Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Saba 34:44–54
34:44Page 433
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.
ولَمّا بارَزُوا بِهَذا القَوْلِ مِن غَيْرِ أثارَةٍ [مِن] عِلْمٍ ولا خَبَرٍ [مِن] سَمْعٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُعَجِّبًا مِن شَأْنِهِمْ، مُوَضِّحًا لِعِنادِهِمْ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ ما يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لا سَنَدَ لَها إلّا التَّقْلِيدُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ كِتابٍ أوْ رَسُولٍ: ﴿وما﴾ أيْ قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنّا ما ﴿آتَيْناهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ العَرَبَ أصْلًا لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ قَطُّ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابٌ، وعَبَّرَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا مَقامُ خَطَرٍ ومَوْطِنٌ وعْرٌ جِدًّا لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ، فَلا يُقْنَعُ فِيهِ إلّا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُتُبٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِالجارِّ [قَبْلَ كِتابِكَ الجامِعِ] ﴿يَدْرُسُونَها﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ (p-٥٢٧)دِراسَتَها في كُلِّ حِينٍ، فَهي مُتَظاهِرَةُ الدَّلالَةِ بِاجْتِماعِها عَلى مَعْنًى واحِدٍ مُتَواتِرَةٌ عِنْدَهم لا شُبْهَةَ في أمْرِها لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ إذا خالَفَ تِلْكَ الكُتُبَ ﴿وما أرْسَلْنا﴾ [سبإ: ٣٤] أيْ إرْسالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ لِمُناسَبَتِهِ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْهِمْ﴾ [أيْ خاصَّةً، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ مَأْمُورٌ بِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، فَهم مَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، لا أنَّهم داخِلُونَ في عُمُومٍ، أوْ مَقْصُودُونَ مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي] ﴿قَبْلَكَ﴾ أيْ [مِن قَبْلِ رِسالَتِكِ الجامِعَةِ لِكُلِّ رِسالَةٍ لِيَخْرُجَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُما كانا في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي، أوْ أنَّ المُرادَ] في الفَتْرَةِ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ في السَّجْدَةِ نَقْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْدَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ أرْسَلَ إلى العَرَبِ رُسُلَهُ - لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا [إلّا] إلى قَوْمِهِ، وإرْسالُهُ إلى غَيْرِهِمْ إنَّما هو مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وشُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَتْ رِسالَتُهُ إلى طائِفَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ مِنهم و[قَدْ يُقالُ]: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِغْراقُ جَمِيعِ الزَّمانِ الماضِي بِالتَّجْرِيدِ عَنِ الخافِضِ أنَّ المُرادَ إنَّما هو نَفْيُ الإرْسالِ بِهَذا الباطِلِ الَّذِي ادَّعَوْهُ لا مُطْلَقُ الإرْسالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ لِيَكُونَ عِنْدَهم قَوْلٌ مِنهُ يَغْبُرُ في وجْهِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ حامِلًا لَهم عَلى الطَّعْنِ.
34:45Page 433
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.
ولَمّا نَفى مُوجِبَ الطَّعْنِ، ذَكَرَ المانِعَ المُوجِبَ لِلْإذْعانِ فَقالَ: (p-٥٢٨)﴿وكَذَّبَ﴾ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، الحالُ أنَّهُ قَدْ كَذَّبَ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِن قَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم بادَرُوا إلى ما بادَرَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ التَّكْذِيبَ كانَ في طِباعِهِمْ لِما عِنْدَهم مِنَ الجَلافَةِ والكِبْرِ ﴿وما بَلَغُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ ﴿مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ عُشْرًا صَغِيرًا مِمّا آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ في الأبْدانِ والأمْوالِ والمُكْنَةِ [فِي كُلِّ شَيْءٍ] مِنَ العُقُولِ وطُولِ الأعْمارِ والخُلُوِّ مِنَ الشَّواغِلِ ﴿فَكَذَّبُوا﴾ [أيْ] بِسَبَبِ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ، [وأفْرَدَ الضَّمِيرَ كَما هو حَقُّهُ ونَصًّا عَلى أنَّ النُّونَ فِيما مَضى لِلْعَظَمَةِ لا لِلْجَمْعِ دَفْعًا لِتَعَنُّتِ مُتَعَنِّتٍ فَقالَ]: ﴿رُسُلِي﴾
ولَمّا كانَ اجْتِراؤُهم عَلى الرُّسُلِ سَبَبَ إهْلاكِهِمْ عَلى أوْجُهٍ عَجِيبَةٍ، صارَتْ مَثَلًا مَضْرُوبًا باقِيًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُغْنِ عَنْهم في دَفْعِ النِّقَمِ ما بَسَطَ لَهم مِنَ النِّعَمِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ لِرائِيهِ أوْ لِسامِعِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [أيْ فِيما كانَ لَهُ مِنَ الشِّدَّةِ الَّتِي هي كالجِبِلَّةِ] أيْ إنْكارِي عَلى المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِي، لِيَكُونَ السُّؤالُ تَنْبِيهًا لِهَذا المَسْؤُولِ وداعِيًا لَهُ إلى الإذْعانِ خَوْفًا مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ أنْ فَعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَهم [سَواءٌ كانَ الإنْكارُ في أدْنى الوُجُوهِ كَما أوْقَعْناهُ سَبَبًا مِن تَعْطِيلِ الأسْبابِ، أوْ أعْلاها كَما أنْزَلْنا بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن شاكَلَهم (p-٥٢٩)وصَبَّ العَذابَ والِاسْتِئْصالَ الوَحِيَّ بِالمُصابِ عَلى ما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَتا حَذْفِ الياءِ وإثْباتِها].
34:46Page 433
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.
ولَمّا أبْطَلَ شُبَهَهم كُلَّها، ولَيَّنَ مِن عَرِيكَتِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّحْذِيرِ، فَصارُوا جَدِيرِينَ بِقَبُولِ الوَعْظِ، [وكانَ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ - وحاشاهُ - الجُنُونُ وتَعَمُّدُ الكَذِبِ]، أمَرَهُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِهِ مُخَفِّفًا لَهُ لِئَلّا يَنْفِرُوا مِن طُولِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأكَّدَهُ زِيادَةً في اسْتِجْلابِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أيْ فاسْمَعُوا ولا تَنْفِرُوا خَوْفًا مِن أنْ أُمِلَّكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لَها: ﴿أنْ تَقُومُوا﴾ أيْ تُوَجِّهُوا نُفُوسَكم إلى تَعَرُّفِ الحَقِّ، وعَبَّرَ بِالقِيامِ إشارَةً إلى الِاجْتِهادِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ واسْتِحْضارِ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِما لَهُ لَدَيْكم مِنَ الإحْسانِ [لا لِإرادَةِ المُغالَبَةِ] حالَ كَوْنِكم ﴿مَثْنى﴾ أيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، [وقَدَّمَهُ إشارَةً إلى أنَّ أغْلَبَ النّاسِ ناقِصُ العَقْلِ] ﴿وفُرادى﴾ أيْ واحِدًا واحِدًا، مَن وثَقَ بِنَفْسِهِ في رَصانَةِ عَقْلِهِ وأصالَةِ رَأْيِهِ قامَ وحْدَهُ لِيَكُونَ أصْفى لِسِرِّهِ، وأعْوَنَ عَلى خُلُوصٍ فِكْرِهِ، ومَن خافَ عَلَيْها ضَمَّ إلَيْهِ آخَرَ لِيُذَكِّرَهُ إنْ نَسِيَ. ويُقَوِّمُهُ إنْ زاغَ. ولَمّا كانَ هَذا القِسْمُ أكْثَرَ وُجُودًا في النّاسِ قَدَّمَهُ ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُما مِنَ الأقْسامِ، إشارَةً إلى أنَّهم إذا كانُوا عَلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كانَ أجْدَرَ لَهم (p-٥٣٠)بِأنْ يَعْرِفُوا الحَقَّ مِن غَيْرِ شائِبَةِ حَظٍّ مِمّا يَكُونُ في الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الجِدالِ واللَّفْظِ المانِعِ مِن تَهْذِيبِ الرَّأْيِ وتَثْقِيفِ الفِكْرِ وتَنْقِيَةِ المَعانِي.
ولَمّا كانَ ما طَلَبَ مِنهم هَذا لِأجْلِهِ عَظِيمًا جَدِيرًا بِأنْ يُهْتَمَّ لَهُ هَذا الِاهْتِمامَ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ تَجْتَهِدُوا بَعْدَ التَّأنِّي وطُولِ التَّرَوِّي في الفِكْرِ فِيما وسَمْتُمْ بِهِ صاحِبَكم مِن أمْرِ الجُنُونِ. ولَمّا كانَ بُعْدُهُ ﷺ مِن هَذا أمْرًا لا يُتَمارى فِيهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ [مُعَيِّنًا بِالتَّعْبِيرِ بِالصّاحِبِ] مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِ مَضْمُونِ هَذا النَّفْيِ: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي دَعاكم إلى اللَّهِ وقَدْ بَلَوْتُمُوهُ صَغِيرًا ويافِعًا وشابًّا وكَهْلًا، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ وخَصَّها لِأنَّها مِمّا يُمْكِنُ طُرُوءُهُ، ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى الكَذِبِ لِأنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ فِيمَن عاشَ بَيْنَ أُناسٍ عُمْرًا طَوِيلًا ودَهْرًا دَهِيرًا يَصْحَبُهم لَيْلًا ونَهارًا صَباحًا ومَساءً سِرًّا وعَلَنًا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهو أعْلاهم هِمَّةً وأوْفاهم مُرُوءَةً، وأزْكاهم خَلائِقَ وأظْهَرُهم شَمائِلَ، وأبْعَدُهم عَنِ الأدْناسِ ساحَةً في مُطْلَقِ الكَذِبِ، فَكَيْفَ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم فَكَيْفَ بِما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ فَكَيْفَ وكَلامُهُ الَّذِي يُنْسَبُ فِيهِ إلى الكَذِبِ مُعْجِزٌ بِما فِيهِ (p-٥٣١)مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، والبَلاغَةِ والمَعانِي الَّتِي أعْيَتِ الأفْهامَ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا إعْلامًا وإفْهامًا بَراءَتَهُ مِمّا قَذَفُوهُ بِهِ كُلِّهِ، حَصَرَ أمْرَهُ في النَّصِيحَةِ مِنَ الهَلاكِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ هَذا الَّذِي أتاهم بِهِ لا يَدَّعِيهِ إلّا أحَدُ رَجُلَيْنِ: إمّا مَجْنُونٌ أوْ صادِقٌ هو أكْمَلُ الرِّجالِ، وقَدِ انْتَفى الأوَّلُ فَثَبَتَ الثّانِي: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ [أيِ المُحَدَّثُ عَنْهُ بِعَيْنِهِ] ﴿إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ أيْ خاصًّا إنْذارَهُ وقَصْدَهُ الخَلاصَ بِكُمْ، [وهَوَّلَ أمْرَ العَذابِ بِتَصْوِيرِهِ صُورَةَ مَن لَهُ آلَةُ بَطْشٍ مُحِيطَةٍ بِمَن تَقْصِدُهُ فَقالَ]: ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ [أيْ] قَبْلَ حُلُولِ ﴿عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ قاهِرٍ لا خَلاصَ مِنهُ، إنْ لَمْ تَرْجِعُوا إلَيْهِ حَلَّ بِكم سَرِيعًا، رَوى [البُخارِيُّ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفا ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقالُوا: ما لَكَ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكم أوْ يُمَسِّيكم أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قالُوا: بَلى، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١]» .
34:47Page 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."
ولَمّا انْتَفى عَنْهُ بِهَذا ما خَيِّلُوا بِهِ، بَقِيَ إمْكانٌ أنْ يَكُونَ لِغَرَضِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَنَفاهُ [بِأمْرِهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ: ﴿ما﴾ (p-٥٣٢)أيْ مَهْما ﴿سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى دُعائِي لَكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ لا أُرِيدُ مِنهُ شَيْئًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ أنِّي لا أسْألُكم عَلى دُعائِي لَكم إلى اللَّهِ أجْرًا أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وأنَّ الدّاعِيَ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا، ثَبَتَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِتِلْكَ الأخْطارِ العَظِيمَةِ إنَّما هو أمْرُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ بِهِ في بَعْضِ ظُنُونِهِمْ أنَّهُ يُرِيدُ أمْرًا دُنْيَوِيًّا، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَلا يَنْبَغِي لِذِي هِمَّةٍ أنْ يَبْتَغِيَ شَيْئًا إلّا مِن عِنْدِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِأحْوالِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُهْلِكَ الظّالِمَ ويُعْلِيَ كَعْبَ المُطِيعِ.
34:48Page 433
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."
ولَمّا لَمْ يُبْقَ شَيْءٌ يَخْدِشُ في أمْرِ المُبَلِّغِ، أتْبَعَهُ تَصْحِيحَ النَّقْلِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ يَقُولُ: بَرِئَتْ ساحَتُكَ، فَمَن لَنا بِصِحَّةِ مَضامِينِ ما تُخْبِرُ؟ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما يَأْتِي بِهِ حَقٌّ [مُعِيدًا الأمْرَ بِالقَوْلِ، إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ كَلامٍ صَدَرَ دَلِيلٌ كافٍ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى ما سَبَقَ لَهُ]: ﴿قُلْ﴾ لِمَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ [مُعَبِّرًا بِما يَقْتَضِي العِنايَةَ المُوجِبَةَ لِنَصْرِهِ عَلى كُلِّ مُعانِدٍ]،
﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِأنْواعِ الإحْسانِ، المُبَيِّضَ لِوَجْهِي عِنْدَ الِامْتِحانِ ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَرْمِي بِهِ في إثْباتِ جَمِيعِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا يُرِيدُ رَمْيًا وحْيًا جِدًّا لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ (p-٥٣٣)تَدَبُّرٍ أوْ تَرَوٍّ أوْ تَفَكُّرٍ في تَصْحِيحِ المَعْنى أوْ إصْلاحِ اللَّوازِمِ لِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، فَيَفْضَحُ مَن يُرِيدُ إطْفاءَ نُورِهِ فَضِيحَةً شَدِيدَةً، ويُرْهِقُ باطِلَهُ كَما فَعَلَ فِيما وسَمْتُمُونِي بِهِ [و] في التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ [لا] كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ في مُبادَرَتِكم إلى نَصْرِ الشِّرْكِ وإلى ما وصَفْتُمُونِي بِهِ ووَصَفْتُمْ ما جِئْتُ بِهِ، فَلَزِمَكم عَلى ذَلِكَ أُمُورٌ شَنِيعَةٌ مِنها الكَذِبُ الصَّرِيحُ، ولَمْ تَقْدِرُوا أنْ تَأْتُوا في أمْرِي ولا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ يَقْبَلُهُ ذُو عَقْلٍ أصْلًا.
34:49Page 434
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1
ولَمّا وصَفَهُ بِنِهايَةِ العِلْمِ، أتْبَعَهُ بَعْضَ آثارِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَقْدِرُ شَيْءٌ أنْ يُزِيلَهُ؛ وأكَّدَ تَكْذِيبًا لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّهم يَغْلِبُونَ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يُبْدِئُ الباطِلُ﴾ [أيِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرُهُ في كُلِّ حالٍ حَصَلَ فِيهِ تَفْرِيعُهُ عَلى مَرِّ الأيّامِ ﴿وما يُعِيدُ﴾ ] بَلْ هو كالجَمادِ لا حَرَكَةَ بِهِ أصْلًا، لِأنَّهُ مَهْما نَطَقَ بِهِ صاحِبُهُ في أمْرِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ افْتَضَحَ، فَإنْ لَمْ تَرْجِعُوا عَنْهُ طَوْعًا رَجَعْتُمْ وأنْتُمْ صَغَرَةٌ كُرْهًا، والحاصِلُ أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ هَلاكِهِ بِما يَهُزُّ (p-٥٣٤)النَّفْسَ ويَرْفُضُ الفِكْرَ بِتَمْثِيلِهِ بِمَنِ انْقَطَعَتْ حَرَكَتُهُ، وذَهَبَتْ قُوَّتُهُ، حَتّى لا يُرْجى بِوَجْهٍ.
34:50Page 434
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."
ولَمّا لَمَّ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إلّا أنْ يَقُولُوا عِنادًا: أنْتَ ضالٌّ، لَيْسَ بِكَ جُنُونٌ ولا كَذِبٌ، ولَكِنَّكَ قَدْ عَرَضَ لَكَ ما أضَلَّكَ عَنِ المَحَجَّةِ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ بِما في قَوْلِكَ مِنَ الإنْصافِ وتَعْلِيمِ الأدَبِ: ﴿إنْ ضَلَلْتُ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ العَقْلَ عَقْلًا يَمْنَعُ مِنَ الخَطَأِ ويَنْهى عَنِ الهَوى، وكانَ الغَلَطُ لا يَأْتِي إلّا مِن شَواغِلِ النَّفْسِ بِشَهَواتِها وحُظُوظِها، فَكانَ التَّقْدِيرُ: بِما في نَفْسِي مِنَ الشَّواغِلِ العاقِلَةِ لِلْعَقْلِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿عَلى نَفْسِي﴾ أيْ لِأنَّ الضَّلالَ إذا اسْتَعْلى عَلى شَيْءٍ ظَهَرَ أمْرُهُ فَيَتَبَيَّنُ عَوارُهُ فَيَلْزَمُ عارُهُ، ويَصِيرُ صاحِبُهُ بِحَيْثُ لا يَدْرِي شَيْئًا يَنْفَعُ ولا يُعِيدُ، ولِذَلِكَ يَصِيرُ يَفْزَعُ إلى السَّفَهِ والمُشاتَمَةِ كَما وقَعَ في مَذاهِبِكم كُلِّها، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ العُقُولَ الصَّحِيحَةَ مِعْيارًا عَلى ذَلِكَ، فَمَهْما ذُكِرَتْ طُرُقُ [الحَقِّ] وحُرِّرَتْ ظَهَرَ أمْرُ الباطِلِ وافْتَضَحَ. [ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مُنْقادَةً بَلْ مُتَرامِيَةً نَحْوَ الباطِلِ، عَبَّرَ في الضَّلالِ بِالمُجَرَّدِ، وفي الهُدى بِالِافْتِعالِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا بُدَّ (p-٥٣٥)فِيهِ مِن هادٍ وعِلاجٍ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ اسْتِعْمالًا لِلْإنْصافِ فَقالَ]: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما﴾ أيْ فاهْتِدائِي إنَّما هو بِما ﴿يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ لا بِغَيْرِهِ، فَلا يُمْكِنُ فِيهِ ضَلالٌ لِأنَّهُ لا حَظَّ فِيهِ لِلنَّفْسِ أصْلًا، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِن طَعْنٍ في شَيْءٍ مِنهُ، وهُدايَ لِنَفْسِي، فالآيَةُ ظاهِرُها التَّنَزُّلُ مِنهُ وباطِنُها إرْشادُهم إلى تَسْدِيدِهِمُ النَّظَرَ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِ الفِكْرِ وتَثْقِيفِهِ، وهي مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا كَوْنَ الضَّلالِ مِن نَفْسِهِ بِما دَلَّ [عَلَيْهِ] ثانِيًا مِن أنَّ الهُدى مِنَ الوَحْيِ [وثانِيًا] كَوْنُ الهُدى لَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الضَّلالِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَّلَ الضَّلالَ والهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ رَبِّي ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن حالِ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنَّهُ يَفْضَحُهُ كَما فَضَحَكم في جَمِيعِ ما تَدَّعُونَهُ ولا يَبْعُدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِيَحْتاجَ في إدْراكِهِ إلى تَأْخِيرٍ لِقَطْعِ مَسافَةٍ أوْ نَحْوِها، بَلْ هو مُدْرِكٌ لِكُلِّ ما أرادَ كُلَّما أرادَ، والآيَةُ إرْشادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى أنَّهُ وإنْ كانَ خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ عَقْلًا لا يَضِلُّ ولا يَزِيغُ، لَكِنَّهُ حَفَّهُ بِقَواطِعَ مِنَ الشَّهَواتِ والحُظُوظِ والكَسَلِ والفُتُورِ فَلا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ أنْزَلَ سُبْحانَهُ كُتُبًا هي العَقْلُ الخالِصُ، وأرْسَلَ رُسُلًا جَرَّدَهم مِن تِلْكَ القَواطِعِ، فَجَعَلَ أخْلاقَهم (p-٥٣٦)شَرائِعَهُمْ، فَعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَّبِعَ رُسُلَهُ المُتَخَلِّفِينَ بِكُتُبِهِ مُتَّهِمًا [عَقْلَهُ مُنابِذًا] رَأْيَهُ كَما كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، لِيَكُونَ مُؤْمِنًا بِالغَيْبِ حَقَّ الإيمانِ فَيَدْخُلَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] ولا يَكُونُ مُتَناوِشًا بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
34:51Page 434
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١
And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.
ولَمّا أبْطَلَ شُبَهَهم وخَتَمَ مِن صِفاتِهِ بِما يَقْتَضِي البَطْشَ بِمَن خالَفَهُ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ تَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ ﴿إذْ فَزِعُوا﴾ أيْ يَفْزَعُونَ بِأخْذِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي وكَذا في الأفْعالِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذا لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ كانَ ووُجِدَ لِتَحَقُّقِهِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الفَزَعِ أنَّهُ لا ﴿فَوْتَ﴾ أيْ لَهم مِنّا لِأنَّهم في قَبْضَتِنا، لَرَأيْتَ أمْرًا مَهُولًا وشَأْنًا فَظِيعًا، وحَقَّرَ أمْرَهم بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿وأُخِذُوا﴾ أيْ عِنْدَ الفَزَعِ مِن كُلِّ مَن نَأْمُرُهُ بِأخْذِهِمْ سَواءٌ كانَ قَبْلَ المَوْتِ أوْ بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ القُرْبُ يَسْهُلُ [أخْذُ] ما يُرادُ أخْذُهُ قالَ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ أخْذًا لا شَيْءَ أسْهَلُ مِنهُ فَإنَّ الآخِذَ سُبْحانَهُ قادِرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مَسافَةٌ، بَلْ هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
34:52Page 434
وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢
And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2
﴿وقالُوا﴾ أيْ: عِنْدَ الأخْذِ ومُعايَنَةِ الثَّوابِ والعِقابِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيِ الَّذِي أُرِيدَ مِنّا الإيمانُ بِهِ (p-٥٣٧)وأبَيْناهُ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ [القُرْآنُ] الَّذِي قالُوا إنَّهُ إفْكٌ مُفْتَرًى ﴿وأنّى﴾ أيْ وكَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ تَناوُلُ الإيمانِ أوْ شَيْءٍ مِن ثَمَراتِهِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الرُّجُوعِ، فَكانَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ بَعُدَ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِرُجُوعِهِمْ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ العَمَلِ، وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ - في طَلَبِهِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما نَفَعَ المُؤْمِنِينَ إيمانُهم في الدُّنْيا - بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ شَيْئًا مِن عُلْوِهِ كَما يَتَناوَلُهُ الآخَرُ مِن قَدْرِ ذِراعٍ تَناوُلًا سَهْلًا، لا نَصَبَ فِيهِ، ومَدَّهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِهَمْزِهِمْ إيّاهُ فَقِيلَ: إنَّ الهَمْزَ عَلى الواوِ المَضْمُونَةِ كَما هُمِزَتْ في وُجُوهٍ ووُقِّتَتْ فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُوافِقًا لِمَعْناهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ مِن هَذا، لِأنَّ شَرْطَ هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ ضَمَّةً لازِمَةً أنْ لا يَكُونَ مُدْغَمًا فِيها إذا كانَتْ وسَطًا كالتَّعَوُّدِ، وأنْ لا يَصِحَّ في الفِعْلِ نَحْوُ تَناوَلَ وتَعاوَنَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّ مَعْناهُ بِالهَمْزِ التَّناوُلُ مِن بُعْدٍ، مِن قَوْلِهِمْ نَأشَ - بِالهَمْزِ - إذا أبْطَلَ وتَأخَّرَ، والنَّيْشُ حَرَكَةٌ في إبْطاءِ، والنَّأْشُ أيْضًا: الأخْذُ، فَيَكُونُ الهَمْزُ أصْلِيًّا، وقَرَأهُ الباقُونَ بِالواوِ مِثْلُ التَّناوُلِ لَفْظًا ومَعْنى، فَقِراءَةُ الواوِ المَحْضَةِ تُشِيرُ إلى أنَّهم يُرِيدُونَ تَناوُلًا سَهْلًا مَعَ بُعْدِ المُتَناوَلِ في المَكانِ، (p-٥٣٨)وقِراءَةُ الهَمْزِ إلى أنَّ إرادَتَهم تَأخَّرَتْ وأبْطَأتْ حَتّى فاتَ وقْتُها، فَجَمَعَتْ إلى بُعْدِ المَكانِ بُعْدَ الزَّمانِ.
ولَمّا كانَ البَعِيدُ لا يُمْكِنُ الإنْسانَ تَناوُلُهُ مَعَ بُعْدِهِ قالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ لا يَنْفَعُ الإيمانُ
34:53Page 434
وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣
And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2
﴿وقَدْ﴾ [أيْ] كَيْفَ لَهم ذَلِكَ والحالُ أنَّهم قَدْ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِالَّذِي طُلِبَ مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ أمَلًا وجَزاءً ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ في دارِ العَمَلِ و الحالُ أنَّهم حِينَ كُفْرِهِمْ يَقْذِفُونَ في أمْرِ ما دُعُوا إلَيْهِ بِما يَرْمُونَ بِهِ مِنَ الكَلامِ رَمْيًا سَرِيعًا جِدًّا مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ ﴿بِالغَيْبِ﴾ [أيْ] مِن مُرْجَماتِ الظُّنُونِ، وهي الشُّبْهَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ إبْطالُها في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها مِنِ اسْتِبْعادِهِمُ البَعْثَ وغَيْرَهُ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ.
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يُمْكِنُ أنْ يُصِيبَ ما يَقْذِفُهُ وهو غائِبٌ عَنْهُ ولا سِيَّما مَعَ البُعْدِ قالَ مُعْلِمًا بِبُعْدِهِمْ عَنْ عِلْمِ ما يَقُولُونَ مَعَ بُعْدِهِ جِدًّا مِن حالِ مَن تَكَلَّمُوا فِيهِ سَواءٌ كانَ القُرْآنَ أوِ النَّبِيَّ ﷺ أوِ الحَشْرَ والجَنَّةَ والنّارَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وذَلِكَ عَلى الضِّدِّ مِن قَذْفِ عَلّامِ الغُيُوبِ فَإنَّهُ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ فَهو مَعْلُومٌ لازِمٌ لِلْحَقِّ.
34:54Page 434
وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤
And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].
ولَمّا أشارَ إلى بُعْدِ الإيمانِ مِنهم عِنْدَ إرادَتِهِمْ تَناوُلَهُ عِنْدَ فَواتِ أمْرِهِ وعُلُوِّهِ عَنْهم عِنْدَ طَعْنِهِمْ فِيهِ في دارِ العَمَلِ، تَرْجَمَ حالَتَيْهِمْ في (p-٥٣٩)ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ ثَمَراتِ الإيمانِ مِن دُخُولِ الجِنانِ ورِضى الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وحِيلَ﴾ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المَجْهُولِ مُشِيرًا إلى أنَّ حُصُولَ الحَيْلُولَةِ بِأسْهَلِ ما يَكُونُ ولِأنَّ المَنكِيَّ [لَهُمْ] نَفْسُ الحَيْلُولَةِ لا كَوْنُها مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ: ﴿بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أيْ يَمِيلُونَ إلَيْهِ مَيْلًا عَظِيمًا مِن تَأْثِيرِ طَعْنِهِمْ وقَبُولِ إيمانِهِمْ عِنْدَ [رُؤْيَةِ]، البَأْسِ ومِن حُصُولِ شَيْءٍ مِن ثَمَراتِهِ لَهم مِن حُسْنِ الثَّوابِ [كَما يَرى الإنْسانُ مِنهم - وهو في غَمَراتِ النّارِ - مَقْعَدَهُ في الجَنَّةِ، الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهُ لَوْ آمَنَ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وإنْ خُيِّلَ إلَيْهِ الوُصُولُ فَقَصَدَهُ فَمُنِعَ مِنهُ كانَ أنَكى] ﴿كَما فُعِلَ﴾ [أيْ] بِأيْسَرِ وجْهٍ ﴿بِأشْياعِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِثْلَهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ [زَمانِهِمْ] فَإنَّ حالَهم [كانَ] كَحالِهِمْ في الكُفْرانِ والإيمانِ، والسَّعادَةِ والخُسْرانِ، ولَمْ يَخْتَلَّ أمْرُنا في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ كانَ كُلَّما كَذَّبَتْ أُمَّةٌ رَسُولَها أخَذْناها، فَإنْ أذَقْناهم بَأْسَنا أذْعَنُوا وخَضَعُوا، فَلَمْ نَقْبَلْ مِنهم ذَلِكَ، ولا نَفَعَهم شَيْئًا لا بِالكَفِّ عَنْ إهْلاكِهِمْ ولا بِإدْراكِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ الوُصُولِ إلى قَصْدٍ في كُلٍّ مِنَ الحالَتَيْنِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن شَكٍّ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ (p-٥٤٠)فِي دارِ القَبُولِ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿فِي شَكٍّ﴾ أيْ في جَمِيعِ ما يُخْبِرُهم بِهِ رُسُلُنا عَنّا مِنَ الجَزاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مَوْقِعٍ [فِي] الرِّيبَةِ، فَهو بَلِيغٌ في بابِهِ كَما يُقالُ: عَجَبٌ عَجِيبٌ، أوْ هو واقِعٌ في الرَّيْبِ كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ، أيْ: ذُو شِعْرٍ، فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ أوْ يَنْفُذُ طَعْنُهم أوْ تَحْصُلُ لَهم ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وهو عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ بَلْ كانُوا يَشُكُّونَ في قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، فاللّائِقُ بِالحِكْمَةِ أنْ نُبَيِّنَ لَهُمُ العَظَمَةَ بِالعَذابِ [لَهُمْ] والثَّوابِ لِأحْبابِنا الَّذِينَ عادَوْهم فِينا فَتَبَيَّنَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ [بِهِ] عِنْدَ ظُهُورِ الحَمْدِ أتَمَّ الظُّهُورِ إمّا في الآخِرَةِ أوْ في مُقَدِّماتِها، فَظَهَرَ سِرُّ الإفْصاحِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبإ: ١] وأنَّهُ حالَ سُبْحانَهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ، فَتَبَيَّنَ أنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ فَصَحَّ أنَّ لَهُ الحَمْدَ في الأُولى وفي كُلِّ حالَةٍ - وقَدْ تَعانَقَ آخِرُها مَعَ أوَّلِها، والتَحَمَ مَقْطَعُها بِمُوصِلِها - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُسْتَعانُ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences