وكُلُّ مَن في مِلْكِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ ﴿عَلى مَوْتِهِ﴾ لِأنّا جَعَلْنا لَهُ مِن سَعَةِ العِلْمِ ووُفُورِ الهَيْبَةِ ونُفُوذِ الأمْرِ ما تَمَكَّنَ بِهِ مِن إخْفاءِ مَوْتِهِ عَنْهم ﴿إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ فَخَّمَها بِهَذِهِ الإضافَةِ الَّتِي مِن مَعْناها أنَّهُ لا دابَّةَ لِلْأرْضِ غَيْرُها لِما أفادَتْهُ مِنَ العِلْمِ ولِأنَّها لِكَوْنِها تَأْكُلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ (p-٤٧٠)مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ والتُّرابِ والثِّيابِ وغَيْرِ ذَلِكَ أحَقُّ الدَّوابِّ بِهَذا الِاسْمِ، ويَزِيدُ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّ مَصْدَرَ فِعْلِها أرْضَ بِالفَتْحِ والإسْكانِ فَيَصِيرُ مِن قَبِيلِ التَّوْرِيَةِ لِيَشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تَفْسِيرِها ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها الأرَضَةُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: أيُّ دابَّةٍ هي وبِما دَلَّتْ: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ أيْ عَصاهُ الَّتِي ماتَ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها قائِمًا في بَيْتٍ مِن زُجاجٍ، ولَيْسَ لَهُ بابٌ، صَنَعَتْهُ لَهُ الجِنُّ لِما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّ أجَلَهُ قَدْ حَضَرَ، وكانَ قَدْ بَقِيَ في المَسْجِدِ بَقِيَّةٌ لِيُخْفِيَ مَوْتَهُ عَلى الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ في البَيْتِ المُقَدَّسِ حَتّى يَتِمَّ؛ قالَ في القامُوسِ في بابِ الهَمْزِ: نَسَأهُ: زَجَرَهُ وساقَهُ وأخَّرَهُ ودَفَعَهُ عَنِ الحَوْضِ، والمِنسَأةُ كَمِكْنَسَةٍ مَرْتَبَةٌ، ويُتْرَكُ الهَمْزُ فِيهِما: العَصا - لِأنَّ الدّابَّةَ تُنْسَأُ بِها أيْ تُساقُ، والبَدَلُ فِيها لازِمٌ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. فالمَعْنى أنَّ الجِنَّ كانُوا يُزْجَرُونَ ويُساقُونَ بِها، وقَرَأها المَدَنِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالإبْدالِ، وابْنُ عامِرٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ والدّاجُونِيُّ عَنْ هِشامٍ (p-٤٧١)بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ سَقَطَ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ قَصَمَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ عَلِمَتْ عِلْمًا بَيِّنًا لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى تَدْبِيجٍ وتَدْلِيسٍ، وانْفَضَحَ أمْرُهم وظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّهم ﴿لَوْ كانُوا﴾ أيِ الجِنُّ ﴿يَعْلَمُونَ الغَيْبَ﴾ أيْ عِلْمَهُ ﴿ما لَبِثُوا﴾ أيْ أقامُوا حَوْلًا مُجْرَمًا ﴿فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ مِن ذَلِكَ العَمَلِ الَّذِي كانُوا مُسَخَّرِينَ فِيهِ، والمُرادُ إبْطالُ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الصِّفَةِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ دَعْواهم ذَلِكَ إمّا كَذِبٌ أوْ جَهْلٌ، فَأحْسَنُ الأحْوالِ لَهم أنْ يَكُونَ جَهْلًا مِنهُمْ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الآنَ جَهْلُهم بَيانًا لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ تَعْلِيلِيَّةً، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: تَبَيَّنَ حالُ الجِنِّ فِيما يُظَنُّ بِهِمْ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، لِأنَّهم إلى آخِرِهِ، وسَبَبُ عِلْمِهِمْ مُدَّةَ كَوْنِهِ مَيِّتًا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهم وضَعُوا الأرَضَةَ عَلى مَوْضِعٍ مِنَ العَصا فَأكَلَتْ مِنها يَوْمًا ولَيْلَةً، وحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ فَوَجَدُوا المُدَّةَ سَنَةً، وفي هَذا تَوْبِيخٌلِلْعَرَبِ أنَّهم يُصَدِّقُونَ مَن ثَبَتَ بِهَذا الأمْرِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ في الخُرافاتِ اللّاتِي تَأْتِيهِمْ بِها الكُهّانَ وغَيْرُهم مِمّا يَفْتِنُهم والحالُ أنَّهم يُشاهِدُونَ مِنهُ كَذِبًا كَبِيرًا، فَكانُوا بِذَلِكَ مُساوِينَ لِمَن يُخْبِرُ مِنَ الآدَمِيِّينَ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِظَنٍّ يَظُنُّهُ أوْ مَنامٍ يَراهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَما قالَ، هَذا مَعَ (p-٤٧٢)إعْراضِهِمْ عَمَّنْ يُخْبِرُهم بِالآخِرَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ونَصِيحَةً لَهُمْ، وما أخْبَرَهم بِشَيْءٍ قَطُّ إلّا ظَهَرَ صِدْقُهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وبَعْدَهُ، وأظْهَرَ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ ما بَهَرَ العُقُولَ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِمَن قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ الخَوارِقِ ثَبَتَ لَهُ مِثْلُهُ أوْ أعْظَمُ مِنهُ إمّا لَهُ نَفْسِهِ أوْ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا الَّذِي ذُكِرَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن حَفْظِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَنَةً لا يَمِيلُ قَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ لِشَخْصٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في رِسالَتِهِ في بابِ البادِيَةِ قائِمًا [مَيَّتًا] لا يُمْسِكُهُ شَيْءٌ. انْتَهى.

وقَدْ ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ الشَّخْصِ في بِلادِ شِرَوانَ مِن بِلادِ فارِسَ بِالقُرْبِ مِن شَماخى، اسْمُ ذَلِكَ الوَلِيِّ مُحَمَّدٌ، ولَقَبُهُ دَمْدَمْكى، ماتَ مِن نَحْوِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ في المِائَةِ الخامِسَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو قاعِدٌ في مَكانٍ مِن مَقامِهِ الَّذِي كانَ البِسْطامِيَّةَ، أخْبَرَنِي مِن شاهِدَهُ مِمَّنْ كَذَلِكَ لا أتَّهِمُهُ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ العَجَمِ، وهو أمْرٌ مَشْهُورٌ مُتَواتِرٌ في بِلادِهِمْ غَنِيٌّ عَنْ مُشاهَدَةِ شَخْصٍ (p-٤٧٣)مُعَيَّنٍ، قالَ: زُرْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ولَهُ هَيْبَةٌ تَمْنَعُ المُعْتَقِدَ مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ دُنُوًّا يَرى بِهِ وجْهَهُ كَما أشارَ تَعالى إلى مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] قالَ: وكانَ مَعَنا في بَعْضِ المَرّاتِ شَخْصٌ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ مِن أهْلِ كَيْلانِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ يَقُولُ: إنَّما هَذا نَوْعُ شَعْبَدَةٍ يُخَيَّلُ بِهِ عَلى عُقُولِ الرِّعاعِ، قالَ: فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِجُرْأةٍ ولَمَسَ صَدْرَهُ ونَظَرَ في وجْهِهِ، فَأُصِيبَ في الحالِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلّا مَحْمُولًا، فَأقامَ في المَدْرَسَةِ الَّتِي كانَ يَشْتَغِلُ بِها في مَدِينَةِ شَمّاخِي مُدَّةً، وأخْبَرَنا [أنَّ] الشَّيْخَ دَمْدَمْكِي قالَ لَهُ لَمّا لَمَسَهُ: لَوْلا أنَّكَ مِن أهْلِ العِلْمِ هَلَكْتَ، وأنَّهُ شَيْخٌ خَفِيفُ اللِّحْيَةِ، قالَ: وقَدْ تُبْتُ إلى اللَّهِ تَعالى وصِرْتُ مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِما هُوَعَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ، ولا أُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِن كَراماتِ الأوْلِياءِ، قالَ الحاكِي: وقَدْ دُفِنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ إحْداها بِأمْرِ تَمْرِلِنْكَ فَيُصْبِحُ جالِسًا عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

34:15Page 430

لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥

There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩] الآيَةُ، عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لِمُعامَلَةِ مَن يُرِيدُ مِمَّنْ فِيهِما بِما يَشاءُ مِن فَضْلٍ عَلى مَن شَكَرَ، وعَدَلَ فِيمَن كَفَرَ، ودَلَّ (p-٤٧٤)عَلى ذَلِكَ بِما قَصَّهُ مِن أخْبارِ بَعْضِ أُولِي الشُّكْرِ، وخَتَمَ بِمَوْتِ نَبِيِّهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ الشّاكِرِ ابْنِ الشّاكِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وما كانَ فِيهِ مِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ لِيُنْتِجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ غَيْرُهُ، وكانَ مَوْتُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مُوجِبًا لِاخْتِلالٍ مِن بَعْدِهِمْ لِفَواتِ آياتِهِمْ بِفَواتِهِمْ بِخِلافِ آيَةِ القُرْآنِ، فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ والأزْمانِ، لِكُلِّ إنْسٍ ومَلَكٍ وجانٍّ، يُنادِي مُنادِيها عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: هَلْ مِن مُبارٍ أوْ مُضادٍّ؟ فَلِذَلِكَ حُفِظَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، وضاعَ غَيْرُها في أوْدِيَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ شُهُودِيًّا عَلى آيَةِ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [سبإ: ٩] في قَوْمٍ كانَ تَمامُ صَلاحِهِمْ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فاخْتَلَّ بَعْدَهُ أمْرُهُمْ، وصارَ مِن عَجائِبِ الكَوْنِ ذِكْرُهُمْ، حِينَ ضاعَ شُكْرُهُمْ، فَكانَ مِن تَرْجَمَةِ اتِّباعِ قِصَّتِهِمْ لِما قَبْلَها أنَّ آلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكَرُوا، فَسَخَّرَ لَهم مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ والمَعادِنِ وغَيْرِها ما لَمْ يَكُنْ غَيْرُهم يَطْمَعُ فِيهِ، وهم أضاعُوا الشُّكْرَ فَأعْصى عَلَيْهِمْ وأضاعَ مِنهم ما لَمْ يَكُونُوا يَخافُونَ فَواتَهُ مِن مِياهِهِمْ وأشْجارِهِمْ وغَيْرِها، فَقالَ تَعالى مُشِيرًا بِتَأْكِيدِهِ إلى تَعْظِيمٍ ما كانُوا فِيهِ، وأنَّهُ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ، وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، وأنَّ عَمَلَ قُرَيْشٍ عَمَلُ مَن يُنْكِرُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّتُهم (p-٤٧٥)مِن ذَلِكَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيِ القَيْلَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي كانَتْ تَسْجُدُ لِلشَّمْسِ، فَهَداهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِكْمَةُ تَسْكِينِ قُنْبُلَ هَمْزَتَها الإشارَةُ إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَفْضِ والدَّعَةِ ورَفاهَةِ العَيْشِ المُثْمِرَةِ لِلرّاحَةِ والطُّمَأْنِينَةِ والهُدُوءِ والسَّكِينَةِ، ولَعَلَّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لَها بِالصَّرْفِ تُشِيرُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والبَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالمَنعِ تُشِيرُ إلى رُجُوعِهِمْ بِما صارُوا إلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ إلى غالِبِ أحْوالِ تِلْكَ البِلادِ في الإقْفارِ وقِلَّةِ النَّبْتِ والعَطَشِ ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي هي في غايَةِ الكَثْرَةِ، ووَحَّدَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إشارَةً [إلى أنَّها] لِشِدَّةِ اتِّصالِ المَنافِعِ والمَرافِقِ كالمَسْكَنِ الواحِدِ، وكَسَرَ الكِسائِيُّ الكافَ إشارَةً [إلى أنَّها في غايَةِ المُلاءَمَةِ لَهم واللِّينِ، وفَتَحَهُ الآخَرانِ إشارَةً] إلى ما فِيها مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ، وكانَتْ بِأرْضِ مَأْرَبٍ مِن بِلادِ اليَمَنِ، قالَ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها وأكْثَرَها ثِمارًا حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَضَعُ عَلى رَأْسِها المِكْتَلَ وتَطُوفُ في ما بَيْنَ الأشْجارِ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّ شَيْئًا بِيَدِها، (p-٤٧٦)وكانَتْ مِياهُهم تَخْرُجُ مِن جَبَلٍ فَبَنَوْا فِيهِ سَدًّا وجَعَلُوا لَهُ ثَلاثَةَ أبْوابٍ فَكانُوا يُسَرِّحُونَ الماءَ إلى كَرُومِهِمْ مِنَ البابِ الأعْلى والأوْسَطِ والأسْفَلِ، قالَ الرّازِي كانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ ومَعَها مِغْزَلُها وعَلى رَأْسِها مِكْتَلُها فَتَمْتَهِنُ مَغْزِلَتَها، فَلا تَأْتِي بَيْتَها حَتّى يَمْتَلِئَ مِكْتَلُها [مِن] الثِّمارِ، وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: ولَمّا مَلَكَتْ بِلْقِيسُ اقْتَتَلَ قَوْمُها عَلى ماءِ وادِيهِمْ فَتَرَكَتْ مُلْكَها، وسَكَنَتْ قَصْرَها وراوَدُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ فَأبَتْ فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ لَهُمْ: لا عُقُولَ لَكُمْ، ولا تُطِيعُونِي، فَقالُوا نُطِيعُكِ، فَرَجَعَتْ إلى وادِيهِمْ، وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُمُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَأمَرَتْ بِهِ فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسْناةٍ بِالصَّخْرِ والقارِ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً فِيها اثْنا عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، وكانَ الماءُ يَخْرُجُ لَهم بِالسَّوِيَّةِ، وقالَ المَسْعُودِيُّ في مُقَدِّماتِ مُرُوجِ الذَّهَبِ قَبْلَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِيَسِيرٍ في الكَلامِ عَلى الكُهّانِ، كانَتْ مِن أخْصَبِ أرْضِ اليَمَنِ وأثْراها، وأعْذَبِها وأغْداها، وأكْثَرَها جَنانًا، (p-٤٧٧)وكانَتْ مَسِيرَةُ أكْثَرِ مِن شَهْرٍ لِلرّاكِبِ المُجِدِّ عَلى هَذِهِ الحالِ في العَرْضِ مِثْلَ ذَلِكَ، يَسِيرُ الرّاكِبُ مِن أوَّلِها إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى آخِرِها، لا تُواجِهُهُ الشَّمْسُ ولا يُفارِقُها الظِّلُّ، لِاسْتِتارِ الأرْضِ بِالأشْجارِ واسْتِيلائِها عَلَيْها وإحاطَتِها بِها، فَكانَ أهْلُها في أطْيَبِ عَيْشٍ وأرْفَعِهِ وأهْنَأِ حالٍ وأرْغَدِهِ، في نِهايَةِ الخِصْبِ وطِيبِ الهَواءِ وصَفاءِ الفَضاءِ وتَدَفُّقِ الماءِ، وقُوَّةِ الشَّوْكَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا في أخْبارِهِمْ وخَرابِ ما كانَ مِن آثارِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ في البِلادِ وشَتاتِهِمْ بَيْنَ العِبادِ ﴿آيَةٌ﴾ أيْ عَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ، ثُمَّ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّتانِ﴾ مُجاوِرَتانِ لِلطَّرِيقِ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ أيْ بَساتِينَ مُتَّصِلَةٍ وحَدائِقَ مُشْتَبِكَةٍ، ورِياضٍ مُحْتَبِكَةٍ، حَتّى كانَ الكُلُّ مِن كُلِّ جانِبٍ جَنَّةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَنْ يَمِينِ كُلِّ سالِكٍ وشِمالِهِ في أيِّ مَكانِ سُلِكَ مِن بِلادِهِمْ لَيْسَ فِيها مَوْضِعٌ مُعَطَّلٌ، وقالَ البَغَوِيُّ: عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ، قَدْ أحاطَ الجَنَّتانِ بِذَلِكَ الوادِي. وأشارَ الى كَرَمِ تِلْكَ الجِنانِ وسَعَةِ [ما] بِها مِنَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ لا تَحْتاجُ بِلادُهم إلى غَيْرِ أنْ يُقالَ لَهُمْ: كُلُوا ﴿مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكُمُ الَّذِي أخْرَجَ لَكم مِنها كُلَّ ما تَشْتَهُونَ ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ أيْ خُصُّوهُ بِالشُّكْرِ بِالعَمَلِ بِما أنْعَمَ بِهِ في ما يُرْضِيهِ لِيُدِيمَ لَكُمُ النِّعْمَةَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعْظِيمَ (p-٤٧٨)ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أيْ كَرِيمَةُ التُّرْبَةِ حَسَنَةُ الهَواءِ سَلِيمَةٌ مِنَ الهَوامِّ والمِضْمارِ لا يَحْتاجُ ساكِنُها إلى ما يَتْبَعُهُ فَيَعُوقُهُ عَنِ الشُّكْرِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يُوجَدُ فِيها بُرْغُوثٌ ولا بَعُوضٌ ولا عَقْرَبٌ ولا حَيَّةٌ، ولا تَقْمَلُ ثِيابُهُمْ، ولا تَعِيا دَوابُّهم. وأشارَ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ لِذَنْبِ مَن شَكَرَهُ وتَقْصِيرِهِ بِمَحْوِ عَيْنِ ما قَصَّرَ فِيهِ وأثَرَهُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ ولا يُعاتِبُ، ولَوْلا [ذَلِكَ] ما أنْعَمَ عَلَيْكم بِما أنْتُمْ فِيهِ ولَأهْلَكَكم بِذُنُوبِكُمْ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ أنَّها اليَوْمَ مَفازَةٌ قُرْبَ صَنْعاءِ اليَمَنِ - قالَ: في بَعْضِها عِنَبٌ يُعْمَلُ مِنهُ زَبِيبٌ كِبارٌ جِدًّا في مِقْدارِ دُرٍّ - تَلِي بِلادَ الشّامِ، وهو في غايَةِ الصَّفاءِ كَأنَّهُ قِطَعُ المُصْطِكا ولَيْسَ لَهُ نَوًى أصْلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском